← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أصبحت حاملاً يستعجل زكريا من شدة فرحته بالبشارة، فيريد أن يعلم الزمن، ويؤكد على أن الوعد بالبشارة بيحيى قد أصبح فعلاً. ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: قال: لم يطلعنا من هو القائل، قد يكون جبريل، أو أحداً من الملائكة. ألا: مركبة من (أن ولا)، أن: التعليلية، لا: النافية. ألا تكلم الناس: أي: تُمنع من كلامهم إلا رمزاً؛ أي: بالإشارة بيد، أو رأس، أو غيرها، وهذا يسمى فن الإشارة؛ فهو يدل على ما في النفس من معان؛ أي: يحبس لسانك عن الكلام، رغم كونك صحيحاً سويَّ الجسم ومعافى. ثلاثة أيام: أي: يدوم ذلك الحبس من الكلام ثلاثة أيام، واليوم في القرآن لا يعني (٢٤) ساعة، وإنما اليوم يعني من طلوع الشمس إلى غروبها؛ أي: حوالي (١٢) ساعة. وماذا يحدث من الليل قد بيَّنه سبحانه في سورة مريم، آية (١٠) بقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾، فإذا جمعنا الآيتين؛ فالحبس من الكلام سيكون ثلاثة أيام بلياليها. ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: ورغم كونك غير قادر على الكلام، فلا يمنعك ذلك من الاستمرار في الذكر، والتسبيح الكثير، فذاك عبادة قلبية. واذكر ربك كثيراً: يعني: الصلاة، والذكر المطلق هو ذكر الله بآلائه، وعظمته، والذكر يتضمن الشكر. والتسبيح: هو التنزيه لله تعالى عما لا يليق بذاته، وأسمائه وصفاته من كل عيب، أو شرك، أو نقص أو عجز.

стр. 597

بالعشي والإبكار: العشي من زوال الشمس إلى المغيب، والإبكار من طلوع الفجر إلى شروق الشمس. والتعريف بـ (ال) التعريف في كلمتي العشي والإبكار؛ تفيد في الدلالة على الدوام على الذكر، والشكر، والتسبيح؛ ليتناسب عظم الذكر والشكر والتسبيح مع عظم البشارة بالغلام (يحيى ﵇)، وكأنه يقول: لا تشغلك النعمة (نعمة الولد) عن ذكر المنعم ، ولا بد من مقارنة هذه الآيات التي وردت في سورة آل عمران مع الآيات التي وردت في سورة مريم؛ ارجع إلى سورة مريم للبيان. سورة آل عمران [٣: ٤٢] ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: هذه الآية تتحدث عن اصطفاءين: اصطفاء أول، واصطفاء ثانٍ، ونرى في الاصطفاء الثاني أتبعه بـ (على) أما الاصطفاء الأول لم يرد فيه (على)، فهو اصطفاء مبهم، على ماذا؟ لم يذكر، فتعال لنرى مفهوم هذه الآية. ﴿وَإِذْ﴾: تعني: واذكر إذ قالت الملائكة، أو حين قالت الملائكة. ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: المراد بالملائكة هو جبريل ﵇. ارجع إلى الآية (٢٩) من نفس السورة؛ للبيان، وقد يكون ذلك على سبيل المجاز (إطلاق الكل؛ «أي: الملائكة»، وإرادة البعض؛ أي: «جبريل»). ﴿يَامَرْيَمُ﴾: يا: أداة نداء للبعد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد، الله: اسم الله الجامع لصفاته وأسمائه. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.

стр. 598

﴿اصْطَفَاكِ﴾: اختارك، أو اجتباك على ماذا؟ لم يذكر سبحانه، ومعنى اصطفاك. ارجع إلى الآية (٣٣) من نفس السورة. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾: من الكفر، والفاحشة، والإثم، وطهرك من مس الرجال. ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: بكونك المرأة الوحيدة التي ستلد بدون زوج، وستحمل بدون أن يمسها بشر، وبكلمة كن فيكون. إذن: الاصطفاء الأول يختلف عن الاصطفاء الثاني. فالاصطفاء الأول: قال تعالى عنه: ﴿اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾: ولم يقل: على، فقال المفسرون: اصطفاها على إيمانها، وصلاحها من بين النساء. بينما الاصطفاء الثاني: قال تعالى عنه: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: جاء بعلى؛ أي: حدد فقال على نساء العالمين. فالاصطفاء الأول يبدو أنه اصطفاء مطلق، ومبهم، وليس خاصاً بها، فقد يشاركها في هذا الاصطفاء غيرها من النساء، أو الرجال في الخلق، والصلاح، والإيمان، وجاء هذا الاصطفاء قبل الحمل بعيسى ﵇. إذن: تكرار اصطفاك مرتين؛ لأن كل اصطفاء له ميزاته وهناك من قال أنه كرر ذلك؛ للتأكيد، والله سبحانه أعلم. سورة آل عمران [٣: ٤٣] ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: ﴿يَامَرْيَمُ﴾: يا: النداء للبعد، نداء من جبريل ﵇ إلى مريم ﵍. ﴿اقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾: من القنوت، وهو لزوم الطاعة مع الخضوع، وأديمي له الطاعة والخضوع.

стр. 599

لربك: ابتغاء ربك: أخلصي له وحده العبادة، واللام: لام الاختصاص، وتدل على أنها على طريق القنوت، وعليها الاستقامة في السير عليه. الرب: هو الخلاق، والمربي، والمطعم، والرزاق، والمدبر لشؤون خلقه وكونه. ﴿وَاسْجُدِى﴾: من السجود في الصلاة؛ أي: صلى (من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل)، ويضم سجود الشكر والتلاوة. ﴿وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: صلي مع المصلين، ورغم أن الصلاة للمرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولكن مريم لم يكن لها بيت، أو منزل سوى بيت المقدس، والأصل أن يقول: واركعي مع الراكعات. أولاً: جاء بصيغة الذكورة؛ لأن الراكعين تشمل الذكور والإناث، وفيه تغلب للذكور على الإناث، ورفع لمنزلة مريم على النساء بأن جعلها في درجة الرجال في قنوتها وصلاتها. فالقنوت يشمل كل العبادات، فهو أكثر من السجود (الذي هو مرتين في الركعة الواحدة)، والسجود أكثر من الركوع (الركوع مرة واحدة في الركعة الواحدة)، فالتدرج هنا من الكثرة إلى القلة: القنوت- السجود- الركوع. ثانياً: قدَّم السجود على الركوع رغم أن الركوع يسبق السجود؛ لأن السجود أفضل أركان الصلاة؛ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والسجود له منزلة عظيمة عند الله تعالى. وإذا قارنا هذه الآية: ﴿اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، مع الآية (٧٧) من سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: نجد التدرج في هذه الآية بعكس

стр. 600

ما هو عليه في آية آل عمران فهو تدرج من القلة إلى الكثرة. الركوع-السجود- العبادة - فعل الخيرات. سورة آل عمران [٣: ٤٤] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد وهو إشارة إلى حديث زكريا وامرأة عمران، وما حدث لمريم حين ولادتها. ذلك يا محمد: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من: ابتدائية، أنباء: جمع نبأ؛ أي: أخبار الغيب العظيمة (النبأ هو الخبر العظيم). ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الوحي: هو إعلام بخفاء؛ أي: لا أحد يسمع الله سبحانه حين يوحي إلى المرسل إليه، أو إلى بشر، أو إلى الأرض، أو النحل، أو الملائكة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان. ووسيلة العلم بالنبأ تكون بثلاثة وسائل هي: المشاهدة، أو السماع، أو القراءة. فالنبأ الذي أخبر الله سبحانه رسوله عن حديث زكريا ومريم وامرأة عمران كان قبل بعثة الرسول ﷺ بعدة قرون طويلة إذن الحدث لم تشاهده. وأما بوسيلة القراءة فالرسول لم تكن لديه كتب يقرؤها، إذن: رسول الله سمع هذه الأنباء من جبريل ﵇. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النافية. ﴿كُنْتَ﴾: يا محمد ﷺ . ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف مكاني؛ أي: حاضراً عندهم. (ارجع إلى الآية (٣٧)

стр. 601

من نفس السورة؛ للبيان) في قصة كفالة زكريا مريم. لديهم: لدى أحبارهم، أو أشراف القوم حين تنافسوا على رعاية مريم وتربيتها. ﴿إِذْ﴾ ظرف زماني للماضي. ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾: أي: يرمونها يطرحونها للاقتراع (فجاءت القرعة لزكريا) والقلم هو ما نكتب به. ﴿أَيُّهُمْ﴾: أي: للاستفهام. ﴿يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾: يرعاها ويربيها. ﴿وَمَا كُنْتَ﴾: التكرار؛ للتوكيد. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: كالسابقة. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: يتنازعون في كفالتها مما يدل على حرارة الحب إلى كفالتها الأمر الذي أدَّى إلى إثارة الخصومة والاقتراع بالأقلام، والاقتراع في الإسلام مباح، وله شروطه. سورة آل عمران [٣: ٤٥] ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: ﴿إِذْ﴾: واذكر إذ أو حين قالت الملائكة: ظرفية. ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: أي: جبريل ﵇. ﴿يَامَرْيَمُ﴾: يا: النداء؛ للبعد. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾: البشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، ولأول مرة،

стр. 602

(وإذا استعملت في غير ذلك الغرض؛ تعني: التهكم، والتحقير، مثل قوله: وبشر المنافقين). ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾: المراد بهذه الكلمة عيسى، وسمي بالكلمة؛ لأنه خلقه بكلمة كن فيكون كما حدث لآدم ﵇. ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: إنها ثلاثة أسماء تتركب من: اللقب والاسم والكنية. المسيح: هو اللقب، أو صفة، وتعني ما مسح ذا عاهة، إلا برأ منها، أو لأنه كان يسيح في الأرض، ولا يقيم في مكان، أو الممسوح من الذنوب، أو المسيح المبارك، وفي اللغة العربية يستعمل اللقب؛ للمدح، أو الذم. عيسى: هو الاسم، ويستعمل الاسم في حالة التكليف، أو النداء، أو الثناء، وعيسى قيل: مأخوذة من العيس، وهو: بياض تعلوه حمرة. ابن مريم: هو الكنية لم يرد ابن مريم لوحده أبداً في القرآن، وفي مقام تصحيح العقيدة يستعمل غالباً المسيح عيسى ابن مريم، أو المسيح ابن مريم، أو عيسى ابن مريم، ولا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب. ﴿وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: وجيهاً: من وجهاء القوم؛ أي: ذا جاه، وقدر، وكرامة، إذا سأل يستحيي الناسُ أن يردوه خائباً. وجيهاً في الدنيا: بالنبوَّة، وذا جاه، وكرامة في الدارين. والآخرة: بالشفاعة، والمنزلة العالية في الجنة. ومن المقربين: من: ابتدائية المقربين عند الله سبحانه، رفعه الله إليه. ورد اسم مريم (٣٤) مرة في القرآن.

стр. 603

ورد اسم عيسى في القرآن حوالي (٢٥) مرة، وكان اسمه كما يلي عيسى ابن مريم (١٤) مرة، المسيح عيسى ابن مريم (٣) مرات، وورد اسم المسيح ابن مريم (٦) مرات، وذكر فقط المسيح (٢). وسواء المسيح عيسى ابن مريم، أو عيسى ابن مريم، جملة اسمية تفيد الثبوت؛ ليظل هذا الوصف ابن مريم ثابتاً مقرراً في الأذهان إلى يوم القيامة، رداً على من ادعى بألوهية عيسى ابن مريم، واسم عيسى يأتي في سياق النداء، والتكليف، وفي سياق تعداد الرسل وبشكل عام، بينما يأتي اللقب المسيح في سياق الثناء والعقيدة، (والمسيح معناها المبارك)، ويأتي ابن مريم في سياق الوحدانية، أو الشرك، أو الإلوهية، أو الولد، أو تصحيح العقيدة.

стр. 604

سورة آل عمران [٣: ٤٦] ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ﴾: في المهد: مضجع الصبي، وهو رضيع. في: ظرفية مكانية وزمانية في زمن الرضاع، وهو في مهده. يكلم الناس: لتبرئة أمه مما قُذفت به، وليد بدون أب؟ فقد اتهمها المفترون بعرضها، وكرامتها، وعفتها، ولم يُبيِّن في هذه الآية ما كلمهم به في المهد، ولكنه بيَّنه في سورة مريم (٣٠ - ٣٣) فقال: ﴿إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. وعيسى ﵇ كان واحداً من بين عدة أطفال تكلموا قبل أوان الكلام، كآية أو معجزة، من آيات الله الدالة على قدرته سبحانه وعظمته. ﴿وَكَهْلًا﴾: الكهولة المرحلة بين الشباب والشيخوخة، وقيل: بعد سن الثلاثين، وقيل: الكهل من تجاوز سن (٣٠)، والبعض قال: سن الأربعين؛ أي: حال كونه كهلاً يكلمهم بالوحي، ويدعو الناس إلى الإيمان. وسمي الكهل كهلاً: لاجتماع قوته، وكمال شبابه، واشتقت من: اكتهل النبات، أو حين تبدأ شعرات الشيب تظهر لأول مرة في الرجل العادي الصحيح. وكهلاً كما قال ابن عباس ﵄؛ أي: يكلم الناس بعد نزوله من السماء، وعودته بعد أن رفعه الله إليه يكلم الناس يدعوهم إلى الإسلام، ويخبرهم بالحق، وأنه لم يصلب، وأنه رسول الله سبحانه. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: في أعمالهم، والمخلصين في دينهم، والصلاح، يعني:

стр. 605

الاستقامة في جلب الخير ونشره، والتخلص من الشر والفساد في الأرض، والالتزام بما أنزل الله ورسوله ﷺ . سورة آل عمران [٣: ٤٧] ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿قَالَتْ﴾: مريم ﴿رَبِّ﴾: حذفت ياء النداء؛ لكونها تعلم أن الله قريب بعلمه منها، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد. ﴿أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: أنى: من أين وكيف، وللاستفهام والتعجب من أن يكون لها ولد. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: لم: حرف نفي، يمسسني: أي: لم يقربني زوج، والمس هو الجماع. ﴿بَشَرٌ﴾: سمي الإنسان بشراً؛ لظهورهم بعكس الجن، ومشتقة من البشرة ظاهر جلد الإنسان. ارجع إلى الآية (٧٩) من نفس السورة؛ للبيان. ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾: تأكيداً لما قالته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر، كذلك هو الأمر، أو كما قلت. ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: ولم يقل: يفعل الله ما يشاء، كما في سياق زكريا، ويحيى. ارجع إلى الآية (٤٠) من نفس السورة؛ أي: الحق سبحانه قادر على أن يخلق ما يشاء، والخلق أصعب من الفعل؛ الفعل أيسر من الخلق، وهذا في ميزان البشر، أما بالنسبة لله سبحانه ليس في ميزانه صعب وسهل، فالكل سهل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ـ من تراب. ـ أو من ذكر وأنثى. ـ أو من أنثى بدون ذكر.

стр. 606

ـ أو من ذكر بدون أنثى. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة مريم؛ للبيان. ومن الجدير بالذكر: أن الملائكة لم تخبرها أنها ستلد ولداً بأب، أو غير أب، ويبدو أنها هي بذكائها استخلصت ذلك من تبشير الملائكة لها، وقيل: إن الذي خاطبها هو جبريل ﵇. ولنقارن هذه الآية (٤٧) مع الآية (٢٠) من سورة مريم: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: ففي الآية (٤٧) قالت: ولد، وفي الآية (٢٠ من سورة مريم) قالت: غلام، والغلام يطلق على الذكر، وأما بالنسبة للعمر اختلف فيه؛ قيل: على الغالب المرحلة قبل سن البلوغ، وقد سميت إلى سن البلوغ. فما هو الفرق بين الآيتين، آية آل عمران، قيل: جاءت في سياق البشارة، وقبل الحمل بزمن غير معلوم، فهي لا تعلم هل هو ذكر أم أنثى، فقالت ولد، والولد يحتمل أن يكون ذكراً أو أنثى. أما في سورة مريم جاءت في سياق بدء الحمل جاءها جبريل ليخبرها أن الحمل سيبدأ، وقال لها جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: عندها أجابت بنفس الكلمة ﴿أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾، غلام يعني: ولد. سورة آل عمران [٣: ٤٨] ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾: أي: الكتابة والخط. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الفقه بالأحكام الشرعية، والدِّين، وحسن التدبير، وقد تعني: النبوَّة. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: كتاب موسى ﵇.

стр. 607

﴿وَالْإِنجِيلَ﴾: الكتاب الذي سينزل عليه، وقد تلقى الإنجيل من جبريل حين كان عمره (٣٠ سنة)، وقيل: تلقاه على جبل يسمى جبل الزيتون، والإنجيل معناه: البشارة. سورة آل عمران [٣: ٤٩] ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ أَنِّى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أي: أبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ودائماً كقاعدة عامة حين يأتي من يدعي أنه رسول، أو يقول: أنا رسول من عند الله سبحانه لا بد من أن يقدم بين يدي دعواه معجزة، أو آية تثبت أنه رسول من الله، كما فعل موسى بالعصا، واليد، وغيرها، وصالح جاء بالناقة، فلا بد من آية يأتي بها؛ للدلالة على صدقه ونبوته. ﴿أَنِّى﴾: أن جاءت للتوكيد. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق، وزيادة التوكيد. ﴿جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: الآية هنا معجزة من ربكم، وقال ربكم ليجلب قلوبهم فيؤمنوا مع العلم أنه ﵇ جاءهم بكثير من الآيات (إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص)، وغيرها، ولكنه جمعها بآية واحدة؛ لأنها من جنس واحد كلها تدل على نبوته فمن يؤمن بآية يؤمن ببقية الآيات؛ للدلالة على نبوته، والذي لا يؤمن بآية لا يؤمن بغيرها. ﴿أَنِّى﴾: للتكرار والتوكيد. ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: أولاً: يجب الانتباه إلى أن هذا كلام عيسى ﵇؛ فيه: جاء بصيغة التذكير، والضمير يعود على الطين قبل أن يكون طيراً، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١٠) في سورة المائدة قال تعالى:

стр. 608

﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ جاء بصيغة التأنيث، فهذا الكلام جاء في سياق يوم القيامة، وسياق تعدد نعمه على عيسى ﵇، وهو كلام الله سبحانه، وليس كلام عيسى ﵇، وقد سبق حين كان في الدنيا أن صنع من الطين طيراً، والطير قد يكون مفرداً أو جمعاً، ففيه إخبار عن وقوع الفعل سابقاً، والضمير فيها يعود على الطير التي سبق أن نفخ فيها. ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: بأمر من الله تعالى، ومشيئته، وقوله بإذن الله: حتى لا يظن أحدٌ أن الله سبحانه هو عيسى ابن مريم ﵇، ففي هذه الآية عيسى ﵇ يخاطب قومه عن معجزاته، فيقول: بإذن الله، ولا يجوز أن يقول: بإذني. ـ وقال: بإذني في آية (١١٠) في سورة المائدة؛ لنفي الألوهية عن عيسى ﵇. والنفخ في كلا الحالتين ليس هو بحد ذاته المعجزة، وإنما المعجزة الحقيقية هي تحول الطير الجامد إلى طير يتحرك، ويطير بجناحيه. وفي كلا الآيتين تم الأمر بإذن الله، أو بإذني (التي تعود إلى الله). ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾: البرء: هو الشفاء؛ أي: أشفي. الأكمه: هو الذي يولد أعمى؛ أي: العمى الجنيني الذي يحدث زمن الحمل، وتشكل الجنين فهو أكثر صعوبة في الشفاء من العمى المكتسب الذي يحدث بعد زمن الولادة. والأبرص: وهو فقدان الجلد للون البشرة، فيصبح الجلد مصاباً ببقع بيضاء متناثرة، وهذا مرض سببه نقص في هرمون الميلانين، وهو مرض يصيب قسماً من الغدة النخامية؛ فيؤدِّي إلى فقدان لون البشرة، وخص الله تعالى هذه الأمراض؛ لأنها كانت شائعة عندهم وجاء ذكر البرص في التوراة.

стр. 609

﴿وَأُحْىِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وإحياء الموتى معجزة خارقة لم يتطرق إليها أحد منذ عيسى، ولم يدق بابها عالم حتى الآن. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾: الأمور الثلاثة السابقة كانت عامة للكل، أما الإنباء بألوان الطعام، وما يدخر كل إنسان في بيته، وما يأكل هذه أمور خاصة جداً لا يعلمها إلا علام الغيوب. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ما ذكر سابقاً عدد من الآيات وليس آية واحدة، فكيف جمعها في آية واحدة، فقال: إن في ذلك لآية؛ لأن من يؤمن بآية يؤمن بكل الآيات الأخرى، والذي لا يؤمن بآية لا يؤمن بكل الآيات، والآيات (المعجزات) السابقة كلها تدل على نبوَّة عيسى ﵇. إن: للتوكيد، لآية: اللام: لام لزيادة التوكيد، إن: شرطية، كنتم مؤمنين: مصدقين بآيات الله الباهرة، ودليلاً قاطعاً على صدق رسالتي ونبوتي. سورة آل عمران [٣: ٥٠] ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ﴿وَمُصَدِّقًا﴾: موافقاً، أو مطابقاً لما جاء في التوراة. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: جئت مصدقاً لما نزل قبلي من التوراة. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: وجئت لأحل (اللام: لام التعليل) أحل لكم (خاصة) بعض الذي حرم عليكم من الطيبات. فقد حرم الله سبحانه سابقاً على بني إسرائيل ما جاء في سورة الأنعام، الآية (١٤٦) حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. وذلك بسبب ظلمهم كما ورد في سورة النساء، آية (١٦٠): ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.

стр. 610

﴿وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: الباء: للإلصاق، تعني: وجئتكم بآية بعد آية من ربكم شاهدة على صدقي؛ أي: بآيات كثيرة، ولكنه وحَّد الكل؛ لأن الكل من جنس واحد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: الفاء: للتوكيد، اتقوا الله: أطيعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه، وأطيعون (فيها حثٌّ على التقوى والطاعة)؛ أي: طاعة عيسى ﵇ أيضاً. سورة آل عمران [٣: ٥١] ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد، فهذا عيسى ﵇ يثبت الربوبية والألوهية والعبودية لله سبحانه، وفي آية الزخرف (٦٤) يزيد بكلمة: هو ربي وربكم؛ لزيادة التوكيد، والسبب في زيادة هو في آية الزخرف؛ لأن سياق الآيات في الحديث عن ألوهية عيسى ﵇. ارجع إلى سورة الزخرف، آية (٦٤)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ٥٢] ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة. لما: ظرف للزمان الماضي بمعنى: حين. ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: الحس: هو أول العلم؛ أي: علم من أول وهلة كُفر بني إسرائيل، وأحس؛ أي: علم علماً لا شبهة فيه علم إدراك؛ أي: علم يقيناً، أو بكل تأكيد. فلما أحس عيسى كفر بني إسرائيل، واستمرارهم في الضلال عندها: ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِى﴾: من اسم استفهام؛ أنصار: جمع نصير فيه مبالغة وتأكيد يدل على الثبوت، وفي سياق نصرة الرسول عيسى، ونصرة الله سبحانه، وأضاف إليها ياء المتكلم؛ أي: نصر حقيقي تام وليس جزئي.

стр. 611

﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: قيل: كانوا اثني عشر رجلاً، وسموا الحواريين: ١ - أي: الخواص الأصفياء؛ أي: أصفياء عيسى، أو خاصة عيسى، والحواريون في اللغة؛ أي: الذين أخلصوا، ونقوا من كل عيب. ٢ - أو سموا بذلك: لبيض ثيابهم. ٣ - أو لأنهم كانوا يحورون ثيابهم؛ أي: يبيضونها، ويقال لهم: القصارون بسبب ذلك. ٤ - وقيل: الحواريون المجاهدون. ٥ - والحواريون الصيادون، قيل: كانوا يصطادون السمك. ٦ - وقيل: كلمة الحواريين مأخوذة من الحور شدة بياض العين، وشدة سوادها، وهم جماعة أشرقت وجوههم بنور الإيمان. ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾: أي: أعوان دينه، فهم أول من آمن بعيسى ﵇. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: فقد أعلنوا إيمانهم لله أولاً بعد أن أبلغهم عيسى ﵇ الرسالة. ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: ثم جاء من بعد ذلك طلبهم الشهادة، وطلبوا من عيسى ﵇ بأن يكون شاهداً على شهادتهم، بأنهم مسلمون؛ أي: موحِّدون ومخلصون، والشهادة ليست مجرَّد قول، بل عقيدة، وعملاً، وأحكاماً. ولم يقولوا: نحن أنصارك إلى الله؛ لأن هذا يعني: نحن أنصارك، ومتى مُت تنتهي النصرة، وينتهي الأمر، ولذلك قالوا: نحن أنصار الله سواء كنت معنا أم لم تكن، وهكذا تكون عقيدة المسلم. لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران: ﴿مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، مع الآية (١١١) من سورة المائدة: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾:

стр. 612

لماذا قالوا في آل عمران: (بأنا مسلمون)، وفي المائدة: (بأننا مسلمون)؟ أكدوا بنون التوكيد بقولهم: بأننا. الجواب: أولاً: آية آل عمران جاءت رداً لعيسى ﵇ على سؤاله من أنصاري إلى الله. أما آية المائدة: فجاءت رداً لله تعالى على أن يؤمنوا به، وبرسوله، والمخاطب هو الله سبحانه؛ لذلك جاء التأكيد بنون النسوة في كلمة بأننا، أما في آية آل عمران: فالمخاطب هو عيسى ﵇، وليس الله سبحانه، ولذلك قالوا: بأنا؛ أي: أكدوا لله تعالى على إسلامهم أكثر مما أكدوا لعيسى ﵇. ثانياً: آية آل عمران: جاء في آخر دعوته التي قيل: دامت ثلاث سنين قبل رفع عيسى إليه تعالى. وآية المائدة: جاءت في سياق بدء الدعوة، وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي فهم أكدوا إسلامهم في بدء الدعوة، أما في آخر الدعوة لا يحتاج إلى توكيد، فهم مسلمون منذ زمن طويل. ثالثاً: آية آل عمران: جاءت في سياق الدعوة إلى الانضمام إلى أنصار الله. آية المائدة: جاءت في سياق تعداد النعم للحواريين.

стр. 613

سورة آل عمران [٣: ٥٣] ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: هذا تتمة قول الحواريين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، آمنا بما أنزلت على عيسى ﵇؛ أي: الإنجيل، وما فيه من عقائد وتشريعات وأحكام. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾: عيسى ابن مريم. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: الفاء: للتوكيد، الشاهدين لك بالوحدانية، والشاهدين على رسولك بالصدق، والشاهدين لرسلهم بأنهم بلغوا الرسالة. سورة آل عمران [٣: ٥٤] ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: ﴿وَمَكَرُوا﴾: من المكر، وكلمة مكر: مأخوذة من الشجر الملتف أغصانه على بعضها البعض، فلا يستطيع الإنسان أن يعرف أي ورقة من أي فرع. فالمكر هو: تدبير خفي؛ لإيقاع الضرر بالغير، ويحتاج إلى خبرة، وحنكة، وهو علامة على الضعف؛ لأن القوي لا يمكر، ولكن يواجه الأمر. ارجع إلى الآية (٤٦) من سورة إبراهيم؛ لمزيد من البيان. والمكر غير الخداع، فالخداع: هو إظهار للشخص خلاف ما هو الحقيقة؛ كي يستر عنه وجه الصواب، أو الحقيقة؛ لجلب منفعة، أو دفع مضرة.

стр. 614

ومكروا: تعود على كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر، ومكروا ليقتلوا عيسى ﵇. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾: بأن رفع الله سبحانه عيسى إلى السماء، وألقى شبه عيسى على الذي مكر بعيسى، فأخذوا الذي ألقي عليه شبه عيسى؛ فقتلوه، وصلبوه، وظنوا أنهم قتلوا وصلبوا عيسى. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: سبحانه الغني عن أن يوصف بهذا الوصف؛ فالله سبحانه لا يمكر ولا يحتاج إلى المكر، وإنما ذكر ذلك عن طريق المشاكلة في بديع اللغة، والمكر من الله: هو المجازاة؛ أي: هو أحسن المجازين؛ أي: المحاسبين للماكرين، أو أحسن المدبرين لإنقاذ أوليائه، وإهلاك أعدائه. سورة آل عمران [٣: ٥٥] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾؛ أي: اذكر إذ: ظرف زمان؛ أي: اذكر إذ قال، أو حين قال. ﴿قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾: حين ينادي الأعلى الأدنى باسمه المجرد: يا عيسى (ولم يقل: يا عيسى ابن مريم) هذا النداء فيه نوع من التحبب، والقربى، وحين يكون النداء من الأدنى إلى الأعلى باسمه المجرد يعتبر غير لائق. ﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾: إني: للتأكيد. متوفيك: من الوفاة، والوفاة لها معانٍ متعددة.

стр. 615

١ - منها المرحلة التي تسبق الموت، وقبض الروح، الموت: كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. ٢ - ومنها النوم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ أي: منيمك ورافعك إليِّ. ٣ - ومنها أخذ الشيء وافياً؛ أي: قبضه، أو مثل استوفى دينه؛ أي: استرد دينه وافياً؛ أي: مستردك يا عيسى ورافعك إلي وافياً تاماً من غير أن ينال منك عدوك شيئاً. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾: الرفع الصعود، أو العروج، والواو: تدل على الترتيب، فالوفاة أولاً، والرفع ثانياً، وإذا كانت لا تدل على الترتيب ربما حدث الرفع أولاً، ثم الوفاة ثانياً. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مُبعدك، ومبرئك من أقوال وأفعال الذين كفروا. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اتبعوك: تشمل كل من صدق بك وبرسالتك، اتبعوا المنهج الحق. فوق الذين كفروا: الفوقية هنا بالحجة، والبرهان، أو القوة والغلبة إلى أن يأتي يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لبيان معنى الذين كفروا. ﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ثم: للتريث والتراخي، إليَّ مرجعكم يوم القيامة فأحكم بينكم في أمر عيسى ﵇، أو فيما اختلفتم فيه من الأحكام في دنياكم، ومن هو على الحق، ومن هو على الباطل.

стр. 616

فأحكم بينكم وما هو الحكم؟ أخبر عنه في الآيتين القادمتين (٥٦، ٥٧). سورة آل عمران [٣: ٥٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا (بالقتل والذل والبأساء والضراء)، والآخرة (بالنار)، وما لهم من ناصرين: جمع ناصر أقل مبالغة وتأكيد من أنصار، وجاء لنفي النصرة عن الكافرين؛ أي: ناصرين يشفعوا لهم، أو يمنعوا عنهم العذاب في الدنيا والآخرة. قدَّم جزاء الذين كفروا على الذين آمنوا؛ لأنه سبقها الكلام عن الذين مكروا وكفروا وأخّر الذين آمنوا وذكرهم في الآية (٥٧). وأسند التعذيب إلى نفسه سبحانه (استعمل ضمير المتكلم) فأعذبهم؛ للدلالة على التحذير، وشدة العذاب، فهو سيعذبهم بنفسه. سورة آل عمران [٣: ٥٧] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بعيسى وصدقوا به، وآمنوا بالله وحده، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾: تتناسب مع متوفيك، واستعمل ضمير الغائب فيوفيهم ﴿أُجُورَهُمْ﴾: كاملة غير منقوصة. وفي قراءة أخرى: فنوفيهم أجورهم.

стр. 617

الأجر: يكون مقابل العمل، ولا يستخدم الأجر إلا في النفع (يأتي بمعنى النفع). وفي هذه الآية لم يذكر ما أعمال هؤلاء الذين آمنوا، وإنما ذكر فقط صلاحهم وإيمانهم، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: هنا عاد وأكد أنه سبحانه لا يحب الذين ظلموا وكفروا والذين أصبح الظلم صفة ثابتة عندهم. سورة آل عمران [٣: ٥٨] ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، والكاف: للخطاب، اسم إشارة يشير إلى المذكور من أمر عيسى والحواريين. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾: نتلوه عليك يا محمد ﷺ عن طريق تلاوة جبريل عليك. ونتلوه: النون: نون الجمع أو العظمة، وتدل التلاوة على التشريف، وكذلك آية من آيات صدق نبوتك. ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: آيات القرآن والدالة على صدق نبوتك ورسالتك. ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: أي: القرآن، والذكر في اللغة: يعني عدم النسيان، والحفظ، ويحمل معنى الشرف؛ أي: ذي شرف، فهو كتاب الله العزيز ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]؛ أي: محفوظاً أعظم القدر؛ فيه تذكير بما تضمن من أحكام ومواعظ وقصص وترغيب وترهيب. الحكيم: صفة للقرآن مشتقة على وزن فعيل؛ لكثرة حِكمه، وحكيم معناها: المحكم؛ أي: هو محكم وكثير الحكمة. ارجع إلى الآية (١) من سورة هود؛ لمزيد من البيان.

стр. 618

سورة آل عمران [٣: ٥٩] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: نزلت هذه الآية في وفد نجران حيث قالوا لرسول الله ﷺ : أتقول أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً من غير أب؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ أي: كون عيسى خلق من غير أب، كمثل آدم خلقه من غير أب، ولا أم. ﴿ثُمَّ﴾: للتراخي والمهلة، أو تباين صفة الخلق من تراب، والخلق من أم بدون أب. ﴿قَالَ﴾: الله : ﴿لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿كُنْ﴾: فعل أمر، الفاعل ضمير مستتر تعود على الله، فالهاء تعود على آدم، أو عيسى. فيكون: الفاء عاطفة نسبية، يكون: فعل مضارع لم يقل فكان قال فيكون، جاء بصيغة المضارع؛ للدلالة على حكاية الحال. استحضاراً لصورة تكونه. ارجع إلى سورة مريم، آية (٣٥). سورة آل عمران [٣: ٦٠] ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: ﴿الْحَقُّ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقدير هذا الحق من ربك، أو هو الحق من ربك. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتأكيد، لا: ناهية. ﴿تَكُنْ﴾: ولم يقل: فلا تكونن، أو فلا تك من الممترين.

стр. 619

﴿الْمُمْتَرِينَ﴾: والامتراء: هو الجدال بالباطل بعد تبيُّن الحق؛ أي: لا تجادل وفد نجران أو غيرهم بشأن عيسى بعد أن تبيَّن لك الحق من ربك. ولنقارن آية البقرة (١٤٧)، وآية آل عمران (٦٠)، وآية الأنعام (١١٤)، وآية يونس (٩٤)، (٣) آيات: فلا تكونن، وآية واحدة تكن. آية البقرة (١٤٧): ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. آية آل عمران (٦٠): ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. آية الأنعام (١١٤): ﴿أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. آية يونس (٩٤): ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. في آية البقرة: جاءت في سياق تحويل القبلة وما صاحب ذلك من ارتجاف شديد في قلوب المؤمنين حتى أن ضعاف الإيمان ارتدُّوا، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، فالأمر هذا يحتاج إلى توكيد، فأكد بالنون الثقيلة، فقال: فلا تكونن. وفي آل عمران: جاءت في سياق عيسى وخلقه، وليس هناك فيه خلاف أنه خلق من غير أب، وبكلمة كن فيكون، وإرجاف كما هو الحال في تحويل القبلة، فقال: فلا تكن بدون نون. وفي الأنعام: جاءت في سياق التكذيب بالرسل، وعدم الإيمان، فلا بد من التوكيد، فجاء فلا تكونن. وفي يونس: جاءت لإزالة الشك مما أنزلنا إليك، فلا بد من التوكيد بالنون، وأضيف إلى ذلك اللام وقد.

стр. 620

سورة آل عمران [٣: ٦١] ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية. ﴿حَاجَّكَ﴾: من المحاجة: الحوار بالحجة؛ أي: كل طرف يأتي بما لديه من الحجج والبراهين التي تؤيد رأيه لمحاولة الوصول إلى الحق، والمحاجة تكون عادة بين حق وباطل، ولا يمكن أن تكون بين حق وحق، أو باطل وباطل. ﴿فِيهِ﴾: في شأن عيسى ﵇. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿مَا﴾: للتوكيد. ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: عن طريق الوحي، ولم يؤمنوا (وفد نجران، أو غيرهم من الكافرين)، بما جاءك من العلم بأمر عيسى ﵇، وأن عيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، وغيرها … ﴿فَقُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ . ﴿تَعَالَوْا﴾: هلمُّوا أقبلوا. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾؛ أي: كلا الفريقين يدعوا أعزة الأهل من الأبناء والنساء، وأنفسنا وأنفسكم. ولماذا أعزة الأهل من الأبناء والنساء كان يكفي أنفسهم؟ لأن هؤلاء أهم الأقارب الذين يصعب أن يُضحي بهم أي إنسان، ويزرع في قلوبهم الخوف؛ لأنهم ظهرت عليهم علامات الاستكبار والغلو.

стр. 621

﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: من المباهلة: تختلف عن الدعاء؛ تعني: اجتماع فريقين من الناس يدعون على الظالم، أو الكاذب من بينهما أن تنزل عليه اللعنة، ويتضرعون ويبالغون في الدعاء (وتسمى الملاعنة)؛ لاستنزال اللعنة على الكاذب، مثل: يا رب أنزل لعنتك على الكاذب منا، أو التداعي باللعن، ويقال: بُهلة الله عليه؛ أي: لعنة الله عليه. يقف كل طرف في موقف واحد، وكل طرف يدعو الله أن يلعن الطرف الآخر، فالله هو القوة الظاهرة التي تنهي الخلاف. وقد دعا رسول الله ﷺ وفد نجران إلى المباهلة، فخافوا على أنفسهم، ولم يجرؤوا على المباهلة، ورفضوا المباهلة، ولو باهلوا لهلكوا جميعاً.

стр. 622

سورة آل عمران [٣: ٦٢] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿إِنَّ هَذَا﴾: للتوكيد، هذا: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة يفيد القرب. ﴿لَهُوَ﴾: اللام: للتوكيد، وهو: للحصر والقصر. ﴿الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: مصدر قص يقص، وما يرويه الله سبحانه يسمى القصَصَ لا خيال فيه ولا كذب. ارجع إلى سورة يوسف، آية (٣)؛ لمزيد من البيان. والحق: الثابت الذي لا يتغير بأن خلق عيسى ﵇ كخلق آدم ﵇، وعيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، وأن الله رفعه إليه. ﴿وَمَا مِنْ﴾: من: الاستغراقية التي تستغرق كل إله مهما كان نوعه، فلا المسيح، ولا أمه، ولا الملائكة، ولا عزير، ولا جبريل آلهة. ﴿إِلَهٍ﴾: معبود. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: إلا الله حصراً وقصراً. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿لَهُوَ﴾: اللام: لزيادة التوكيد، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ولا يناله أحد بضر، أو سوء، عزيز المنعة والقوة.

стр. 623

﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقه، وشأنه، وتشريعه، ذو الحكمة البالغة. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان، والآية (١٢٩) من سورة البقرة. سورة آل عمران [٣: ٦٣] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الشك، أو احتمال الحدوث. ﴿تَوَلَّوْا﴾: التولي: الابتعاد، وهو أشد من الإعراض؛ أي: لم يقبلوا المباهلة، ولم يقروا بالوحدانية. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: للتوكيد. ﴿اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من علم (كثير العلم) مطلع ومحيط، وخبير، وبصير بالمفسدين. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾: الباء: للإلصاق، المفسدين: تشمل المشركين الكافرين، والظالمين والمجرمين وغيرهم؛ لأن الشرك والكفر هو أعظم الفساد في الأرض، ولم يقل: عليم بالمعرضين؛ لأن المعرضين عن الإيمان بوحدانية الله من المفسدين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ٦٤] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، أو الخطاب موجَّه إلى الدعاة. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: يا: أداة النداء للبعيد، أهل الكتاب: أي: اليهود والنصارى (والكتاب: التوراة والإنجيل)، يا أهل التوراة والإنجيل، ونداؤهم بأهل الكتاب فيه شيء من المدح مقارنة بقوله: يا أيها الذين أوتوا نصيباً من الكتاب.

стр. 624

﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾: هلمُّوا وتعالوا معنا إلى كلمة سواء فيها دعوة إلى العلو والسمو للنطق بكلمة التوحيد لا إله إلا الله؛ أي: ذات عدل وإنصاف نأخذ بها، وأنتم تأخذون بها؛ أي: نتبعها جميعاً، وهي لا إله إلا الله وحده، ولا نعبد إلا الله وحده. ﴿أَلَّا﴾: أن: مصدرية تفيد التعليل، لا: النافية. ﴿نَعْبُدَ﴾: نؤمن ونطيع. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿اللَّهَ﴾: وحده. ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة، لا: النافية، وتكرار لا: يفيد زيادة التوكيد. ﴿نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: به: تعود على الله سبحانه، شيئاً: جاءت بصيغة نكرة؛ أي: لا نتخذ معه من لا يستحق أن يكون رباً، وليس عنده مقومات الألوهية أو الربوبية؛ كعيسى ﵇، أو أحد من خلقه، أو أيِّ وثن، أو صنم، أو شمس، أو قمر، أو ملك، أو ولي، أو أي شيء مهما كان. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النافية. ﴿يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾: يتخذ: الاتخاذ هنا تفيد، أو تستعمل في الشيء الذي لا أصل له، ولا صحة. يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً: أي: أن نجعل أحبارنا ورهباننا أرباباً؛ أي: ننزلهم منزلة الرب، فنقبل تحريمهم، أو تحليلهم لما لم يحرمه الله، أو لما لم يحلِّله. أرباباً: جمع رب، وهو السيد المربي المطاع فيما يأمر وينهى.

стр. 625

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، أو سواه، فلا نشرك بالله شيئاً، ولا نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً، لا هذه ولا تلك، ولا كليهما معاً. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية. ﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، ورفضوا الكلمة، كلمة التوحيد. ﴿فَقُولُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. ﴿اشْهَدُوا﴾: اعلموا. ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: بأنا موحِّدون مخلصون لله وحده، وبأنه لا إله إلا الله وحده. سورة آل عمران [٣: ٦٥] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: نداء آخر إلى أهل الكتاب. ارجع إلى الآية السابقة (٦٤). ﴿لِمَ﴾: استفهامية، وفيها معنى الإنكار، والتعجب. ﴿تُحَاجُّونَ﴾: تأتون بحجج باطلة، والحجاج كل من الخصمين يحضر الدليل والبرهان للوصول إلى الحق أو الصواب. ﴿فِى إِبْرَاهِيمَ﴾: قال ابن عباس ﵄ اجتمع عند النبي ﷺ نصارى نجران، وأحبار اليهود، فقال الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقال وفد نجران: ما كان إلا نصرانياً فنزلت هذه الآية. وقد بيَّن الله تعالى في آية أخرى محاجَّتهم في إبراهيم أنه يهودي، أو أنه نصراني، كما جاء في سورة البقرة، آية (١٤٠): ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.

стр. 626

﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: لا يمكن أن يكون إبراهيم يهودياً، كما يدَّعي اليهود؛ لأن التوراة أنزلت من بعده، فاليهودية إذن جاءت من بعده بأزمنة طويلة، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان بين إبراهيم وموسى (٥٧٥ سنة)، وابن إسحاق قال: (٥٦٥ سنة)، وكذلك الإنجيل أنزل بعد مجيء إبراهيم، وبالتالي فالنصرانية كذلك جاءت من بعد إبراهيم بمئات السنين، فقد كان بين موسى وعيسى (١٦٣٢ سنة)، كما قال ابن عباس، وابن إسحاق قال (١٩٢٥ سنة). ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب على المحآجَّة الباطلة، وألا: أداة حض، وتنبيه على التفكر والتعقل. تعقلون: تدركون بطلان ما تقولونه في إبراهيم، أو تدركون الحقيقة من الدلائل والمعطيات بشأن إبراهيم. سورة آل عمران [٣: ٦٦] ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿هَاأَنتُمْ﴾: الهاء: للتنبيه، أنتم: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجب من بطلان ما يقولونه. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقريب. ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: أنكم أتباع موسى ﵇، وأنكم على شريعته، أو أتباع التوراة، أو أنكم أتباع عيسى ﵇، وأنكم على شريعته، أو ما في الإنجيل، أو حاججتم في أمر محمد ﷺ ونعته وصفاته. ﴿فَلِمَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، لم: استغراقية. ﴿تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: أمر إبراهيم ﵇.

стр. 627

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: في هذا توبيخ لهم على زعمهم الباطل، وتكذيبٌ لهم في أنهم يعلمون من هو إبراهيم ﵇. سورة آل عمران [٣: ٦٧] ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿مَا﴾: النافية، تنفي الحال والماضي والمستقبل، تنفي جميع الأزمنة. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾: في الماضي، ولا في الحال، ولا في المستقبل. ﴿وَلَا﴾: تفيد التوكيد. ﴿نَصْرَانِيًّا﴾: ما كان نصرانياً في الماضي، والحال، والمستقبل. ﴿وَلَكِنْ﴾: استدراك وتوكيد. ﴿كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾: ارجع إلى الآية (١٣٥) من سورة البقرة. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: تكرار وما كان: يفيد التوكيد، من المشركين: أي: من قريش الذين قد يدّعون أنهم على ملة إبراهيم. إذاً إبراهيم ﵇ ما كان من اليهود، وما كان من النصارى، وما كان من المشركين (قريش). ولنقارن هذه الآية مع آية سورة النحل: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: لم يك من المشركين: يك، ولم يقل: يكن، يك: تعني: ولو شيئاً قليلاً، والشيء هو أقل من القليل؛ أي: لم يك البتة مشركاً، وهذا ينفي الشرك عن إبراهيم نفياً تاماً، وتنفي عنه كل أنواع الشرك ومقداره. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: تنفي الزمان في الحال، أو الماضي، فنفى عنه الشرك نفياً تاماً مهما كان صغره ونوعه، وفي كل الأزمنة والأحوال.

стр. 628

سورة آل عمران [٣: ٦٨] ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: أي: أحق وأقرب الناس، أولى من الولي، أو القريب. بإبراهيم: الباء: للإلصاق؛ أي: التمسك به. ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾: أي: اتبعوه في زمانه، وعلى التوحيد، ولم يقل نسله، أو ذريته، بل الذين اتبعوه؛ أي: آمنوا به، وصدقوه، وعلى التوحيد، واللام في للذين: تدل على الاختصاص، فلا ولاية لإبراهيم بمن جاء من ذريته، أو نسله ممن حرفوا ملته. ﴿وَهَذَا النَّبِىُّ﴾: هذا: اسم إشارة للقرب، والتعظيم، والهاء: للتنبيه. فهو أقرب الناس لإبراهيم فهو من ذريته، وعلى ملة، أو شريعة إبراهيم؛ لأنه يطبق منهجه. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: من أمة محمد ﷺ هم أولى باتباع إبراهيم ﵇ من غيره. ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: متولي المؤمنين؛ أي: مدبر أمورهم، ومعينهم، وقريبهم، وناصرهم، ومصلح شؤونهم. سورة آل عمران [٣: ٦٩] ﴿وَدَّتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: سبب النزول: نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان حين دعاهم اليهود للرجوع عن دينهم الإسلام.

стр. 629

﴿وَدَّتْ﴾: من الود، وهو التمني، وحب القلب لشيء ما، وما يتبعه من الود، فالمحبة تسبق المودة، فكل مودة محبة، وليس كل محبة مودة. ﴿طَّائِفَةٌ﴾: جماعة، وهم الأحبار والرؤساء، طائفة: مشتقة من طاف يطوف، جماعة تطوف حول عقيدة، أو فكرة ما. ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: من اليهود والنصارى (أهل التوراة والإنجيل). ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: لو: حرف مصدري يفيد التمني، يوقعونكم في الضلال؛ أي: بالرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، والشرك، وجاء بنون التوكيد بدلاً من لو يضلوكم فقال: لو يضلونكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾: الواو: حالية تفيد التوكيد. ما: نافية للحال والمستقبل؛ يضلون: من الضلال: وهو الضياع والنسيان والهلاك والعدول عن الحق والطريق المستقيم، وجاء بالمضارع للدلالة على بشاعة ما يودون، ويسمى ذلك (حكاية الحال)، وتدل على التجدد، والتكرار، والاستمرار في تمني ردِّكم إلى الكفر. ﴿إِلَّا﴾: حصر. ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: لأن إثم إضلالهم على أنفسهم؛ لأن المؤمنين لن يطيعوهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الشعور: هو العلم الكامل الخفي، وما: ما: لزيادة، أو تأكيد النفي، يشعرون: أن وبال إثمهم وإضلالهم عائد عليهم. ولماذا ودَّت هذه الطائفة لو يضلون المؤمنين؟ كما بيَّن ذلك سبحانه في آية (١٠٩) من سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.

стр. 630

سورة آل عمران [٣: ٧٠] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٦٥). ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: لم: اللام: حرف، ما: استفهامية، استفهام إنكاري. تكفرون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على دوام كفرهم وجحدهم، وعدم إيمانهم وتصديقهم بآيات التوراة والإنجيل. تكفرون: من الكفر، والكفر هنا يعني: الستر، والإخفاء، والإعراض، والتكذيب. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، آيات الله: الدالة على صدق نبوَّة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، والمشتملة على صفاته، أو لا تؤمنون بآيات الله تعالى عامة. ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: أنتم: ضمير فصل يفيد التوكيد، تشهدون: محمد ﷺ بأعينكم، وترون صفاته ومعجزاته، ثم تنكرونها، أو ترون آيات الله تعالى بأعينكم.

стр. 631

سورة آل عمران [٣: ٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: تكرار النداء؛ لإيقاظهم من سباتهم، وتوبيخهم لما يقومون من الكفر والستر لآيات الله الدالة على صدق نبوَّة محمد ﷺ . ﴿لِمَ﴾: استفهام استنكاري. ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: من اللبس، وهو الخلط، يقال: لبس عليه الأمر؛ أي: اختلط عليه حتى لا يعرف صحته من باطله، واشتقت من اللبس إدخال شيء في شيء. تلبسون الحق (نعت النبي وصفاته) بالباطل (بالتحريف والتزوير في التوراة والإنجيل). ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: (وهو نبوَّة محمد ﷺ وصفاته، والكتمان: هو السكوت عن ذكر خبر، أو أمر ما، والكتمان: يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الخفاء. ﴿وَأَنتُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنه الحق من عند الله. سورة آل عمران [٣: ٧٢] ﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٦٩).

стр. 632

﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: من أحبارهم ورؤسائهم، قالت لأتباعهم من اليهود والنصارى: أظهروا إسلامكم وإيمانكم بما أنزل على المسلمين ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أول النهار؛ أي: ساعات الصباح، واكفروا آخره، أي: في ساعات المساء. ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: قد تعني: ارتدوا عن الإسلام، أو قولوا: قرأنا الكتب السماوية وشاورنا علماءنا، فوجدنا أن محمداً ليس هو النبيَّ المبعوث، وظهر لنا كذبُه، أو صلّوا إلى قبلة الذين (آمنوا) أول النهار، واكفروا بقبلتهم آخر النهار لعلهم يرجعون عن قبلتهم. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: للتعليل. أو أدخلوا الشكَّ والريبة في قلوب أصحاب محمد ﷺ . ﴿يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم يرتدون عن دينهم، ويرجعون عنه. سورة آل عمران [٣: ٧٣] ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: تتمة للآية (٧٢) السابقة، وقالت الطائفة نفسها: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون، وهذه الآية تحمل عدة تفسيرات: ١ - الاحتمال الأول: هو أن نعتبر جملة قل: إن الهدى هدى الله جملة اعتراضية، وما تبقى من الآية هو قول أهل الكتاب. ٢ - الاحتمال الثاني: أن يعتبر أن كلام أهل الكتاب قد انتهى بقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن يتبع دينكم قل: إن الهدى جملة جديدة، وما بعدها تتمة لقوله: إن الهدى هدى الله.

стр. 633

التفسير على ضوء الاحتمال الأول: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تُؤْمِنُوا﴾: أي: لا تصدقوا، أو تتولوا من الموالاة، وتثقوا بأحدٍ إذا لم يكن يهودياً، أو نصرانياً. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: لا تؤمنوا حصراً وقصراً إلا. ﴿لِمَنْ﴾: اللام: للتوكيد، من: ابتدائية. ﴿تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: ملتكم، وشريعتكم. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: جملة اعتراضية كما قلنا سابقاً جاءت في منتصف كلام أهل الكتاب. إن: للتوكيد، قل: لا ينفع مكركم، وما تبيتونه؛ لأن الهدى هدى الله، الهدى: المراد به الدين؛ أي: الإسلام، هدى الله: دين الله، الهدى الموصل إلى الغاية وهي رضوان الله وحده، وهو الهدى الكامل التام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٢٠) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ المراد بهدى الله في هذه الآية: تحويل القبلة. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾: أي: لا تقرُّوا لأحدٍ من أتباع محمد أنهم قد أوتوا من العلم شيئاً، مثل ما أوتيتم، أو لا تخبروا بأنهم على الحق، أو أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، أو لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، أو يتخذوه حُجَّة ضدكم، واحجبوا أسراركم عن المؤمنين.

стр. 634

والخلاصة: لا تؤمنوا لأتباع محمد من المسلمين، ولا تطلعوهم على ما عندكم من العلم، إلا إذا ارتدوا وتبعوا دينكم. ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من العلم، والآيات والنعيم، ولا تصدقوا أن يجادلوكم يوم القيامة عند ربكم؛ لأنكم أصح ديناً منهم، قل إن دين الإسلام هو دين الله. التفسير على ضوء الاحتمال الثاني وهو: أن قول الطائفة قد تم عند قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. وانتهى كلامهم. وما بعده هو قول الله سبحانه؛ أي: قل: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، المخاطب هنا أمة محمد ﷺ . ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: أن: تفسيرية، أو نافية؛ (أي: لم يؤتَ أحدٌ مثلما أوتيتم)؛ أي: أعطيتم يا أمة محمد ﷺ من الدِّين والقرآن والحجة ما لم يُعطَ أحدٌ من الناس، ولا تصدقوا أن أهل الكتاب، أو غيرهم سيحاجونكم عند ربكم؛ لأنهم لا حجة لهم. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمد. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْفَضْلَ﴾: هو القرآن (الكتاب)، كما قال تعالى في سورة فاطر، آية (٣٢): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده.

стр. 635

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦٨) من سورة البقرة. ﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يستحق الفضل، ومن لا يستحقه. سورة آل عمران [٣: ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: يعطي فقط الرحمة: النبوَّة، رداً على اليهود الذين زعموا أن النبوَّة لا تكون إلا فيهم. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده. ﴿وَاللَّهُ ذُو﴾: صاحب، وذو: أشرف وأبلغ من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧)، أو غافر آية (٢)؛ للبيان. ﴿الْفَضْلِ﴾: الزيادة عن الأجر والثواب. ﴿الْعَظِيمِ﴾: كماً وكيفاً. سورة آل عمران [٣: ٧٥] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَمِنْ﴾: الواو: استئنافية، من: ابتدائية. ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى. تشير هذه الآية على العدل الإلهي أن يخبرنا أن بعض أهل الكتاب ذوو أمانة، فلو أمنته على قنطار من الذهب (والقنطار=١٠٠ رطل) والرطل يعادل (٢، ٥ كغ) يؤده إليك، واستعمل القنطار للمبالغة. ﴿مَنْ إِنْ﴾: من: اسم موصول، إن: شرطية. ﴿بِقِنطَارٍ﴾ الباء: للإلصاق، أو تعني: على، ولكن لماذا استعمل الباء بدلاً
следующие страницы →