← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

سورة النازعات [٧٩: ١٠] ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ﴾: ﴿يَقُولُونَ﴾: منكرو البعث والكفار، وغيرهم من الناس. ﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد والتعجب. ﴿لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ﴾: الدنيا (أو أرض الدنيا). ﴿لَمَرْدُودُونَ﴾: أنردُّ إلى الحياة الدّنيا التي كنا فيها؛ أي: أنرجع إليها مرة ثانية، واللام في لمردودون: للتوكيد، و «الحافرة»: مأخوذة من الإنسان حين يمشي على الأرض برجليه يحفر الأرض ويترك أثر قدميه، أو من كثرة سيره على الأرض يحفر فيها طريقاً كما نرى حين نسير على أرض رملية أو ترابية كيف نحفر الأرض بأقدامنا بالسير عليها. سورة النازعات [٧٩: ١١] ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾: ﴿أَإِذَا﴾: الهمزة همزة استفهام تحمل معنى الاستبعاد والإنكار للبعث، والعودة إلى الحياة بعد أن كنّا عظاماً نخرة: عظاماً بالية بحيث تتفتت إن أمسكها بيده، أو جوفها منخور وصارت مجوّفة من مرور الزمن. سورة النازعات [٧٩: ١٢] ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي منكرو البعث، وغيرهم من الكفار. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد وتشير إلى العودة في الحافرة (العودة إلى الحياة الدّنيا)، إذاً: حرف جواب؛ أي: إذا رددنا إلى الحافرة وصحّ ذلك، فهي كرّة خاسرة. ﴿كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾: رجعة خائبة أو عودة خاسرة، والكرة من الكر؛ أي: الرّجوع وجمعها كرّات، فهم يعلمون حقيقة أنفسهم أنّهم لو عادوا إلى الدّنيا لعملوا العمل السّابق نفسه، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. خاسرة: مؤنث خاسر من فعل: خسر.

стр. 5707

سورة النازعات [٧٩: ١٣] ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: ﴿فَإِنَّمَا﴾: للحصر والتّوكيد. ﴿هِىَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: صيحة واحدة أو نفخة واحدة وهي النّفخة الثّانية نفخة البعث، زجر: صاح. سورة النازعات [٧٩: ١٤] ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾: الفاء: استئنافية، إذا: ظرفية فجائية، هم للتوكيد. ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: بأرض المحشر؛ أي: حضور في أرض المحشر أرض أكبر بكثير من الأرض التي نعيش عليها تتسع للبلايين من البشر من زمن آدم إلى آخر مخلوق على الأرض والجن والملائكة وغيرهم من المخلوقات، فالسّاهرة: الأرض الجديدة كقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. السّاهرة: مؤنث ساهر، صفة للأرض أو الفلاة؛ لأن ساكنيها لا ينامون من الخوف والفزع والاضطراب والأهوال. السؤال: أين جواب القسم؟ قيل: محذوف وتقديره لتبعثن، أو محذوف للتهويل والترويع، ويمكن أن يكون كل ما يخطر على عقل القارئ أو السامع. سورة النازعات [٧٩: ١٥] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام وتفيد معنى التّشويق للسامع. ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾: حديث خبر موسى بن عمران.

стр. 5708

سورة النّازعات [الآيات ١٦ - ٤٦] سورة النازعات [٧٩: ١٦] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، إذ: بمعنى حين ناداه ربه بقوله تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿يَامُوسَى إِنِّى أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢]. ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: الباء للإلصاق، ظرفية، الواد المقدس: الطّاهر المبارك. ﴿طُوًى﴾: اسم للوادي، وهو واقع بأسفل جبل طور سيناء. سورة النازعات [٧٩: ١٧] ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: ملك مصر وكان يسمى: فرعون. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمزيد من البيان في فرعون. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾: إنّه للتوكيد، طغى: تجاوز الحد في الكفر والشّرك والضّلال والتّكبر والظّلم والعصيان. "إلى فرعون" الذي قال: أنا ربكم الأعلى. سورة النازعات [٧٩: ١٨] ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾: ﴿فَقُلْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب؛ أي: قل له مباشرة بعد وصولك إليه. ﴿هَلْ لَكَ﴾: استفهام يفيد العرض والطّلب. ﴿إِلَى أَنْ﴾: إلى حرف للغاية، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿تَزَكَّى﴾: التّطهر من الشّرك والكفر، سؤال فيه لطف وليونة.

стр. 5709

سورة النازعات [٧٩: ١٩] ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾: وأدلك أو أرشدك. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: عبادته وتوحيده ومعرفته. ﴿فَتَخْشَى﴾: الفاء للتعليل، تخشى: الخشية: هي الخوف المقترن بالعلم بالذي تخشاه والتّعظيم أو المهابة. سورة النازعات [٧٩: ٢٠] ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة. ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾: وهي العصا واليد ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٢ - ٣٣]، الآية هنا تعني المعجزة الكبرى (العصا واليد)، والآية الواحدة والآيتان تكفي عن الآية الأخرى، وقد تكون الآية الكبرى هي العصا فقط. سورة النازعات [٧٩: ٢١] ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب والمباشرة. ﴿فَكَذَّبَ﴾: فرعونُ بموسى وبالآية الكبرى ولم يصدقه؛ أي: لم يؤمن له. ﴿وَعَصَى﴾: فرعون الله ولم يؤمن بالله تعالى، أو عصى أمر موسى ?. سورة النازعات [٧٩: ٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتعقيب المجازي؛ لأنّ الكلام يقتضي تطويل المدة.

стр. 5710

﴿أَدْبَرَ﴾: فرعون عن الإيمان والتّصديق بموسى، وأدار ظهره ولم يستمع لموسى. ﴿يَسْعَى﴾: يجتهد في جمع السّحرة والتّصدي لموسى والفساد في الأرض. سورة النازعات [٧٩: ٢٣] ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾: ﴿فَحَشَرَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أي: المقام يقتضي قصر المدة الطّويلة. الحشر: السَّوق والجمع للسَّحرة كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]، أو للناس كقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، أو جنوده. ﴿فَنَادَى﴾: الفاء للتعقيب. سورة النازعات [٧٩: ٢٤] ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾: ﴿فَقَالَ﴾: الفاء للترتيب الذكري، قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾: أي لا رب غيري وأنا ربكم الأعلى. سورة النازعات [٧٩: ٢٥] ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: ﴿فَأَخَذَهُ﴾: الفاء للترتيب الذّكري، أخذه: أهلكه الله أو انتقم الله ليجعله عبرة لغيره، والأخذ فيها معنى: الشدة والقوة، كما قال تعالى: ﴿أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾: نكالاً: أي: صنع به صنيعاً (أو جعل عقوبته) يخاف منها غيره صنع به صنيعاً يحذر به غيره.

стр. 5711

والنّكال هو القيد ويستعمل للعقوبة وجمعه: أنكال. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٦٦) لمزيد من البيان. سورة النازعات [٧٩: ٢٦] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: لما جرى لفرعون وعدم إيمانه وأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. ﴿لَعِبْرَةً﴾: اللام للتوكيد، عبرة: دلالة أو بينة تعبر بها من الجهل إلى العلم وعظة لمن يخشى ربه؛ أي: يخافه على علم به مع التّعظيم. ﴿لِمَنْ﴾: اللام لام الاختصاص؛ أي: عبرة لهؤلاء الذين يخشون ربهم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٣) لمزيد من البيان عن العبرة. سورة النازعات [٧٩: ٢٧] ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾: ﴿ءَأَنتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري، والمخاطب كل النّاس وخاصة منكرو البعث والقرآن والألوهية والإيمان. ﴿أَشَدُّ خَلْقًا﴾: أي أعظم خلقاً أو أكبر خلقاً. ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾: أم الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ أو استفهام حقيقي. أم للإضراب الانتقالي، والسّماء: هي كل ما علاك تشمل السّموات السّبع وما فيهن، والجواب معلوم في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٥]، فهذه السموات تحتوي على مليارات المجرات والتي تحوي داخلها مليارات المجموعات الشمسية المشابهة لمجموعة درب التبانة التي تسبح في السماء الدّنيا. وماذا عن السماء الثانية أو الثالثة أو السابعة؟ لا علم لنا وكل ما نعلمه لا يتجاوز النذر اليسير من

стр. 5712

السماء الدّنيا فقط وكل سماء تغلف الأخرى وأكبر من الأخرى، هذه السموات المبنية بناء عظيماً وشديداً وكما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢]، ومحبوكة بالحبك ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]، وما لها من فروج. ﴿بَنَاهَا﴾: أي ربطها وجعلها محكمة البناء بقوى الجاذبية والتّنافر والقوى الكهرومغناطيسية المتولدة عن الأجرام السّماوية حولها، وجعلها متوازنة وكما قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، وبناء السماء من أعظم دلائل القدرة الإلهية فهناك أكثر من (٢٠٠ ألف مليون) مجرة فيها ملايين النجوم والكواكب والمذنبات والشهب والتّوابع ولم يحط الإنسان بها علماً حتى الآن إلا بجزء أو طرف من السماء الدّنيا، فما بالك بالسموات الأخرى! سورة النازعات [٧٩: ٢٨] ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾: السّمك هو البعد الارتفاعي؛ أي: مقدار الارتفاع من الأسفل إلى الأعلى، يعني: رفعها عالياً أو زاد عرضها من جراء التّوسع كقوله: (وإنا لموسعون) فهذه النّجوم التي نراها تُزين السماء الدّنيا تبعد بعضها عنا مليوني سنة ضوئية كما بينت الدراسات بالتلسكوب. ﴿فَسَوَّاهَا﴾: جعلها متوازنة مستقرة تامة كاملة البناء، لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور ولا شقوق رغم الاتساع والتّمدد، فسوّاها تعني: بالاستقرار والكمال. سورة النازعات [٧٩: ٢٩] ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾: أي أظلم ليلها: جعله مظلماً؛ أي سترها بالليل كاللباس بدوران الأرض وكرويّتها، فحال دون وصول أيّ ضوء إلا ضوء القمر في الليل. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾: ضوءها ونهارها، وعبّر عن النّهار بالضّحى، والضّحى

стр. 5713

يبدأ بطلوع الشّمس بسقوط أشعة الشّمس على الطبقة الغازية حول الأرض مما يجعلها تضيء. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) للبيان كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١]. سورة النازعات [٧٩: ٣٠] ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أي بعد خلق السّماء. ﴿دَحَاهَا﴾: في التّعابير القديمة تعني: بسطها ومهّدها؛ أي: هيّأها لعيش الإنسان عليها وذلك بتكوين قشرة الأرض من جرّاء ثورة البراكين التي ألقت بحممها لتشكل أول جزيرة بركانية التي كانت أرض مكة، ثم دُحيت الأرض من حولها؛ أي: مدّت وبسطت وتشكلت القارة الأم التي تصدعت فيما بعد إلى سبع قارات وتباعدت هذه القارات، وأثناء عملية الدَّحو: سورة النازعات [٧٩: ٣١] ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾: أي: أخرج منها من جوفها الغلاف المائي والغازي؛ أي: غلافها المائي والغازي. أخرج منها؛ أي: من الأرض، ماءها حيث كان يخرج مع ثوران البراكين الهائلة كميات كبيرة جداً من بخار الماء والتي كانت تخرج من أكثر من (١٢٠٠) فوهة بركانية على سطح الأرض والتي شكلت أكثر من (١٠٤ مليون كيلو متر مكعب) من الماء الذي شكل (٧٠%) من القشرة الأرضية، فبخار الماء الذي يصعد في السّماء وتحمله الرّياح ثم يصعد حتى يلاقي طبقة باردة يتكثف فيها بخار الماء فينزل على شكل مطر، فكل ماء الأرض أخرجه الله من داخل الأرض، ثم تأتي أشعة الشمس لتساعد على تبخر الماء من البحار والمحيطات وغيرها فتكون السحب ثم تتلقح السحب فينزل الماء، فبهذه الدورة دورة الماء حول الأرض

стр. 5714

لكي لا يبقى الماء راكداً، فلا يفسد أو يصبح ماء أسناً ويبقى صالحاً للحياة، وكان الماء في البداية حلواً ثم أصبح مالحاً بسبب السيول وعوامل التعرية، فكل ما يصعد في السماء من بخار الماء يرجع إلى الأرض كمطر وبرحمة من الله جعل ماء المطر يزيد على المياه المتبخرة، وأثبت العلم أن أكثر من (٦٠٠ ألف كم مكعب) يتبخر من البحار والمحيطات وغيرها وينزل على اليابسة كمية أكبر من ذلك بفضل الله ورحمته. ومرعاها: أخرج منها غلافها الغازي الذي يشمل غاز ثاني أوكسيد الكربون الأساسي الذي تمتصه الأوراق الخضراء للشجر وتطلق الأوكسجين الصالح لتنفس الإنسان، وبالتالي يشكل الشجر والثمر وكونه غذاء للحيوانات التي تحتاج إلى مرعى، ومنها نأكل اللحم واللبن والدهن وغيرها. سورة النازعات [٧٩: ٣٢] ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾: الهاء تعود على الأرض؛ أي: أرسى الأرض بالجبال. ﴿أَرْسَاهَا﴾: أي ثبتها ونشرها في الأرض هنا وهناك؛ كي تكون كالأوتاد للأرض فلا تضطرب وتتحرك أو تميل، ولولا ذلك لما استطعنا أن نعيش عليها. أرساها: خلال مرحلة الدَّحو، أي بثورة البراكين وخروج الحمم المنصهرة من البحار التي ارتفعت فوق القشرة الأرضية ثم سقطت واخترقتها وشكلت الجبال الرواسي كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]. وكقوله: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وأثبتت الدّراسات العلمية أنّ ما تراه من ارتفاع للجبل على سطح الأرض

стр. 5715

له امتداد داخل قشرة الأرض يترواح إلى (١٠ - ١٥) ضعف ارتفاعه فوق سطح الأرض. ويطلق على الجبال "رواسي" في الدّنيا فقط، ويوم القيامة يطلق عليها اسم الجبال ولا تعد رواسي؛ لأنّها ستزول وتقتلع وتنسف ومصيرها أن تكون كالعهن المنفوش. سورة النازعات [٧٩: ٣٣] ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: ﴿مَتَاعًا﴾: من المتاع: وتعريف المتاع: هو كل ما ينتفع به ويرغب في اقتنائه ثم يفنى في النّهاية من طعام وشراب وأثاث وسلعة وأداة ومال وأولاد وزوجة وحرث وأنعام، والمتاع يطلق على القليل والكثير. ﴿لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: لكم اللام لام الاختصاص، وأنعامكم: مثل البقر والغنم والإبل والماعز. فكيف تكون الجبال متاعاً لنا ولأنعامنا؟ قيل: إنّ العوامل المناخية والطّبيعية من حرارة وبرودة ورطوبة وتقلص وتمدد تؤدي إلى تعرية الجبل؛ أي يحدث تفتت سطحي، وبعد نزول المطر يجرف الأشياء المفتتة حتّى تنزل على الأرض والوديان والبحار لتشكل مادة الغرين الخصبة التي تنبت الزرع والحب والنبات الذي هو طعام لنا ولأنعامنا. سورة النازعات [٧٩: ٣٤] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء استئنافية، إذا ظرفية تفيد حتمية الحدوث؛ أي: حدوثها محقق. ﴿جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾: الطّامة اسم من أسماء يوم القيامة الكثيرة، ومنها: يوم القيامة، الغاشية، الصاخة، القارعة، الحاقة، الأزفة، يوم الدين، يوم البعث،

стр. 5716

يوم الخروج … وغيرها، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسماً كما قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، ويقول القرطبي: كل ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وقيل: النّفخة الثّانية، وقيل: حين يساق أهل النّار إلى النّار. والطّامة من طمّ الشّيء؛ أي: علا وغلب؛ أي: الحدث العظيم المروع الذي يُنسى كل ما حدث قبله، أو الداهية العظمى التي تطمّ أو تعلو كل الأحداث الجسام قبلها. ﴿الْكُبْرَى﴾: صفة للطامة. سورة النازعات [٧٩: ٣٥] ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾: ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان؛ أي: يوم تجيء الطامة الكبرى يتذكر الإنسان ما سعى. ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا﴾: مصدرية أو اسم موصول (بمعنى الذي) وما: أوسع شمولاً من "الذي". ﴿سَعَى﴾: ما عمل في الدّنيا من خير وشر. وكيف يتذكر الإنسان ما سعى: أي يقرأه في سجل أعماله في كتابه كقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]. سورة النازعات [٧٩: ٣٦] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: الجحيم اسم علم للنار، أو دركة من دركاتها مشتق من الجحم، وهو التّأجج فلا تخمد أبداً.

стр. 5717

برّزت: أصبحت بارزة للعيان؛ أي: ظاهرة لكل من يرى، وظاهرة لمن كان يُكذب بها ولا يصدق بآيات الله تعالى. ﴿لِمَنْ يَرَى﴾: اللام لام الاختصاص، من ابتدائية؛ أي: لا تخفى على أحد، المؤمن والكافر والعاصي والفاجر والتّقي والعاصي. سورة النازعات [٧٩: ٣٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء عاطفة، أما: حرف تفصيل وشرط. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية لابتداء الغاية. ﴿طَغَى﴾: تجاوز الحد في عدم طاعة الله، وتجاوز الحد في الكفر والشرك بالله والضلال والتكبر والظلم والفساد والعصيان. سورة النازعات [٧٩: ٣٨] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: ﴿وَآثَرَ﴾: الإيثار: هو تقديم الشيء على غيره سواء أيستحق التقديم أم لا يستحق؛ أي: تقديم الحياة الدّنيا على الآخرة وسعى لها ولم يستعد للآخرة ولم يبالِ بها، أو نسيها واتبع شهواته وتجرأ على المعاصي والكبائر. سورة النازعات [٧٩: ٣٩] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾: ﴿فَإِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْجَحِيمَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨) في سورة الرعد. ﴿هِىَ﴾: للتوكيد. ﴿الْمَأْوَى﴾: المستقر والمسكن الدّائم أو المثوى.

стр. 5718

سورة النازعات [٧٩: ٤٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾: ﴿وَأَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿مَنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: آمن بالله وعمل صالحاً، وآمن بالبعث والحساب وخاف الوقوف بين يدي ربه يوم القيامة. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾: ونهى: أي زجرها وكفّها ومنعها عن الهوى، والهوى: هو ما تميل إليه النّفس باطلاً مما لا ينبغي وبلا دليل وبعيد عن الحق والهوى يغلب عليه الذّم ويختص بالأداء والاعتقادات، ونهى نفسه عن اتباع الشّهوات والحرام وما يبغضه الله تعالى. سورة النازعات [٧٩: ٤١] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾: ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء تعليلية، إن: للتوكيد. ﴿الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾: هي للتوكيد، المأوى: المستقر والمسكن الدّائم. سورة النازعات [٧٩: ٤٢] ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: ولم يقل ويسألونك: حذف الواو يدل على أن السؤال لم يسبقه أسئلة أخرى؛ يسألونك: تعني السّائل يقف أمام المسؤول ويسأله عن شيء لا يعرفه، أما يسألك: ليس بالضّرورة أنّ السّائل يقف أمام المسؤول ليسأله. ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: متى قيام الساعة؟ أي بداية تهدُّم النظام الكوني وزواله وانتهاء الحياة على الأرض. ﴿أَيَّانَ﴾: أداة استفهام يسأل عن الزّمن المستقبل بمعنى: متى.

стр. 5719

والفرق بين أيان ومتى: أيان للمستقبل فقط تختص بالاستقبال، ومتى: تستعمل للماضي والحاضر. وأيان تستعمل في الأمور الجسام أو التي يراد تعظيمها مثل يوم الدّين يوم القيامة أو السّاعة. ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: سؤال استفهام قد يكون للاستعداد لها؛ لأنه يؤمن بها ويريد معرفتها، أو يسأل عن أماراتها، أو سؤال إنكار واستبعاد واستهزاء؛ لأنه لا يؤمن بالبعث والآخرة. مرساها: يعني وقوعها أو حدوثها أو قيامها، والأصل في مرساها: من أرساه؛ أي: أثبته وأقرّه. سورة النازعات [٧٩: ٤٣] ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾: ﴿فِيمَ﴾: أصلها: في ظرفية، ما استفهام حذف ألفها بسبب الجر، فيه معنى الإنكار والتّعجب من إلحاح المشركين على رسول الله ﷺ أن يُبين لهم وقتها (زمن وقوعها). ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾: أي فيما أو لماذا هذا السّؤال المتكرر والحديث عنها، وأنت لا تعلمها، أو ليس عندك علمها فتذكرها لهم. سورة النازعات [٧٩: ٤٤] ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾: ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والاختصاص. ﴿مُنْتَهَاهَا﴾: زمن حدوثها أو متى ستقع لا يعلمها إلا هو، كقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أو منتهى علمها عند الله.

стр. 5720

سورة النازعات [٧٩: ٤٥] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد والحصر. ﴿أَنْتَ مُنْذِرُ﴾: الإنذار: الإعلام مع التّحذير والتّخويف. ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾: من لابتداء الغاية، يخشاها: يخافها ويعظّمها. أي رغم أنّك لا تعلم منتهاها فأنت لا زلت مكلفاً بالإنذار، من يخشاها: من المؤمنين. سورة النازعات [٧٩: ٤٦] ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾: للتشبيه المؤكد. ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾: يوم يرون الساعة؛ أي: يرون تهدُّم النظام الكوني أو الكون. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾: في الدّنيا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾: عشية من زوال الشّمس إلى الغروب؛ أي: من الظّهر إلى غروب الشّمس (ساعات)، أو ضحاها: من طلوع الشّمس إلى زوال الشّمس؛ أي: نصف يوم، أو: للتخيير.

стр. 5721

سورة عبس [٨٠: ١] سورة عبس ترتيبها في القرآن (٨٠) ترتيبها في النّزول (٢٤). ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: سبب النّزول: كما أخرج الترمذي والحاكم: كان النّبي ﷺ قبل الهجرة يتحدث مع بعض سادة قريش ويطمع في إسلامهم، فجاء ابن أم مكتوم وكان قد حرم البصر فقال: علِّمني يا رسول الله مما علمك الله، وجعل يناديه ويكرر النّداء، ولا يدري ابن أمّ مكتوم أن رسول الله ﷺ مشغولٌ مع زعماء المشركين من قريش طمعاً في دخولهم في الإسلام، فكره رسول الله ﷺ نداء ابن أمّ مكتوم وأعرض وعبس في وجهه فنزلت هذه السورة. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: عبس رسول الله ﷺ قطّب جبينه، وتولى: ابتعد وأعرض بوجهه عن عبد الله بن عمرو بن أمّ مكتوم. انتبه إلى تحول الصّيغة من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب، ولم يقل عبست وتوليت بصيغة المخاطب وإنما استعمل صيغة الغائب فقال: عبس وتولى؛ إكراماً لرسول الله ﷺ . سورة عبس [٨٠: ٢] ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.

стр. 5722

﴿جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾: الأعمى: أي: المصاب بفقد حاسة البصر، وليس العمه: أي عمى البصيرة، عبد الله بن عمرو بن أمّ مكتوم أحد المهاجرين ابن خال خديجة بنت خويلد أمّ المؤمنين ﵂، جاء رسول الله ﷺ ورسول الله يدعو ويخاطب عتبة بن ربيعة وأبا جهل والعبّاس وأمية بن خلف من عظماء قريش، لعلهم يدخلون في الإسلام. سورة عبس [٨٠: ٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾: ما للاستفهام، يدريك: من درى: أي علم بعد جهل، درى حالة خاصة من علم، علم أوسع من درى. ﴿لَعَلَّهُ﴾: لعل للتعليل، والهاء تعود على ابن أم مكتوم. ﴿يَزَّكَّى﴾: أصلها يتزكى: يتطهر ويتوب من ذنوبه أو يتزكى بما يتعلمه من الشّرائع ويتطهر من الجهل. سورة عبس [٨٠: ٤] ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾: أو لعله نسي شيئاً من تعاليم دينه فيسألك عنه، فيتذكره ويعمل به أو يتعظ فتنفعه موعظتك. سورة عبس [٨٠: ٥] ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾: ﴿أَمَّا مَنِ﴾: حرف شرط وتفصيل، من: اسم موصول بمعنى الذي. ﴿اسْتَغْنَى﴾: بماله وجاهه وقوته أمثال هؤلاء سادة قريش عتبة وشيبة وربيعة وغيرهم، أو استغنى عن عبادة الله بعبادة الأوثان.

стр. 5723

سورة عبس [٨٠: ٦] ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾: أصلها تتصدى: أي تُقبل عليه بوجهك، أو تتعرض له تحاول محادثته وتلحُّ على دعوته. سورة عبس [٨٠: ٧] ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿عَلَيْكَ﴾: من وزر أو إثم أو مسؤولية أو جناح في عدم إسلامهم، ما عليك إلا البلاغ. ﴿أَلَّا﴾: أصلها: أن حرف مصدري للتعليل ولا النّافية. يزكى: أي يتطهر أو يتوب، أو يؤمن ويدخل في الإسلام أو يهتدي. سورة عبس [٨٠: ٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾: ﴿وَأَمَّا مَنْ﴾: أمّا حرف شرط وتفصيل، من: اسم موصول بمعنى الذي. ﴿جَاءَكَ يَسْعَى﴾: يمشي بجد وعزم طالباً العلم وحضور مجلسك أو سائلاً عن أمر يهمه. سورة عبس [٨٠: ٩] ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾: ﴿وَهُوَ﴾: للتوكيد. ﴿يَخْشَى﴾: أي يخشى الله تعالى؛ يخافه خوفاً مقروناً بالعلم والتّعظيم. سورة عبس [٨٠: ١٠] ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾: ﴿فَأَنْتَ﴾: الفاء للتوكيد.

стр. 5724

﴿عَنْهُ تَلَهَّى﴾: منصرف أو مشغول أو غافل عنه بسبب هؤلاء كفار قريش. سورة عبس [٨٠: ١١] ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، وقد تعني حقاً، كلا: لا تفعل مثل ما فعلت مع ابن أم مكتوم، ثم ينتقل للحديث عن القرآن وآياته. ﴿إِنَّهَا﴾: تعود على الآيات القرآنية التي أنزلها الله في كتابه العزيز، أو السّورة نفسها وما جاء فيها من تذكرة لمن ينسى، أو تذكرة لمن يريد الانتفاع بها الغاية منها النّجاة من النّار والفوز بالجنة. سورة عبس [٨٠: ١٢] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء عاطفة، من شرطية. ﴿شَاءَ ذَكَرَهُ﴾: فمن شاء الله ذكر الله فزاده خشية، أو ذكر القرآن: قرأه وتدبّره واتّعظ به، ولم يقل ومن شاء لم يذكره؛ لأنّ هذا ليس وارداً شرعاً. سورة عبس [٨٠: ١٣] ﴿فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾: تذكرة: أي القرآن أو آياته مكتوبة في صحف مكرمة. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿صُحُفٍ﴾: جمع صحائف وهي ما يُكتب فيه القول. ﴿مُّكَرَّمَةٍ﴾: مؤنث مكرم، مكرمة: مباركة عظيمة القدر والشأن عند الله تعالى وعند الملائكة. سورة عبس [٨٠: ١٤] ﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾: ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾: رفيعة القدر والمنزلة أو مرفوعة في اللوح المحفوظ.

стр. 5725

﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾: لا يمسها إلا المطهرون؛ أي: الملائكة، ومنزّهة عن الشّياطين. سورة عبس [٨٠: ١٥] ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ﴾: ﴿سَفَرَةٍ﴾: السّفرة: الملائكة، والسّفرة جمع سفير: وهو الواسطة بين الله ورسله؛ أي: بالوحي، والسفّرة من السّفر (وهو الكتاب)؛ أي: الكتبة؛ لأنّهم يكتبون أعمال العباد. سورة عبس [٨٠: ١٦] ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾: ﴿كِرَامٍ﴾: كرام على الله؛ أي: أعزّاء وكرام في أخلاقهم وخلقهم وعلى أحسن خُلق وخَلق صادقين. ﴿بَرَرَةٍ﴾: وصفاً للملائكة؛ لأنهم جميعاً بررة؛ وبررة: جمع كثرة، بينما وأبرار جمع قلة وهو وصف للمؤمنين، وبرَرَة: جمع بار؛ أي: أتقياء مطيعين بارّين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، برَرَة من الآثام والعيوب. سورة عبس [٨٠: ١٧] ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ﴾: قُتل: قيل معناها: لُعن، وقُتل: هو أسلوب يستعمله العرب في تقبيح فعل ما؛ أي: ما أسوأه. وقيل: قُتل: دعاء على الإنسان بأشد الدعاء، الإنسان: أي الإنسان الكافر وليس كلّ إنسان. ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: ما: قيل: هي استفهامية تفيد أيضاً معنى التّوبيخ؛ أي: ما الذي حمله على الكفر أو يجعله يكفر بربه؟ أو: أيّ شيء أكفره؟ أي: دعاه أو أجبره على الكفر.

стр. 5726

وقيل ما: للتعجب؛ أي: ما أعظم كفره، أو أشد كفره مع كثرة الإحسان إليه! أو أتعجب من فرط كفره، فقد أعطاه العقل وأرسل إليه رسله وأنزل عليه كتبه وبيّن له ما أمره به ونهاه عنه. والكفر: هنا يعني كلّ أنواع الكفر ومنه كفر الجحود بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، وكفر النعمة والإحسان إليه، وبالتّالي قتل الإنسان: هلك الكافر، فليس هناك مبررٌ وداعٍ إلى كفره فلينظر كيف خلقه ربه. سورة عبس [٨٠: ١٨] ﴿مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾: ﴿مِنْ﴾: استفهامية تفيد معنى التّقرير. ﴿أَىِّ﴾: أي أنت أيها الإنسان الكافر كيف تكفر، ألم تُخلق من تراب أو من نطفة من ماء مهين! سورة عبس [٨٠: ١٩] ﴿مِنْ نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾: ﴿مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: من ابتدائية، نطفة الأب والأم (الذكر والأنثى) أي: بداية خلقه من نطفة. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾: أي قدر أعضاءه رأسه وعينيه ويديه ورجليه وسائر الأعضاء والحواس، فقدّره نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظاماً. والتقدير يعني: أعطاه من الصفات الوراثية ما يميزه عن غيره وكانت بداية خلقه من نطفة آدم وحواء، والشّفرة الوراثية لا يحددها إلا الله سبحانه، فقدره التقدير وقد يعني: التحكم في الصفات الوراثية لكل فرد من ذرية آدم.

стр. 5727

سورة عبس [٨٠: ٢٠] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾: في خروجه من بطن أمّه، أو بيّنّا له طريق الخير وطريق الشّر، وأعطاه الوسائل الكافية والمعرفة والهداية الربانية كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وأعطيناه العقل الراجح الذي يميز به بين الخير والشر، وأرسل له الأنبياء والرسل والكتب، وغرس الإيمان الفطري في كل خلية من خلاياه حين خلق آدم. سورة عبس [٨٠: ٢١] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿أَمَاتَهُ﴾: بعد انقضاء أجله، والموت هو مفارقة الرّوح للبدن، فهذا الأجل مدوّن في الشّفرة الوراثية، فأجله محدد في كل خلية من خلايا جسمه، وسوف يمر في مرحلة الولادة ثم الطفولة ثم الشباب ثم الكهولة والشيخوخة والاحتضار فالموت. ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، أقبره: أكرمه بالدّفن. سورة عبس [٨٠: ٢٢] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية حتمية الحدوث. ﴿شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾: شاء سبحانه، أنشره: أحياه من جديد بعد موته وتحوّله إلى عظام ورفات، ثم يبعثه ليحاسبه ويجزيه على عمله.

стр. 5728

سورة عبس [٨٠: ٢٣] ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: ﴿كَلَّا﴾: حقاً، أو كلا: كلمة ردع وزجر عما عليه الإنسان من الكفر، أو ليكفّ الإنسان عن كفره. ﴿لَمَّا﴾: حرف نفي. ﴿يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: لم يؤدِّ ما فرض الله عليه أو كلّفه به من الفروض والعبادات. ما: اسم موصول بمعنى: الذي أمره من الأوامر، و"ما" أوسع شمولاً من "الذي". سورة عبس [٨٠: ٢٤] ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: ﴿فَلْيَنظُرِ﴾: الفاء للتوكيد أو جواب شرط مقدر تقديره: إن أردتم معرفة الله وقدرته، فلينظر الإنسان إلى طعامه نظرة تأمل وتفكر. ﴿الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: من أين توفر له أو من أين جاء، ومن هيَّأه وجهَّزه له، أو من جاء به أو كيف خلقه وجعله سبباً لحياته؟ وتركيب هذا الطعام من مختلف المواد البروتينية والنشوية والدهنية والسكرية، والمعادن والأملاح، وكيف يتم تحضيره بماء المطر وشق الأرض وإخراج مختلف النباتات! سورة عبس [٨٠: ٢٥] ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾: ﴿أَنَّا﴾: للتعظيم. ﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ﴾: أنزلنا ماء المطر على الأرض بغزارة وكثرة حتّى تغني الأرض وتخرج حبها وثمرها، ويتوفر للإنسان الطعام.

стр. 5729

﴿صَبًّا﴾: للتوكيد، وبدون المطر فلن يكون هناك طعامٌ، ففي هذه الآية إشارة ضمنية إلى دورة الأرض. وكيف تم صب هذا الماء بالتبخير، ثم تشكل السحاب ثم تلقيح السحاب ثم سقوط المطر وكون كمية الماء ثابتة على الأرض، ولكن كيفية توزيعها غير ثابتة، ولا أحد يستطيع التحكم بهذا المطر إلا رب العالمين. سورة عبس [٨٠: ٢٦] ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ﴾: بالنباتات والحب والزرع. وكيف يتم هذا الشق: ليسمح للبذرة أن تنمو وتخرج السويقة ثم الأوراق والحب والثمار، فماء المطر ينزل على التربة المكونة من معادن بشكل صفائح رقيقة تحمل على سطحها شحنات إيجابية وسلبية، فيؤدي وصول الماء إليها إلى تبادل الشحنات والاهتزاز والانشقاق. ﴿شَقًّا﴾: للتوكيد. شقاً: مصدر لفعل شق، ثم ذكر ثمانية أنواع من النباتات التي تخرجها الأرض. سورة عبس [٨٠: ٢٧] ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾: الحب: مثل الحنطة (القمح) والشعير والرز والذرة وغيرها من أنواع الحبوب. سورة عبس [٨٠: ٢٨] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾: عنباً: العنب بأنواعه.

стр. 5730

قضباً: قيل: هي النباتات المستخدمة لإطعام الحيوانات مثل العلف والبرسيم والعشب. سورة عبس [٨٠: ٢٩] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾: شجر الزيتون وشجر النخيل بأنواعه المختلفة، واختار الزيتون والعنب؛ لأنها تمثل أهم الثمار. سورة عبس [٨٠: ٣٠] ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: حدائق جمع حديقة: كل بستان له سور أو محاط بشجر كثيف. غُلباً: كثيفة الأشجار؛ أي: الملتفَّة. سورة عبس [٨٠: ٣١] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾: فاكهة: اسم جنس يشمل كل أنواع الفواكه. أبًّا: ما تأكله الحيوانات من التبن والعشب اليابس والنبات. سورة عبس [٨٠: ٣٢] ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: طعاماً لكم (خاصة) ولأنعامكم. ارجع إلى سورة النازعات الآية (٣٣) للبيان. سورة عبس [٨٠: ٣٣] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: الفاء استئنافية، إذا: شرطية تدل على حتمية الوقوع. ﴿جَاءَتِ﴾: من المجيء، والمجيء في القرآن: يستعمل في الصعوبة والمشقة، وأتى: تستعمل في الأمر السهل.

стр. 5731

الصاخة: قيل: الصيحة أو النفخة الثانية، وسميت بالصاخة؛ لأنها تصم الأذان أي: تكاد تصمها لشدتها، ويقال: صخَّ فلان فلاناً، إذا أصمه، ولها أسماء أخرى منها: الحاقة، القارعة، الطامة، الساعة، الراجفة، الرادفة، الأزفة، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسماً، كما قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، وقال القرطبي: كل ما عظم شأنه تعددت صفاته وكثرت أسماؤه. سورة عبس [٨٠: ٣٤] ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾: ولم يقل سبحانه يوم يفر الإنسان؛ لأن كلمة الإنسان تشمل الذكر والأنثى؛ أي: يوم تجيء الصاخة (النفخة الثانية) أو يوم البعث يفر المرء: الرجل، والفرار: هو الجري بسرعة، المصحوب بالخوف وعدم التستر. من أخيه: من ابتدائية، أخيه في النسب. سورة عبس [٨٠: ٣٥] ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾: سورة عبس [٨٠: ٣٦] ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾: ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: زوجته، والزوجة لا تسمى صاحبة إلا إذا كان له ولد منها؛ تعني: الصحبة دامت حتى ولدت له. ﴿وَبَنِيهِ﴾: الأبناء والأولاد: وبنيه تدل على الكثرة، وفيها تصغير يدل على الرأفة والشفقة، والأبناء تدل على القلة. سورة عبس [٨٠: ٣٧] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: ﴿لِكُلِّ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿امْرِئٍ مِّنْهُمْ﴾: من الإنس والجن.

стр. 5732

﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم ظرف أضيف إلى ظرف إذ؛ أي: يوم القيامة. ويوم: نكرة للتهويل والتعظيم. ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: لكل منهم شاغل يشغله عن أقرب الناس وهم أهله، ويقول: اللهم نفسي نفسي. وهذا الفرار سببه هول ذلك اليوم والخوف والرعب الذي يؤدي بالإنسان إلى نسيان أهله وأولاده وأقاربه، وإذا رآهم لا يتوقف ويستمر في جريه بحثاً عن الملجأ والمنجا. ويبدأ الفرار من الأبعد إلى الأقرب، من الأخ ثم الأب والأم ثم الزوجة والأولاد، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١ - ١٤) في سورة المعارج وهي قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُئْوِيهِ﴾: نجد أن النداء يبدأ بالأقرب فالأبعد بعكس الفرار. ارجع إلى سورة المعارج لمزيد من البيان ومعرفة السبب، والاختلاف بين الآيتين. سورة عبس [٨٠: ٣٨] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾: ﴿مُّسْفِرَةٌ﴾: من أسفر الصّبح؛ أي: أضاء؛ أي: وجوه المؤمنين يومئذ مضيئة نيرة تضيء وتنير من آثار الإيمان والوضوء. سورة عبس [٨٠: ٣٩] ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾: ﴿مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾: مؤنث مستبشر من الفعل: استبشر؛ أي: تظهر على وجوههم علامات البشر والفرح والبهجة والحبور؛ لأنهم بشّروا بالجنة ونعيمها. سورة عبس [٨٠: ٤٠] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾: ووجوه الأشقياء الكفار يومئذٍ: يوم البعث والحشر:

стр. 5733

﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾: كناية عن تغيرها بسبب الغم والحزن والقنوط، أو تعني: عليها التراب. سورة عبس [٨٠: ٤١] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾: ﴿تَرْهَقُهَا﴾: تغشاها. ﴿قَتَرَةٌ﴾: يقال: رهقه: غشية بقهر، قترة: من القتار؛ الهواء الممتلئ بدخان الدّهن المحترق (دخان أسود) من دخان جهنم. سورة عبس [٨٠: ٤٢] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد تفيد الذّم. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد. ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾: الكفرة: جمع كافر جمع كثرة غير محددين بعدد، بينما الكافرون أقل نسبة من الكفرة، كل من لا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. والفجرة: جمع فاجر: وهم كثرة، وقيل الفاجر: من عمل الكبائر ومات ولم يتب، والفجور: الخروج عن حدود الله وطاعة الله، وارتكاب المحرمات كالربا والزنى وسفك الدماء، والدوام على ذلك. هم الكفرة الفجرة؛ أي: الكفار هم الفجَّار، أو هناك كفرة وفجرة، أو هناك من اشترك في الصّفتين الكفر والفجور، أو الكفرة خبر أوّل والفجرة خبر ثان.

стр. 5734

سورة التكوير [٨١: ١] سورة التكوير ترتيبها في القرآن (٨١) وترتيبها في النّزول (٧). ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: الشمس هي إحدى النجوم، وهي فرن نووي هائل مركب من غاز الهيدروجين بنسبة (٧٣%) والهيليوم بنسبة (٢٤%) وغازات أخرى مثل الأوكسجين والكربون وغيرها من الغازات. وتبعد الشّمس عن الأرض حوالي (٩٢، ٩٠٠، ٠٠٠ مليون ميل) أي: حوالي (١٤٩، ٦٠٠، ٠٠٠ كم). وقطر الشّمس حوالي (١، ٣٩ مليون كم) أو ما يعادل (٨٦٤، ٠٠٠ ميلاً) أو ما يعادل (١٠٩) ضعف قطر الأرض. أما كتلة الشّمس فهي تساوي (٣٣٠، ٠٠٠) كتلة الأرض. وهي تسبح حول مركز مجرة درب التبانة بسرعة تقدر (٢٢٠ كم/ ثانية) لتكمل دورة واحدة كل حوالي (٢٢٦ مليون سنة) حول مركز المجرة. والشّمس والقمر والأرض تجري بسرعة (١٩ كم/ ثانية). والشّمس تعتبر أهم مصدر للطاقة على الأرض؛ فهي مصدر للضوء

стр. 5735

والحرارة، ودرجة حرارة الشمس في مركزها يصل إلى حوالي (١٥ مليون درجة مئوية)، وعلى سطحها حوالي (٦ آلاف درجة مئوية). ﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تستعمل للأمور الحتمية الحدوث. ﴿الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: وتقديم الفاعل (الشمس) على الفعل المحذوف يفيد التهويل والتعظيم وهذا ما نراه في الآيات (١) إلى الآية (١٣) تقديم الفاعل على الفعل؛ الشّمس هذه الكتلة الملتهبة التي تمتد منها ألسنة اللهب عشرات الآلاف من الكيلومترات، وقد يصل بعضها إلى أكثر من نصف مليون كم. وتكور الشّمس: يحدث عندما يخبو النشاط النووي داخل الشّمس ويبدأ بالنقص، مما يؤدي إلى انسحاب ألسنة اللهب، ويقل نورها تدريجياً وتظلم، وهذه من علامات الساعة؛ أي: بداية تهدُّم النظام الكوني. سورة التكوير [٨١: ٢] ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾: هذه علامة أخرى من أحداث الساعة؛ أي: تهدُّم النظام الكوني. ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿النُّجُومُ﴾: أجرام سماوية مركبة في معظمها من مادة غازية ملتهبة يغلب على تركيبها مادة الإيدروجين الذين يشكل حوالي (٧٥%) من المادة الغازية، هذا التفاعل يجعلها شديدة الحرارة مضيئة، والنّجوم تمر بدور حياة تتحول من نجوم عادية إلى نجوم حمراء عملاقة، ثمّ تتقلص بعد تمددها وتصبح نجوماً بيضاء ثمّ سوداء ثمّ ثقوباً سوداء، ثم تنفجر وتنكمش على نفسها وتقل حجماً وتزداد جاذبية واختفاء إلى الأبد. ويقدر عددها في مجرتنا وحدها بأكثر من (١٠٠ - ٤٠٠ مليار نجم).

стр. 5736

﴿انكَدَرَتْ﴾: من الكدر: أصبحت غير صافية الضوء كان فيها عكر، وقيل: انطمس ضوؤها؛ أي: نقص لمعانها وتضاءل، ولا يعني زواله كاملاً. سورة التكوير [٨١: ٣] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الوقوع، وتكرارها يفيد التوكيد. ﴿الْجِبَالُ﴾: مكونة من صخور، والصخور مكونة من المعادن، والمعادن مكونة من جزيئات والجزيئات من ذرات، والذرات مرتبطة ببعضها بقوى الجاذبية فإذا زالت الجاذبية عندها ستسير الجبال. فمعنى ﴿الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾: أزيلت واقتلعت من أماكنها، وكما بينت الآيات الأخرى: تدكّ وتنسف وتتحول إلى كثيب مهيل، ثم تكون كالعهن المنفوش والسراب، ثم تزول من الأرض ولن يكون هناك جبال على الأرض الجديدة. سورة التكوير [٨١: ٤] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾: ومن أحداث الساعة أيضاً: ﴿الْعِشَارُ﴾: جمع عشراء، وهي النّاقة الحامل التي مرَّ على حملها (١٠) أشهر وهي عند مالكها أثمن وأفضل من الأموال. ﴿عُطِّلَتْ﴾: أي أهملت فلا راع يرعاها؛ لذهول صاحبها، ولم تعد لها قيمة في نظره. سورة التكوير [٨١: ٥] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية (١) من السورة نفسها. ﴿الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: جمع وحش: هو الحيوان البري المفترس، وهنا يقصد به سائر الحيوانات، والحشر: هو السّوق والجمع. فالوحوش تحشر؛ أي: تخرج

стр. 5737

من جحورها وأوكارها حين تحدث الزلازل وتمور الأرض، وقد تبيّن أن هذه الحيوانات تشعر بالهزات الأرضية قبل أن يشعر بها الإنسان، ولذلك تحاول النجاة فتخرج باحثة عن ملجأ لها. سورة التكوير [٨١: ٦] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾: التسجير: هو الإحماء إلى درجة الاحمرار. ﴿سُجِّرَتْ﴾: اشتعلت ناراً بسبب الانفجارات وتلاطم الصّفائح القارية تحت البحار والمحيطات، مما يؤدي إلى اختلاط طبقات الأرض الحديد والنّحاس المذاب بغيره من المواد البترولية المخزونة في أعماق البحار والغازات المشتعلة. ارجع إلى سورة الطور آية (٦) لمزيد من البيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣) في سورة الانفطار وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: نجد أن مرحلة الانفجار تسبق مرحلة الاشتعال. ﴿سُجِّرَتْ﴾: أي: صارت ناراً، والانفجار قد يؤدي إلى الاشتعال وإلى الفيضانات على وجه الأرض، وإذا قارنا البحار مع الأبحر في القرآن نجد البحار تعني: جمع كثرة، والأبحر: جمع قلة. هذه الأحداث السّتة تحدث في الدّنيا عند النّفخة الأولى. ثم يذكر الله سبحانه ستة أحداث تحدث بعد النفخة الثانية يوم القيامة في الآخرة. سورة التكوير [٨١: ٧] ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية الأولى من السورة نفسها. ﴿النُّفُوسُ﴾: أعيدت إلى الأجساد؛ أي: ردّت النفوس إلى الأجساد، بعد

стр. 5738

أن ترد الأرواح أولاً، ويخرج العبد من القبر ويساق إلى أرض المحشر للحساب والجزاء، وقد تعني أيضاً: يقرن كل إنسان بشكله؛ أي: العاصون معاً والمحسنون معاً وهكذا. سورة التكوير [٨١: ٨] ﴿وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ﴾: ومن أحداث يوم القيامة. ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية الأولى من السّورة نفسها. ﴿الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ﴾: هي الأنثى التي دفنت حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية من وَأْد البنات: تطمر بالرّمل أو التّراب حية؛ خوفاً من العار أو الفقر! فجاء الإسلام فحرم ذلك، تسئل هذه الموءودة التي قتلت: بأيِّ ذنب قتلت؟ سورة التكوير [٨١: ٩] ﴿بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾: ﴿بِأَىِّ﴾: الباء تعليلية أو باء السّببية، أي: استفهام فيه توبيخ لقاتل الموءودة. ﴿ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾: ما سبب قتلها وما هو الذّنب والجرم الذي ارتكبته حتى تُوأَد؟ وفي هذه الآية تهديد ووعيد لكلّ قاتل. سورة التكوير [٨١: ١٠] ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: ومن أحداث يوم القيامة: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تستعمل للأمور الحتمية الحدوث. ﴿الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: الصّحف: جمع صحيفة: التي تكتب فيها أعمال العبد، نشرت: فتحت وأعدّت للقراءة بعد أن كانت مطويّة، ثمّ توزع على أصحابها؛ ليقرؤوها كما قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. أو تطايرت الصحف.

стр. 5739

سورة التكوير [٨١: ١١] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية الأولى من السّورة نفسها. ﴿السَّمَاءُ﴾: أي السّموات السّبع طويت. ﴿كُشِطَتْ﴾: اقتلعت وأزيلت وبدِّلت بسماء جديدة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. سورة التكوير [٨١: ١٢] ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية الأولى من السّورة نفسها. ﴿الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾: سعّر النّار: أوقدها أو ألهبها، الجحيم: اسم علم للنار، وقيل: دركة من دركات النّار، الجحيم: مشتقة من الجحوم: التّأجج فلا تخمد أبداً. سورة التكوير [٨١: ١٣] ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية الأولى من السّورة نفسها؛ للبيان. ﴿الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾: قُرِّبت وأُدنيت من المتقين كقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]. سورة التكوير [٨١: ١٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾: علمت كلّ نفس ما أحضرت من أعمال خير وحسنات أو شر وسيئات، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]. ﴿نَفْسٌ﴾: نكرة والتّنكير يفيد العموم، ومن المفسرين من قال: علمت نفس

стр. 5740

ما أحضرت؛ تعني: ما أحضرت من عمل صالح كثمن يدخل الجنة؛ لأنّه سبقها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [آية: ١٣]. لنقارن بين قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥]: علمت نفس ما قدمت وأخرت: موقف يحدث قبل بدء الحساب عندما تتبعثر القبور ويساق إلى أرض المحشر. وأما عندما تُقرب إليه الجنة (وإذا الجنة أزلفت) ويراها، فيعلم عندها ما أحضر ثمناً لها من العمل الصالح، فهو موقف آخر موقف متأخر عن الأول. سورة التكوير [٨١: ١٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: ارجع إلى سورة القيامة الآية (١). ﴿بِالْخُنَّسِ﴾: الخنس أو الخنوس يعني: الاختفاء الكامل؛ أي: لا تُرى بالكامل وعدم عودة ظهورها مرة أخرى وتسمى الثّقوب السّوداء، أكبر من الشّمس بعشرين مرة، ولها صفات مميزة بالإضافة إلى الخنس: وهو الاختفاء كاملاً. سورة التكوير [٨١: ١٦] ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: الجوار: أي التي تجري بسرعات كبيرة ثانياً، والكنس: أي التي لها وظيفة الكنس ثالثاً. ﴿الْجَوَارِ﴾: جمع جارية تجري في أفلاكها، وتجري بسرعة هائلة تقدر بـ (٣٠ مليون كم/ بالساعة). ﴿الْكُنَّسِ﴾: تكنس وتنظّف السّموات والكواكب والمجرات والفضاء والكون بجاذبيتها التي تشبه وظيفة المكنسة الكهربائية، وسمّيت بالثّقوب

стр. 5741

السوداء؛ لقدرتها على امتصاص وابتلاع بقايا التّفاعلات الكونية والكواكب والغازات السّامة والضّارة والطّاقة، أو المواد العاطلة، أو الناجمة عن التفاعلات الكونية، وهذه الثّقوب السّوداء تمثل المرحلة الأخيرة في دورة النّجوم الحياتية كمرحلة الشّيخوخة عند الإنسان، ثم تنفجر وتعود إلى دخان كما بدأت من دخان، كما يموت الإنسان ويتحول إلى تراب كما خلق من تراب. والخلاصة: يقسم الله سبحانه بالخنّس الجوار الكنّس بهذه النجوم العملاقة المختفية اختفاءً كاملاً، والتي تجري بسرعات هائلة في مداراتها لتكنس صفحة السماء، وعندما تصل إلى كثافة شديدة تنفجر وتتحول إلى دخان، فهي آية من الآيات الكبرى الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وأن القرآن الكريم هو تنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين .. سورة التكوير [٨١: ١٧] ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: ﴿وَالَّيْلِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله بالليل إذا عسعس، وجواب القسم: إنّه لقول رسول كريم. ﴿وَالَّيْلِ إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿عَسْعَسَ﴾: قيل: تعني أقبل، وقيل: أدبر، لها معنيان متضادان؛ أي: عسعس من ألفاظ الأضداد: أي والليل إذا أقبل بظلامه، أو الليل إذا أدبر ظلامه، وقيل: العسعسة رقة الظّلام؛ أي: انخفاض درجة سواد الليل في بدئه وفي نهايته، فالليل لا يكون حالك السواد في بدايته أو نهايته، فالعسعسة بداية الليل وآخره، وتبادل الليل والنهار من الأمور الفريدة لجعل كوكب الأرض صالحاً للحياة؛ لأن الغالبية

стр. 5742

الساحقة من الكائنات الحية لا تستطيع أن تحيا في ظلام (٢٤ ساعة) أو نور كامل (٢٤ ساعة). سورة التكوير [٨١: ١٨] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: ﴿وَالصُّبْحِ﴾: واو القسم، يقسم الله بالصّبح إذا تنفّس، وجواب القسم: إنّه لقول رسول كريم. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: شبه الله سبحانه الصبح بالإنسان حين يتنفّس، شبه الصبح حين طلوعه بالإنسان الذي يأخذ الهواء ليمدِّد رئتيه (بالشهيق)، وهذا ما يحدث حول الأرض حين طلوع الصبح، حيث للأرض خمسة نُطُق حماية منها نطاق الأوزون والمغناطيسي والمناخ والشعاعي وغيرها، هذه النُّطق حين تطلع الشمس وتصل أشعتها إلى الأرض، تتمدّد وتبتعد عن الأرض وكأنها تقوم بشهيق، وعندما يأتي الليل تنكمش هذه النُّطق وكأنها تقوم بعملية إخراج الهواء (الزفير). سورة التكوير [٨١: ١٩] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هذا هو جواب القسم: فلا أقسم بالخنّس الجوار الكنّس والليل إذا عسعس والصّبح إذا تنفّس: إنه لقول رسول كريم. إنّ واللام في كلمة "لقول" تفيدان التّوكيد. ﴿إِنَّهُ﴾: أي القرآن الكريم لقول رسول كريم؛ أي: جبريل ﵇ كريم عزيز على الله تعالى وأمين، ونسب القول إلى جبريل؛ لأنّه هو الواسطة في تبليغ الوحي. ﴿كَرِيمٍ﴾: عزيز على الله وأمين، وكريم يؤدي ما طُلب منه، وكريم لكرم أخلاقه وخصاله فهو أفضل الملائكة وأعظم درجة عند ربه.

стр. 5743

لنقارن هذه الآية (١٩) في سورة التكوير وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ مع الآية (٤٠) في سورة الحاقة وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. ففي آية التّكوير الرسول هو جبريل ﵇ لقوله: "ذي قوة عند ذي العرش مكين"، وأمّا آية الحاقة الرّسول هو محمّد ﷺ لقوله: "وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن" وكلاهما جبريل ﵇ ومحمد ﷺ وصف بالرسول الكريم. سورة التكوير [٨١: ٢٠] ﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: ﴿ذِى﴾: بمعنى صاحب، ووقوله تعالى: (ذي) أشرف وأبلغ من قوله: صاحب. ﴿قُوَّةٍ﴾: شديد القوى، قيل: له (٦٠٠) جناح، اقتلع قرى قوم لوط، يهبط ويعرج إلى السّماء في يوم مقداره (١٠٠٠ سنة) مما تعدّون، وشديد القوى في الحفظ والتّبليغ. ﴿عِنْدَ﴾: لا تعني المكان وإنما عنديّة المنزلة والتّشريف والتّعظيم. ﴿ذِى الْعَرْشِ﴾: عند الله سبحانه، ذي العرش: صاحب العرش جل وعلا. ﴿مَكِينٍ﴾: ذو مكانة وشرف وقرب تفوق منازل الملائكة كلّهم. سورة التكوير [٨١: ٢١] ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾: ﴿مُّطَاعٍ﴾: في الملأ الأعلى. ﴿ثَمَّ﴾: ظرف مكان؛ أي: مطاع هناك. ﴿أَمِينٍ﴾: على الوحي أو رسالات ربه، لا يزيد ولا ينقص.

стр. 5744

سورة التكوير [٨١: ٢٢] ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾: هذا أيضاً من جواب القسم. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿صَاحِبُكُمْ﴾: محمّد رسول الله ﷺ مشتقة من: الصّحبة، فقد صحبكم منذ الولادة ولمدة (٤٠) سنة قبل نبوته وتعرفون رجاحة عقله بالصّحبة وصدقه وأمانته وتسمونه الأمين، وإضافته إليهم ليكونوا أشدَّ لوماً وتوبيخاً لهم على ما يقولون. ﴿بِمَجْنُونٍ﴾: الباء للإلصاق، وناداه بصاحبهم ولم يناده بالنّبي والرّسول؛ لإقامة الحجة عليهم لكونهم يعرفونه لأكثر من (٤٠) عاماً فكيف تزعمون أنّه مجنون وهو أكملكم عقلاً؟! سورة التكوير [٨١: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿رَآهُ﴾: أي رأى محمّد ﷺ جبريل ﵇ في صورة الحقيقة وله (٦٠٠) جناح. ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: الأفق البيِّن في مطلع أو أفق الشّمس؛ أي: الأفق الأعلى، والمراد بها الرّؤية الأولى: بعد غار حراء، وأمّا الرّؤية الثّانية فكانت لما عرج به ﵊ إلى السّماء ليلة الإسراء والمعراج. ارجع إلى سورة النجم الآية (١٣ - ١٤) للمقارنة ومزيد من البيان.

стр. 5745

سورة التكوير [٨١: ٢٤] ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾ الواو عاطفة ما النّافية، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: محمّد ﷺ رسول الله. ﴿عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: من فعل ضنّ: بمعنى بخل بالشّيء؛ أي: بخيل؛ أي: يكتم أو يشحّ بشيء مما أوحاه الله تعالى إليه من الوحي فلم يبلّغه للناس، وإذا قرأها قارئ بالظّاء اختلف المعنى وأصبح معناها: لا يخبر شيئاً عن ربه بطريق الظّن بل هو صادق في كلّ ما يخبر عن ربه كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. سورة التكوير [٨١: ٢٥] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾: ما النّافية، هو: القرآن الكريم. ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي ما تنزّلت به الشّياطين باستراق السمع من الملأ الأعلى حتّى تقولوا: إنه قول شيطان ألقاه على كاهن. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٣٦) لبيان معنى الشيطان الرجيم. سورة التكوير [٨١: ٢٦] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: ﴿فَأَيْنَ﴾: جواب لسؤال مقدر هو: إن تبيّن لكم أنّ محمّداً حق والقرآن حق، أين: اسم استفهام للتوبيخ والتّعجب. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: إن ضللتم الطريق، أو أين تذهبون من سخط الله وانتقامه. سورة التكوير [٨١: ٢٧] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾: حرف نفي أشد نفياً من ما؛ أي: ما هو إلا ذكر للعالمين. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد، تعود على القرآن. ﴿إِلَّا﴾: للحصر.
следующие страницы →