← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

السوداء؛ لقدرتها على امتصاص وابتلاع بقايا التّفاعلات الكونية والكواكب والغازات السّامة والضّارة والطّاقة، أو المواد العاطلة، أو الناجمة عن التفاعلات الكونية، وهذه الثّقوب السّوداء تمثل المرحلة الأخيرة في دورة النّجوم الحياتية كمرحلة الشّيخوخة عند الإنسان، ثم تنفجر وتعود إلى دخان كما بدأت من دخان، كما يموت الإنسان ويتحول إلى تراب كما خلق من تراب. والخلاصة: يقسم الله سبحانه بالخنّس الجوار الكنّس بهذه النجوم العملاقة المختفية اختفاءً كاملاً، والتي تجري بسرعات هائلة في مداراتها لتكنس صفحة السماء، وعندما تصل إلى كثافة شديدة تنفجر وتتحول إلى دخان، فهي آية من الآيات الكبرى الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وأن القرآن الكريم هو تنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين .. سورة التكوير [٨١: ١٧] ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: ﴿وَالَّيْلِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله بالليل إذا عسعس، وجواب القسم: إنّه لقول رسول كريم. ﴿وَالَّيْلِ إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿عَسْعَسَ﴾: قيل: تعني أقبل، وقيل: أدبر، لها معنيان متضادان؛ أي: عسعس من ألفاظ الأضداد: أي والليل إذا أقبل بظلامه، أو الليل إذا أدبر ظلامه، وقيل: العسعسة رقة الظّلام؛ أي: انخفاض درجة سواد الليل في بدئه وفي نهايته، فالليل لا يكون حالك السواد في بدايته أو نهايته، فالعسعسة بداية الليل وآخره، وتبادل الليل والنهار من الأمور الفريدة لجعل كوكب الأرض صالحاً للحياة؛ لأن الغالبية

стр. 5742

الساحقة من الكائنات الحية لا تستطيع أن تحيا في ظلام (٢٤ ساعة) أو نور كامل (٢٤ ساعة). سورة التكوير [٨١: ١٨] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: ﴿وَالصُّبْحِ﴾: واو القسم، يقسم الله بالصّبح إذا تنفّس، وجواب القسم: إنّه لقول رسول كريم. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: شبه الله سبحانه الصبح بالإنسان حين يتنفّس، شبه الصبح حين طلوعه بالإنسان الذي يأخذ الهواء ليمدِّد رئتيه (بالشهيق)، وهذا ما يحدث حول الأرض حين طلوع الصبح، حيث للأرض خمسة نُطُق حماية منها نطاق الأوزون والمغناطيسي والمناخ والشعاعي وغيرها، هذه النُّطق حين تطلع الشمس وتصل أشعتها إلى الأرض، تتمدّد وتبتعد عن الأرض وكأنها تقوم بشهيق، وعندما يأتي الليل تنكمش هذه النُّطق وكأنها تقوم بعملية إخراج الهواء (الزفير). سورة التكوير [٨١: ١٩] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾: هذا هو جواب القسم: فلا أقسم بالخنّس الجوار الكنّس والليل إذا عسعس والصّبح إذا تنفّس: إنه لقول رسول كريم. إنّ واللام في كلمة "لقول" تفيدان التّوكيد. ﴿إِنَّهُ﴾: أي القرآن الكريم لقول رسول كريم؛ أي: جبريل ﵇ كريم عزيز على الله تعالى وأمين، ونسب القول إلى جبريل؛ لأنّه هو الواسطة في تبليغ الوحي. ﴿كَرِيمٍ﴾: عزيز على الله وأمين، وكريم يؤدي ما طُلب منه، وكريم لكرم أخلاقه وخصاله فهو أفضل الملائكة وأعظم درجة عند ربه.

стр. 5743

لنقارن هذه الآية (١٩) في سورة التكوير وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ مع الآية (٤٠) في سورة الحاقة وهي قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. ففي آية التّكوير الرسول هو جبريل ﵇ لقوله: "ذي قوة عند ذي العرش مكين"، وأمّا آية الحاقة الرّسول هو محمّد ﷺ لقوله: "وما هو بقول شاعر ولا بقول كاهن" وكلاهما جبريل ﵇ ومحمد ﷺ وصف بالرسول الكريم. سورة التكوير [٨١: ٢٠] ﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: ﴿ذِى﴾: بمعنى صاحب، ووقوله تعالى: (ذي) أشرف وأبلغ من قوله: صاحب. ﴿قُوَّةٍ﴾: شديد القوى، قيل: له (٦٠٠) جناح، اقتلع قرى قوم لوط، يهبط ويعرج إلى السّماء في يوم مقداره (١٠٠٠ سنة) مما تعدّون، وشديد القوى في الحفظ والتّبليغ. ﴿عِنْدَ﴾: لا تعني المكان وإنما عنديّة المنزلة والتّشريف والتّعظيم. ﴿ذِى الْعَرْشِ﴾: عند الله سبحانه، ذي العرش: صاحب العرش جل وعلا. ﴿مَكِينٍ﴾: ذو مكانة وشرف وقرب تفوق منازل الملائكة كلّهم. سورة التكوير [٨١: ٢١] ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾: ﴿مُّطَاعٍ﴾: في الملأ الأعلى. ﴿ثَمَّ﴾: ظرف مكان؛ أي: مطاع هناك. ﴿أَمِينٍ﴾: على الوحي أو رسالات ربه، لا يزيد ولا ينقص.

стр. 5744

سورة التكوير [٨١: ٢٢] ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾: هذا أيضاً من جواب القسم. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿صَاحِبُكُمْ﴾: محمّد رسول الله ﷺ مشتقة من: الصّحبة، فقد صحبكم منذ الولادة ولمدة (٤٠) سنة قبل نبوته وتعرفون رجاحة عقله بالصّحبة وصدقه وأمانته وتسمونه الأمين، وإضافته إليهم ليكونوا أشدَّ لوماً وتوبيخاً لهم على ما يقولون. ﴿بِمَجْنُونٍ﴾: الباء للإلصاق، وناداه بصاحبهم ولم يناده بالنّبي والرّسول؛ لإقامة الحجة عليهم لكونهم يعرفونه لأكثر من (٤٠) عاماً فكيف تزعمون أنّه مجنون وهو أكملكم عقلاً؟! سورة التكوير [٨١: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿رَآهُ﴾: أي رأى محمّد ﷺ جبريل ﵇ في صورة الحقيقة وله (٦٠٠) جناح. ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: الأفق البيِّن في مطلع أو أفق الشّمس؛ أي: الأفق الأعلى، والمراد بها الرّؤية الأولى: بعد غار حراء، وأمّا الرّؤية الثّانية فكانت لما عرج به ﵊ إلى السّماء ليلة الإسراء والمعراج. ارجع إلى سورة النجم الآية (١٣ - ١٤) للمقارنة ومزيد من البيان.

стр. 5745

سورة التكوير [٨١: ٢٤] ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾ الواو عاطفة ما النّافية، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: محمّد ﷺ رسول الله. ﴿عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: من فعل ضنّ: بمعنى بخل بالشّيء؛ أي: بخيل؛ أي: يكتم أو يشحّ بشيء مما أوحاه الله تعالى إليه من الوحي فلم يبلّغه للناس، وإذا قرأها قارئ بالظّاء اختلف المعنى وأصبح معناها: لا يخبر شيئاً عن ربه بطريق الظّن بل هو صادق في كلّ ما يخبر عن ربه كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. سورة التكوير [٨١: ٢٥] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾: ما النّافية، هو: القرآن الكريم. ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: أي ما تنزّلت به الشّياطين باستراق السمع من الملأ الأعلى حتّى تقولوا: إنه قول شيطان ألقاه على كاهن. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٣٦) لبيان معنى الشيطان الرجيم. سورة التكوير [٨١: ٢٦] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: ﴿فَأَيْنَ﴾: جواب لسؤال مقدر هو: إن تبيّن لكم أنّ محمّداً حق والقرآن حق، أين: اسم استفهام للتوبيخ والتّعجب. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: إن ضللتم الطريق، أو أين تذهبون من سخط الله وانتقامه. سورة التكوير [٨١: ٢٧] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾: حرف نفي أشد نفياً من ما؛ أي: ما هو إلا ذكر للعالمين. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد، تعود على القرآن. ﴿إِلَّا﴾: للحصر.

стр. 5746

﴿ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي ما هو إلا ذكرٌ لكم وللعالمين أيضاً (الإنس والجن). ارجع إلى سورة يوسف الآية (١٠٤)، وسورة ص الآية (٨٧) للبيان والمقارنة. تذكركم بواجبكم وبالآخرة والاستعداد لها، وذكر: يعني فيه شرفكم واستقامة حياتكم ومعاشكم. سورة التكوير [٨١: ٢٨] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ﴾: أي: هو ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم بطلب الاستقامة على منهاج ربه (دينه وصراطه المستقيم). وهذه المشيئة لا تكون إلا بتوفيق من الله سبحانه وهي تتطلب منكم ابتداء العزم على فعل الاستقامة (والمشيئة تسبق الإرادة: والإرادة هي العزم على الفعل). سورة التكوير [٨١: ٢٩] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية ما النافية. ﴿تَشَاءُونَ﴾: شيئاً أو أمراً ما كالاستقامة على الطريق المستقيم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي لا تقدرون على الاستقامة على الصراط، أو أن تفعلوا شيئاً لا بمشيئة الله وتوفيقه، فمشيئة الله تسبق مشيئة العبد، أو مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله إذا شاء الله أولاً ثم الأمر سواء شئتم أم أبيتم. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى سورة الحمد آية (٢).

стр. 5747

سورة الإنفطار [٨٢: ١] سورة الإنفطار سورة الانفطار [الآيات ١ - ١٩] ترتيبها في القرآن (٨٢) وترتيبها في النّزول (٨٢). ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾: تبدأ السورة بالحديث عن أربعة أحداث تحدث يوم تقوم الساعة؛ أي: بداية تغيّر معالم الكون وانتهاء الحياة على هذه الأرض بكل أشكالها. ﴿إِذَا﴾: ظرف للاستقبال تتضمّن معنى الشرط وتفيد حتمية الوقوع. ﴿السَّمَاءُ﴾: أي السّموات السبع. تقديم الفاعل (السماء) على الفعل المحذوف يفيد التهويل والتعظيم مقارنة بقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ ليس فيها تقديم؛ لأن زلزلت الأرض شيء يحدث ونراه، أما انتظار السماء وانتشار الكواكب وانفجار البحار لم نره أبداً. ﴿انفَطَرَتْ﴾: من الفَطْر: وهو الشقُّ؛ أي: انشقّت بعد أن كانت ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢]. كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فكانت وردة كالدِّهان، وتكون كالمهل كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩]، ﴿فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦ - ١٧].

стр. 5748

سورة الإنفطار [٨٢: ٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة. ﴿الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾: تساقطت وتهاوت بسبب اختلال القوى المغنطيسية أو القوى الجاذبة، تركت مداراتها اختلّ نظامها المحكم، أو انفجرت وتحولت إلى أشلاء متناثرة صغيرة وكبيرة تسقط على الأرض أو في البحار والمحيطات. سورة الإنفطار [٨٢: ٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة. ﴿الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: انفجرت حدثت انفجارات داخلها بسبب تصادم الصّفائح القارية تحت البحار، مما يؤدي إلى اختلاط الطّبقات السّائلة والمعدنية والغازية والبترول، مما يؤدي بالتّالي لحرائق واشتعال النّيران كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]. ففي قيعان البحار يلتقي بخار الماء بالنيران مما يؤدي إلى تبخّر قسم من الماء من البحار والمحيطات والبحيرات والأنهار، ثم يصعد بخار الماء في السماء وحين يلتقي بطبقة باردة مما يؤدي إلى نزوله كماء مرة أخرى، أو يخرج من فوهات البراكين، وهكذا فلا الماء يطفئ النيران كاملاً ولا النيران تبخر الماء كاملاً، وهكذا يبقى التوازن إلى أن تقوم الساعة وعندها يختل هذا التوازن تنشب النيران في البحار. سورة الإنفطار [٨٢: ٤] ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾: وهذا يحدث عند النفخة الثانية (نفخة القيام). ﴿وَإِذَا﴾: كالسّابقة. ﴿الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾: بعثر الشّيء: قلب بعضه على بعض وجعل أعلاه أسفله، تنقض وينقلب التّراب في القبور حتّى يخرج منه الميت، وفي تلك الفترة يسمى

стр. 5749

القبر جدثاً، ولنعلم أن بَعْثرة القبور يصيب الأرض الجديدة التي ستحتوي كل ذرات الأرض القديمة أو الحالية بما فيها بقايا البشر (عظامهم ورفاتهم) بما في ذلك عجب الذنب الحاوي على خلايا جذعية كاملة القدرات والقادرة على تكوين كل إنسان من جديد بشفرته الوراثية وحموضه النووية. سورة الإنفطار [٨٢: ٥] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾: ارجع إلى سورة التّكوير الآية (١٤) للبيان والمقارنة. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي قدمت من أعمال خير أو شر، وما أخرت من صدقة جارية أو سنة حسنة أو سيئة أو ما قدمت في أول عمرها وآخره. سورة الإنفطار [٨٢: ٦] ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا﴾: يا: النّداء للبعد والهاء للتنبيه: نداء إلى المؤمن والكافر والمطيع والعاصي. ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: ما: استفهامية، ما حملك على الجرأة على معصية ربك، وعدم طاعته أو جعلك تأمن عقابه أو تغفل عنه أو تنساه، أو ما أطمعك في هذا الإله الكريم وجعلك تظن أنه سيغفر لك ذنوبك. ولا شك أنّ الطّمع في مغفرة الله تعالى أمر مباح كما قال إبراهيم ﵇ ﴿وَالَّذِى أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، والطّمع فيه؛ لأنّه سبحانه كريم ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ [النحل: ٤٠]، فالمؤمن يحق له أن يغرّه كرم ربه، ولكن عليه أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، أو يزن أعماله قبل أن توزن عليه. سورة الإنفطار [٨٢: ٧] ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿خَلَقَكَ﴾: من تراب أو من نطفة أو ماء مهين، والخلق يعني: التّقدير، والخلق بالنسبة لله تعالى يكون من العدم، وبكلمة "كن" فيكون.

стр. 5750

﴿فَسَوَّاكَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، سوّاك بشراً رجلاً أو امرأة تسمع وتبصر وتفكر، والتسوية تعني: اختار لك صفاتك الوراثية الظاهرة والباطنة من الجينات المستترة والسائدة. ﴿فَعَدَلَكَ﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب، معتدلاً قائماً في أحسن صورة تمشي على رجلين، لا تفاوت في خلقك أو أعضائك. سورة الإنفطار [٨٢: ٨] ﴿فِى أَىِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿أَىِّ﴾: اسم شرط. ﴿صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: طويل قصير أبيض أسود ذكر أو أنثى، سمين نحيف حسب الشفرة الوراثية. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٦)، والأعراف آية (١١) للبيان. سورة الإنفطار [٨٢: ٩] ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، أو: حقاً؛ أي: لا تغترّ بكرم ربك كثيراً، وجعله ذريعة للكفر. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي أو الانتقالي. ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: أي ليس السبب هو الطمع في كرمه، بل هو تكذيبكم بالدين؛ بالحساب والجزاء والبعث. سورة الإنفطار [٨٢: ١٠] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد، عليكم يا أيها النّاس "على" تفيد العلو والمشقة. ﴿لَحَافِظِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، حافظين جمع حافظ أو مراقب، وحافظين: جمع قلة مقارنة بقوله تعالى: "يرسل عليكم حفظة" (جمع كثرة) غير

стр. 5751

محدودين بعدد؛ أي: الملائكة الذين يحفظونكم بأمر الله كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. سورة الإنفطار [٨٢: ١١] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾: وصفهم الله تعالى بالبررة فقال تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦]. ﴿كِرَامًا﴾: على ربهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنّهار، لا يفترون من أكرم الخلق على الله تعالى فهو سبحانه كريم وأرسل أو جعل علينا كراماً كاتبين. ﴿كَاتِبِينَ﴾: يكتبون أعمالكم ويحصونها لكم. سورة الإنفطار [٨٢: ١٢] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾: يعلمون ظواهر الأمور ما تقولون وتفعلون فيكتبون ذلك، ولكنهم لا يعلمون بواطن الأمور مثل ذوات الصّدور أو نوايا العبد. بعد هذا التحذير ينتقل إلى الحديث عن مقام الأبرار ومقام الفجار فيقول تعالى: سورة الإنفطار [٨٢: ١٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾: ﴿إِنَّ﴾: إنّ واللام في كلمة "لفي" تفيدان التّوكيد. ﴿الْأَبْرَارَ﴾: جمع "بارّ" ارجع إلى سورة الإنسان الآية (٥) للبيان، ولمقارنة أبرار وبررة. ﴿لَفِى نَعِيمٍ﴾: لفي اللام للتوكيد، في ظرفية، جنات النّعيم الحاوية على كل أنواع النّعيم. سورة الإنفطار [٨٢: ١٤] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: إنّ واللام في "لفي" للتوكيد.

стр. 5752

﴿الْفُجَّارَ﴾: جمع فاجر: وهو الكافر أو المشرك والمصرُّ على معصية الله ورسوله والكبائر ومات بدون توبة، والفجرة: جمع فاجر، جمع كثرة، والفجار جمع قلة بالمقارنة بالفجرة. ﴿لَفِى جَحِيمٍ﴾: اللام للتوكيد، جحيم بصيغة التّنكير للتهويل، والجحيم اسم علم للنار، وقيل: دركة من دركات النّار، والجحيم مشتق من الجحوم: وهو التّأجج. سورة الإنفطار [٨٢: ١٥] ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾: ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: يدخلونها، يقال: صليت الرّجل النّار: إذا أدخلته فيها، وتعني: يحرقون فيها يوم الدّين، من صل اللحم؛ أي: شواه، يوم الدين: يوم الحساب والجزاء. سورة الإنفطار [٨٢: ١٦] ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل للتوكيد. ﴿بِغَائِبِينَ﴾: الباء للإلصاق والملازمة، غائبين: لا يفارقونها فهم ملازمون لها أبداً. سورة الإنفطار [٨٢: ١٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: استفهامية فيها معنى التّهويل والتّفخيم. ﴿أَدْرَاكَ﴾: أعلمك: درى: علم بعد جهل، وتكون أو تتم بإخبار. ﴿مَا﴾: استفهام آخر لزيادة التّهويل والتّفخيم. ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾: يوم القيامة وسمي يوم الدّين؛ أي: يوم الحساب والجزاء. سورة الإنفطار [٨٢: ١٨] ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للإيغال في التّوكيد. ﴿مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾: للتوكيد، فمهما وصلك من الأخبار ومهما

стр. 5753

تصورته وقدّرته فهو أعظم وأعظم بكثير، فتكرار السؤال للتهويل والتعظيم والتوكيد. والفرق بين ما أدراك وما يدريك: إن كل ما أدراك فقد أدراه الله به؛ أي: أخبره وأعلمه، وكل ما يدريك لم يخبره ويعلمه به مثل الساعة والبعث والقيامة. سورة الإنفطار [٨٢: ١٩] ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: أي يوم الدّين. ﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا: النّافية، لا تستطيع أيُّ نفس مهما كانت صالحة أو تقية أن تنفع أو تشفع أو تقدم فدية لنفس آثمة، أو تنصرها أو تدفع عنها العذاب ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: فهو وحده الذي يأمر في ذلك اليوم أو لا يأمر فيه فهو الملك، ملك يوم الدين يحكم بين عباده ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]. والأمر قد يكون واحداً من الأوامر، أو واحداً من الأمور (الأحوال أو الشؤون)، أي لا يأمر فيه إلا الله، وله الشأن وحده في ذلك اليوم وفي غيره. وانتبه إلى عدم تقديم الله: الجار والمجرور للحصر، ولم يقل ولله الأمر يومئذ، وإنما قال: (والأمر يومئذ لله)، ولو قال تعالى: ولله الأمر يومئذٍ لحصر الأمر في ذلك اليوم لله وحده، وفي غيره من الأيام ليس له الأمر، وهذا غير صحيح؛ لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم وفي غيره من الأيام.

стр. 5754

سورة المطففين [٨٣: ١] سورة المطففين ترتيبها في القرآن (٨٣) وترتيبها في النّزول (٨٦). ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾: ﴿وَيْلٌ﴾: دعاء عليهم بالويل، والويل: هو الهلاك والعذاب، أو تهديد ووعيد للمطففين. ﴿لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾: اللام لام الاستحقاق والاختصاص. المطففين: جمع مطفف: وهم الذي إذا اكتالوا على النّاس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؛ أي: يتلاعبون بالمكيال والميزان بالتّطفيف أو التّخسير كما سنرى، والطفيف: القليل مهما كان. والمطففين: مأخوذة من: طفَّ الشيء وسال على جانب المكيال. وقيل: المطفف الذي يسرق الشيء القليل الطفيف في الميزان والمكيال، وقيل: إناء طفّان: أي غير مملوء. سورة المطففين [٨٣: ٢] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حدوث هذا التلاعب بالمكيال والميزان.

стр. 5755

﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾: اشتروا من النّاس من المواد أو السّلع الشّرائية التي تكال أو توزن. ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾: استوفوا حقهم كاملاً أو أخذوا أكثر مما يستحقون، وقوله: "على النّاس" ولم يقل من النّاس، "على" تفيد الاستعلاء، والاستيلاء؛ أي: اكتيال ضار بالناس، وهذا يدل على تسلطهم على النّاس بالاكتيال، ولو قال من النّاس، تدل على الشّراء العدل، "يستوفون" بصيغة المضارع تدل على التّجدد والتّكرار في التّلاعب وليس مجرد مرة واحدة. سورة المطففين [٨٣: ٣] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد الحتمية. ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾: أي إذا باعوهم شيئاً، يخسرون: أو ينقصون الميزان والمكيال؛ ليحققوا لأنفسهم ربحاً أكثر، ولم يقل كالوا لهم أو وزنوا لهم، حذف لام الاختصاص أو الاستحقاق: لم يعطوهم حقهم؛ أي: إذا كال أو وزن للناس أنقص من الوزن والمكيال، وإذا كال أو وزن لنفسه أخذ أكثر مما يستحق. سورة المطففين [٨٣: ٤] ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ﴾: ﴿أَلَا﴾: الهمزة استفهام وإنكار وتوبيخ من جهلهم. ﴿يَظُنُّ﴾: الظّن: التردد الراجح هو رجحان نسبة الإثبات على نسبة النّفي؛ أي: الظّن وحده كان يكفي ليردعهم عن التّلاعب بالمكيال والميزان، فما بالك باليقين. ويبدو أنّ الذي شجعهم على التّطفيف هو عدم ظنهم أنّ هناك بعثاً وحساباً وجزاءً وجنةً وناراً، أو أن الله سبحانه لا يراهم أو يراقبهم.

стр. 5756

﴿أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ﴾: من البعث: الإحياء بعد الموت والحساب والجزاء. سورة المطففين [٨٣: ٥] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: اللام لام الاختصاص أو لام التّوقيت؛ ويعني يوم القيامة يوم الدّين والحساب والجزاء، عظيم لأهواله وأحداثه. سورة المطففين [٨٣: ٦] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: يوم البعث يوم يقوم النّاس من قبورهم ويساقون إلى أرض المحشر؛ للقيام بين يدي رب العالمين للحساب والجزاء، ولذلك سمي بيوم القيامة.

стр. 5757

سورة المطففين [٨٣: ٧] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر ليس كما يظن المطففين أنّهم غير مبعوثين ليوم عظيم، ولينتهوا عن التّطفيف في المكيال والميزان. ﴿إِنَّ﴾: إنّ واللام في كلمة "لفي" تفيدان التّوكيد. ﴿كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾: الكتاب الذي تكتب فيه أعمالهم وأسماؤهم، الفجار جمع فاجر: المنغمس في المحارم والمعاصي والمداوم عليها، أو المستمر على المعاصي والكبائر بدون توبة. ﴿لَفِى سِجِّينٍ﴾: في: ظرفية، سجّين: اسم علم مشتق من السّجن وهو الحبس، سجّين: مكان، (ديوان) في جهنم تحفظ فيه سجلات أو كتب الكفرة الفجرة وأسماؤهم. سورة المطففين [٨٣: ٨] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾: ﴿وَمَا﴾: للاستفهام والتّهويل والتّعظيم. ﴿أَدْرَاكَ﴾: من: درى؛ أي علم بعد جهل؛ وتعني: الإخبار بأيّ وسيلة، والدّراية أخص من العلم، وهل تعلم شيئاً عن سجين. ارجع إلى سورة الانفطار آية (١٧ - ١٨) للبيان، والفرق بين ما أدراك وما يدريك. سورة المطففين [٨٣: ٩] ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾: أي: كتاب الفجار في سجين.

стр. 5758

﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾: كتاب واضح بيِّن الحروف أو الكتابة والأسماء لا تمحى حروفه أو تنسخ ومُعلم لا يخفى على أحد من الملائكة أنّه كتاب الأشقياء ومرقم بالأعداد. سورة المطففين [٨٣: ١٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾: ارجع إلى سورة المرسلات الآية (١٥) والآية (١٩). سورة المطففين [٨٣: ١١] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، يكذبون: لا يؤمنون ولا يصدقون. ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾: الباء للإلصاق، والدّوام، الدّين: يوم الحساب والجزاء. ولم يقل كذبوا وإنما "يكذبون": لتدل على التّجدد والاستمرار في التّكذيب وماتوا وهم يكذبون، أو لتدل على (حكاية الحال) لنقل صورة كذبهم إلى الزّمن الحاضر لتدل على بشاعة كذبهم. سورة المطففين [٨٣: ١٢] ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: النّافية. ﴿يُكَذِّبُ بِهِ﴾: لا يؤمن أو يصدق به (بيوم الحساب). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾: معتد: لحدود الله تعالى، أو معتد في أفعاله متجاوز حد الظّلم لنفسه أو لغيره، اثيم: كثير الآثام والذّنوب والمعاصي، صيغة مبالغة. سورة المطففين [٨٣: ١٣] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية التّحقق.

стр. 5759

﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾: ولم يقل وإذا تُليت عليه آياتنا، الفرق بينهما: تتلى: أي بشكل متكرر ومرات عديدة، أما تليت تعني مرة واحدة. ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أسطورة: أكذوبة أو أخبار أو أباطيل وخرافات الأولين. سورة المطففين [٨٣: ١٤] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، "كلا" ليس الآيات أو القرآن كما يزعمون أساطير الأولين. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي ليس القرآن أساطير الأولين، وإنما أو حقاً، لقد ران على قلوبهم: غطى وغشى قلوبهم وغلب عليها، الرّين، أو الران: كالصدأ تراكم الذنب على الذنب؛ أي الذّنوب حتى اسودت بها قلوبهم. قيل: تبطن القلب خلايا عصبية كثيرة تلعب دوراً في العواطف والأحاسيس والذاكرة والأمور المعنوية مثل الإيمان والكفر وغيرها فالقلب ليس مجرد مضخة للدم، بل هو مقر للمشاعر المعنوية، كما هو الحال في الدماغ في المنطقة تحت السريرية، هي مركز الذاكرة والأحاسيس المادية. ما: بمعنى الذي، كانوا يكسبون: من الآثام والمعاصي والذّنوب، يكسبون: بصيغة المضارع؛ لتدل على الاستمرار والتّجدد وحكاية الحال. سورة المطففين [٨٣: ١٥] ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: لزيادة التّوكيد. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إنّ واللام في "لمحجوبون" تفيدان التّوكيد.

стр. 5760

﴿عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾: لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم يوم القيامة أو يوم العرض، أو محجوبون: عن رؤية ربهم وتكليمه أو الاعتذار، بخلاف المؤمنين، ويعتبر هذا أكبر عقوبة وعذاب لهم. سورة المطففين [٨٣: ١٦] ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين عقوبة الحجب عن ربهم التي هي أشد من الاصطلاء في الجحيم. ﴿إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾: إنّ واللام في كلمة "لصالوا" تفيدان التّوكيد، لصالوا: لداخلون ومصطلون فيها، محترقون فيها، الجحيم: اسم علم للنار، أو دركة من دركاتها مشتق من الجحوم هو التّأجج. سورة المطففين [٨٣: ١٧] ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري. ﴿يُقَالُ﴾: مبني للمجهول المهم المقولة، وقد يكون من قبل خزنة جهنم. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب ويشير إلى العذاب أو يوم الدّين. ﴿الَّذِى﴾: أي العذاب، أو يعني يوم الدّين. ﴿كُنْتُمْ بِهِ﴾: في الدّنيا. ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: لا تصدّقون. ارجع إلى الآية (١٠) للبيان. سورة المطففين [٨٣: ١٨] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ﴾: ﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر؛ أي: لِمَ لا يكفّوا عن التّكذيب بيوم الدّين ويكفّوا عن التّطفيف، ويكونوا من بين الأبرار الذي سجل أعمالهم أو كتبهم لفي عليين.

стр. 5761

﴿الْأَبْرَارِ﴾: وصف للبشر، والبررة: وصف للملائكة، والأبرار: جمع قلة، والبررة: جمع كثرة؛ منهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، والمقربون أعلى من الأبرار. ارجع إلى سورة الواقعة الآية (١١ - ٢٦) للبيان، وارجع إلى سورة الإنسان الآية (٥) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾: إنّ واللام في "لفي" تفيدان التّوكيد. ﴿عِلِّيِّينَ﴾: مكان في الجنة أو ديوان في الجنة تحفظ فيه كتب أعمال الأبرار ويكتب فيه سجل أسمائهم. سورة المطففين [٨٣: ١٩] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: يراد بها التّفخيم والتّشويق والتّعظيم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾: ارجع إلى سورة الانفطار آيتين (١٧ - ١٨) للبيان. ﴿مَا عِلِّيُّونَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (١٨) من السورة نفسها. سورة المطففين [٨٣: ٢٠] ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾: كتاب واضح وبين الحروف لا تمحى حروفه أو تنسخ، ومعلوم يعلم من يراه أنّه كتاب للأبرار كتاب خير ومرقم بالأرقام. وتكرار ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ في الآية (٩) والآية (٢٠) يدل على توكيد وأهمية الكتاب والترقيم والوضوح. سورة المطففين [٨٣: ٢١] ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: يراه ويحضره ويطلع عليه الملائكة المقربون أو المقربون من الإنس؛ أي: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٩ - ١١]. سورة المطففين [٨٣: ٢٢] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ﴾: ﴿إِنَّ﴾: إنّ واللام في لفي تفيدان التّوكيد.

стр. 5762

﴿الْأَبْرَارَ﴾: ارجع إلى سورة الإنسان الآية (٥) للبيان. ﴿لَفِى نَعِيمٍ﴾: لفي: ظرفية، نعيم: أي جنات النّعيم الحاوية على كلّ أنواع النّعيم. سورة المطففين [٨٣: ٢٣] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾: ﴿الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾: السّرر المزينة التي يجلس عليها أهل الجنة، أي أنواع فاخرة من الفُرش للجلوس عليها وأحياناً للاتكاء. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: إلى أيّ شيء يريدون الاطلاع عليه، أو ينظرون إلى ما أعطاهم الله من خيرات وفضل ومُلك، وأحياناً ينظرون أين هم إخوانهم؟ في أيّ مكان هم فيه؟ سورة المطففين [٨٣: ٢٤] ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: ترى في وجوههم نضرة التّنعم والسّرور، كأنّ النّعمة ناضجة على بشرتهم بحيث إذا رأيتهم تدرك أنّ هؤلاء في نعيم كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩]، أي: وجوههم تتلألأ بالنّور والحسن والبياض والبهجة من شدة نعيمهم. سورة المطففين [٨٣: ٢٥] ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾: رحيق: شراب مصفى خالص، قيل: خمر أو المسك مختوم لم يشرب منه أحد، مختوم على إنائه. سورة المطففين [٨٣: ٢٦] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾: الشّراب له صفتين الأولى من رحيق مختوم والثّانية ختامه آخره يفوح

стр. 5763

برائحة المسك، أو طعمه مسك، أو طعمه وريحه مسك، أو مخلوط بالمسك، القسم الأول من الشراب خمر وآخره مسك والله أعلم. ﴿وَفِى ذَلِكَ﴾: في للتعليل؛ أي: لأجل الحصول على ذلك فليتنافس المتنافسون في الدّنيا؛ أي: إذا كانوا يرغبون في الشّرب من الرّحيق المختوم الذي ختامه مسك. ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾: الفاء للتوكيد، واللام لزيادة التّوكيد، والتّنافس: مشتقة من المنافسة: أي السّباق والمغالبة للحصول على الشّيء النّفيس أو ليجدُّوا في طلبه ويجتهدوا في ذلك: في مثل ذلك وأمثاله من أنواع النّعيم ليتسابق المتسابقون في الدّنيا بالأعمال الصّالحة والنّوافل والطّاعات والتّقرب من الله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. سورة المطففين [٨٣: ٢٧] ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾: أي يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك، ومزاجه من تسنيم؛ أي: ممزوج من عين تسنيم ولعله أعلى شراب في الجنة وخاص بالمقربين. ﴿وَمِزَاجُهُ﴾: أي مخلوط أو ممزوج بما ينبع من عين التّسنيم. سورة المطففين [٨٣: ٢٨] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: أصحاب أو أهل الجنة: هم درجات عند ربهم بالنّسبة للقرب منه تعالى ولهم درجات في الجنة ومنهم: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾: هم السّابقون السّابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أو المقربون إلى الله تعالى، وفي طليعة هؤلاء: الأنبياء والصّديقون والشّهداء والصّالحون ومنهم الأبرار، لهم عين في الجنة تسمى تسنيم.

стр. 5764

﴿عَيْنًا﴾: تعني التّسنيم يشرب بها المقربون، ولم يقل يشرب منها بل "يشرب بها المقربون" أي: يشربون منها مباشرة حتى الارتواء وحتّى يبلغوا مرامهم أو غايتهم، يشربون من العين مباشرة؛ أي: هم يرون العين نفسها فهم يتمتعون بلذة الشّرب ولذة النّظر معاً. وماذا عن الأبرار؟ ارجع إلى سورة الإنسان الآية (٥) للبيان. ولتعلم أنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، ولنعلم أيضاً أنّ الشّرب في الجنة هو للتلذذ وليس نابعاً عن الحاجة كما هو الحال في الدّنيا. سورة المطففين [٨٣: ٢٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر المكذبين الذين يكذبون بيوم الدّين يذكر في الآيات الخمس التّالية بعضاً من أعمالهم وصفاتهم الأخرى في الدّنيا بالإضافة إلى التّكذيب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: إنّ للتوكيد، الذين أجرموا: كفروا وتمادوا في الشّرك والعصيان ولم يتوبوا أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وغيرهم من الكفار ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى الذين أجرموا. ﴿كَانُوا﴾: في الدّنيا. ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أمثال عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين في بداية الإسلام أو من جاء بعدهم. ﴿يَضْحَكُونَ﴾: من حال المؤمنين المادية وفقرهم ورثاثة ثيابهم وقوتهم، وترك دين الأجداد واتباع محمّد ﷺ ، وقدّم "الذين آمنوا" على "يضحكون" بدلاً

стр. 5765

من القول كانوا يضحكون من الذين آمنوا؛ لتدل على الاهتمام والاختصاص، يضحكون خاصة من الذين آمنوا على فقرهم وضعفهم ورثاثة حالتهم وغيرها. يضحكون: يضحكون بصيغة المضارع تدل على أنّ الضّحك من المؤمنين أصبح عادة ومتكرراً ومتجدداً، ولم يقل ضحكوا من الذين آمنوا؛ أي: ضحكوا وانتهى الأمر، ويضحكون لتدل على حكاية الحال وبشاعة ضحكهم وكأنّه يحدث الآن وأنّه أمر مزعج. سورة المطففين [٨٣: ٣٠] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾: هذه هي الصّفة الثّانية: الغمز، وأمّا الأولى فكانت: الضّحك منهم. ﴿وَإِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث. ﴿مَرُّوا بِهِمْ﴾: أي مروا قريباً من المؤمنين (بهم تعني قريباً منهم). ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾: الغمز هو إرخاء الجفن أو الحاجب إلى الأعلى أو السفل استهزاءً بالآخرين، وهو نوع من أنواع الخبث يستعمله المتكبر أو المستهزئ ليشعر من هو من صنفه أو أمثاله أنّه يهزأ بشخص آخر. سورة المطففين [٨٣: ٣١] ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾: هذه هي الصفة الثالثة ﴿فَكِهِينَ﴾: مسرورين ملتذّين وفرحين بالسّخرية والاستهزاء من المؤمنين. ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية (٣٠) من السورة نفسها. ﴿انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾: أي رجعوا إلى أهلهم، وهناك فرق بين الانقلاب والرّجوع، الانقلاب: هو الرّجوع ولكن ليس إلى الحالة نفسها أو الوضع الذي بدأ منه. ارجع إلى سورة التوبة الآية (٩٥) لمزيد من البيان في معنى الانقلاب.

стр. 5766

﴿انْقَلَبُوا﴾: تكرار الكلمة "انقلبوا" للتوكيد، إلى أهلهم فكهين: أي راحوا يسخرون ويهزلون مع أهلهم ويضحكون من شأن المؤمنين وبما قاموا به من الأذى والضّرر بهم، وفكهين؛ أي: مسرورين مغتبطين مع أهلهم. ارجع إلى سورة الطور الآية (١٨) للمقارنة. سورة المطففين [٨٣: ٣٢] ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية (٣٠) من السورة نفسها. ﴿رَأَوْهُمْ﴾: أي رأى الذين أجرموا الذين آمنوا. ﴿قَالُوا إِنَّ﴾: للتوكيد، واللام في "لضالون" لزيادة التّوكيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يشير إلى الذين آمنوا. ﴿لَضَالُّونَ﴾: اللام لام التّوكيد، ضالون: لأنهم تركوا دين آبائهم وأجدادهم واتبعوا دين محمّد ﷺ وما جاء به، فهم كانوا يعتقدون باطلاً أنّهم على الهدى ومحمّد ﷺ وأصحابه في ضلال مبين، ضالون: جملة اسمية تفيد الثّبوت؛ أي: على ضلال ثابت مستمر. سورة المطففين [٨٣: ٣٣] ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو حالية أو للتوكيد. ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: هذا قد يكون من قول الله تعالى، ويعني "وما أرسلوا": أي ما أرسل الله سبحانه الذين كفروا على الذين آمنوا، حافظين: موكلين بهم حافظين لأعمالهم؛ ليشهدوا عليهم بالضّلال أو الرّشد وقد يكون "وما أرسلوا عليهم حافظين" من قول الذين أجرموا؛ أي: قال الذين أجرموا: وما

стр. 5767

أرسلوا عليهم (على الذين آمنوا) حافظين؛ أي: رسل مثل محمد ﷺ موكلين ومكلفين بهم. سورة المطففين [٨٣: ٣٤] ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء للتوكيد، اليوم: أي يوم القيامة. تقديم الظّرف "اليوم" للاهتمام به بدلاً من القول الذين آمنوا من الكفار اليوم يضحكون. فاليوم (يوم القيامة) الذين آمنوا يضحكون من الكفار كما كان يفعل الكفار من الذين آمنوا في الدنيا، ويضحكون بصيغة المضارع: تدل على التجدد والتكرار والاستمرار، وأن ضحكهم لم يتوقف.

стр. 5768

سورة المطففين [٨٣: ٣٥] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) للبيان. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: إلى الكفار وما حل بهم في الآخرة من العذاب، وكيف يعذبون في النّار ويصطرخون فيها كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِى سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٤ - ٥٦]. سورة المطففين [٨٣: ٣٦] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿هَلْ﴾: استفهام تقريري. ﴿ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾: من التّثويب والإثابة: المجازاة؛ أي: الذين آمنوا ينظرون هل جُوزِي الكفار على أفعالهم يوم القيامة؟ وثوب من الثواب، والثواب: يستعمل في الخير عادة، وإذا استعمل في الشر أو العذاب أو العقاب يكون للتهكم والتوبيخ. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي، أو مصدرية، وما أوسع شمولاً. ﴿كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: من الكفر والإجرام والاستهزاء بالمؤمنين والسّخرية منهم.

стр. 5769

سورة الانشقاق [٨٤: ١] سورة الانشقاق ترتيبها في القرآن (٨٤) وترتيبها في النّزول (٨٣). ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾: أي: السماء الجديدة أو المستقبلية وليست السماء الحالية، تنشق أو تشقق بالغمام؛ لنزول الملائكة. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث في يوم القيامة. ﴿السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ١٢٥] وتقديم الاسم على الفعل يفيد التّهويل والتّعظيم. سورة الانشقاق [٨٤: ٢] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾: سمعت أو استمعت لربها، من الإذن: الاستماع. ﴿وَحُقَّتْ﴾: انقادت وأذعنت؛ أي: استجابت وحقَّ لها أن تطيع؛ فهي مسخرة مكلفة. سورة الانشقاق [٨٤: ٣] ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾: اتسعت كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، أي: الأرض المستقبلية تكون أرضاً ضخمة جداً أكبر من الكون الحالي بأجمعه،

стр. 5770

والمقصود بالأرض قشرة الأرض، فنحن سنبعث من الأرض الجديدة كما ورد في سورة إبراهيم آية (٤٨). وهذه الأرض ستحوي كل ذرات الأرض الحالية بما فيها كل بقايانا من رفات وعظام، بما فيها عظم عجب الذنب الحاوي على المحفظة الوراثية الحاوية على خلايا جذعية كاملة القدرات والحمض النووي المميز لكل إنسان. سورة الانشقاق [٨٤: ٤] ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾: ألقت: طرحت ما في باطنها من الموتى بعد النشور والبعث. سورة الانشقاق [٨٤: ٥] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: واستمعت لأمر ربها وأطاعت واستجابت. سورة الانشقاق [٨٤: ٦] ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾: نداء إلى كلّ إنسان، الإنسان: اسم جنس يشمل المؤمن والكافر والمطيع والعاصي، والهاء للتنبيه. ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾: الكدح: شدة الاجتهاد في السعي والجمع، والكدح المجاهدة والعمل الشاق؛ أي: يا أيها الإنسان الساعي إلى لقاء ربك بعملك بجد وعزم واجتهاد. ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾: للتوكيد. ﴿كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾: الفاء: للتعليل؛ ملاقيه: أي: ملاق ربك فلا محالة أنّك ملاقيه للحساب والجزاء ونتيجة هذا الكدح. الضمير في "ملاقيه" يعود على الذات الإلهية أو يعود على الكدح؛ أي: ملاق الحساب أو ملاق نتيجة ما كدحت وكلا المعنيين صحيح.

стр. 5771

سورة الانشقاق [٨٤: ٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء عاطفة، أمّا: حرف شرط وتفصيل. ﴿مَنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿أُوتِىَ﴾: أُعطي كتاب أعماله بعد البعث يوم الحساب. ﴿بِيَمِينِهِ﴾: بيده اليمنى. سورة الانشقاق [٨٤: ٨] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد. ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾: أي يعرض على ربه ويعترف بذنوبه ويتجاوز الله سبحانه عنها، ويغفرها له إذا شاء سبحانه، وفي الصحيحين من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب هلك، فقلت: يا رسول الله، فإن الله يقول: (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) قال: ذلك العرض». سورة الانشقاق [٨٤: ٩] ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: ﴿وَيَنْقَلِبُ﴾: يرجع إلى أهله، والانقلاب يختلف عن الرّجوع، ارجع إلى سورة التوبة الآية (٩٥) للبيان. ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾: في الجنة أهله من الحور العين أو ذريته الصّالحة ينقلب بعد أن يدخله الجنة وتلحق به ذريته كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]، أو كلما عاد إلى أهله في الجنة عاد مسروراً. سورة الانشقاق [٨٤: ١٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾: وفي الآيات الأخرى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]، سواء أوتي كتابه وراء ظهره أو بشماله، النّتيجة واحدة أو نفسها.

стр. 5772

وسبب إيتائه كتابه وراء ظهره؛ لأنّ البعض قد يحاول عدم أخذ كتابه بالشّمال فيحاول وضعها وراء ظهره؛ لتجنب أخذها بالشّمال، فتعطى إليه من وراء ظهره، والبعض الآخر يأخذها بالشّمال. أو قد تكون يده اليمنى مغلولة إلى عنقه فيجعل يسراه وراء ظهره، أو يحاول إخفاء النّتيجة لكونه يستحي فيحاول إخفاءها وراء ظهره، والله أعلم. سورة الانشقاق [٨٤: ١١] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا﴾: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد. ﴿يَدْعُوا ثُبُورًا﴾: بعد أن يقرأ كتابه، الثّبور: أي الهلاك؛ أي: يدعو على نفسه بالهلاك يا هلاكي اُحضر أو كالقول يا ويلتاه. سورة الانشقاق [٨٤: ١٢] ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾: ﴿وَيَصْلَى﴾: يدخل ناراً شديدة الالتهاب. ﴿سَعِيرًا﴾: مستعرة. سورة الانشقاق [٨٤: ١٣] ﴿إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾: في الدّنيا، مسروراً: مترفاً أو مسروراً منشغلاً عن الآخرة لا صلاة ولا عبادة، منشغلاً باتباع شهواته وأهوائه، في أهله: هو وأهله كانوا في الحال نفسه من الكفر والإعراض عن دين الله تعالى. سورة الانشقاق [٨٤: ١٤] ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.

стр. 5773

﴿ظَنَّ﴾: اعتقد أو ظن ظناً راجحاً والظن: هو التردد الراجح. ﴿أَنْ﴾: للتعليل. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي للمستقبل القريب أو البعيد. ﴿يَحُورَ﴾: لن يرجع إلى ربه ليحاسب على عمله، أو لن يبعث من بعد موته، من: حار يحور؛ أي: رجع؛ أي: أنكر الآخرة والجنة والنار والبعث. سورة الانشقاق [٨٤: ١٥] ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾: ﴿بَلَى﴾: سيحور؛ أي: يرجع إلى ربه، وسيحاسب على أعماله. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾: بأعماله بأقواله وأفعاله وأحواله، كان رقيباً عليه، ثمّ يقسم الله بثلاث آيات كونية تدل على قدرته وعظمته وألوهيته وربوبيته، وتدعو إلى الإيمان وهي التّغيرات الكونية التي تحدث في الليل، تقابل التّغيرات الكونية التي تحدث في النّهار. سورة الانشقاق [٨٤: ١٦] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾: والقسم يفيد أو يشير إلى أهمية وعظمة المقسم به وجواب القسم، والله غني عن القسم. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: الفاء: استئنافية، ارجع إلى سورة القيامة الآية (١) للبيان. ﴿بِالشَّفَقِ﴾: قيل: هو الحمرة التي تظهر بعد الغروب (غروب الشّمس) أو زمن اختلاط ضوء النّهار بسواد الليل بعد الغروب والمؤدي إلى لون الحمرة، هذا ما قاله المفسرون القدامى، أما التفسير العلمي فهو: حين غروب الشمس ويصبح قرص الشمس بين (٦ - ١٨) درجة تحت أفق الأرض، فما يصل إلينا من

стр. 5774

ضوء الشمس الغير مباشر في ذلك الزمن يسمى الشفق، فالشفق جزء أو شيء من ضوء الشمس غير مباشر نتيجة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، والشفق يحدث نتيجة تحلل النور الأبيض الذي نراه في النهار إلى أطيافه السبعة: الأحمر والأخضر والأزرق والبرتقالي والأصفر والنيلي والبنفسجي، والطيف الأحمر هو أطول هذه الأمواج أو الأطياف، وعلامة دخول العشاء غياب الشفق الأحمر، والشفق نوعان: شفق عند الغروب، وشفق عند طلوع الفجر؛ شفق عند الغروب أحمر (بقية الأطياف أثرها ضئيل) وعندما يغيب الشفق الأحمر يدل على دخول وقت العشاء وأول ما يصلنا الطيف الأحمر يدل على طلوع الفجر، ولكنه من الصعب إدراك علامة دخول الفجر به، ولذلك من رحمة الله بنا أن أبدله بالطيف الأبيض. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٧) لمزيد من البيان. سورة الانشقاق [٨٤: ١٧] ﴿وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾: ﴿وَالَّيْلِ﴾: الواو واو القسم، القسم بالليل. ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: أي ما ضم وستر أو جمع وسكن، فالنهار يسوده التّفرق والتّقلب، وأما الليل يسوده الاجتماع والسكون. وسق: مأخوذة من وسق الشيء يسَقه فاتسق؛ أي: جمعه فاجتمع، وأمر متسق: مجتمع من الكائنات الحية والحيوانات الليلية التي تخرج ليلاً لتبحث عن رزقها، وتنام نهاراً. سورة الانشقاق [٨٤: ١٨] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: اتسق من الوسق وهو: الجمع والضّم؛ أي: اكتمل نوره وأصبح بدراً وذلك في منتصف الشّهر القمري بعد أن كان كالعرجون القديم يصبح كالبدر؛ ليدل على الزّمان والشّهور والسّنين. فالقمر يبدأ بالهلال ثم التربيع الأول ثم الأحدب الأول ثم البدر يستمر

стр. 5775

(٢ - ٣) أيام، ثم يبدأ بالتراجع حتى يصبح كالعرجون، فدورة القمر وسيلة من وسائل تحديد الزمن لأهل الأرض. ارجع إلى سورة الرحمن الآية (٥) لمزيد من البيان. سورة الانشقاق [٨٤: ١٩] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: جواب القسم. ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾: اللام لام التّوكيد، الطبق: هو الشدة، وتركبن تعني: المرور، في هذه الشدائد الواحدة بعد الأخرى. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالاً بعد حال؛ أي: كما تغير حال النّهار إلى حال الليل وحال القمر من الهلال إلى البدر وحال النّور إلى حال الظّلام، أيضاً أنتم لن تستقروا أو تبقوا على حال واحدة فسوف يصيبكم الفقر بعد الغنى أو الغنى بعد الفقر والمرض بعد الصّحة أو الصّحة بعد المرض أو الشّدة بعد الرّخاء، أو التّقلب في أحوال أشد من أحوال أو التّغير في الحال من شدة إلى أشد، وهذه سنّة من السّنن الكونية. وهناك من فسر هذه الآية تفسيراً آخر: لتركبن طبقاً عن طبق: الطّبق: السّماء، أو تعني السّفينة أو المركبات الفضائية ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] دلالة على صعود الإنسان إلى الفضاء في المركبات الفضائية؛ أي: لتركبن السّفن الفضائية وتصعدن في طبقات الفضاء والسّماء. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٠] ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد، ما الاستفهامية فيها معنى الإنكار والتّعجب من عدم إيمان هؤلاء الجاحدين المنكرين المشركين الكافرين بعد رؤية كلّ هذه الأدلة والبراهين الدالة على الإيمان بالله العظيم وبرسله وبالقرآن وبالبعث.

стр. 5776

سورة الانشقاق [٨٤: ٢١] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث وتحققه. ﴿قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ﴾: يُتلى عليهم أو سمعوه بأنفسهم. ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾: يخرون ساجدين لله تعالى خشوعاً وتعظيماً لقدرته وعظمته وجلاله، يسجدون باستمرار وتكرار. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾: بآيات الله القرآنية والكونية والدّلائل والبراهين، يكذبون بالبعث والحساب والآخرة، يكذبون بالرّسل وبمحمد ﷺ ، والوحي، يكذبون: بصيغة المضارع للدلالة على استمرارهم في التّكذيب. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٣] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾: ﴿أَعْلَمُ بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الذي، وهي أوسع شمولاً من الذي. ﴿يُوعُونَ﴾: من الإيعاء، يقال: أوعى الزاد؛ أي: جعله في الوعاء. وأوعى الشّيء؛ أي: وضعه في الوعاء؛ أي: الله أعلم بما يوعون: يجمعون من المال والعلم وعرض الدنيا، أو يضمرونه أو يخفونه في صدورهم وقلوبهم من التّكذيب والكفر والنّفاق والكبر والحسد والغل. وأعلم: على وزن أفعل؛ للمبالغة في العلم. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٤] ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب والمباشرة.

стр. 5777

﴿فَبَشِّرْهُم﴾: البشارة: هي الإخبار بما يسر ولأوّل مرة، وظهور علامات البشارة كالسّرور على وجوههم، واستعمل كلمة البشارة؛ للتهكّم بهم والاستهزاء، كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. ﴿بِعَذَابٍ﴾: الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: الدّوام. ﴿أَلِيمٍ﴾: شديد الإيلام لا يقدرون على تحمله. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٥] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، والاستثناء هنا استثناء منقطع بمعنى: أن المستثنى ليس بعضاً من المستثنى منه، فالذين آمنوا ليسوا بعضاً من الذين كفروا. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق. ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: الأجر مقابل العمل، أجر لا يمنّ عليهم به؛ لأنه فضلٌ من الله وتكرمٌ، أجر غير مقطوع، أو منقوص، مستمر لا يفنى ولا يبلى، غير ممنون: نكرة؛ للتعظيم والتّكثير.

стр. 5778

سورة البروج [٨٥: ١] سورة البروج ترتيبها في القرآن (٨٥) وترتيبها في النّزول (٢٧). ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: الواو واو القسم، أقسم الله والله سبحانه غني عن القسم ولا يقسم إلا بشيء عظيم، وفيه إشارة إلى أهمية المقسم به وجواب القسم ـ بالسّماء ذات البروج، وأقسم باليوم الموعود، وأقسم بالشّاهد والمشهود؛ لأهمية هذه الأمور الدالة على عظمة القدرة الإلهية وطلاقتها والتي تثبت الإيمان في القلب. ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: البروج جمع برج، والبروج هو المرتفع البين من كل شيء، برج: ظهر وارتفع، فالسماء ذات البروج؛ أي: ذات النجوم المرتفعة الواضحة للناس، فالبروج هي النجوم البعيدة عنا والتي ترى في دائرة حول الأرض أودع الله فيها كماً هائلاً من النجوم، وهذه النجوم ترى كأنها في تجمعات تعطي أشكالاً مختلفة سماها البشر: برج الثور أو السرطان أو العقرب أو الدلو أو غيرها. وهي ليست تجمعات حقيقية بينها مسافات شاسعة، وهي تجمعات على شكل دائرة حول الأرض، وهناك (٨٨) برجاً؛ أي: تجمع وهي تدور بحركة معاكسة لحركة دوران الأرض، وفي كل شهر من الشهور الشمسية ترى الشمس تقع في تجمع من هذه التجمعات، فالبروج أصبحت وسيلة لتحديد الشهر الشمسي، ويكون تحديد اليوم القمري بدوران القمر حول الأرض، وهذه الدائرة التي تبدو كأنها

стр. 5779

ثابتة قسمت إلى (١٢) زاوية فكل زاوية تمثل (٣٠ يوماً) (أي شهراً من الشهور الشمسية). سورة البروج [٨٥: ٢] ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: وأقسم الله سبحانه بيوم القيامة الذي ينكره الكثير من الناس. الموعود: اسم مفعول من فعل: وعد. سورة البروج [٨٥: ٣] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: الشّاهد هو الذي يشهد على المشهود، اختلف في الشّاهد والمشهود في أكثر من (٢٤) تفسيراً، وقيل: الشّاهد محمّد ﷺ والمشهود عليهم أمته، أو الشّاهد هو الله تعالى والمشهود عليهم بنو آدم كافة، أو الشّاهد الكرام الكاتبون والمشهود عليهم بنو آدم، وكذلك قيل: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وغيرها من التفسيرات. وجواب القسم محذوف. ورغم أن الآيات جاءت في سياق أصحاب الأخدود فهي تشمل في معناها كل من يفعل فعل أصحاب الأخدود مثل: كفار قريش وغيرهم، وتحذرهم. سورة البروج [٨٥: ٤] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: منهم من قال: هذا جواب القسم وتقديره: لقد قتل (لعن) أصحاب الأخدود، ومنهم من قال: جواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن مثلاً، أو قوله: إن بطش ربك لشديد. ﴿قُتِلَ﴾: لعن أصحاب الأخدود: دعاء بالإبعاد والطّرد من رحمة الله تعالى أو الهلاك. ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: الأخدود: الشّق المستطيل في الأرض كالخندق. أصحاب: لم يُبين الله من هم وما فعلوه وزمنهم، وقد قيل: كانوا قوماً كافرين حفروا أخدوداً وأوقدوا فيه النّار، وكانوا من أهل نجران، وقيل: كان ملكهم

стр. 5780

ذو النواس قبل بعثة النبي بـ (٥٠ سنة) وصلت دعوة عيسى إليهم بالتوحيد وبدأ الناس يدخلون في دين عيسى ﵇ فأصبح ملكهم وحاشيته يعذبون أهل التوحيد، ثم حفروا الأخدود فأتوا بالمؤمنين المخالفين لدينهم فراودوهم على الكفر والدّخول في دينهم أو الإلقاء في النّار، فاختاروا الإلقاء في النّار، وكان من بينهم امرأة ترضع وليدها فامتنعت عن إلقاء نفسها مع وليدها في النّار، فأنطق الله الطفل الرضيع وطلب من أمه أن تلقي بنفسها في النّار وهو معها ففعلت. سورة البروج [٨٥: ٥] ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: أي: الأخدود الحاوي على النّار، ذات الوقود: ذات الحطب والاتقاد الشديد، وقوله: "ذات الوقود" تبيان لعظمة النّار وارتفاعها. سورة البروج [٨٥: ٦] ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: ﴿إِذْ﴾: الفجائية. ﴿هُمْ﴾: تعود على الكفرة المجرمين أصحاب الأخدود. ﴿عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: جمع قاعد، وقاعد تجمع على قعود وقاعدون، وقاعدون: تدل على الفعل أو الحدث، وقعود: مصدر يدل على المعنى؛ أي: قاعدون جالسون على القرب منها أو على ضفاف الأخدود، يشاهدون عملية إلقاء المؤمنين في النّار. سورة البروج [٨٥: ٧] ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾: ﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد تعود على أصحاب الأخدود. ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: تعذيب المؤمنين وإحراقهم: بالإلقاء في النّار كلّ من آمن بالله ولم يرجع عن دينه. ﴿شُهُودٌ﴾: حضور: يشاهدون إحراق المؤمنين الواحد تلو الآخر، شهود جمع: شاهد.
следующие страницы →