← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

سورة الانشقاق [٨٤: ٢١] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث وتحققه. ﴿قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ﴾: يُتلى عليهم أو سمعوه بأنفسهم. ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾: يخرون ساجدين لله تعالى خشوعاً وتعظيماً لقدرته وعظمته وجلاله، يسجدون باستمرار وتكرار. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾: بآيات الله القرآنية والكونية والدّلائل والبراهين، يكذبون بالبعث والحساب والآخرة، يكذبون بالرّسل وبمحمد ﷺ ، والوحي، يكذبون: بصيغة المضارع للدلالة على استمرارهم في التّكذيب. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٣] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾: ﴿أَعْلَمُ بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الذي، وهي أوسع شمولاً من الذي. ﴿يُوعُونَ﴾: من الإيعاء، يقال: أوعى الزاد؛ أي: جعله في الوعاء. وأوعى الشّيء؛ أي: وضعه في الوعاء؛ أي: الله أعلم بما يوعون: يجمعون من المال والعلم وعرض الدنيا، أو يضمرونه أو يخفونه في صدورهم وقلوبهم من التّكذيب والكفر والنّفاق والكبر والحسد والغل. وأعلم: على وزن أفعل؛ للمبالغة في العلم. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٤] ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب والمباشرة.

стр. 5777

﴿فَبَشِّرْهُم﴾: البشارة: هي الإخبار بما يسر ولأوّل مرة، وظهور علامات البشارة كالسّرور على وجوههم، واستعمل كلمة البشارة؛ للتهكّم بهم والاستهزاء، كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]. ﴿بِعَذَابٍ﴾: الباء للإلصاق والملازمة؛ أي: الدّوام. ﴿أَلِيمٍ﴾: شديد الإيلام لا يقدرون على تحمله. سورة الانشقاق [٨٤: ٢٥] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، والاستثناء هنا استثناء منقطع بمعنى: أن المستثنى ليس بعضاً من المستثنى منه، فالذين آمنوا ليسوا بعضاً من الذين كفروا. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق. ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: الأجر مقابل العمل، أجر لا يمنّ عليهم به؛ لأنه فضلٌ من الله وتكرمٌ، أجر غير مقطوع، أو منقوص، مستمر لا يفنى ولا يبلى، غير ممنون: نكرة؛ للتعظيم والتّكثير.

стр. 5778

سورة البروج [٨٥: ١] سورة البروج ترتيبها في القرآن (٨٥) وترتيبها في النّزول (٢٧). ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾: الواو واو القسم، أقسم الله والله سبحانه غني عن القسم ولا يقسم إلا بشيء عظيم، وفيه إشارة إلى أهمية المقسم به وجواب القسم ـ بالسّماء ذات البروج، وأقسم باليوم الموعود، وأقسم بالشّاهد والمشهود؛ لأهمية هذه الأمور الدالة على عظمة القدرة الإلهية وطلاقتها والتي تثبت الإيمان في القلب. ﴿ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: البروج جمع برج، والبروج هو المرتفع البين من كل شيء، برج: ظهر وارتفع، فالسماء ذات البروج؛ أي: ذات النجوم المرتفعة الواضحة للناس، فالبروج هي النجوم البعيدة عنا والتي ترى في دائرة حول الأرض أودع الله فيها كماً هائلاً من النجوم، وهذه النجوم ترى كأنها في تجمعات تعطي أشكالاً مختلفة سماها البشر: برج الثور أو السرطان أو العقرب أو الدلو أو غيرها. وهي ليست تجمعات حقيقية بينها مسافات شاسعة، وهي تجمعات على شكل دائرة حول الأرض، وهناك (٨٨) برجاً؛ أي: تجمع وهي تدور بحركة معاكسة لحركة دوران الأرض، وفي كل شهر من الشهور الشمسية ترى الشمس تقع في تجمع من هذه التجمعات، فالبروج أصبحت وسيلة لتحديد الشهر الشمسي، ويكون تحديد اليوم القمري بدوران القمر حول الأرض، وهذه الدائرة التي تبدو كأنها

стр. 5779

ثابتة قسمت إلى (١٢) زاوية فكل زاوية تمثل (٣٠ يوماً) (أي شهراً من الشهور الشمسية). سورة البروج [٨٥: ٢] ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾: وأقسم الله سبحانه بيوم القيامة الذي ينكره الكثير من الناس. الموعود: اسم مفعول من فعل: وعد. سورة البروج [٨٥: ٣] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: الشّاهد هو الذي يشهد على المشهود، اختلف في الشّاهد والمشهود في أكثر من (٢٤) تفسيراً، وقيل: الشّاهد محمّد ﷺ والمشهود عليهم أمته، أو الشّاهد هو الله تعالى والمشهود عليهم بنو آدم كافة، أو الشّاهد الكرام الكاتبون والمشهود عليهم بنو آدم، وكذلك قيل: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وغيرها من التفسيرات. وجواب القسم محذوف. ورغم أن الآيات جاءت في سياق أصحاب الأخدود فهي تشمل في معناها كل من يفعل فعل أصحاب الأخدود مثل: كفار قريش وغيرهم، وتحذرهم. سورة البروج [٨٥: ٤] ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: منهم من قال: هذا جواب القسم وتقديره: لقد قتل (لعن) أصحاب الأخدود، ومنهم من قال: جواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن مثلاً، أو قوله: إن بطش ربك لشديد. ﴿قُتِلَ﴾: لعن أصحاب الأخدود: دعاء بالإبعاد والطّرد من رحمة الله تعالى أو الهلاك. ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾: الأخدود: الشّق المستطيل في الأرض كالخندق. أصحاب: لم يُبين الله من هم وما فعلوه وزمنهم، وقد قيل: كانوا قوماً كافرين حفروا أخدوداً وأوقدوا فيه النّار، وكانوا من أهل نجران، وقيل: كان ملكهم

стр. 5780

ذو النواس قبل بعثة النبي بـ (٥٠ سنة) وصلت دعوة عيسى إليهم بالتوحيد وبدأ الناس يدخلون في دين عيسى ﵇ فأصبح ملكهم وحاشيته يعذبون أهل التوحيد، ثم حفروا الأخدود فأتوا بالمؤمنين المخالفين لدينهم فراودوهم على الكفر والدّخول في دينهم أو الإلقاء في النّار، فاختاروا الإلقاء في النّار، وكان من بينهم امرأة ترضع وليدها فامتنعت عن إلقاء نفسها مع وليدها في النّار، فأنطق الله الطفل الرضيع وطلب من أمه أن تلقي بنفسها في النّار وهو معها ففعلت. سورة البروج [٨٥: ٥] ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾: أي: الأخدود الحاوي على النّار، ذات الوقود: ذات الحطب والاتقاد الشديد، وقوله: "ذات الوقود" تبيان لعظمة النّار وارتفاعها. سورة البروج [٨٥: ٦] ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: ﴿إِذْ﴾: الفجائية. ﴿هُمْ﴾: تعود على الكفرة المجرمين أصحاب الأخدود. ﴿عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: جمع قاعد، وقاعد تجمع على قعود وقاعدون، وقاعدون: تدل على الفعل أو الحدث، وقعود: مصدر يدل على المعنى؛ أي: قاعدون جالسون على القرب منها أو على ضفاف الأخدود، يشاهدون عملية إلقاء المؤمنين في النّار. سورة البروج [٨٥: ٧] ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾: ﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد تعود على أصحاب الأخدود. ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: تعذيب المؤمنين وإحراقهم: بالإلقاء في النّار كلّ من آمن بالله ولم يرجع عن دينه. ﴿شُهُودٌ﴾: حضور: يشاهدون إحراق المؤمنين الواحد تلو الآخر، شهود جمع: شاهد.

стр. 5781

سورة البروج [٨٥: ٨] ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما النّافية. ﴿نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾: بإلقائهم في النّار. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾: أي لم يكن هناك سببٌ آخر لتعذيبهم وإحراقهم لهؤلاء الأبرياء المؤمنين بالنّار إلا إيمانهم بالله وحده، ولم يقل آمنوا وإنما: "أن يؤمنوا" لأنّهم استمروا على إيمانهم ولم يتخلوا عنه رغم التّهديد والوعيد، وألقوا في النّار وهم على دين التّوحيد. ﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر، القوي الجبار الممتنع لا يناله أحد بسوء مهما كان. ﴿الْحَمِيدِ﴾: له الحمد المطلق المستحق الحمد في السّراء والضّراء، وله الحمد كلّه لإحسانه إلى عباده. ارجع إلى سورة الحديد آية (٢٤) لمزيد من البيان. سورة البروج [٨٥: ٩] ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: العزيز الحميد ﴿الَّذِى لَهُ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم له يفيد الحصر؛ أي: له وحده. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: حكم السّموات والأرض فهو الحاكم والمالك. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: شهيد: صيغة مبالغة من شاهد، والشّهادة تعني: الحضور مع العلم، فالله سبحانه عليم بظواهر الأشياء والخبير ببواطن الأمور فكفى به شهيداً على كلّ شيء. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٣) لمزيد من البيان في معنى شهيد.

стр. 5782

سورة البروج [٨٥: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد الذم. ﴿فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: فتنوا: من الفتنة: وهي الابتلاء بالخير أو الشر، ولكن الفتنة أشد من الابتلاء وأخص، والفتنة لها أشكال كثيرة قد تكون بالأموال والأولاد والمحن والهلاك أو العذاب أو في الدين؛ فهم فتنوهم بالرّجوع عن دينهم أو بإلقائهم في النّار وإحراقهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾: ثمّ للتباين بين التّوبة وفتنة الذين آمنوا، ارجع إلى سورة النساء الآية (١٧) لمعرفة التّوبة وأركانها وأنواعها. ﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾: أي لهم عذابان: عذاب على كفرهم وعذاب على قتلهم وإحراقهم المؤمنين، عذاب جهنم المتعدد الصّور مثل: عذاب الحميم والزّمهرير وغسلين وطعام الزّقوم. عذاب جهنم: ارجع إلى سورة الرعد الآية (١٨) للبيان. ﴿وَلَهُمْ﴾: تكرار لهم للتوكيد. ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾: كما أحرقوا المؤمنين والمؤمنات لا بد من إحراقهم في نار جهنم فالعذاب من جنس العمل. وهذه الآية عامة وليست خاصة بأصحاب الأخدود أو كفار مكة، تشمل كلّ من يفتن المؤمنين والمؤمنات في دينهم، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.

стр. 5783

سورة البروج [٨٥: ١١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد المدح، الذين آمنوا: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعملوا الصالحات: الفروض والسنن وذكر الله وغيرها. ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: جنات: جمع جنة، فهناك: جنات الفردوس وجنات عدن وجنات النّعيم جنات المأوى تجري من تحتها الأنهار، قيل: تنبع من تحتها الأنهار. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾: الفوز: النجاة من المكروه والوصول إلى المرغوب أو الغاية أو الخير، والفوز: أنواع منها: الفوز العظيم أعلى درجات الفوز، وهناك الفوز الكبير وهو درجة ثانية بعد الفوز العظيم، وهناك الفوز المبين. سورة البروج [٨٥: ١٢] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، وكذلك اللام في: "لشديد" للتوكيد. ﴿بَطْشَ﴾: البطش الانتقام والأخذ بقوة وعنف، من بطش يبطش: إذا أخذه بعنف وقوة؛ أي: إذا أخذ الله الكافر فإنّ أخذه شديد، ويرى بعضهم أنّ قوله: "إنّ بطش ربك" هو جواب القسم. ﴿بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾: في الدّنيا أو في الآخرة لكلّ ظالم وعاص وكافر ومجرم، ولأهل القرى إذا ظلموا ولم يتوبوا، سواء كان عذاباً قريباً أو بعيداً. سورة البروج [٨٥: ١٣] ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾: إنّه: تعود على ربك.

стр. 5784

﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: تفيدان التّوكيد لمن ينكر البعث والآخرة والحساب والجزاء؛ يبدئ: الخلق ويعيد. ارجع إلى سورة الروم الآية (٢٧)، وسورة العنكبوت آية (١٩) لبيان معنى يُبدئ ويعيد. سورة البروج [٨٥: ١٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: للتوكيد. ﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة من غفر؛ أي: كثير الغفر فيغفر الذّنوب العظام مهما كان نوعها إذا تاب العبد وأناب إلى ربه، وأمّا الغفار: هو كثير الغفر من جهة الكمية؛ أي: يغفر الذّنوب الكثيرة، والغفر يعني: ستر الذّنب ومحوه وترك العقوبة والإثابة على فعل الخيرات (الحسنات). ﴿الْوَدُودُ﴾: الود هو الحب مع الإخلاص والوفاء، وقيل: المودة لا تكون إلا نتيجة المحبة أو هي المحبة الشديدة. الودود صيغة مبالغة على وزن فعول؛ أي: كثير المحبة لأوليائه فهو يرحمهم ويرزقهم ويكفر عنهم سيئاتهم، وهو المحبوب في قلوب أوليائه لإحسانه وغفرانه فهم يودونه ويحبونه. سورة البروج [٨٥: ١٥] ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾: ﴿ذُو﴾: تعني صاحب العرش، ذو: أبلغ وأشرف من "صاحب" العرش؛ فهو رب العرش. ﴿الْعَرْشِ﴾: قيل: صفة له سبحانه، وعرش الرّحمن أعظم من السّموات السّبع والأرض وما فيهن. ارجع إلى سورة هود آية (٧)، وسورة طه آية (٥). ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾: أي العظيم في ذاته وصفاته، التّام الشّرف الرّفيع القدر عظيم الكرم، فالمجيدُ بضم الدال: وصف لله تعالى، ولو قال المجيدِ بكسر الدال لكان وصفاً للعرش.

стр. 5785

سورة البروج [٨٥: ١٦] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: فعَّال: صيغة مبالغة لفاعل، تعني: ما يريد فعله في غاية الكثرة، فهو صاحب القدرة المطلقة لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، ولا يُسأل عما يفعل؛ لعظمته وحكمته وعدله، ولا يقف أمام أمره عائق أو مانع. سورة البروج [٨٥: ١٧] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام والتّشويق. ﴿أَتَاكَ﴾: أي سمعت أو أُخبرت؛ أي: وصلك خبر. ﴿حَدِيثُ﴾: يدل على أمر تحدث النّاس فيه وتناقلته السّير والأخبار، ويعني كلاماً ليس جديداً، وحديثهم هو ما وقع منهم من الكفر والعناد وما حل بهم من العذاب. ﴿الْجُنُودِ﴾: فرعون وثمود، وقد بينتهم الآية التالية (١٨). سورة البروج [٨٥: ١٨] ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾: ﴿فِرْعَوْنَ﴾: لم يقل قوم فرعون، يراد به فرعون نفسه الذي قال لهم: أنا ربكم الأعلى، أو قوم فرعون وجنوده وملئه. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. ﴿وَثَمُودَ﴾: اسم قبيلة وهم قوم صالح، فكفار مكة لم يبلغوا المبلغ الذي بلغه فرعون، أو المبلغ الحضاري الذي بلغته قبيلة ثمود الذين جابوا الصّخر بالواد، والذين سكنوا الحجر (مدائن صالح). سورة البروج [٨٥: ١٩] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى تَكْذِيبٍ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي كفار قريش أشد تكذيباً من فرعون وثمود وغيرهم.

стр. 5786

﴿فِى﴾: ظرفية، تكذيب: صيغة مبالغة؛ أي: كثيرو الكذب، والكذب محيط بهم جميعاً من كل مكان. ﴿فِى تَكْذِيبٍ﴾: في تكذيب دائم بكل ما أنزل الله وبالآخرة والبعث والحساب وتكذيب بآيات الله ورسله. ارجع إلى سورة النبأ الآية (٣٥) للمقارنة. سورة البروج [٨٥: ٢٠] ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ﴾: والله أعلم بأحوالهم وأعمالهم، وقادر عليهم وعلى الإحاطة بهم بعلمه وقوته كما فعل بمن قبلهم، وما دام محيطاً بهم من كلّ الجوانب كناية على عدم قدرتهم على الهرب والنّجاة من قبضته، أو هو سبحانه محيط بهم بعلمه يعلم ما يعملون وكذلك الملائكة الكرام الكاتبون يكتبون كل كلمة وفعل وحركة. سورة البروج [٨٥: ٢١] ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي؛ للرد على المشركين الذين زعموا أنّ القرآن شعر وكهانة أو سحر أو أساطير الأولين. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾: قرآن عظيم الشّرف والرّفعة والبركة والخير والعطاء. سورة البروج [٨٥: ٢٢] ﴿فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾: ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾: أي القرآن المجيد محفوظ عند الله تعالى من التّبديل والتّغيير والتّحريف، محفوظ مكنون ومصون على مر الأيّام والدّهور في صدور الذين أوتوا العلم وفي اللوح المحفوظ.

стр. 5787

سورة الطارق [٨٦: ١] سورة الطارق ترتيبها في القرآن (٨٦) وترتيبها في النّزول (٣٦). هذه السّورة تمثل جزءاً من روائع الإعجاز العلمي في القرآن والتّقدم في العلم الذي يدل دلالة الشّمس على أنّ القرآن هو كلام الله ، وتدل على عظمة الخالق البارئ المصور فاطر السموات والأرض. ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله بالسّماء، والله لا يقسم إلا بشيء عظيم، والله سبحانه غني عن القسم، والقسم يشير إلى أهمية وعظمة المقسم به وجواب القسم. يقسم الله سبحانه بالسّماء: اسم جنس يشمل السموات السبع، والسماء الدنيا إحداهن، والتي تحوي مليارات المجرات التي تحوي بداخلها مليارات المجموعات الشمسية، فمجرة درب التبانة تحوي (٢٠٠ إلى ٤٠٠ مليار نجم)، والعلم لم يتوصل إلا لمعرفة وإدراك النذر اليسير عن السّماء الدّنيا، فما بالك بالسموات السبع التي تغلف كل واحدة الأخرى. والطارق: قيل: كل ما يطرق ليلاً، أو النجوم التي تظهر ليلاً وتغيب نهاراً،

стр. 5788

أو القادم ليلاً أو يبدو ليلاً، ثم قالوا: الطارق هو النّجم الثاقب؛ لقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب﴾. سورة الطارق [٨٦: ٢] ﴿وما أدراك ما الطارق﴾: ما: استفهامية للتعظيم. ﴿أدراك﴾: أعلمك أو أخبرك ما الطارق. ﴿وما أدراك﴾: فيها معنى التهويل والتعظيم. ارجع إلى سورة الحاقة الآية (٣) للبيان، والفرق بين أدراك وما يدريك. سورة الطارق [٨٦: ٣] ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: فالطارق هو النّجم الثاقب. فالنّجوم تتشكل من ذرات وكلّ ذرة مركبة من البروتونات وإلكترونات، البروتونات ذات شحنة موجبة، وإلكترونات ذات شحنة سالبة، فعندما تتحد هذه البروتونات مع الإلكترونات (تنصهر) فيؤدي إلى توليد طاقة حرارية هائلة تقدر بملايين الدّرجات، ونتيجة الاتحاد بين البروتونات والإلكترونات تتشكل النّجوم النيوترونية الناجمة عن تحول النّجم الهائل الحجم إلى نجم صغير قطره بالكيلومترات بعد أن كان قطره ملايين الكيلومترات، وهي نجوم ثقيلة جداً قد تزن ملايين الأطنان مثل (١٠٠) مليون طن، ولها جاذبية عظمى أكبر من جاذبية الأرض بملايين المرات. هذه النّجوم النيوترونية تصدر أمواج راديوية كهرطيسية تتحول إلى أصوات تشبه طرقات المطرقة أو السّندان أو دقات السّاعة، قد يسمعها رواد الفضاء باستعمال أجهزة خاصة، وهذا هو تفسير الطّارق. أمّا تفسير النّجم الثّاقب: فقد

стр. 5789

اكتشف الباحثون أنّ هذه النّجوم النيوترونية تصدر أشعة كونية سميت النيوترينو تصل إلى الأرض بعد أن تخترق الغلاف الجوي والسّموات وتخترق أجسامنا، وقد تصل إلى أعماق البحار وهذا هو تفسير النّجم الثّاقب. سورة الطارق [٨٦: ٤] ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: أي: ما من نفس إلا عليها حافظ. هذا هو جواب القسم نظير هذه الآية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. ﴿إِنْ كُلُّ﴾: إن: تفيد النّفي بمعنى: ما؛ كلّ: لتوكيد النّفي. ﴿نَفْسٍ﴾: أي نفس كافرة مؤمنة مطيعة أو عاصية. ﴿لَمَّا﴾: تفيد الحصر بمعنى: إلا وعليها حافظ (ومنهم من فسر لما بالاستثنائية؛ أي: حرف استثناء). ﴿حَافِظٌ﴾: أي ملك من الملائكة؛ أي: كلّ إنسان موكل به ملائكة يكتبون أعماله (أفعاله وأقواله) من حسنات وسيئات، وكما قال تعالى في سورة ق الآية (١٨): ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وهذه الكتابة لتكون عليه حجة يوم القيامة، رغم أنّ الله سبحانه غني عن ذلك؛ لأنّه سبحانه يعلم ما توسوس به نفس الإنسان وهو سبحانه أقرب للإنسان من حبل الوريد؛ أي: كلّ نفس سوف تبعث يوم القيامة وتحاسب على عملها وتجازى به.

стр. 5790

سورة الطارق [٨٦: ٥] ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾: ﴿فَلْيَنظُرِ﴾: الفاء للتوكيد، واللام لزيادة التّوكيد، ينظر الإنسان ممَّ خلق، أصلها من + ما، من: لابتداء الغاية، ما: الاستفهامية، وحذفت الألف لتقدم حرف الجر. ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ﴾: نظرة بصرية ونظرة قلبية فكرية؛ أي: نظرة تأمل في كيفية خلقه ليعلم قدرة الله سبحانه وعظمته على بدء الخلق وإعادته. سورة الطارق [٨٦: ٦] ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾: ﴿مَاءٍ﴾: ماء الرّجل (هو المني) وماء المرأة. ﴿دَافِقٍ﴾: منصبّ بدفع وسرعة من الرّجل. سورة الطارق [٨٦: ٧] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: هذه الآية تتحدث عن المنشأ الأصلي الأساسي في الجنين والمسمى الحيد التناسلي، والذي يتطور إلى تشكيل الخصية أو المبيض مصدر الماء الدّافق في الرجل والمرأة. وهذه الآية تشير أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب؛ أي: أن الخصية والمبيض تتشكل من بين الصلب الذي يعني القسم الصّلب من العظم والذي يسمى قشرة العظم الموجودة في كل عظم، وليس كما كان يظن المفسرون القدامى: الصلب هو عظام الفقار فقط. وأما ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾: وهو القسم الرّخو المسمى مخ العظم أو نقي العظم

стр. 5791

الموجود في كل عظم، وليس كما كان يظن المفسرون أن الترائب هي عظام الصدر في الأنثى (الأضلاع). فكلّ عظم يتكون من قسمين: القسم الصّلب والقسم الرّخو، وقد تبين من الأبحاث في علم الجنين وعلم الخلايا والنّسج أنّ كلاً من الخصية والمبيض تتشكل من الوريقة الوسطى الواقعة بين الوريقة الخارجية المكونة لمخ العظم (نخاع العظم)، والوريقة الداخلية المكونة للقشرة الصلبة من العظم، فالخصية والمبيض منشأهما من بين قسمي العظم. سورة الطارق [٨٦: ٨] ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: ﴿إِنَّهُ﴾: إنّ واللام في "لقادر" تفيدان التّوكيد. ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾: حياً؛ أي: على بعثه بعد موته لقادر. ﴿لَقَادِرٌ﴾: على إرجاعه كما كان. سورة الطارق [٨٦: ٩] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: أي يوم القيامة. ﴿تُبْلَى﴾: تبدو وتظهر وتفضح؛ أي: تكشف سرائر وخفايا كلّ إنسان، وما كان عليه من عقيدة أو مذهب أو بدعة أو شرك أو نفاق أو طاعة أو عصيان. سورة الطارق [٨٦: ١٠] ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾: ﴿فَمَا لَهُ﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية: له: جار ومجرور للحصر. ﴿مِنْ﴾: استغراقية.

стр. 5792

﴿قُوَّةٍ﴾: يدافع بها عن نفسه من عذاب الله تعالى. ﴿وَلَا﴾: لا لتوكيد النّفي. ﴿نَاصِرٍ﴾: ينصره من الله تعالى؛ أي: من عذاب الله، أو يشفع له، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣]. سورة الطارق [٨٦: ١١] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: الواو: واو القسم. ارجع إلى الآية (١) من السورة نفسها، وجواب القسم. قيل: إنه لقول فصل. يقسم الله تعالى بهذه المعجزة العلمية الثّالثة في هذه السّورة بالسماء ذات الرجع، ويقسم بالأرض ذات الصّدع. ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: الرجع له أنواع كثيرة وتسمى: نُطُق الحماية، فيها النطاق الخارجي والمغناطيسي والإشعاعي والمتأين والأوزون والمناخي. ١ - منها الرّجع المائي، فالبخار يتحول إلى سحاب والسّحاب يتحول إلى مطر ويعود إلى الأرض. ٢ - الرّجع الحراري إلى الأرض فالسحب تحمي من تسرب الحرارة إلى الفضاء وبرودة الأرض، فالسحب ترد أو ترجع إلى الأرض (٤١%) من حرارة الشمس، ولولا هذا الرجع لتجمدت الأرض. ٣ - الرّجع الغازي: للأشعة الفوق البنفسجية بواسطة طبقة الأوزون. ٤ - ورجع الموجات الرّاديوية.

стр. 5793

٥ - والرّجع الاهتزازي للهواء. ٦ - الرجع الغباري. ٧ - الرجع اللاسلكي: فكل وسائل الاتصال بما فيها التلفونات والإذاعات ترسل موجاتها إلى النطاق المتأين المحيط بالأرض ليعود لنا بشكل صورة أو كلام أو رسالة. سورة الطارق [٨٦: ١٢] ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: ﴿الصَّدْعِ﴾: هو: شق + حركة، هناك شبكة كثيرة من الصدوع تمزق قاع البحار والمحيطات؛ أي: تمزق الغلاف الصخري للأرض وتمتد لآلاف الكيلومترات وفي كل الاتجاهات ومتصلة ببعضها وتحيط بالأرض كاملة كأنها صدع واحد. وهناك صدع أو شق اكتشفه العلماء والموجود في قاع المحيط الهادي ويمتد على طول السّاحل الغربي لأمريكا ويمر باليابان والفلبين وإندونيسيا، هذا الصّدع يبلغ أكثر من (٤٠) ألف كيلومتر، يسمى الصّدع أو الشّق الأكبر الذي يؤدي إلى كثير من الزلازل في اليابان وجزر المحيط الهادي و (٨٠%) من الزلازل والبراكين تتركز حول هذا الشّق أو الصّدع. وهذه الصدوع هي صمام الأمان للحياة على الأرض؛ فلولا هذه الصدوع لتفجرت الأرض كقنبلة نووية هائلة ولما بقي على الأرض من دابة، فهذه الصدوع تسمح للحمم البركانية بالخروج من باطن الأرض، وهي وسيلة لتشكل قيعان البحار والمحيطات والسلاسل الجبلية والقارات.

стр. 5794

سورة الطارق [٨٦: ١٣] ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾: جواب القسم. ﴿إِنَّهُ﴾: إنّ للتوكيد، والهاء تعود إلى القرآن الكريم. ﴿لَقَوْلٌ﴾: اللام لزيادة التّوكيد. ﴿فَصْلٌ﴾: أي يفصل بين الحق والباطل والحلال والحرام والهدى والضّلال، فالقرآن هو القول الفصل. سورة الطارق [٨٦: ١٤] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾: ﴿وَمَا هُوَ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، هو للتوكيد. ﴿بِالْهَزْلِ﴾: الباء للإلصاق، تعود على القرآن؛ أي: ما هو باللعب أو بالباطل بل إنّه جدٌّ وحقٌّ في وعده ووعيده وكل ما جاء به. سورة الطارق [٨٦: ١٥] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾: ﴿إِنَّهُمْ﴾: تعود إلى كفار قريش وأمثالهم. ﴿يَكِيدُونَ﴾: يعملون المكايد والحيل والشبهات لإطفاء نور الله؛ أي: دين الإسلام أو الوقوف أمام الدّعوة إلى الإسلام، يكيدون: فعل مضارع يفيد التّكرار والتّجدد. ﴿كَيْدًا﴾: يفيد التّوكيد.

стр. 5795

سورة الطارق [٨٦: ١٦] ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾: الله سبحانه ليس بحاجة إلى الكيد، وإنما هو من قبيل المشاكلة والمقابلة؛ مثل: استدراجهم من حيث لا يعلمون، أو أملي لهم إنّ كيدي متين. سورة الطارق [٨٦: ١٧] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: ﴿فَمَهِّلِ﴾: الفاء للتوكيد، مهِّل: انظر؛ أي: أنظرهم يا رسول الله ﷺ فلا تستعجل لهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: إمهالاً يسيراً؛ أي: لن يطول؛ رويداً: من فعل أراد، وفلان يمشي على رُود؛ أي: على مهل، وتكرار الفعل "أمهلهم" للمبالغة في الوعيد.

стр. 5796

سورة الأعلى [٨٧: ١] سورة الأعلى ترتيبها في القرآن (٨٧) وترتيبها في النّزول (٨). ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ﴿سَبِّحِ﴾: نزِّه وعظم اسم ربك؛ أي: أسماءه تعالى الحسنى عن كل ما لا يليق بها، ولا تسم بها غيره، أو تلحد فيها بالتأويلات الباطلة. التسبيح هو تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه عما لا يليق به من أيّ نقص وعجز وعيب، وتنزيه الله من الشريك والولد والصاحبة والندّ والمثيل. ارجع إلى سورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان. وسبح اسم ربك: كأن تقول: سبحان ربي الأعلى. سورة الأعلى [٨٧: ٢] ﴿الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى﴾: ﴿خَلَقَ﴾: الخلق يعني التّقدير والإيجاد من العدم وكل ما نراه في الوجود من خلق الله تعالى. ﴿فَسَوَّى﴾: سوّى كلّ مخلوق على أحسن هيئة وناسب بين أعضائه فجعلها متناسقة، سواء كان إنساناً أو حيواناً أو نباتاً كما قال تعالى: ﴿الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. والتسوية هي اختيار الصفات الوراثية المميزة لكل فرد من الإنس والجن والملائكة، وكل حيوان ونبات وجماد بحيث لا يشبه مخلوق الآخر. سورة الأعلى [٨٧: ٣] ﴿وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى﴾: قدّر كل أمر أو شيء في الوجود تقديراً محكماً دقيقاً لتنظيم الحياة.

стр. 5797

﴿قَدَّرَ﴾: له أجله ومعيشته ورزقه، وعلمه، وأهله، وأولاده ومهنته وأجله، وأين يحيا وأين يموت. ﴿فَهَدَى﴾: بيّن له طريق الخير وطريق الشّر والحق والباطل، والحلال والحرام وما ينفعه وما يضره، أو هداه إلى معيشته. سورة الأعلى [٨٧: ٤] ﴿وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾: الذي أخرج: الذي أنبت العشب أو الحشيش وما ترعاه وتأكله الدّواب من الأخضر الرّطب. سورة الأعلى [٨٧: ٥] ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾: فجعله: الفاء للتعقيب والمباشرة، جَعَلَه: صيّره. غثاء: والغثاء اليابس من النّبات والعشب، وهو الزّبد الذي يطفو على وجه الماء. ﴿أَحْوَى﴾: الموصوف بالحوة وهي السّمرة التي تقترب من السّواد بسبب القِدم ومرور الزّمن؛ أي: سواد + خضرة: بني اللون أو حمرة تضرب إلى السّواد؛ أي: هو الذي أخرج المرعى؛ أي: العشب الأخضر الرّطب الذي انقلب إلى غثاء أحوى إلى عشب يابس أسود أو بني اللون تأكله الدواب في الشّتاء والخريف. بعد هذه الآيات الأربع الدّالة على قدرة الخالق وعظمته وأنّه أهل التّسبيح والحمد يبشرُ رسوله ﷺ بأمرين: سورة الأعلى [٨٧: ٦] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾: السّين للاستقبال القريب والخطاب لرسول الله ﷺ وأمته، نقرئك: نعلّمك القرآن أو التّلاوة على لسان جبريل ﵇. ﴿فَلَا تَنْسَى﴾: أي نجمعه في قلبك فلا تنساه، أمّا إذا كان الخطاب موجهاً إلى أفراد أمته سنعلّمكم تلاوته على لسان من سبقوكم من الحفّاظ بالتّواتر فلا تنسوه بعد أن جمعه الله تعالى في قلوبكم.

стр. 5798

سورة الأعلى [٨٧: ٧] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: ما اسم موصول بمعنى الذي، وما أوسع شمولاً من الذي؛ أي: ما شاء الله أن تنساه مما نسخه الله تعالى أو ما شاء الله أن ينساه العبد من حفظ القرآن إذا لم يتعاهده بالمراجعة المتكررة. إنّه : ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾: أي ما تجهر به من التّلاوة؛ أي: ترفع به صوتك، وما يجهر به كلّ امرئ من قراءة القرآن وغيرها. ﴿وَمَا يَخْفَى﴾: تكرار ما للتوكيد، وما تتلوه همساً أو يتلوه غيرك وما يخفى من الأمور والأشياء بشكل عام كقوله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]. ﴿الْجَهْرَ﴾: أصله رفع الصّوت يقال: جهر بالقراءة، إذا رفع صوته بها. وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٧]، تأكيد للنبي ﷺ على عدم نسيانه. سورة الأعلى [٨٧: ٨] ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾: اليسرى مؤنث الأيسر بمعنى: أي سنوفقك ونهديك للطريقة الأيسر والأسهل لحفظ القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ونيسرك ونهديك إلى الشّريعة الإسلامية السّمحة وعمل الخير، والعمل اليسير والسهل، فكان رسول الله يختار الأمر الأيسر والسهل. ﴿لِلْيُسْرَى﴾: اللام لام التّعليل، وقال بعض المفسرين: ونيسرك لليسرى معطوفة على "سنقرئك"، فلا تنسى؛ أي: سنقرئك فلا تنسى ونيسرك لليسرى. وجملة "إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى" جملة اعتراضية.

стр. 5799

سورة الأعلى [٨٧: ٩] ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى كلّ مؤمن. ﴿فَذَكِّرْ﴾: الفاء للتوكيد، ذكِّر بالقرآن وذكِّر النّاس بربهم وبدينهم وبما عليهم من الفرائض والسّنن والواجبات كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، فذكّر: من التّذكير وهو تنبيه الإنسان بالحسنى والحكمة والموعظة إلى شيء أو أمر قد غفل عنه. فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾: أي ذكِّر بالقرآن الكل، فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، وذكّر ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. سورة الأعلى [٨٧: ١٠] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾: من يخشى الله، السّين للاستقبال القريب، يذكَّر: سيتعظ ويتبع الهدى ويتذكّر ويزداد إيماناً وذكراً. ﴿مَنْ يَخْشَى﴾: من استغراقية، يخشى: الله؛ أي: يخافه ويعظّمه، والخشية: هي الخوف المقترن بالعلم والعظمة ممن تخافه. سورة الأعلى [٨٧: ١١] ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾: ويتجنب الذّكرى: أي الموعظة والقرآن أو الاستماع إلى ما أنزل الله تعالى من الوحي. ﴿الْأَشْقَى﴾: الكافر والمشرك والعاصي المصِرّ على المعصية، ومن غفل قلبه وأعرض عن ذكر ربه ورضي بالحياة الدّنيا عن الآخرة واتبع هواه وكان أمره فرطاً، والأشقى اسم تفضيل على وزن أفعل. سورة الأعلى [٨٧: ١٢] ﴿الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم.

стр. 5800

﴿يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾: يدخل يوم القيامة ويشوى في النّار الكبرى نار جهنم، وقيل: الدّركات السّفلى من النّار هي الأشد والكبرى، والنّار الصّغرى نار الدّنيا. سورة الأعلى [٨٧: ١٣] ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الدّرجة بين يصلى ولا يموت فيها ولا يحيى، فكونه لا يموت فيها ولا يحيى أشد وأفظع من الصّلي؛ أي: لا يموت فيستريح من عذاب جهنم ولا يحيى حياة بدون عذاب الحريق والحميم. وتكرار (لا) يفيد التّوكيد، لا يموت ولا يحيى لا هذه ولا تلك ولا كلاهما معاً. سورة الأعلى [٨٧: ١٤] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿أَفْلَحَ﴾: فاز بالجنة ونجا من النّار. ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾: من تطهّر من الكفر والشّرك والمعاصي، تطهّر بالإيمان والتّقوى، من: بمعنى الذي، ومن: تشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى. سورة الأعلى [٨٧: ١٥] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: بلسانه وقلبه بالتّهليل والتّسبيح والاستغفار والحمد. ﴿فَصَلَّى﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، صلى الصّلوات المفروضة والنّوافل، ثمّ وبّخ وذمّ الذين يؤثرون الحياة الدّنيا.

стр. 5801

سورة الأعلى [٨٧: ١٦] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿تُؤْثِرُونَ﴾: من الإيثار، وهو التقديم؛ أي: تقدمون الحياة الدّنيا على الآخرة، والإيثار: يختلف عن التفضيل، التفضيل: يعني الزيادة في العطاء، وتقديم الأعلى على الأدنى. سورة الأعلى [٨٧: ١٧] ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: أي أفضل في كلّ شيء من الدّنيا. ﴿وَأَبْقَى﴾: أدوم، لا تزول. سورة الأعلى [٨٧: ١٨] ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: ﴿إِنَّ﴾: إنّ واللام في كلمة "لفي" تفيدان التّوكيد. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى كلّ ما ذكر من الآيات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: هذا الوعظ والتّعليم جاء أو ورد في الصّحف الأولى، وتشمل صحف شيث إدريس وإبراهيم وموسى.

стр. 5802

سورة الأعلى [٨٧: ١٩] ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾: الصّحف الأولى تشمل صحف إبراهيم وموسى، فذكر صحف إبراهيم وموسى مرة أخرى هي من قبيل ذكر الخاص بعد العام للتوكيد والاهتمام وشهرتها، فهي أولى الشّرائع. ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: قيل: كانت عشر صحف. ﴿وَمُوسَى﴾: وصحف موسى وهي غير التّوراة، وقيل: كانت عشر صحف أنزلت قبل التّوراة، وأنزل الله سبحانه الكتب الأربعة الزّبور والتّوراة والإنجيل والقرآن.

стр. 5803

سورة الغاشية [٨٨: ١] سورة الغاشية ترتيبها في القرآن (٨٨) وترتيبها في النّزول (٦٨). ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: ﴿هَلْ﴾: استفهام تحمل معنى التّشويق ولفت النّظر إلى حديث الغاشية والاستماع إليه، واستعمل صيغة الاستفهام بدلاً من الخبر والقول سأخبرك بحديث الغاشية؛ للتشويق والتهويل ولفت النظر إلى حديث الغاشية والتهويل. وكان رد الرسول ﷺ على الفور: نعم يا رب، قد جاءني حديث الغاشية. ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ﴾: ألم يصل إليك خبر أو حديث الغاشية بعد أو تسمعه من أحد؟ وإذا قارنا بين أتاك وجاءك: نجد أتاك: تأتي في سياق السهولة، وجاءك: في سياق المشقة والصعوبة، وبما أن السياق في الحديث عن الغاشية، وليس الغاشية نفسها ولكونها لم تأت بعد فقد استعملت أتاك بدلاً من جاءك. ﴿الْغَاشِيَةِ﴾: اسم من أسماء يوم القيامة كالقارعة والحاقة والطامة والصاخَّة، وقيل: الغاشية هي النّار التي تغشى الكفار يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، فلا يجدون لهم ملجأ ولا منفذاً يلجؤون إليه.

стр. 5804

سورة الغاشية [٨٨: ٢] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: في ذلك اليوم ترى وجوه الكفار والمشركين والعاصين. ﴿خَاشِعَةٌ﴾: ذليلة من أثر الشّعور بالذّل والهوان واليأس والندم، والخشوع تظهر أثاره على البصر والصوت كقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]. ورؤوسهم منكَّسة كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]. وهناك فرق بين هذا النّوع من الخشوع وخشوع التّقوى والإيمان؛ ويعني الذّلة لله تعالى فهذا النّوع من الخشوع هو خشوع عز ورفعة، أما خشوع أهل النار هو ذلة وهوان. سورة الغاشية [٨٨: ٣] ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾: ﴿عَامِلَةٌ﴾: في ذلك اليوم مشغولة بمحاولة الفرار أو الجثيّ والجرّ والسّحب في السّلاسل. ﴿نَّاصِبَةٌ﴾: من النّصب؛ وهو التّعب والإعياء؛ أي: متعبة مرهقة بجرّ السّلاسل والأغلال ومن الهول والرعب. سورة الغاشية [٨٨: ٤] ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾: وُجُوهٌ تُدخل وتشوى في نار حامية. سورة الغاشية [٨٨: ٥] ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: ﴿تُسْقَى﴾: هذه الوجوه من عين آنية، عين جمعها عيون ولا يقصد بها عين الإنسان؛ فتلك تجمع على أعين، أما عيون تشير إلى منابع الماء. ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: عين تنبع بالماء الحار وآنية من آن، وآن: يعني بالغ أقصى الحرارة؛ أي: يسقون من حميم آن، ينبع من عين آنية تنبع بالماء الحميم الذي بلغ أقصى

стр. 5805

درجات غليانه، وليست كدرجات حرارة الدّنيا وإنما درجات الآخرة. سورة الغاشية [٨٨: ٦] ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾: ﴿لَّيْسَ﴾: للنفي. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق لهم خاصة. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾: طعام من ضريع: الضّريع نوع من الشّوك الطريّ كانت قريش تطلق عليه اسم: الشبرق، وإذا يبس الضّريع لا تأكله حتّى الدّواب. سورة الغاشية [٨٨: ٧] ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾: يعني لا يوفر الطاقة الحرورية الضّرورية للحركة والنّشاط لمن أكل منه. ﴿وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾: الجوع: هو الشعور بخلو المعدة من الطعام، وطعام أهل النار من الزقوم وغيره، ولا يسد رمق الجوعان ويشعر بالشّبع، إذا أكل منه فهو طعام بلا أيّ فائدة من جهة، وجهة أخرى كريه الطّعم يتجرعه ولا يكاد يُسيغه. وتكرار (لا) يفيد توكيد النّفي لا هذه ولا تلك ولا كلاهما معاً. سورة الغاشية [٨٨: ٨] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾: وفي ذلك اليوم ترى وجوه المؤمنين والمتقين ناعمة؛ أي: ذات بهجة ونضرة وحسن كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ ـ ٣٩].

стр. 5806

سورة الغاشية [٨٨: ٩] ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: ﴿لِّسَعْيِهَا﴾: اللام لام التّعليل، سعيها: السّعي: العمل بجد ودأب. ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: لعملها الذي عملته في الدّنيا وسعت لإنجازه راضية على ثوابه، أو مسرورة بما أحضرت أو قدمت. سورة الغاشية [٨٨: ١٠] ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾: منازل عالية رفيعة الدّرجة والقدر، جنة عالية لها (١٠٠ درجة). سورة الغاشية [٨٨: ١١] ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿تَسْمَعُ﴾: في الجنة. ﴿فِيهَا لَاغِيَةً﴾: لاغية: من يلغو. واللغو: وهو الكلام الذي لا فائدة ولا نفع منه، ناهيك عن كلام الباطل والكذب والغيبة، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]. سورة الغاشية [٨٨: ١٢] ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾: ﴿عَيْنٌ﴾: اسم جنس تشمل الواحدة والاثنتين والجمع؛ أي: فيها عيون كثيرة: عين التّسنيم وعين الكافور والزّنجبيل والسّلسبيل. ﴿جَارِيَةٌ﴾: تجري على وجه أرض الجنة.

стр. 5807

سورة الغاشية [٨٨: ١٣] ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾: ﴿فِيهَا﴾: في الجنة. ﴿سُرُرٌ﴾: جمع سرير: وهو ما يجلس عليه أو ينام عليه. ﴿مَّرْفُوعَةٌ﴾: ثمينة ذات قدر مرفوعة مكاناً كقوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]. سورة الغاشية [٨٨: ١٤] ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾: ﴿وَأَكْوَابٌ﴾: جمع كوب: إناء لا عروة له. ﴿مَّوْضُوعَةٌ﴾: متوفرة بين أيديهم يشربون منها أو على حافات العيون وفي كلّ مكان لا يبحثون عنها، ومختلفة الألوان والأحجام. سورة الغاشية [٨٨: ١٥] ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: ﴿وَنَمَارِقُ﴾: جمع نمرقة: أي وسادة، نمارق: وسائد. ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾: بجانب بعضها بعضاً للاتكاء عليها. سورة الغاشية [٨٨: ١٦] ﴿وَزَرَابِىُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: ﴿وَزَرَابِىُّ﴾: بسط أو سجاجيد مفروشة وممدودة. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾: مفرقة في كلّ مكان، من بثّ؛ أي: فرّق. ثمّ يذكر سبحانه عدداً من الآيات الكونية الدّالة على قدرته وعظمته ووحدانيته التي تدعو إلى الإيمان به وحده وأنّه على كلّ شيء قدير. سورة الغاشية [٨٨: ١٧] ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾: ﴿أَفَلَا﴾: استفهام فيه حث على النّظر والتّأمل والتّفكير.

стр. 5808

﴿يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾: الإبل: الجمل أو الناقة من الحيوانات الثديّة المجترّة التي تمتاز بضخامة حجمها، وطول عنقها، وارتفاع قامتها قد يصل إلى أكثر من مترين ووزنها حوالي (٤٥٠ - ٦٥٠ كيلوغرام)، ولها أرجل طويلة قوية تساعدها على اتساع خطواتها، وترفع جسمها عن حرارة الرّمال وكلّ رجل تشبه الخف، وهو عبارة عن طبقة سميكة من الجلد مبطنة بالدّهن والألياف تساعدها على السّير بسهولة فوق الرّمال دون أن تغوص في الرّمال، كما تستطيع أن تسير فوق الصّخور والجبال بواسطة هذا الخف الذي تقل فيه الأعصاب الحسية، وأعينها وأنوفها المغطاة بأشعار كثيفة تحميها من دخول الرّمال والأتربة والغبار إلى أعينها وآذانها وأنوفها، وهي قادرة على إغلاق أعينها وآذانها وفتحتي الأنف في العواصف الرّملية، ورقبتها الطّويلة تساعدها على الوصول إلى النّباتات القصيرة وأوراق الأشجار العالية، وجسمها المغطى بجلد سميك مكسو بالوبر يحفظه من حرارة الشّمس، وسنام الجمل يعتبر مخزناً كبيراً للدهن الذي يحتاجه حين يقل غذاؤه وماؤه فهو قادر على تحمل الجوع والعطش لفترة طويلة قد تصل إلى عشرة أيّام في أيّام الحر الشّديد دون ماء، وربما أكثر قد تصل إلى أسبوعين أو أكثر، وحين يشرب يشرب كميات كبيرة من الماء ولا يتوقف عن الأكل حين يجد المرعى، وله القدرة على الاحتفاظ بماء جسمه عن طريق الكليتين وكمية البول القليلة وقلة عرقه فهو قلما يعرق حتّى في أشد درجات الحرارة، ولا يلهث ولا يتنفس من فمه، وله وسادتان دهنيتان فوق ركبتيه تحمي جسده حين يبرك على الرمل الحار أو البارد. ويتغذى بالحشائش وأوراق الشّجر والشّوك والأعشاب الجافة ونباتات الصّحراء، ويتغذى بالشّوك والقدرة على ذلك بما أعطاه الله تعالى من أسنان

стр. 5809

قوية وفم وشفتين غليظتين قويتين السفلى مشقوقة تمكنه من جمع الأشواك ثمّ مضغها، وهو من الحيوانات المجترة القادرة على ترجيع بعض الطّعام الذي تناولته سابقاً من معدتها إلى فمها؛ لتمضغه جيداً مرة أخرى ويسهل هضمه. فهذا الحيوان الأليف رغم حجمه الهائل وقدرته ينقاد للطفل الصغير أو الكبير حيث يشاء، والجمل قادر على حمل الأثقال الكبيرة ويسمى سفينة الصّحراء، وهناك من يشرب لبنها ويأكل من لحمها الذي فيه من الفيتامينات ما يزيد على ما في ألبان البقر والغنم (١٥ ضعفاً)، وقيل: له (٣) أمعاء حتى يهضم الطعام ولا يبقى للسموم أثر أو مسببات الأمراض، وقيل: إن في ألبانه وبوله كمية كبيرة من المضادات الحيوية الطبيعية لا نظير لها، وهي أكثر مقاومة للبكتريا ولا تسبب تشكل سلالات مقاومة، ويستفاد من وبرها وجلدها في صنع الملابس، ولا ننسى أنه يتأثر بصوت الحادي؛ أي: الرّاكب فوقه ويتأثر بالغناء فيسرع أو يبطئ، فسبحان الخالق البارئ المصور فهو آية كافية تدل على عظمة وقدرة الخالق. سورة الغاشية [٨٨: ١٨] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾: رفعت بأعمدة لا نراها، وهي عبارة عن القوى النّووية الشّديدة والضّعيفة، والقوى الكهربائية المغنطيسية وقوى الجاذبية الدّاخلية وموجات الجاذبية الخارجية التي تتشكل بين الكواكب والنّجوم والأجرام السّماوية الأخرى والمجرات، هذه القوى التي تجعل كلّ جرم سماوي يسير في مداره وفلكه فلا يصطدم بالآخر، ويبقى في مداره السّنين يجري ويجري إلى أجل مسمى.

стр. 5810

سورة الغاشية [٨٨: ١٩] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾: كيف نصبت كرواسي في الأرض؛ كي لا تميد وتضطرب فهي كالأوتاد تثبت الأرض اليابسة وتحفظ توازنها بالإضافة إلى القوى الأخرى، وقد دلت الدّراسات والأبحاث الجيولوجية أنّ ما نراه ظاهراً من الجبل فوق الأرض لا يمثل إلا الجزء الضئيل وما هو خفي تحت الأرض يمثل الجزء الأعظم من الجبل. سورة الغاشية [٨٨: ٢٠] ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾: ﴿سُطِحَتْ﴾: بسطت رغم كونها كروية الشّكل (بيضاوية) وتدور حول نفسها وحول الشّمس بسرعة (٣٠ كيلومتراً بالثّانية)، ومع ذلك لا نشعر بذلك الدّوران فهي كالمهد، وفي بداية خلقها كانت تضاريسها صعبة ولا تصلح للحياة عليها، ثم سخّر الله لها عوامل التعرية من الرياح والمياه الجارية والجليد وتباين درجات الحرارة بين الليل والنهار وبين الفصول مما ساعد على بري هذه الجبال بعوامل التعرية، ثم جرفت المياه هذا البري وخلقت السهول والأودية والطرق، وأصبحت الأرض سهلة وممهدة للحياة. فمن نظر إلى هذه المخلوقات الأربعة يتبين له قدرة الله وعظمته على الخلق وعلى البعث وأنّه على كلّ شيء قدير، وأنّه هو الإله الحق الذي يستحق أن يُعبد ويطاع. سورة الغاشية [٨٨: ٢١] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: المناسبة: أي إن لم ينظروا في هذه المخلوقات ويتعظوا بدلائل قدرته وعظمته فذكِّرهم بها.

стр. 5811

﴿فَذَكِّرْ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: ذكر النّاس بدلائل قدرته ووحدانيته ونعمه، ذكرهم بربهم وبالآخرة والبعث والحساب، ذكرهم بالقرآن وبيوم القيامة، فذكر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين، ذكرهم بما نسوه وعظهم وأنذرهم وبشرهم. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر. ﴿أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: أي ما عليك إلا البلاغ، مذكر: اسم فاعل من الفعل الرّباعي ذكّر، إنما أنت مذكّر: جملة تعليلية. سورة الغاشية [٨٨: ٢٢] ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾: ﴿لَّسْتَ﴾: من أخوات كان تفيد النّفي، والتّاء اسم ليس. ﴿عَلَيْهِم﴾: على كفار مكة. ﴿عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾: لست مسؤولاً على إجبارهم على الإيمان كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]. سورة الغاشية [٨٨: ٢٣] ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع: بمعنى المستثنى ليس بعضاً من المستثنى منه، فقوله: إلا من تولى وكفر، ليس استثناء من: لست عليهم بمصيطر وجاءت بمعنى لكن، أي لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. ﴿تَوَلَّى﴾: التولي: التباعد وهو أشد من الإعراض؛ أي: ابتعد وأعرض عن طاعة ربه والإيمان بما أنزل الله تعالى. ﴿وَكَفَرَ﴾: ولم يؤمن ويصدق بآيات ربه ورسله وملائكته واليوم الآخر.

стр. 5812

سورة الغاشية [٨٨: ٢٤] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾: الفاء للتوكيد. ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: العذاب الأكبر: هو عذاب جهنم الذي وصف بالعذاب العظيم والأليم والمهين، وأما العذاب الأدنى أو العذاب الأصغر هو عذاب الدّنيا، وقوله: يعذبه العذاب الأكبر؛ لا يعني أنّه لا يعذبه العذاب الأصغر أو الأدنى فذاك يدخل في العذاب الأكبر. سورة الغاشية [٨٨: ٢٥] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿إِلَيْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر: إلينا وتفيد شدة الوعيد. ﴿إِيَابَهُمْ﴾: مرجعهم بعد النّشر والبعث من القبور للحساب والجزاء. سورة الغاشية [٨٨: ٢٦] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لشدة التّباين بين الإياب والحساب فالحساب هو أعظم وأشد من الإياب (الرّجوع) وفي هذا تهديد ووعيد للكفار. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾: إنّ: للتوكيد، تقديم "علينا" تفيد الحصر؛ أي: حسابهم علينا وحدنا فلا يشاركنا فيه أحد، وعلى تفيد المشقة؛ أي: سيكون حساباً شاقاً ليس سهلاً كما يتصورونه.

стр. 5813

سورة الفجر [٨٩: ١] سورة الفجر ترتيبها في القرآن (٨٩) وترتيبها في النّزول (١٠). يقسم الله سبحانه بعدد من الآيات الكونية والأيّام والليالي الفضيلة في الإسلام للانتباه إليها واغتنام فضيلتها. ﴿وَالْفَجْرِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله بالفجر والله لا يقسم إلا بشيء عظيم. والله سبحانه غني عن القسم، والقسم من قبيل التنبيه إلى أهمية المقسم به، وجواب القسم، والفجر آية من آيات الله الكونية العظيمة الدالة على عظمته وقدرته في الخلق. وقد بينت الدراسات العلمية أن الفجر فجران: الفجر الكاذب والفجر الصادق. والفجر الكاذب: هو ناتج عن تفاعل أشعة الشمس مع نطق الحماية المحيطة بالأرض فعندما تصل هذه الأشعة إلى الأرض تنحني وتسبب ظهور

стр. 5814

الفجر الكاذب الذي يرى واضحاً عند القطبين وهو عبارة عن ستائر من الضوء تحوي ألوان الطيف المتعددة السبعة. وأما الفجر الصادق: فهو ناتج عن أشعة الشمس التي تصل إلينا بصورة غير مباشرة من الشمس والمتضمنة ألوان الطيف السبعة ومنها اللون الأحمر وهو أطول الموجات وعلامة ظهور الفجر الصادق هو ظهور الشفق الأحمر ولأنه من الصعب رؤية الشفق الأحمر بالعين البشرية بسهولة فالله سبحانه هون علينا ذلك وأبدله بالشفق الأبيض أو النور الأبيض الذي نراه في بداية الفجر. ويقسم الله بالفجر لأن نطق الحماية المحيطة بالأرض ومنها نطاق الأوزون ونطاق التاين والنطاق المغنطيسي والخارجي وغيرها. هذه النطق بما فيها نطاق الأوزون تقترب من الأرض في زمن الفجر كي تعقم الجو وتقضي على كثير من مسببات الأمراض فزمن الفجر زمن مطهر مُعقم يشعر فيه الإنسان بالنشاط والطمأنينة وزمن مبارك أيضاً وتقع فيه صلاة التهجد والفجر. سورة الفجر [٨٩: ٢] ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: أي الأيام العشر من ذي الحجة وأطلق على الأيام الليالي لأن اللغة تسمح بذلك أو بالعكس فهي أيام فضيلة وفيها يوم عرفة وفيها يتم الطواف والسعي وقيل هي الليالي العشر الأخيرة من رمضان وفيها ليلة القدر وتنكير الليالي للتعظيم. سورة الفجر [٨٩: ٣] ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قيل: الشفع: يوم النّحر يوم عيد الأضحى اليوم العاشر من ذي الحجة.

стр. 5815

والوتر: اليوم التّاسع من ذي الحجة؛ أي: يوم عرفة. وقيل الشّفع: الخلق جميعاً كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، والوتر: هو الله تعالى الخالق فسبحانه خلق من كل شيء زوجين ليبقى متفرداً بالوحدانية. وقيل: الوتر الصّلاة ثلاث ركعات التي فيها ركعتا الشّفع وركعة الوتر. سورة الفجر [٨٩: ٤] ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: ﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث. ﴿يَسْرِ﴾: يسري ذاهباً كقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ وقيل: يسر يعني: أقبل ثمّ ذهب وأدبر، وقيل: يسر من السّري: وهو السّير بالليل، والليل يبدأ بالمغرب وينتهي بالفجر أو بطلوع الفجر، والليل فيه صلاة المغرب والعشاء والتّهجد والوتر والفجر، وفيه ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وقد يتضمن التفسير كل هذه الأمور. سورة الفجر [٨٩: ٥] ﴿هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام التّقريري، جوابه محذوف وتقديره: نعم، وحذفه ليكون الجواب يشمل كلّ ما يجول في الذهن. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: في ذلك القسم بهذه الآيات الكونية والأيام والليالي الفضيلة. ﴿قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾: قسم مقنع وكافٍ لكل ذي عقل، أو هذا القسم كاف لأصحاب العقول، وسمي العقل حجراً؛ لأنّه يمنع صاحبه من الوقوع فيما لا ينبغي، أو العقل ينهى أو يُحل، فإذا لم يكفهم هذا القسم فلا عقول لهم ولا هم يبصرون.
следующие страницы →