Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
﴿فَذَكِّرْ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: ذكر النّاس بدلائل قدرته ووحدانيته ونعمه، ذكرهم بربهم وبالآخرة والبعث والحساب، ذكرهم بالقرآن وبيوم القيامة، فذكر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين، ذكرهم بما نسوه وعظهم وأنذرهم وبشرهم.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر.
﴿أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾: أي ما عليك إلا البلاغ، مذكر: اسم فاعل من الفعل الرّباعي ذكّر، إنما أنت مذكّر: جملة تعليلية.
سورة الغاشية [٨٨: ٢٢]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾:
﴿لَّسْتَ﴾: من أخوات كان تفيد النّفي، والتّاء اسم ليس.
﴿عَلَيْهِم﴾: على كفار مكة.
﴿عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾: لست مسؤولاً على إجبارهم على الإيمان كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥].
سورة الغاشية [٨٨: ٢٣]
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع: بمعنى المستثنى ليس بعضاً من المستثنى منه، فقوله: إلا من تولى وكفر، ليس استثناء من: لست عليهم بمصيطر وجاءت بمعنى لكن، أي لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر.
﴿تَوَلَّى﴾: التولي: التباعد وهو أشد من الإعراض؛ أي: ابتعد وأعرض عن طاعة ربه والإيمان بما أنزل الله تعالى.
﴿وَكَفَرَ﴾: ولم يؤمن ويصدق بآيات ربه ورسله وملائكته واليوم الآخر.
стр. 5812
سورة الغاشية [٨٨: ٢٤]
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾:
﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾: الفاء للتوكيد.
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: العذاب الأكبر: هو عذاب جهنم الذي وصف بالعذاب العظيم والأليم والمهين، وأما العذاب الأدنى أو العذاب الأصغر هو عذاب الدّنيا، وقوله: يعذبه العذاب الأكبر؛ لا يعني أنّه لا يعذبه العذاب الأصغر أو الأدنى فذاك يدخل في العذاب الأكبر.
سورة الغاشية [٨٨: ٢٥]
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿إِلَيْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر: إلينا وتفيد شدة الوعيد.
﴿إِيَابَهُمْ﴾: مرجعهم بعد النّشر والبعث من القبور للحساب والجزاء.
سورة الغاشية [٨٨: ٢٦]
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لشدة التّباين بين الإياب والحساب فالحساب هو أعظم وأشد من الإياب (الرّجوع) وفي هذا تهديد ووعيد للكفار.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا﴾: إنّ: للتوكيد، تقديم "علينا" تفيد الحصر؛ أي: حسابهم علينا وحدنا فلا يشاركنا فيه أحد، وعلى تفيد المشقة؛ أي: سيكون حساباً شاقاً ليس سهلاً كما يتصورونه.
стр. 5813
سورة الفجر [٨٩: ١]
سورة الفجر
ترتيبها في القرآن (٨٩) وترتيبها في النّزول (١٠).
يقسم الله سبحانه بعدد من الآيات الكونية والأيّام والليالي الفضيلة في الإسلام للانتباه إليها واغتنام فضيلتها.
﴿وَالْفَجْرِ﴾:
الواو واو القسم، يقسم الله بالفجر والله لا يقسم إلا بشيء عظيم.
والله سبحانه غني عن القسم، والقسم من قبيل التنبيه إلى أهمية المقسم به، وجواب القسم، والفجر آية من آيات الله الكونية العظيمة الدالة على عظمته وقدرته في الخلق.
وقد بينت الدراسات العلمية أن الفجر فجران: الفجر الكاذب والفجر الصادق.
والفجر الكاذب: هو ناتج عن تفاعل أشعة الشمس مع نطق الحماية المحيطة بالأرض فعندما تصل هذه الأشعة إلى الأرض تنحني وتسبب ظهور
стр. 5814
الفجر الكاذب الذي يرى واضحاً عند القطبين وهو عبارة عن ستائر من الضوء تحوي ألوان الطيف المتعددة السبعة.
وأما الفجر الصادق: فهو ناتج عن أشعة الشمس التي تصل إلينا بصورة غير مباشرة من الشمس والمتضمنة ألوان الطيف السبعة ومنها اللون الأحمر وهو أطول الموجات وعلامة ظهور الفجر الصادق هو ظهور الشفق الأحمر ولأنه من الصعب رؤية الشفق الأحمر بالعين البشرية بسهولة فالله سبحانه هون علينا ذلك وأبدله بالشفق الأبيض أو النور الأبيض الذي نراه في بداية الفجر.
ويقسم الله بالفجر لأن نطق الحماية المحيطة بالأرض ومنها نطاق الأوزون ونطاق التاين والنطاق المغنطيسي والخارجي وغيرها.
هذه النطق بما فيها نطاق الأوزون تقترب من الأرض في زمن الفجر كي تعقم الجو وتقضي على كثير من مسببات الأمراض فزمن الفجر زمن مطهر مُعقم يشعر فيه الإنسان بالنشاط والطمأنينة وزمن مبارك أيضاً وتقع فيه صلاة التهجد والفجر.
سورة الفجر [٨٩: ٢]
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾:
أي الأيام العشر من ذي الحجة وأطلق على الأيام الليالي لأن اللغة تسمح بذلك أو بالعكس فهي أيام فضيلة وفيها يوم عرفة وفيها يتم الطواف والسعي وقيل هي الليالي العشر الأخيرة من رمضان وفيها ليلة القدر وتنكير الليالي للتعظيم.
سورة الفجر [٨٩: ٣]
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾:
قيل: الشفع: يوم النّحر يوم عيد الأضحى اليوم العاشر من ذي الحجة.
стр. 5815
والوتر: اليوم التّاسع من ذي الحجة؛ أي: يوم عرفة.
وقيل الشّفع: الخلق جميعاً كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، والوتر: هو الله تعالى الخالق فسبحانه خلق من كل شيء زوجين ليبقى متفرداً بالوحدانية. وقيل: الوتر الصّلاة ثلاث ركعات التي فيها ركعتا الشّفع وركعة الوتر.
سورة الفجر [٨٩: ٤]
﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾:
﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تفيد حتمية الحدوث.
﴿يَسْرِ﴾: يسري ذاهباً كقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ وقيل: يسر يعني: أقبل ثمّ ذهب وأدبر، وقيل: يسر من السّري: وهو السّير بالليل، والليل يبدأ بالمغرب وينتهي بالفجر أو بطلوع الفجر، والليل فيه صلاة المغرب والعشاء والتّهجد والوتر والفجر، وفيه ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وقد يتضمن التفسير كل هذه الأمور.
سورة الفجر [٨٩: ٥]
﴿هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾:
﴿هَلْ﴾: للاستفهام التّقريري، جوابه محذوف وتقديره: نعم، وحذفه ليكون الجواب يشمل كلّ ما يجول في الذهن.
﴿فِى ذَلِكَ﴾: في ذلك القسم بهذه الآيات الكونية والأيام والليالي الفضيلة.
﴿قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾: قسم مقنع وكافٍ لكل ذي عقل، أو هذا القسم كاف لأصحاب العقول، وسمي العقل حجراً؛ لأنّه يمنع صاحبه من الوقوع فيما لا ينبغي، أو العقل ينهى أو يُحل، فإذا لم يكفهم هذا القسم فلا عقول لهم ولا هم يبصرون.
стр. 5816
سورة الفجر [٨٩: ٦]
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام.
﴿تَرَ﴾: رؤية قلبية فكرية؛ أي: تعلم علم اليقين.
﴿كَيْفَ﴾: استفهام تقريري يراد به التّعظيم والتّفخيم: فعل ربك بعاد.
﴿فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾: أي قوم عاد، عاد الأولى نبيهم هو هود ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح الذين سكنوا الأحقاف وشيدوا فيها حضارة لم يعرف التاريخ مثلها، ولكنهم عصوا رسول ربهم فأرسل عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات، أو سماها الريح العقيم سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية، فطمرت حضارتهم بالرمال وتحولت إلى تلال من الرمال كما نراها الآن.
سورة الفجر [٨٩: ٧]
﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾:
إرم: أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، سموا باسم جدهم كقبيلة إرم، (وإرم هو جد عاد) وقيل إرم اسم قبيلة.
وقيل: إرم: اسم البلدة التي كانوا يسكنونها، وقيل إرم اسم أمة من الأمم، ومعنى إرم القديمة.
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: أهل العمد سكنوا الخيام ذات البناء المحكم المتميز بالقوة والشدة والسعة والطول، أو المساكن ذات القواعد (الأسس) المتينة المحكمة.
سورة الفجر [٨٩: ٨]
﴿الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ﴾:
لم يكن هناك من يشبههم في عظم الأجسام والقوة، ولم تكن هناك حضارة
стр. 5817
تشبه حضارتهم أو تضاهيها من حيث البناء والعمران والأعمدة والحضارة والزّراعة في ذلك الزمان، ولا تزال الحفريات وفِرق التنقيب تبحث عن تلك الحضارة المدفونة تحت الرمال.
سورة الفجر [٨٩: ٩]
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾:
وهم عاد الثانية وهم من بقايا قوم هود الذين آمنوا ونجوا إلى مكة بعد هلاك قوم هود، ثم هاجروا إلى الحجر أو شمال الحجاز وهي من أغنى أرض الجزيرة العربية بالماء والأنهار.
أي: ألم تر أيضاً إلى ما فعل الله بثمود قوم صالح، ومساكنهم في الحجر، فهم الذين جابوا الصّخر بالواد: قطعوا الصّخر ونحتوه واتخذوا من الجبال بيوتاً وقصوراً كقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
﴿جَابُوا﴾: من الجَوب؛ أي: نحتوا الجبال والصخر بيوتاً.
سورة الفجر [٨٩: ١٠]
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْتَادِ﴾:
﴿ذِى﴾: أي صاحب الأوتاد.
﴿الْأَوْتَادِ﴾: قيل في تفسيرها عدة أقوال منها:
١ - كان يعذب بأوتاد يضعها في أيدي الناس وأرجلهم، وقيل:
٢ - الأوتاد المباني الضّخمة، وقيل:
٣ - ذي الجنود والأعوان والقوة.
стр. 5818
سورة الفجر [٨٩: ١١]
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَادِ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: تعود على عاد وثمود وفرعون هؤلاء الثّلاثة.
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَادِ﴾: استكبروا وتجاوز الحد في الظّلم والقهر. في البلاد: جمع بلدة.
سورة الفجر [٨٩: ١٢]
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾:
"فأكثروا" تعود على عاد وثمود وفرعون، فأكثروا فيها القتل والتّعذيب والشرك بالله والتكذيب بآياته ورسله، وأكثروا فيها المعاصي والمنكرات. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٥١) لبيان معنى الفساد.
سورة الفجر [٨٩: ١٣]
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾:
﴿فَصَبَّ﴾: الصّب يعني: الكثرة والشدة والاستمرار، فشبّه نزول العذاب بهم بالمطر المنهمر عليهم من كل جانب.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر عليهم خاصة، "عليهم" تعود على عاد وثمود وفرعون.
﴿رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾: كناية عن شدة وكثرة أشكال من العذاب مثل الرّيح الصّرصر العاتية والصّيحة والرّجفة والسّنين والطّوفان والجراد والقمل والغرق.
وسمى ضروب العذاب النّازلة بهم سوطاً؛ تسمية للشيء باسم آلته، وقيل: سوط عذاب؛ لأنّ التعذيب في ذلك الزّمان كان بالسّوط.
стр. 5819
سورة الفجر [٨٩: ١٤]
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾:
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل، بالمرصاد: الباء للإلصاق والملازمة، المرصاد: يرصد الأمور؛ أي: يرصد أعمالكم ويراقبها فلا يفوته شيءٌ من أعمالكم ليجازيكم عليها، والمرصاد: يمكن أن يطلق على المكان مكان الرّصد الذي يقف فيه الرّاصد، وفي هذه الآية تهديد ووعيد لمن استكبر وكذَّب بآيات ربه.
سورة الفجر [٨٩: ١٥]
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أمّا: حرف شرط وتفصيل.
﴿الْإِنسَانُ﴾: اسم جنس الإنسان الكافر، أو أحياناً الإنسان المؤمن أو المسلم.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث والتّحقق.
﴿مَا﴾: تفيد التّوكيد.
﴿ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾: الابتلاء لا يكون إلا بتحمل المكاره والمشاقّ؛ أي: بالشر ويمكن أن يكون بالخير، وهنا يقصد به الخير.
﴿فَأَكْرَمَهُ﴾: بالغنى واليسر والسّعة في الرّزق والمال والعافية والذرية والجاه وغيره.
﴿وَنَعَّمَهُ﴾: أنعم عليه من فضله وإحسانه بالنّعم الظّاهرة أو الباطنة.
стр. 5820
﴿فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ﴾: أي يظن هذا الإكرام له بالمال أو بغيره من النعم أنّه أهلٌ له ويستحقه، أو لأنّه مفضّل من ربه على غيره من النّاس، وهو ظن خاطئ.
وانتبه إلى اختيار كلمة "أَكْرَمَن" من أكْرَمَ، لا تعني إكراماً دائماً وإنما مؤقت أو قليل أو إكرام عادي، ولم يقل كَرَّمَن من كَرَّمَ، تعني كرم دائم، وفيه مبالغة في الكرم، وأكرمن تشير إلى أنه يطمع في الزيادة في الإكرام.
ولم يقل أكرمني: حذف ياء المتكلم فقال: أَكْرَمَن؛ لأن الإكرام بالمال وغيره من متاع الدنيا ليس هو الإكرام الحقيقي وإنما هو جزء من الإكرام.
سورة الفجر [٨٩: ١٦]
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ﴾:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾: أما حرف شرط وتفصيل.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾: أي ضيق عليه رزقه، وتقديم "عليه": عليه خاصة.
يظن هذا الإنسان أنّ هذا التّضييق إهانة له من الله له وذلة، وهذا غير صحيح وخاطئ، وإنما هو ابتلاء من الله تعالى ليختبره أيصبر أم يكفر.
﴿فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ﴾: ولم يقل أهانني، أهانن؛ أي: إهانة مؤقتة وأهانني تعني إهانة دائمة؛ فهو يعلم أن الله سيغير حاله لقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩].
سورة الفجر [٨٩: ١٧]
﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر؛ أي: ليس المال أو النعمة أو العطاء دلالة على الإكرام من الله، وليس الفقر إهانة وذلاً كما تظنون خطأً، وإنما الغنى والفقر ابتلاء
стр. 5821
من الله للعبد ليقيم عليه الحجة أيشكر أم يكفر، أو يصبر أو لا يصبر، والابتلاء هو طهارة من الذنوب أو لرفع الدرجات.
"أهانن": حذف ياء النداء؛ لأن الفقر ليس هو السبب الحقيقي للإهانة والذل، كالطرد من رحمة الله.
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي.
﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾: فهو رغم إكرامه لهذا الإنسان فهذا الإنسان لا يؤدي حق الله في ماله سواء بأداء زكاة أمواله أو بإكرام اليتيم أو إطعام المسكين، و"اليتيم" في اللغة: من فقد أباه قبل سن البلوغ من ذكر أو أنثى.
سورة الفجر [٨٩: ١٨]
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾:
﴿وَلَا﴾: لا النّافية.
﴿تَحَاضُّونَ﴾: يحث بعضكم بعضاً، أو يوصي بعضكم بعضاً، وتحاضون: أصلها تتحاضُّون.
﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: على مساعدة المسكين المحتاج الذي ليس عنده ما يكفيه لسدِّ حاجته، لا إكرام لليتيم ولا إطعام للمسكين ولا كلاهما، والانتقال من الغائب إلى المخاطب كقوله: "كلا بل لا تكرمون اليتيم" بدلاً من القول كلا بل لا يكرمون ولا يحاضّون على طعام المسكين يدل على زيادة التوبيخ والعتاب.
سورة الفجر [٨٩: ١٩]
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾:
﴿وَتَأْكُلُونَ﴾: أي تأخذون.
﴿التُّرَاثَ﴾: اسم (لما يتركه الميت من الإرث) أي: الميراث.
стр. 5822
﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾: أي تأكلون نصيبكم ونصيب غيركم من الميراث، حيث كانوا لا يورّثون النّساء والصّبيان؛ أي: تأخذون الحلال والحرام، أكلاً: مصدر أكل؛ للمبالغة، لمّاً: مصدر للفعل الثّلاثي، لمَّ بمعنى: جمع المال سواء كان حلالاً أو حراماً وتفيد المبالغة، تأكلون: بصيغة المضارع تدل على التّجدد والتّكرار والاستمرار.
سورة الفجر [٨٩: ٢٠]
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾:
وتحبون المال حباً كثيراً، من الجم: أي الكثير، وجمّ الشّيء: كثرة، وجمّاً للمبالغة والشدة، وتحبون: بصيغة المضارع تدل على التّكرار والتّجدد والاستمرار، وتشير إلى المبالغة في حب المال وشدته.
سورة الفجر [٨٩: ٢١]
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر لمن جمع المال الحرام، أو بخل بالتّصدق والزّكاة أو أكل حق الآخرين في الميراث وخاصة اليتيم.
﴿إِذَا﴾: ظرفية تفيد حتمية الحدوث وتحقق ذلك يوم القيامة.
﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾: الدّك هو الهدم والتّسوية النّاتج عن زلزلة الأرض يوم القيامة، والذي يؤدي إلى دكّ الجبال والأبنية وكلّ ما ارتفع فوق الأرض، كي تبدّل الأرض غير الأرض، وتبدّل بأرض جديدة واسعة للبلايين من الناس هي أرض المحشر استعداداً للحساب والقضاء.
﴿دَكًّا﴾: للتوكيد.
سورة الفجر [٨٩: ٢٢]
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾:
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾: المجيء: مجيء حقيقي، للقضاء بين النّاس وحسابهم
стр. 5823
وجزائهم كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
﴿صَفًّا صَفًّا﴾: قيل: محيطين بالخلق صفّاً صفّاً، أو مصطفّين صفّاً صفّاً حسب منزلتهم ومراتبهم، أو ينزلون من السماء صفاً صفاً.
سورة الفجر [٨٩: ٢٣]
﴿وَجِااءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾:
وقد وصف رسول الله ﷺ مجيء النّار في يوم القيامة في حديث رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كلّ زمام سبعون ألف ملك.
ولا ننسى هذا العدد الكبير، ولا ننسى قوة وشدة هؤلاء الملائكة.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: تكرار "يومئذ" للتوكيد، في ذلك اليوم يتذكر الإنسان ما قدّم وأخّر أو ما عمل في دنياه.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾: أنّى لها عدّة معان: تحمل معنى كيف يتذكر، أو من أين تأتي له الذّكرى، وللاستفهام والتّعجب، وماذا يتذكر من الكم الهائل الذي عمله، وما فائدة تذكره؟ لن تنفعه الذّكرى إلا حسرة وندماً على ما فرّط في جنب الله .
стр. 5824
سورة الفجر [٨٩: ٢٤]
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾:
﴿يَقُولُ﴾: حين يرى أهوال يوم القيامة والعذاب.
﴿يَالَيْتَنِى﴾: الياء للتنبيه، ليتني: ليت أداة رجاء تستعمل للأمور المستحيلة الحدوث أو النّادرة.
﴿قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾: اللام لام التّعليل، قدّمت لحياتي: أي حياة الآخرة، وجاء بياء المتكلم؛ لأنّها هي الحياة الحقيقية الكاملة التّامة لا موت بعدها، يا ليتني: قدمت الكثير من الأعمال الصّالحة والتّقوى والإيمان، وهذا التّمنّي لن يحصل ويتحقّق أبداً.
سورة الفجر [٨٩: ٢٥]
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾:
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: الفاء للتوكيد، يومئذ: ظرف أضيف إلى ظرف آخر، وأصلها يوم (ظرف) إذ (ظرف).
﴿لَا﴾: النّافية
﴿يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾: بكسر الذّال، الضّمير يعود إلى الله سبحانه؛ أي: لا يعذّب كعذاب الله تعالى أحدٌ.
وفي قراءة بفتح الذّال، والضّمير يعود إلى الإنسان الموصوف الذي يقول: يا
стр. 5825
ليتني قدمت لحياتي! أي: لا يُعذَّب أحدٌ مثل عذابه ولا يوثق بالسّلاسل والأغلال أحد مثله حسب درجة كفره وتكذيبه، والضّمير قد يعود إلى كلاهما، والله أعلم.
سورة الفجر [٨٩: ٢٦]
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾:
﴿ولا﴾: تكرار ﴿لا﴾ يفيد التوكيد، توكيد النفي.
﴿يُوثِقُ﴾: أي لا يشد ويربط بالسلاسل والأغلال مثله أحد، والضمير يعود إلى الله سبحانه أو إلى الإنسان أو كلاهما معاً، كما في الآية (٢٥).
سورة الفجر [٨٩: ٢٧]
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾:
﴿يَاأَيَّتُهَا﴾: ياء النّداء، والهاء للتنبيه.
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: أي: النفس الآمنة الساكنة المؤمنة المطمئنة بالإيمان، والرّاضية بقضاء الله والموقنة بما وعده.
سورة الفجر [٨٩: ٢٨]
﴿ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾:
يقال للنفس المطمئنة: ﴿ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ﴾: يقال لها هذا عند الموت وخروجها من الدّنيا أو يوم القيامة بعد الحساب.
﴿رَاضِيَةً﴾: بالثّواب كقوله: رضي الله عنهم ورضوا عنه.
﴿مَّرْضِيَّةً﴾: مؤنث مرضي؛ مرضي: اسم مفعول من فعل رضي؛ أي: ﵂ (مرضية عند الله تعالى) أي: رضي عنها وأرضاها، مرضية بالثواب وبما أعده الله تعالى لها من النعيم الدائم، وكل ما تشتهيه، وأكبر من ذلك رضوان الله ورؤية وجهه الكريم.
стр. 5826
سورة الفجر [٨٩: ٢٩]
﴿فَادْخُلِى فِى عِبَادِى﴾:
الفاء للترتيب الذّكري (عاطفة)، "في عبادي" ولم يقل مع عبادي؛ "في" تعني أصبح منهم، بينما "مع" أي دخل مصاحباً لهم وليس منهم.
﴿فَادْخُلِى فِى عِبَادِى﴾: أي في عبادي الصّالحين أو المتقين أو الشّهداء أو الصّديقين حسب درجتها.
سورة الفجر [٨٩: ٣٠]
﴿وَادْخُلِى جَنَّتِى﴾:
يقال لها ذلك يوم القيامة وإضافة الجنّة له سبحانه تشريفاً للجنة وهي جنته، اسم جنس تشمل كلّ الجنات: الفردوس وعدن والخلد والمأوى، وادخلي جنتي برحمتي وفضلي وكرمي.
стр. 5827
سورة البلد [٩٠: ١]
سورة البلد
ترتيبها في القرآن (٩٠) ترتيبها في النّزول (٣٥).
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾:
﴿لَا أُقْسِمُ﴾: ارجع إلى سورة القيامة الآية (١) للبيان.
﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: الباء باء القسم، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب، البلد: مكة المكرمة، ومن أسمائها: أم القرى، والبلد الأمين، وبكة، وأقسم بها لشرفها وعظمتها وحرمتها عند الله تعالى وأحبها إليه، ففيها البيت الحرام الذي هو أوّل بيت وضع للناس وفيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأما من الناحية العلمية فعلينا أن نعلم أن أرض مكة هي أول أرض تشكلت على اليابسة، وهي تعتبر وسط اليابسة. ارجع إلى سورة الشورى آية (٧) للبيان.
سورة البلد [٩٠: ٢]
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾:
﴿وَأَنْتَ﴾: المخاطب هنا هو رسول الله ﷺ .
﴿حِلٌّ﴾: أي الحالّ؛ أي: المقيم بهذا البلد، أو حلٌّ: مشتقة من الحِلّ: ضد الحرام؛ أي: غير محرّمة عليك، كما حدث يوم فتح مكة كما قال رسول الله ﷺ في حديث ذكر في صحيح البخاري وسيرة ابن هشام، وهذا بعض ما قاله ﷺ : «أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد فيها شجراً، ولم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم
стр. 5828
تحل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب» إلى نهاية الحديث، وتكرار "بهذا البلد" مرتين للتوكيد والتّعظيم.
سورة البلد [٩٠: ٣]
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾:
﴿وَوَالِدٍ﴾: الواو واو القسم.
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾: ولم يقل ووالد ومن ولد، "ما" أوسع تشمل الكلّ النّاس والجن والحيوان، ووالد تعني:
١ - آدم، وما ولد: بنو آدم، أي ذريته.
٢ - ووالدٍ تعني: كل والد وما ولد من الأولاد، وتشمل النّاس والجن والحيوان، ونكّر والدٍ وما ولد: للإبهام والمدح والتّعجب.
سورة البلد [٩٠: ٤]
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ﴾:
جواب القسم.
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق والتّوكيد أيضاً.
﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ﴾: في: ظرفية؛ كبد: مشتقة من أوجعته كبده؛ أي: مصاب بوجع الكبد، والكَبَد: المشقة والتّعب؛ أي: خلق الإنسان ليكابد ويتحمل المشاقّ والمصاعب والشّدائد في الدّنيا، فعليه أن يصبر ولا يجزع ولا يكون هلوعاً إذا مسه الشّر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً.
سورة البلد [٩٠: ٥]
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾:
﴿أَيَحْسَبُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، هذا الإنسان المغترّ بقوته وشدته ومكابدته وتحمله البأساء والضّراء.
стр. 5829
يحسب: من حسب؛ أي: يظن ظناً راجحاً أو يعتقد.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾: أيحسب هذا الإنسان لشدته وقوته وكونه مكابداً للمشاقّ والمصاعب أن لا يقاومه أحد من النّاس، أو لا يقدر على الانتقام منه أحدٌ؟ وبمعنى آخر: لن يحاسبه على عمله أحد ويدخله جهنم وساءت مصيراً.
سورة البلد [٩٠: ٦]
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾:
﴿يَقُولُ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على تكرار القول والتّجدد "يقول" مفتخراً ومتباهياً بما أنفقه من المال الكثير.
﴿أَهْلَكْتُ﴾: أنفقت.
﴿مَالًا لُبَدًا﴾: اللبد الكثير من: تلبّد الشّيء إذا اجتمع بعضه فوق بعض على شكل طيّات، يقول مفاخراً أو نادماً: أنفقت مالاً كثيراً في عداوة ومحاربة الله ورسوله والإسلام أو أهلكت مالاً لِبَداً على شهواته ومعاصيه.
سورة البلد [٩٠: ٧]
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾:
﴿أَيَحْسَبُ﴾: ارجع إلى الآية: "أيحسب ألن يقدر عليه أحد".
﴿أَنْ لَّمْ﴾: أن: للتوكيد، لم: للنفي.
﴿يَرَهُ أَحَدٌ﴾: حين أنفق ماله في محاربة الله ورسوله، أو رياء أو في شهواته ومعاصيه، أحسب أن الله سبحانه لم يره أو كان مطلعاً عليه أو ملائكته الكرام الكاتبين الشاهدين على أفعاله.
стр. 5830
سورة البلد [٩٠: ٨]
﴿أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التّقريري وفيها معنى التّوبيخ.
﴿عَيْنَيْنِ﴾: ليُبصر بهما.
سورة البلد [٩٠: ٩]
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾:
﴿وَلِسَانًا﴾: ينطق به ويعبر عما يجول في مراده.
﴿وَشَفَتَيْنِ﴾: يستعين بهما على النّطق والأكل.
سورة البلد [٩٠: ١٠]
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾:
﴿وَهَدَيْنَاهُ﴾: بالفطرة وبإرسال الرّسل وإنزال الكتب والآيات والبينات، بينّا له طريق الهدى وطريق الضّلال طريق الخير وطريق الشّر، وبينّا له الحق من الباطل والحلال والحرام، وهديناه إلى كل ما يحتاجه من الهداية في حياته.
﴿النَّجْدَيْنِ﴾: والنّجد: هو الطّريق العالي المرتفع، النّجدين مثنى نجد، شبه طريق الخير والهدى بالطريق المرتفع العالي الموصل للغاية.
سورة البلد [٩٠: ١١]
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾:
لها معان عدة كلها محتملة:
١ - فلا: أصلها أفلا حذفت الهمزة، "أفلا" تعني الاستفهام والتّقرير؛ أي: "أفلا" للحض والحث؛ أي: أفلا سلك طريق النّجاة والخير وجاهد نفسه في الطّاعات للوصول إلى الغاية الكبرى، وهي رضوان الله والنجاة من النار والفوز بالجنة.
٢ - أو: فلا الفاء عاطفة لا النّافية لكل الأزمنة الماضي والحاضر
стр. 5831
والمستقبل؛ أي: لم يقتحم العقبة في الماضي (فيما مضى من عمره) وأنّه لن يقتحمها في المستقبل.
٣ - فلا اقتحم العقبة: تحتمل أن تكون دعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة مثل قوله: لا نصرك الله.
٤ - استفهام يراد به التّوبيخ، أو خبر.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: الاقتحام: الدّخول بشدة وبسرعة أو المجاوزة وصعوبة، والقحمة هي الشّدة والمهلكة، العقبة: الطّريق الوعر في الجبل صعب السّلوك، واستعير بدل الأعمال الصّالحة الشّاقة على الأنفس.
ثم سئل إذا كان يدري: ما معنى العقبة وكيف يقتحم العقبة؟ في الآيات (١٢ - ١٦) ليكون من أصحاب الميمنة.
سورة البلد [٩٠: ١٢]
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾:
﴿وَمَا﴾: للاستفهام والتّفخيم والتّعظيم والتّهويل.
﴿أَدْرَاكَ﴾: من درى؛ أي: علم بعد جهل، واستخدم أو استعمل كلّ الأساليب للوصول إلى الدّراية؛ أي: من أخبرك وأعلمك وبيّن لك ما العقبة، ومهما أخبرك أو أطلعك عليه من علم فلن تعلمها علم اليقين حتّى تراها بعينيك. ارجع إلى سورة الحاقة لمعرفة الفرق بين أدراك ويدريك.
سورة البلد [٩٠: ١٣]
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾:
من الأسر أو السجن أو الظلم والاضطهاد.
فكّ رقبة يعني: تخليصها أو المساهمة في التخليص والتحرير (كصدقة).
والفك: مشتق من حلّ القيد، ويختلف فك رقبة عن تحرير رقبة من الرّق والعبودية الذي لم يُعد يوجد اليوم، وسمي المرقوق رقبة؛ لأنّ الرّقيق كالأسير
стр. 5832
المربوط في رقبته، وجاء الإسلام ليخلص النّاس من الرّق والعبودية ويحررهم من براثن الجاهلية، أو تحرير رقبة شراؤها بالكامل أو فكّها بالكامل، وتحرير رقبة جاءت في سياق الكفارة.
سورة البلد [٩٠: ١٤]
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾:
﴿أَوْ﴾: أو تفيد أحد الأمرين، ولو جاء بالواو لكان عليه فعل كلا الأمرين، وهذا أكثر صعوبة.
﴿مَسْغَبَةٍ﴾: السَّغب: الجوع، المسغبة: مصدر من فعل سغب وزيادة التاء للمبالغة؛ أي المجاعة العامة التي تشمل الجميع (المجتمع) وليس الفرد وحده والتي يرافقها الإصابة بالتّعب والإرهاق، وأما المخمصة: فهي المجاعة التي تصيب الفرد لوحده وليس الجماعة.
والمخمصة: الجوع الذي يرافق ضمور بالبطن، فهي أشد من المسغبة.
وقوله ﴿إِطْعَامٌ﴾: أي إطعام الفقراء والمساكين في زمن الطّعام فيه مفقود وغير متوفر وقليل، وقد يكون ثمنه غالياً فإطعام الطّعام في المسغبة لليتيم ذي المقربة أو للمسكين ذي المتربة هو نوع أو مثال على اقتحام للعقبة.
مراتب الحاجة إلى الطّعام هي: الجوع ثمّ السّغب ثمّ الفرث ثمّ الطّوى ثمّ المخمصة ثمّ الضّرم ثمّ السّعار، والجوع: هو الإحساس الذي يتولد عن خلو المعدة من الطعام.
مراتب الحاجة إلى الماء هي: العطش ثمّ الظّمأ ثمّ الصدى.
سورة البلد [٩٠: ١٥]
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾:
اليتيم القريب في النّسب: واليتيم هو من فقد أباه قبل سن البلوغ، وذا مقربة: أي قريب في النسب.
стр. 5833
سورة البلد [٩٠: ١٦]
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾:
﴿أَوْ﴾: تفيد التخيير في أحد الأمرين.
﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: مشتقة من كلمة تَرِب: أي افتقر، ومعناه: التصق بالتّراب؛ أي: يبيت على التراب، أو يعيش قرب المزابل ليبحث عن الفضلات وبقايا الطّعام.
وذو متربة: أو مأواه ومسكنه الطّريق (أي التّراب) لا بيت له إلا قارعة الطّريق، وظهر على وجهه وجسده علامات شدة الجوع والفقر بأن أصبح وجهه شاحباً يشبه لون التّراب.
سورة البلد [٩٠: ١٧]
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لتباين درجة أو رتبة الإيمان مقارنة بدرجة الصّبر والمرحمة، فالأصل هو الإيمان وهو شرط لقبول العمل الصالح مثل: (فك رقبة أو الإطعام) والالتزام (التواصي) بالصبر وبالمرحمة.
﴿كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الإيمان أوّلاً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: الباء للإلصاق والدّوام؛ أي: وصّى بعضهم بعضاً بالصّبر والثّبات على الإيمان والصّبر على الشّدائد.
والصّبر على تجنّب المعاصي، وقرن الصّبر بالرّحمة؛ فلا بدّ أن يكون إطعام الفقير مصحوباً بالرّحمة.
فقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: التّعامل بالرّحمة والتّعاطف، وقدّم التّواصي بالصّبر على التّواصي بالمرحمة؛ لأنّ الصّبر يدخل في كلّ العبادات وفعل الأعمال الصّالحة والمعاملات.
وتكرار كلمة "تواصوا" والباء مرتين "تواصوا بالصّبر وتواصوا بالمرحمة"
стр. 5834
يعتبر من أقوى وأشد الأقوال والتّوصيات على الإطلاق، فهو لم يقل وتواصوا بالصّبر وبالمرحمة فهذا أقل شدة وقوة من القول الأوّل، ولم يقل تواصوا بالصّبر والمرحمة وهذا أقل شدة وقوة من القول الثّاني.
وإذا قارنّا هذه الآية (١٧) من سورة البلد ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ مع الآية (٣) من سورة العصر ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: السّياق في سورة العصر مختلف تماماً عن السّياق في سورة البلد.
السّياق في سورة البلد عن المسغبة والتواصي بالصّبر والتّراحم وإطعام القريب والفقير.
أمّا السّياق في سورة العصر فهو عن الإنسان الخاسر بشكل عام، واستثنى من هؤلاء الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصّبر؛ أي: بالالتزام بالدين والإيمان والصبر.
سورة البلد [٩٠: ١٨]
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الذين فكُّوا رقبة وأطعموا في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، وتواصوا بالصّبر وتواصوا بالمرحمة.
﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: الذين يؤتَون أو يعطَون كتبهم بأيمانهم يوم القيامة؛ أي: السّعداء أصحاب الجنة، ولم يقل أصحاب اليمين وقال: "أصحاب الميمنة"؛ لأنّ أصحاب الميمنة: تجمع أصحاب اليمين هؤلاء وفئات أخرى من الذين تواصَوا بالحق وتواصَوا بالجهاد وتواصَوا بالدّعوة، وهم كذلك أصحاب اليُمن: الخير والبركة.
سورة البلد [٩٠: ١٩]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي جحدوا وأعرضوا ولم يؤمنوا بآيات القرآن والآيات الكونية، والبينات الدّالة على وجوب الإيمان بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
стр. 5835
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ﴾: أصحاب النّار، والمشئمة: من الشّأم أو الشُّؤم وتعني: الشّقاء والضّلال؛ أي: الذين يعطَون كتبهم بشمائلهم؛ أي: بأيديهم اليسرى، ولم يقل أصحاب الشّمال؛ لأنّ أصحاب المشئمة تضمّ أصحاب الشّمال وغيرهم من الطّوائف الأخرى الكافرة.
سورة البلد [٩٠: ٢٠]
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾:
﴿عَلَيْهِمْ﴾: على تفيد المشقة والصعوبة والجهة.
﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: مطبِقة عليهم ومغلقة: مؤصدة: اسم مفعول من فعل أصد: بمعنى أطبق؛ أي: كأنّها جاءت من أعلى وأطبقت عليهم، فهي ليست مرتفعة كثيراً عن رؤوسهم.
وقدّم كلمة عليهم: التي تفيد الحصر؛ أي: عليهم وحدهم مؤصدة فهم من الخالدين فيها أبداً، فهناك من عصاة المؤمنين الذين سيخرجون منها بعد عقابهم فيها.
وقال: مؤصدة، بالهمزة ولم يقل موصدة؛ لأنّ الهمزة على حرف الواو أثقل وأشدّ وهذا يناسب الموقف والشّدة التي هم فيها.
ولم يقل في عمد ممددة: فربما هناك أماكن من النّار تكون مؤصدة وأماكن موصدة في عمد ممددة حسب نوع الكفر والمعاصي والسّخرية والتّكبر، كلّ طبقة أو فئة لها مكانها المحدد، والله أعلم. ارجع إلى سورة الهمزة الآية (٩) للبيان.
стр. 5836
سورة الشمس [٩١: ١]
سورة الشمس
ترتيبها في القرآن (٩١) وترتيبها في النّزول (٢٦).
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾:
أقسم الله سبحانه بست آيات من أعظم الآيات الكونية، التي تدل على عظمته وقدرة خلقه، والدّالة على وحدانيته وأنّه الإله الحق الذي سخَّر هذه الآيات لمصلحة الإنسان وفائدته.
﴿وَالشَّمْسِ﴾: الواو واو القسم، والله غني عن القسم، والقسم غايته تنبيه السامع إلى أهمية المقسم به وجواب القسم.
يقسم الله سبحانه بالشمس وهي أقرب نجم إلينا، وهي عبارة عن فرن نووي درجة الحرارة في داخله تزيد على (١٥ مليون درجة) وعلى سطح الشمس (٦٠٠٠ درجة) وألسنة اللهب التي تمتد إلى ملايين الكيلومترات، ولولا نُطق الحماية المتعددة حول الأرض لاحترقنا بألسنة اللهب، فالشمس هي مصدر الطاقة لكوكب الأرض وطعامنا وأجسامنا تعتمد على طاقة الشمس، فهي من أعظم القدرات الإلهية.
﴿وَضُحَاهَا﴾: الضّحى: ضوء الشّمس إذا أشرقت (عند الشّروق)، هذا الضوء الذي يسير بسرعة تصل إلى (٣٠٠ ألف كيلو متر في الثانية)، ومن المفسرين من قال: الضحى الزمن ما بين طلوع الشمس وزوالها؛ أي: وقت الظهيرة.
стр. 5837
ومنهم من قال: الضحى يطلق على طول النهار؛ أي: زمن ظهور الشمس.
وما يحدث في النهار من الكدح والسّعي لطلب الرّزق والعمل في أوّل النّهار.
سورة الشمس [٩١: ٢]
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾:
﴿إِذَا﴾: ظرفية.
﴿وَالْقَمَرِ﴾: الواو واو القسم، يقسم الله تعالى بالقمر الذي يبعد عن الأرض (٢٣٨، ٨٥٥ ميلاً)، وحجمه يعادل (٢٧%) من حجم الأرض، وقطر القمر (١، ٧٣٧، ٥ كم)، والقمر دائماً يقابل الأرض بنفس الوجه ويعكس أشعة الشمس في الليل فيبدو منيراً، مع العلم أن سطح القمر مظلم، وقد تشكل القمر قبل (٤، ٥ بليون سنة) والقمر لا يدور حول نفسه، لذلك نرى سطح القمر المقابل للأرض دائماً ولا نرى السطح الآخر، والقمر يدور حول الأرض دورة في كل (٢٧، ٣ يوماً) ويأخذ في دورانه أشكال مختلفة تسمى منازل (منازل القمر).
﴿إِذَا تَلَاهَا﴾: إذا تلا الشّمس؛ أي: طلع بعد غروب الشمس ليعكس نور الشّمس الواقعة عليه، يعكسه على كوكب الأرض فينوّرها خلال الليل، والشمس تنوّر نصف الكرة الأرضية المقابل لها خلال النهار.
سورة الشمس [٩١: ٣]
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾:
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا﴾: الواو واو القسم، النّهار إذا: ظرفية.
﴿جَلَّاهَا﴾: الضّمير في "جلاها" حقيقة يعود إلى الشّمس وإلى الأرض معاً وليس كما يُظن يعود إلى أحدهما.
النّهار: هو الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض والتي تضيء حين تقع عليها
стр. 5838
أشعة الشّمس مما يجعل كوكب الأرض في حالة النّهار، ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧)، لمزيد من البيان.
جلّاها: كشفها، من الجلاء وهو: الظّهور، فالنّهار يكشف ويظهر لنا كلاً من الشّمس منبع الضّوء والنّور، ويكشف ويظهر لنا الأرض أيضاً فنراها، ولولا النّهار لما رأينا الشّمس ولما رأينا الأرض.
سورة الشمس [٩١: ٤]
﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾:
﴿وَالَّيْلِ﴾: الواو واو القسم.
﴿إِذَا﴾: ظرفية.
﴿يَغْشَاهَا﴾: أي يغشى الأرض؛ أي: يغطيها بظلامه ليسمح للإنسان بالسّكون والرّاحة، يغشاها: فهو لا يغشى كلّ كوكب الأرض وإنما يغشى نصف كوكب الأرض، بينما النّصف الآخر يكون في حالة النّهار، فالأرض تتحرك أمام الشمس، فحين يأتي نصفها البعيد أو الغير مقابل لقرص الشمس يشكّل ظلمة الليل وتلتقي ظلمة الليل مع ظلمة الكون (لأن الكون في الأصل ظلام).
سورة الشمس [٩١: ٥]
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾:
﴿وَالسَّمَاءِ﴾: اسم جنس تشمل السّموات السّبع كسبع كرات تغلّف الواحدة الأخرى، وما نراه فقط السماء الدنيا.
﴿وَمَا﴾: ما الاستفهامية للتعظيم والتّعجب.
﴿بَنَاهَا﴾: ركّبها وجعلها طبقات، بناها بلا أعمدة نراها، بناها بالقوى النّووية والكهربائية والمغنطيسية وقوى الجاذبية، بناها بقوة متماسكة، وما بناها يقصد به عظمة بنائها وعظمة الخالق الذي بناها، فما نراه هو جزء ضئيل من السماء
стр. 5839
الدنيا فما بالك بالسموات السبع، والمجرة الشمسية التي فيها البلايين من النجوم كشمسنا، ومجرّتنا جزء من التجمُّع المجرّي الأعظم والأعظم فقد قدّر العلماء أن هناك ما يقارب (٥٠٠، ٠٠٠ مليون مجرة) تتحرك بحيث يظل كل جرم فيها يتحرك بنظام ثابت لا يتغير أبداً.
سورة الشمس [٩١: ٦]
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾:
﴿وَالْأَرْضِ﴾: كوكب الأرض.
﴿وَمَا﴾: ما استفهامية تفيد التّعظيم والتّعجب.
﴿طَحَاهَا﴾: بسطها ومدّها وجعلها كروية، وجعلها مستقرة لا يشعر الإنسان بحركتها رغم كونها تدور (٣٠) كيلو متراً بالثانية.
وأمّا الفرق بين دحاها وطحاها: دحاها أي: أخرج منها غلافها المائي والغازي من جوفها، بثورة البراكين وقدف الحمم الغازية وبخار الماء. وطحاها كما بينا: بسطها ومدها وجعلها مستقرة.
سورة الشمس [٩١: ٧]
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾:
﴿وَنَفْسٍ﴾: نكرة أيّ نفس، والنّفس ليس هي الرّوح كما ظن البعض، والنّفس كما تشير الأبحاث العلمية المقرونة بهدي الشّريعة الإسلامية، أنّ النّفس قد تكون هي منطقة في الدّماغ الذي يسمى جهاز لمبك الذي يتحكّم بالتّفكير والذاكرة والأحاسيس والتميز والاختيار وغيرها.
﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾: ما أبدعها، وخصّها بالصفات الوراثية الخاصة بها.
سورة الشمس [٩١: ٨]
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾:
﴿فَأَلْهَمَهَا﴾: بيّن لها طريق الهدى والرّشد والخير (طريق التّقوى) عن طريق
стр. 5840
الإيمان الفطري منذ كانت في صلب آدم كما قال تعالى في سورة الأعراف آية (١٧٢): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأيضاً بإرسال رسله وكتبه.
﴿فُجُورَهَا﴾: بيّن لها فجورها كيف يحصل أو يتم بالإدمان على المعصية والإصرار عليها والكفر والشرك وعدم التّوبة، والسّير في طريق الضّلال والكفر.
سورة الشمس [٩١: ٩]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾:
قيل: هذا جواب القسم، بالإضافة إلى: "وقد خاب من دسّاها"، وهناك من قال: جواب القسم محذوف ليشمل كلّ الاحتمالات المقدّرة.
﴿قَدْ﴾: حرف للتحقيق يفيد التّوكيد.
﴿أَفْلَحَ﴾: فاز ونجا، فاز بالجنة ونجا من النّار.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية.
﴿زَكَّاهَا﴾: طهّرها من الذّنوب مثل الكفر والشّرك والآثام والمعاصي، زكّاها: نمّاها بالتّقوى والعمل الصّالح.
سورة الشمس [٩١: ١٠]
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾:
﴿وَقَدْ﴾: حرف للتحقيق والتّوكيد.
﴿خَابَ﴾: الخائب: المنقطع أمله، أو الذي منع من أن ينال ما أمل؛ أي: خسر وانقطع أمله في النجاة.
﴿مَنْ﴾: بمعنى الذي.
﴿دَسَّاهَا﴾: أصلها من التّدسيس: وهو إخفاء الشّيء في الشّيء، دسّ الشّيء إذا أخفاه بين شيئين حتّى لا يظهر؛ أي: طمر نفسه وغمرها وأثقلها
стр. 5841
بالذّنوب والمعاصي والشرك والكفر والضلال حتى لم تعد ظاهرة، أو لها أيّ وزن أو قيمة.
سورة الشمس [٩١: ١١]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾: كذّبت قبيلة ثمود بنبيهم صالح وبما أرسل به من ربه، وثمود هم عاد الثانية جاؤوا بعد عاد الأولى وسكنوا الحجر أو مدائن صالح شمالي الحجاز. وجاء بصيغة الكثرة كذبت، مع أنها كذبت بصالح؛ لأن من يكذب رسولاً فقد كذب كل الرسل.
﴿بِطَغْوَاهَا﴾: الباء: باء السّببية أو التّعليلية؛ طغواها: مصدر من فعل طغى يطفى؛ أي: بسبب طغواها، طغواها: إفراطها في الكفر والطّغيان والبغي والظّلم؛ أي: كذبت ثمود بصالح بسبب طغيانها وتمردها.
سورة الشمس [٩١: ١٢]
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾:
﴿إِذِ﴾: ظرفية بمعنى حين وتفيد الفجائية.
﴿انْبَعَثَ﴾: انبعثت: من قبيلته؛ أي: أرسل متهيجاً ثائراً، وقام مسرعاً بعد أن حثّه وحرّضه قومه على عقر الناقة.
﴿أَشْقَاهَا﴾: الشقاوة: التولي عن الإيمان والانغماس في الكفر والضلال وانتهاك حرمات الله، والبعد عن الحق، والشقاوة مكتسبة، وتؤدي إلى خسارة الدارين القبيلة وهو قدار بن سالف.
سورة الشمس [٩١: ١٣]
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾:
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، قال لهم؛ أي: قال لهم نبيهم صالح رسول الله.
﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾: سماها ناقة الله تشريفاً لها، وحذّرهم منها سابقاً وقال لهم: إياكم بأن تمسوها بسوء.
стр. 5842
﴿وَسُقْيَاهَا﴾: أي ذروها تشرب كما تشاء في يومها، وقال لهم سابقاً: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
سورة الشمس [٩١: ١٤]
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾:
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، كذّبوه: أي كذّبوا نبيهم صالحاً ولم يصدقوا ما حذّرهم من العذاب، ولم يصدقوا برسالات ربهم، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصّادقين.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، عقروا النّاقة: نحروها ذبحوها.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ﴾: أطبق عليهم العذاب؛ من دمدم القبر: أي أطبق القبر أو ردم القبر، بذنبهم: الباء السببية، بسبب ذنبهم.
﴿فَسَوَّاهَا﴾: أطبق أو أحاط؛ أي: بهم العذاب لم يفلت أو ينجُ منهم أحدٌ إلا صالح والذين آمنوا معه، أو سوّاها: من التسوية؛ أي: نالهم العقاب الذي يستحقونه.
سورة الشمس [٩١: ١٥]
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾:
﴿وَلَا يَخَافُ﴾: ولا يخاف الله سبحانه عقبى الدّمدمة أو تبعة إهلاكهم واستئصالهم، فليس هناك من سيسأل الله تعالى: لمَ فعل ذلك بهم؟ حيث جعلهم كهشيم المحتظر.
عقباها: اسم بمعنى عاقبة ما يفعل سبحانه؛ أي: لا يخاف الله سبحانه عاقبة ما يفعل.
стр. 5843
سورة الليل [الآيات ١ - ١٤]
ترتيبها في القرآن (٩٢) وترتيبها في النزول (٩).
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
يقسم الله بآيتين من الآيات الكونية العظيمة الدالة على قدرته وعظمته وهما الليل والنهار.
[١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾:
﴿وَاللَّيْلِ﴾: الواو واو القسم، والله غني عن القسم، والقسم يدل على أهمية المقسم به وجواب القسم.
﴿إِذَا﴾: ظرفية بمعنى حين.
﴿يَغْشَى﴾: يقسم الله سبحانه بالليل إذا يغشى؛ أي: يغطي بظلامه نصف الكرة الأرضية، بينما النصف الآخر يكون مضيئاً بنور الشمس، وهذا يدل على كروية الأرض ودورانها حول محورها و دوران القمر حول الأرض.
[٢] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾:
﴿وَالنَّهَارِ﴾: هو الطبقة الغازية المحيطة بالأرض التي تضيء عندما تقع عليها أشعة الشمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) للبيان المفصل.
﴿إِذَا﴾: إذا انكشف وظهر بزوال ظلمة الليل.
стр. 5844
﴿تَجَلَّى﴾: من الجلاء بمعنى الظهور، والليل والنهار آيتان من آيات الله الكونية الدالة على عظمته وقدرته سبحانه.
[٣] ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو واو القسم، ما: بمعنى (الذي) أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وهذا القسم من أعظم القسم يقسم الرّب بذاته، وما أوسع شمولاً من الذي.
﴿خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾: ليس فقط من جنس الإنسان بل كذلك في عالم الحيوان والنبات، فكل خلق مهما كان خلقه في زوجية؛ ليبقى سبحانه منفرداً بالوحدانية.
[٤] ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾:
هو جواب القسم.
﴿إِنَّ﴾: إن واللام في كلمة «لشتى» تفيدان التوكيد.
﴿سَعْيَكُمْ﴾: السعي: هو العمل والكسب بجد واجتهاد؛ أي: عملكم في الدنيا (ويشمل القول والفعل) وكسبكم.
﴿لَشَتَّى﴾: اللام للتوكيد، شتى يعني: مختلف أو غير متقارب؛ أي: شتان بين العمل الصالح والعمل السيئ، ثمّ بين شتى بثلاثة أنواع من الأعمال الصالحة.
[٥] ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء استئنافية، أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية بمعنى: الذي (للمفرد والمذكر) ومن (تشمل المفرد والمثنى والجمع للمذكر والمؤنث معاً).
стр. 5845
﴿أَعْطَى﴾: تضم الزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الله، وتضم كل أنواع العطاء الأخرى مثل الإطعام … وغيره.
﴿وَاتَّقَى﴾: أي امتثل وأطاع أوامر الله تعالى وتجنّب نواهيه، وتشمل كل أعمال التقوى.
[٦] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾:
﴿بِالْحُسْنَى﴾: الحسنى مؤنث الأحسن بالجنة، وبلا إله إلا الله والغيث وبالبعث وبالثواب وغيرها، والباء للإلصاق والتوكيد.
[٧] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: الفاء للتوكيد، والسين للاستقبال القريب، نيسره لعمل الخير والعمل الصالح وطاعة ربه، سنوفقه وسنسهل عليه ما كلّف به.
﴿لليُسرى﴾: اللام للتوكيد، لليسرى: للجنة، أو نيسره لأيسر الأمور وأهونها ونشرح صدره للإسلام.
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو عاطفة، أما حرف شرط وتفصيل.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية. اسم موصول تستعمل للمفرد والمثنى والجمع (المذكر والمؤنث) بعكس «الذي» تستعمل فقط للمفرد والمذكر.
﴿بَخِلَ﴾: أمسك ماله ولم يؤدّ حق الله فيه ولم يتصدق، وبخل أن ينفق في سبيل الله.
﴿وَاسْتَغْنَى﴾: بالغ في طلب الغنى بماله وولده ومتاعه ولم يرغب في أن يسأل ربه من فضله أو يطلب ثواب ربه؛ أي: آثر الحياة الدنيا على الآخرة.
стр. 5846
[٩] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾:
﴿وَكَذَّبَ﴾: لم يصدق ويؤمن بالحسنى بالجنة وبدار الآخرة.
﴿بِالْحُسْنَى﴾: ارجع إلى الآية (٥) السابقة لمعرفة معنى الحسنى.
[١٠] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٧) السابقة.
﴿لِلْعُسْرَى﴾: اللام لام التوكيد، العسرى: النار، أو نجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، نجعل معيشته ضنكاً شديدة وصعبة.
[١١] ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، مَا: النافية.
﴿يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أي لا ينفعه ماله الذي بخل به واستغنى حفاظاً عليه.
﴿إِذَا﴾: ظرفية.
﴿تَرَدَّى﴾: أُلقي به في نار جهنم أو سقط في عذاب النار، والتردي: هو السقوط من أعلى إلى أسفل المؤدي إلى الهلاك.
[١٢] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾:
﴿إِنَّ﴾: إن واللام في ﴿للهدى﴾ للتوكيد.
﴿عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أي علينا بيان طريق الهدى من طريق الضلال والحلال من الحرام، والحق من الباطل والخير من الشر؛ أي: نبين له معالم دينه.
[١٣] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 5847
﴿لَنَا﴾: اللام لام الاختصاص: لنا وحدنا.
﴿للآخِرَة﴾: اللام للتوكيد، أكد على الآخرة وقدمها على الأولى، ولم يؤكد على الأولى الفانية الزائلة؛ لأن الآخرة هي الأهم وأنها الأدوم.
﴿وَالأُولَى﴾: الدنيا؛ أي: لنا ملك ما في الدنيا والآخرة؛ أي: ليعلم الإنسان أن علينا أن نبين له طريق الهدى وأن لنا ملك الدنيا والآخرة؛ أي: الحكم.
[١٤] ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾:
﴿فَأَنذَرْتُكُمْ﴾: الفاء عاطفة، أنذرتكم: من الإنذار وهو الإعلام مع التحذير والتخويف، والإنذار صادر من الله ذاته يدل على عظم هذا الإنذار، والخطاب للجميع.
﴿نَارًا تَلَظَّى﴾: أصلها تتلظى؛ أي: تلتهب، أو ملتهبة، واللظى هو اللهب، ونكر النار؛ للتهويل والترويع.
стр. 5848
سورة الليل [الآيات ١٥ - ٢١]
[١٥] ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾:
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يَصْلَاهَا﴾: لا يدخلها ولا يُحرق بها إلا الأشقى، من: صليت اللحم؛ أي: شويته، والتصلية أشد أنواع الإحراق بالنار.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، كأن النار لم تخلق إلا فقط للأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾: ارجع إلى سورة الشمس الآية (١٢) لبيان معنى الشقاوة والأشقى الشقي على وزن أفعل للمبالغة في الشقاء؛ أي: الكافر أو المشرك والمصر على المعاصي بلا توبة، والأشقى هو: الذي كذب وتولى.
[١٦] ﴿الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الدم.
﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذب بآيات ربه ورسله وكتبه واليوم الآخر، تولى: ابتعد وأعرض عن الإيمان واتباع ما أنزل الله تعالى من الشرائع والأحكام.
[١٧] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾: الواو عاطفة، والسين للاستقبال القريب، يجنبها الهاء تعود إلى النار التي تلظى؛ أي: يبتعد عنها ولا يقربها.
﴿الْأَتْقَى﴾: الذي يطيع أوامر ربه ويجتنب نواهيه؛ أي: المؤمن الفائز الذي
стр. 5849
لا يدخل النار، وهناك المؤمن أو التقي الذي يعصي ربه، الفاسق أو العاصي الذي يعذب في النار على قدر عمله السيئ وهو يعتبر شقياً مقارنة بالكافر أو المشرك المدمن على المعصية.
والمؤمن قد يرتقي بإيمانه لدرجة التقي أو الأتقى حسب عمله.
[١٨] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾:
﴿الَّذِي﴾: اسم موصول يفيد المدح.
﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾: أي ينفق ماله في سبيل الله، ويتزكى من الزكاة، يتزكى: يتطهر بماله من الذنوب والآثام، ويتطهر به من الشح والبخل، ويتزكى: يطلب من الله أن يكون زاكياً ليس فيه رياء ولا سمعة ولا منة، وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، يؤتي: من الإيتاء: ولم يقل يعطي من العطاء، الإيتاء أعم وأشمل من العطاء.
[١٩] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾:
﴿وَمَا لِأَحَدٍ﴾: الواو استئنافية، ما: النافية، لأحد: اللام للتوكيد.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾: أي ينفق ماله ابتغاء وجه الله ومرضاته، ولا ينفق ماله على أحد من الخلق؛ لأنه أسدى إليه معروفاً أو قدم له فضلاً أو عوناً أو يكافئه على أمر ما، من: استغراقية تعني أي نعمة؛ والنعمة؛ أي: جلب له مسرة أو دفع عنه مضرة، نعمة تجزى: يُكافأ عليها.
[٢٠] ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، منقطع بمعنى: لكن، والمنقطع: وتعني حصراً.
стр. 5850
﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾: إلا طلباً لثواب الله لا لمكافأة على نعمة أسداها إليه أحد ما.
[٢١] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾:
﴿وَلَسَوْفَ﴾: الواو استئنافية واللام للتوكيد، سوف: أداة للاستقبال في المستقبل مع التراخي في الزمن؛ أي: في الآخرة.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾: بثواب الله له وفضله وكرمه، ويرضى: الضمير فيها يعود على الأتقى.
следующие страницы →