Полный текст (5 934 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
[٩] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾:
﴿وَكَذَّبَ﴾: لم يصدق ويؤمن بالحسنى بالجنة وبدار الآخرة.
﴿بِالْحُسْنَى﴾: ارجع إلى الآية (٥) السابقة لمعرفة معنى الحسنى.
[١٠] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾:
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٧) السابقة.
﴿لِلْعُسْرَى﴾: اللام لام التوكيد، العسرى: النار، أو نجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، نجعل معيشته ضنكاً شديدة وصعبة.
[١١] ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، مَا: النافية.
﴿يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أي لا ينفعه ماله الذي بخل به واستغنى حفاظاً عليه.
﴿إِذَا﴾: ظرفية.
﴿تَرَدَّى﴾: أُلقي به في نار جهنم أو سقط في عذاب النار، والتردي: هو السقوط من أعلى إلى أسفل المؤدي إلى الهلاك.
[١٢] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾:
﴿إِنَّ﴾: إن واللام في ﴿للهدى﴾ للتوكيد.
﴿عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾: أي علينا بيان طريق الهدى من طريق الضلال والحلال من الحرام، والحق من الباطل والخير من الشر؛ أي: نبين له معالم دينه.
[١٣] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 5847
﴿لَنَا﴾: اللام لام الاختصاص: لنا وحدنا.
﴿للآخِرَة﴾: اللام للتوكيد، أكد على الآخرة وقدمها على الأولى، ولم يؤكد على الأولى الفانية الزائلة؛ لأن الآخرة هي الأهم وأنها الأدوم.
﴿وَالأُولَى﴾: الدنيا؛ أي: لنا ملك ما في الدنيا والآخرة؛ أي: ليعلم الإنسان أن علينا أن نبين له طريق الهدى وأن لنا ملك الدنيا والآخرة؛ أي: الحكم.
[١٤] ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾:
﴿فَأَنذَرْتُكُمْ﴾: الفاء عاطفة، أنذرتكم: من الإنذار وهو الإعلام مع التحذير والتخويف، والإنذار صادر من الله ذاته يدل على عظم هذا الإنذار، والخطاب للجميع.
﴿نَارًا تَلَظَّى﴾: أصلها تتلظى؛ أي: تلتهب، أو ملتهبة، واللظى هو اللهب، ونكر النار؛ للتهويل والترويع.
стр. 5848
سورة الليل [الآيات ١٥ - ٢١]
[١٥] ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾:
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يَصْلَاهَا﴾: لا يدخلها ولا يُحرق بها إلا الأشقى، من: صليت اللحم؛ أي: شويته، والتصلية أشد أنواع الإحراق بالنار.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، كأن النار لم تخلق إلا فقط للأشقى.
﴿الْأَشْقَى﴾: ارجع إلى سورة الشمس الآية (١٢) لبيان معنى الشقاوة والأشقى الشقي على وزن أفعل للمبالغة في الشقاء؛ أي: الكافر أو المشرك والمصر على المعاصي بلا توبة، والأشقى هو: الذي كذب وتولى.
[١٦] ﴿الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الدم.
﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: كذب بآيات ربه ورسله وكتبه واليوم الآخر، تولى: ابتعد وأعرض عن الإيمان واتباع ما أنزل الله تعالى من الشرائع والأحكام.
[١٧] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾: الواو عاطفة، والسين للاستقبال القريب، يجنبها الهاء تعود إلى النار التي تلظى؛ أي: يبتعد عنها ولا يقربها.
﴿الْأَتْقَى﴾: الذي يطيع أوامر ربه ويجتنب نواهيه؛ أي: المؤمن الفائز الذي
стр. 5849
لا يدخل النار، وهناك المؤمن أو التقي الذي يعصي ربه، الفاسق أو العاصي الذي يعذب في النار على قدر عمله السيئ وهو يعتبر شقياً مقارنة بالكافر أو المشرك المدمن على المعصية.
والمؤمن قد يرتقي بإيمانه لدرجة التقي أو الأتقى حسب عمله.
[١٨] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾:
﴿الَّذِي﴾: اسم موصول يفيد المدح.
﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾: أي ينفق ماله في سبيل الله، ويتزكى من الزكاة، يتزكى: يتطهر بماله من الذنوب والآثام، ويتطهر به من الشح والبخل، ويتزكى: يطلب من الله أن يكون زاكياً ليس فيه رياء ولا سمعة ولا منة، وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، يؤتي: من الإيتاء: ولم يقل يعطي من العطاء، الإيتاء أعم وأشمل من العطاء.
[١٩] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾:
﴿وَمَا لِأَحَدٍ﴾: الواو استئنافية، ما: النافية، لأحد: اللام للتوكيد.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾: أي ينفق ماله ابتغاء وجه الله ومرضاته، ولا ينفق ماله على أحد من الخلق؛ لأنه أسدى إليه معروفاً أو قدم له فضلاً أو عوناً أو يكافئه على أمر ما، من: استغراقية تعني أي نعمة؛ والنعمة؛ أي: جلب له مسرة أو دفع عنه مضرة، نعمة تجزى: يُكافأ عليها.
[٢٠] ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، منقطع بمعنى: لكن، والمنقطع: وتعني حصراً.
стр. 5850
﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾: إلا طلباً لثواب الله لا لمكافأة على نعمة أسداها إليه أحد ما.
[٢١] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾:
﴿وَلَسَوْفَ﴾: الواو استئنافية واللام للتوكيد، سوف: أداة للاستقبال في المستقبل مع التراخي في الزمن؛ أي: في الآخرة.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾: بثواب الله له وفضله وكرمه، ويرضى: الضمير فيها يعود على الأتقى.
стр. 5851
سورة الضحى [٩٣: ١]
سورة الضحى
ترتيبها في القرآن (٩٣) وترتيبها في النّزول (١١).
﴿وَالضُّحَى﴾:
الواو واو القسم، والله غني عن القسم.
ويقسم الله ليبيّن أهمية المقسم به وجواب القسم، والضحى: هو أول النهار يبدأ لحظة بزوغ الشمس أو ظهور أشعة الشمس أو بداية النهار، ومنهم من يقول: الضحى كل النهار؛ ففي الآية (١) في سورة الليل أقسم الله بالليل، وفي هذه الآية يقسم بالضحى؛ أي: النهار لدلالة على كروية الأرض ودورانها وأهمية الليل والنهار.
سورة الضحى [٩٣: ٢]
﴿وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾:
ويقسم الله بالليل أيضاً للدلالة على أهمية الليل.
﴿إِذَا﴾: ظرفية تفيد حتمية الحدث.
﴿سَجَى﴾: أظلم أو سكن، أو حين يغمر نصف الكرة الأرضية الغير مقابلة للشمس بظلامه وما يصاحبه من سكون وهدوء، والقسم بالضحى وبالليل إشارة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، حتى يتبادل على سطحها الليل والنهار (الضحى) وتبادل الليل والنهار ظاهرة لازمة لاستقامة الحياة على
стр. 5852
الأرض؛ لأن غالبية الأحياء لا تستطيع العيش بوضح النهار باستمرار ولا بظلمة الليل باستمرار.
سورة الضحى [٩٣: ٣]
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾:
هذا هو جواب القسم.
سبب النّزول: كما روى البخاري قيل: لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ عندها قالت امرأة من قريش (قيل هي: أم جميل امرأة أبي لهب) للنبي ﷺ : ما أرى شيطانك إلا ودّعك.
وفي حديث عن جندب قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ فقال المشركون: إنّ محمّداً ودّعه ربه وقَلَاه، فنزلت هذه الآية.
﴿مَا وَدَّعَكَ﴾: ما النّافية، ودّعك ربك: ما تخلّى عنك ربك، ودّعك من: التّوديع ويكون بين المتحابين.
﴿وَمَا قَلَى﴾: تكرار (ما) لتوكيد النّفي، وفصل كلاً على حدة؛ أي: ما ودّعك وما قلى، والقلي: البغض الشديد مع النفور.
ودّعك: بصيغة المخاطب، وقلى: بصيغة الغائب.
ولم يقل قلاك؛ إكراماً لرسول الله ﷺ .
سورة الضحى [٩٣: ٤]
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾:
﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾: اللام للتوكيد، الآخرة: الدّار الآخرة.
﴿خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾: أي ما أعدّ الله تعالى لك في الدار الآخرة؛ أي: الجنة خير لك مما آتاك الله في الدّنيا، لك: المخاطب هو رسول الله ﷺ وحده، اللام لام الاختصاص.
стр. 5853
سورة الضحى [٩٣: ٥]
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾:
﴿وَلَسَوْفَ﴾: اللام لام التّوكيد، سوف: أداة الاستقبال البعيد؛ أي: في الآخرة.
﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: العطاء فيه معنى التّملّك بعكس الإيتاء، يعطيك كل ما تطلبه وتتمنّاه في الآخرة مثل: الكوثر والشّفاعة والحوض والكرامة والجنة والمقام المحمود وغيرها. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٥١) لمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء.
﴿فَتَرْضَى﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، ترضى: من الرّضا: القبول المؤدي إلى اطمئنان القلب أو النّفس واستقرارها، ولم يقل لترضى؛ لأن رضى الرسول ﷺ دائم عن ربه ومستمر سواء تحقق ما يطلبه أو لم يتحقق.
سورة الضحى [٩٣: ٦]
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري.
﴿يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾: حين مات أبوه وهو جنين في بطن أمه، وماتت أمه وهو ابن (٦) سنوات، ثمّ كفله جده عبد المطلب حتى بلغ (٨) سنين، ثم كفله عمه أبو طالب، واليتيم: هو الذي فقد أباه قبل سن البلوغ.
﴿فَآوَى﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، جعل لك مأوى تأوي إليه حيث ضمّك إلى جدك ثم عمك، والذي تكفل له ذلك هو الله سبحانه، فرعايته سبحانه هي أهم من رعاية الأهل والأقارب.
سورة الضحى [٩٣: ٧]
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾:
﴿ضَالًّا﴾: الضلال هنا يعني ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]؛ أي: هو الحيرة في وسط بيئة مشركة، ولا يعني ضلال العقيدة كالكفر والشّرك بالله تعالى.
﴿فَهَدَى﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ هداك الله إلى الإيمان والكتاب واختارك للنبوة وأنزل عليك الكتاب للناس بالحق، وهداك إلى الإسلام والحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵇.
стр. 5854
سورة الضحى [٩٣: ٨]
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾:
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾: ذا عيال، ولم يقل فقيراً.
﴿فَأَغْنَى﴾: بما يسّر لك وفتح عليك من أبواب الرّزق مثل التّجارة في مال خديجة، وبالغنائم والفيء وبما يسّر لك من المال، ثم أوصاه بثلاث وصايا وهي في الحقيقة وصايا للمسلمين كافة وهي:
سورة الضحى [٩٣: ٩]
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾:
ودعا نبيه إلى الإحسان إلى اليتيم والسائل فقال تعالى:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء رابطة لجواب شرط مقدّر تقديره: بما أن الله آواك وهداك وأغناك فلا تقهر اليتيم، أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿الْيَتِيمَ﴾: الذي مات أبوه قبل سن البلوغ.
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا: النّاهية، الخطاب موجّهٌ إلى رسول الله ﷺ وبالتّالي إلى أفراد أمته.
﴿تَقْهَرْ﴾: ادفع إليه حقه كاملاً ولا تأكل ماله إلى مالك ولا تقهره، بأخذ ماله أو حقه لضعفه، أو تأكل ماله إسرافاً وبداراً، وأكّد رسول الله ﷺ على هذه الآية فوصّى فقال ﷺ : «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى. رواه البخاري وأحمد عن أبي هريرة ﵁.
سورة الضحى [٩٣: ١٠]
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو عاطفة، أما: حرف شرط وتفصيل.
стр. 5855
﴿السَّائِلَ﴾: لها احتمالان الأول: أي الفقير أو المحتاج (ذو الحاجة) فلا بدّ أن تعطيه ولا ترده صفر اليدين، وإذا لم تستطع، قل له قولاً معروفاً. الثّاني: السائل عن علم ينتفع به أو السّائل عن أمور دينه، فأجِبه وعلّمه برضى وبدون جفاء وليتّسع صدرك له، وقد تشمل السائل عن الماعون أيضاً.
سورة الضحى [٩٣: ١١]
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو عاطفة، أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾: بنعمة ربك؛ أي: النّبوة ونعمة الإيمان والقرآن ونعمة الإسلام ونعمة العلم والغنى والصّحة والأهل وغيرها.
﴿فَحَدِّثْ﴾: فاشكر أو حدّث عنها ولا تخفيها، وحدّث تعني: تكرار الحديث؛ أي: فحدّث مرات عديدة.
وما يلفت النّظر في هذه السّورة ترتيب أو تقابل آياتها أمثلة: الآية (٦) ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ يقابلها الآية (٩) ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.
الآية (٨) ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ يقابلها الآية (١١) ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
الآية (٦) ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ تقابل الآية (٣) ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
الآية (١٠) ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ تقابل الآية (٥) ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
ترتيب آخر حسب مراحل الحياة طفلاً يتيماً فآوى، شاباً ضالاً فهدى، كهلاً عائلاً فأغنى.
стр. 5856
سورة الشرح [٩٤: ١]
سورة الشرح
سورة الشّرح [الآيات ١ - ٨]
ترتيبها في القرآن (٩٤)، ترتيبها في النّزول (١٢).
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾:
يتابع الله في تعداد النّعم التي أنعمها على رسوله ﷺ والتي بدأها في سورة الضّحى ويقول تعالى:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير.
﴿نَشْرَحْ﴾: من الشّرح: وهو التّوسعة، شرح الشّيء وسعه.
﴿لَكَ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿صَدْرَكَ﴾: يعني قلبك، فالقلب هو مركز العواطف والمشاعر والإحساس والإيمان، والكفر والحب والكره، فخلايا القلب خلايا مميزة جداً تشبه خلايا الدماغ من حيث الوظيفة والبنية في بعض الأمور.
وشرح الصّدر أو سعة الصّدر كناية عن الحلم والصّبر والرّضى والسّعادة والسّرور، والقبول بكل ما أنزل الله تعالى وأمر وبكل موعظة، والسّماح والعفو عند الحاجة وعدم الشّعور بالضّيق والحرج.
أي شرحنا لك صدرك: جعلناه رحيباً فسيحاً سمحاً سهلاً ليتسع للوحي والقرآن وأعباء النبوة، وما ستلقاه من قومك من التّكذيب والإعراض والعسر، ونوّرناه بنور الإيمان والهدى والحكمة والفضيلة والمحبة والسّكينة.
стр. 5857
سورة الشرح [٩٤: ٢]
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾:
أي: لم نكلّفك ما لا تطيقه من التّكاليف الشّرعية وأعباء الرّسالة، حططنا عنك وزرك، الوزر: الحمل الثّقيل.
شبّه أعباء الرسالة والتبليغ بالحمل الثقيل الذي يرهق حامله أو يكاد يسقط من ثقل حمله. ارجع إلى سورة النحل آية (٢٥) لمزيد من البيان.
سورة الشرح [٩٤: ٣]
﴿الَّذِى أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾:
الذي: اسم موصول يستعمل للعاقل وغير العاقل أحياناً.
﴿الَّذِى﴾: تعود على "وزرك"؛ أي: الحمل الثّقيل النّاتج عن التّبليغ وأعباء النّبوة والرّسالة وحرصه على إسلام سادة قريش وقادتها.
﴿الَّذِى أَنْقَضَ﴾: أثقل ظهرك حتى أصبح يسمع له نقيض؛ أي: صرير كالذي يصدر من ثقل الحمل على ظهر البعير.
كقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
سورة الشرح [٩٤: ٤]
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾:
في الدّنيا والآخرة، فالله وملائكته يصلون عليك، ووصّينا الذين آمنوا بالصّلاة والتّسليم عليك وطاعتك وبالنبوة وذكرك في الشهادة: لا إله إلا الله محمّد رسول الله.
وفي الأذان والإقامة.
والشّفاعة العظمى.
جعلنا ذكرك واسمك على كل لسان.
стр. 5858
سورة الشرح [٩٤: ٥]
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾:
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء للتوكيد، إن: لزيادة التّوكيد.
﴿مَعَ الْعُسْرِ﴾: الضّيق والشّدة أو ما تقاسي من قومك من الإعراض والعناد والشّدائد.
﴿يُسْرًا﴾: فرج ويُسر؛ أي: انكشاف وزوال للضر والعسر مهما طال، فكل عسر يردفه يسرٌ لا محالة.
سورة الشرح [٩٤: ٦]
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾:
توكيد للآية السّابقة فكل عسر متبوع ليس بيسر واحد وإنما بيسرين قد يكونان في الدّنيا وقد يكون يسر في الدّنيا ويسر في الآخرة. وتنكير اليسر للتفخيم والتّعظيم؛ أي: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، فلا يغلب عسرٌ يُسرين.
سورة الشرح [٩٤: ٧]
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾:
إذا ظرفية شرطية، جواب الشرط: فانصب.
﴿فَرَغْتَ﴾: من المسؤوليات الدنيوية "فانصب"؛ أي: ما استطعتم، وتعني الدأب على العبادة والعمل الصالح والذكر وقيام الليل، والنَّصب يعني: التعب وجهاد النفس.
سورة الشرح [٩٤: ٨]
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾:
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾: لها معان عدة:
أي: اجعل جميع أعمالك خالصة لوجه الله تعالى.
واجتهد في العبادات والتقرب إلى الله والدوام على ذلك.
والتضرع إلى الله والدعاء والتسبيح والذكر.
وارغب بما عنده من الثواب والفضل وجنات النعيم.
стр. 5859
سورة التين [٩٥: ١]
سورة التين
ترتيبها في القرآن (٩٥)، ترتيبها في النزول (٢٨).
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾:
و: الواو للقسم، ولا يقسم الله سبحانه إلا بشيء عظيم؛ لأنه سبحانه غني عن القسم، وفيه إشارة إلى أهمية المقسم به وجواب القسم. وأقسم الله سبحانه بثلاث:
١ - التين والزيتون، أو إشارة إلى الأرض المقدسة مكان مبعث عيسى ?.
٢ - طور سينين: جبل الطور وما حوله إشارة إلى مكان مبعث موسى ?.
٣ - والبلد الأمين: مكة المكرمة مكان مبعث رسول الله ﷺ ؛ أي: أقسم الله بشرف هؤلاء الأنبياء، أو بشرف هذه البقاع المقدسة على الأرض أو بأهمية التين والزيتون نفسه (شجرة الزيتون) وطور سينين والبلد الأمين والمعنى يحتمل الكل، والله أعلم.
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: وقيل: شجرة التّين والزّيتون؛ لما فيهما من فوائد غذائية جمّة، وفوائد طبيّة منها: الحماية من البكتيريا والأمراض السرطانية، وزيت الزيتون يخفض كلسترول الدم، ويخفف الإصابة بأمراض تصلّب الشرايين وارتفاع الضغط، وغني بالفيتامين؛ أي: ويفيد في علاج التهاب المفاصل وضعف الذاكرة وغيرها.
стр. 5860
وقيل: التّين والزّيتون: كناية عن الأرض المباركة، أو البقاع المباركة ومنها فلسطين وبلاد الشام أرض الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١]، التي سكنها إبراهيم ﵇ وموسى وعيسى ونوح ومحمد ﷺ في البلد الأمين.
سورة التين [٩٥: ٢]
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾:
قيل: هو نفسه طور سيناء، ويسمى جبل المنجاة، وهو الجبل المبارك الذي كلم الله تعالى عنده موسى ﵇ وهو غير معروف تماماً ويظن أنه يقع في الثّلث الجنوبي من جزيرة سيناء كما تشير الدراسات العلمية.
سورة التين [٩٥: ٣]
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾:
﴿وَهَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب.
﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكة المكرمة، التي فيها البيت الحرام أول بيت وضع للناس. الأمين: على وزن فعيل للمبالغة بمعنى الأمن، ولم يقل البلد الأمن؛ لأن أمين تتضمن معنى الأمن والمأمون والأمين معاً، والأمين فيها معنى الأمن والأمانة؛ فهو أفضل مكان لأداء الأمانة الصلاة، والحج وغيرها من العبادات، وهي مكان مولد الرسول ﷺ وأفضل بقاع الأرض على الإطلاق، وموطن رسالة الإسلام، ومكة هي أول ما ظهر من اليابسة على الإطلاق كجزيرة بركانية على ظهر الماء، ثمّ مُدّت الأرض من حولها حتى شكّلت القارة الأم التي تشقّقت بشبكة من الصدوع إلى القارات الحالية، وبقيت مكة المكرمة وسط اليابسة حتى اليوم.
الأمين: الذي حرّمه الله تعالى منذ خلق السموات والأرض، ولهذا البلد الأمين أسماء أخرى منها: أم القرى، ومكة، وبكة … وغيرها، من الأسماء.
стр. 5861
والأمين: لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
سورة التين [٩٥: ٤]
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾:
قيل: هذا هو جواب القسم.
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: خلقنا: الخلق هو الإيجاد والتّقدير. الإنسان: اسم جنس مشتق من الأُنس؛ أي: الألفة والمحبة ضد النفور، ومشتقة من الظهور عدم الاختفاء (كالجن)؛ أي: على أحسن صورة منتصب القامة جميل الخلقة (أجمل الخلق) متناسب الأعضاء؛ أي: الأطراف والأيدي أو الصدر والرأس، ومنها: العقل والحكمة والقدرة والتدبير، وهذه من صور التكريم، وأسند الخلق إليه سبحانه وحده وبصيغة التّعظيم.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿أَحْسَنِ﴾: على وزن أفعل للتفضيل.
﴿تَقْوِيمٍ﴾: أحسن صورة.
سورة التين [٩٥: ٥]
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: قيل المخاطب في هذه الآية الكافر والمنافق والمشرك والمجرم؛ أي بعد أن كان في أحسن تقويم، رددناه، والرّد يعني: الرّجوع قسراً بدون إرادته ورغماً عنه، وإلى حالة غير حالته التي كان عليها سابقاً خلقاً
стр. 5862
وتركيباً إلى أسفل سافلين؛ أي: إلى أرذل العمر الذي يتمثل بضعف الذاكرة، أو فقدها، وعدم القدرة على الحركة والعجز والحاجة إلى مساعدة الآخرين.
ومن المفسرين من فسّر "أسفل سافلين"؛ أي: في الدّرك الأسفل من النّار ويقصد بها المنافق كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، والكافر والمشرك الذي جحد كلَّ نعم الله وعبودية الله تعالى بعد أن أخذ عليه العهد منذ أن كان في صلب آدم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] لأنّه لم يشكر الله تعالى على نعمه وعلى خلقه، ولم يتَّق الله تعالى وإنما انشغل بالباطل والكذب والنّفاق وأرذل الأخلاق، فردّه الله تعالى إلى أسفل السّافلين في الجزاء.
سورة التين [٩٥: ٦]
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾:
لها معانٍ عدّة منها:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل، ومنهم من قال: منقطع بمعنى لكن:
١ - أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم أجر غير ممنون.
٢ - إلا الذين آمنوا مستثنى من السّافلين الذين ردّوا إلى أسفل العمر؛ لأنّ المتّقي قليلاً ما يردّ إلى أرذل العمر، وإنما يحفظه الله سبحانه لتقواه وحفظه للقرآن.
٣ - إلا الذين آمنوا مستثنى من أسفل السّافلين (الذين في الدّرك الأسفل من النّار).
أو لكن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصّالحات الفرائض والنّوافل.
﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، لهم: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
стр. 5863
﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: أجر غير مقطوع، ثواب دائم غير منقطع؛ أي: يعطيهم من الأجر والثواب في كبرهم كما كان يعطيهم من الأجر والثواب زمن شبابهم، أو ثوابهم في الجنة دائم غير منقطع.
سورة التين [٩٥: ٧]
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء استئنافية، ما: استفهام إنكاري.
﴿يُكَذِّبُكَ﴾: أيها الإنسان.
﴿بِالدِّينِ﴾: بالجزاء والحساب أو بالإسلام؛ فكلمة الدين لها معنيان: الشريعة والملة (دين الإسلام)، ومعنى الجزاء والحساب، فما الذي جعلك تكذب بصحة دين الله تعالى وبالحساب والجزاء.
الانتقال من الغيبة "إلا الذين آمنوا وعملوا الصّالحات فلهم أجر غير ممنون" إلى صيغة الخطاب "فما يكذبك"؛ ليدل على تشديد التّوبيخ والتّقريع.
سورة التين [٩٥: ٨]
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾:
﴿أَلَيْسَ﴾: استفهام تقريري، ولم يجعله أسلوباً إخبارياً بالقول إنّ الله أحكم الحاكمين؛ ليشرك المخاطب في إصدار الحكم، وجواب أليس: بلى هو أحكم الحاكمين.
﴿بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، أحكم: مشتقة من الحكم أي القضاء فهو أقضى القضاة؛ أي: أعدلهم وأقسطهم، وأحكم: مشتقة من الحكمة، فهو أحكم الحكماء وأحكم القضاة، ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
стр. 5864
سورة العلق
وتسمى سورة اقرأ.
ترتيبها في القرآن (٩٦) وترتيبها في النزول (١) الأولى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة العلق [٩٦: ١]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾:
أي قل: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أو ابتدئ قراءة القرآن أو ما يوحى إليك باسم ربك؛ أي: مستعيناً به.
﴿الَّذِى﴾: يفيد التّعظيم والكمال.
﴿خَلَقَ﴾: الخلق هو التّقدير، والخلق من الله تعالى: الإيجاد من العدم، الذي بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين.
سورة العلق [٩٦: ٢]
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾:
يمكن أن نقسم مراحل تكوين الجنين إلى مرحلتين هما:
أولاً: (مرحلة الخلق الأولى) وتسمى بمرحلة المضغة، وتبدأ بالأسبوع الأول وتنتهي بنهاية الأسبوع الثّامن وتضم:
مرحلة النّطفة.
مرحلة العلقة.
مرحلة المضغة.
مرحلة تشكل العظام.
مرحلة كسو العظام باللحم (العضلات).
ثانياً: مرحلة الجنين وتبدأ ببداية الأسبوع التّاسع حتى نهاية الحمل وتسمى بمرحلة الجنين، لندرس الآن كل مرحلة من هذه المراحل وما يحدث فيها من
стр. 5865
تغيرات وتشكلات في جسم الجنين، وننظر إلى الزّمن بشكل خاص، ونبدأ هذه الدّراسة بذكر ما جاء في القرآن الكريم في سورة المؤمنون آيات (١٢ - ١٤) يقول : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
مرحلة المضغة وتضم:
أ ـ مرحلة النّطفة: ما إن تبدأ عملية الإخصاب بالتقاء ماء الرجل بماء المرأة يخترق إحدى هذه الحيوانات المنوية التي تقدر بالملايين البيوضة فقط ولا يسمح لغيره بالدّخول، عندها تبدأ المرحلة المسماة بمرحلة النّطفة وتبدأ بالانقسامات الخلوية إلى اثنين ثم أربع ثم ثمان ثم (١٦ خلية) وهكذا، وإذا دخلت يومها الخامس أصبح عدد هذه الخلايا ما بين (١٠٠ - ١٥٠ خلية) وعندها تشكل ما يسمى البلاستوست.
يمكن تعريف البلاستوست بأنها: المرحلة الأولية من تطور المضغة عندما تكون بشكل كروي مركبة من طبقتين من الخلايا: الطبقة الأولى وتسمى كتلة الخلايا الدّاخلية والتي تنمو وتتطور لتشكل الجنين، وأما الطّبقة المحيطية أو الخارجية التي تشبه حلقة الخاتم فهي تشكل المشيمة.
وفي اليوم السّادس تشق النّطفة طريقها إلى سطح بطانة الرّحم؛ كي تنغرس فيه.
وفي اليوم السّابع يبدأ تشكل المشيمة من خلايا الطّبقة الخارجية للبلاستوست.
وفي اليوم الثّالث عشر يبدأ تشكل الدّم والأوعية الدّموية.
وفي اليوم الرّابع عشر (أي أسبوعين) تكتمل بذلك مرحلة النّطفة.
стр. 5866
إذن مرحلة تشكل النّطفة تستغرق أسبوعين من بداية التّلقيح.
ب ـ مرحلة العلقة: يقول : ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤]، وتستغرق هذه المرحلة من اليوم (١٤) حتى اليوم (٢٤ - ٢٥) من التّلقيح، وسميت بهذا الاسم لكونها تعلق بجدار الرّحم وتشبه قطعة من الدم الجامد، والله سبحانه ذكر هذه المرحلة فقط من بين المراحل الأخرى لأهميتها. ارجع إلى سورة المؤمنون الآيات (١٢ - ١٤)، وسورة الحج الآية (٥) لمزيد من البيان.
سورة العلق [٩٦: ٣]
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾:
﴿اقْرَأْ﴾: كررها للتأكيد؛ أي: اقرأ ما يوحى إليك من الآيات
﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾: على وزن أفعل التّفضيل؛ للمبالغة في الكرم؛ أي: هو أكرم الأكرمين، كثير الكرم يزيد كرمه على أيّ كرم، وقوله: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾: يدل على كمال كرمه أنّه علّم عباده العلوم والكتابة بالقلم وعلّمهم ما لم يعلموا، وذلك يعدّ من أعظم الكرم بعد كرم الهدى والإيمان والإسلام، فلولا كرم العلم لما قرأنا القرآن واستقامت أمور حياتنا.
سورة العلق [٩٦: ٤]
﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾:
﴿الَّذِى﴾: تفيد التّعظيم، علّم الإنسان بالقلم: الباء للإلصاق.
﴿بِالْقَلَمِ﴾: ارجع إلى سورة القلم (ن) آية (١) للبيان.
سورة العلق [٩٦: ٥]
﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾:
من علوم الدّين، علوم القرآن والحديث والفقه والسّيرة والتّخريج وعلم الأصول والمواريث والاقتصاد، وعلوم الدّنيا ومنها علوم الذّرة والتكنولوجيا والصّناعة والفضاء والطّب والزّراعة والنّبات والحيوان.
стр. 5867
سورة العلق [٩٦: ٦]
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾:
﴿كَلَّا﴾: تعني حقاً، و"كلا" تعني كلمة ردع وزجر، أو تفيد التّنبيه؛ أي: حقاً إنّ الإنسان ليطغى، أو: "كلا" ردع وزجر لمن استغنى بماله وطغى ونسي نعمة الخلق ونعمة العلم.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿لَيَطْغَى﴾: اللام في ليطغى: تفيد التوكيد؛ أي: يتجاوز الحد في الكفر والطّغيان بنِعم ربه لجهله وضلاله إذا رأى نفسه غنياً طغى وبغى أو ذو قوة أو جاه ومنصب.
سورة العلق [٩٦: ٧]
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾:
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿رَآهُ﴾: أي: رأى الإنسان نفسه قوياً، أو رأى ماله قد كثر، رؤية قلبية وبصرية.
﴿اسْتَغْنَى﴾: استكبر على ربه وكفر به واستغنى عن عبادته، واستغنى بغيره من البشر. ومن المفسرين من قال: إنّ هذه الآية نزلت في أبي جهل وأمثاله، والمهم عموم اللفظ وليس خصوص السّبب.
سورة العلق [٩٦: ٨]
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿إِلَى﴾: حصراً وقصراً.
﴿رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾: أي نسي الإنسان الذي طغى واستغنى، أنّ إلى ربه الرّجعى؛ أي: العودة والمصير للحساب والجزاء. والانتقال من صيغة الغيبة إلى صيغة المخاطب يحمل في طياته التحذير والتّهديد.
стр. 5868
سورة العلق [٩٦: ٩]
﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يَنْهَى﴾:
﴿أَرَءَيْتَ﴾: الهمزة همزة استفهام وإنكار وتعجب من حال هذا الذي ينهى.
أرأيت: رؤية قلبية فكرية؛ أي: أخبرني بعلم بحال هذا الذي ينهى.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿يَنْهَى﴾: قيل نزلت هذه الآية في أبي جهل الذي نهى رسول الله ﷺ أي: منع رسول الله ﷺ من الصّلاة، كما روى مسلم والإمام أحمد والنسائي وغيره عن أبي هريرة.
"ينهى" جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تكرار النّهي وتجدده واستمراره على فعل النّهي أو حكاية الحال؛ لتدل على عظم وبشاعة هذا الفعل كأنه يحدث أمامك الآن، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب؛ فهي لكل من ينهى غيره ويمنعه عن طاعة الله وامتثال أوامره.
وجواب الاستفهام: ألم يعلم بأنّ الله يرى: نهيه ومحاربته لله تعالى ورسوله والصّد عن سبيل الله تعالى.
سورة العلق [٩٦: ١٠]
﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾:
﴿عَبْدًا﴾: العبد هو رسول الله ﷺ أو أيّ إنسان آخر، وجاءت بصيغة التنكير للتهويل والتعظيم ولتشمل أيّ إنسان.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني.
﴿صَلَّى﴾: صلى في المسجد الحرام أو غيره من الأماكن.
سورة العلق [٩٦: ١١]
﴿أَرَءَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾:
﴿أَرَءَيْتَ﴾: التّكرار يفيد التّوكيد، ارجع إلى الآية (٩).
стр. 5869
﴿إِنْ﴾: شرطية، جواب الشّرط تقديره: ألم يعلم بأن الله يرى.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة الماضي والمضارع والمستقبل.
﴿عَلَى الْهُدَى﴾: على تفيد الاستعلاء؛ أي: مستقراً على طريق الهدى والعلم بالحق؛ أي: الصراط المستقيم (الدين).
سورة العلق [٩٦: ١٢]
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾:
﴿أَوْ﴾: للاختيار، أو تعني: وأمر غيره بالتّقوى؛ أي: دعاه إلى الإسلام وامتثال أوامر ربه وتجنب نواهيه.
سورة العلق [٩٦: ١٣]
﴿أَرَءَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾:
﴿أَرَءَيْتَ﴾: ارجع إلى الآية (٩).
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿كَذَّبَ﴾: بالرّسول ﷺ أو كذّب بآيات ربه وبالقرآن وبالحق.
﴿وَتَوَلَّى﴾: ابتعد وأعرض عن الإيمان والتّصديق بمحمّد وبالقرآن.
سورة العلق [٩٦: ١٤]
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّعجب.
﴿يَعْلَم بِأَنَّ﴾: الباء للتوكيد.
﴿اللَّهَ يَرَى﴾: يرى ما يقوم به من النّهي والمنع والصّد عن سبيل الله، يرى ظلمه وفساده وطغيانه، وفي هذا تهديد ووعيد له يوم القيامة.
سورة العلق [٩٦: ١٥]
﴿كَلَّا لَئِنْ لَّمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، أو: حقاً لأبي جهل وغيره من الطّغاة الذين يصدون عن سبيل الله تعالى لئن لم ينته عن ذلك.
стр. 5870
﴿لَئِنْ﴾: اللام لام التّوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿لَّمْ يَنْتَهِ﴾: عما يفعل من معاداة الرّسول ﷺ والذين آمنوا ويتوقف عن الصّد عن سبيل الله.
﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾: اللام لام التّوكيد، نسفعن: السّفع هو القبض على الشّيء بشدة أو الجذب بشدة، وقيل: السّفع الحرق، أو الاحتراق؛ أي: أحرقنا ناصيته. ناصيته: مقدم شعر الرأس؛ أي: مقدم الرأس مقدّم جبهته؛ وتعني مقدّم الدّماغ الذي يسمى الفصّ الجبهي المسؤول عن السّمع والأكل والتّكلم وغيرها من الوظائف الحساسة، والأخذ بالناصية يعني: الإذلال والإهانة قبل تعذيبه، ويعني: عدم القدرة على الهرب أو النجاة من عذابنا.
﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾: الباء: للإلصاق والملازمة، والسّفع كما قلنا لنحرقن ناصيته (مقدمة دماغه)، وهو كناية عن القهر والإهانة.
سورة العلق [٩٦: ١٦]
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾:
﴿نَاصِيَةٍ﴾: أي هذا الرأس أو الدماغ المستكبر الكاذب والخاطئ سنحرقه في جهنم.
﴿كَاذِبَةٍ﴾: في أقوالها؛ أي: صاحبها كاذب.
﴿خَاطِئَةٍ﴾: في أفعالها، الخاطئ: الذي يرتكب الذّنب والإثم عمداً؛ أي: بقصد ونية ويعلم عقوبته، أسند الكذب والخطأ إلى النّاصية مجازاً؛ أي: صاحبها لأنّه السّبب.
سورة العلق [٩٦: ١٧]
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾:
﴿فَلْيَدْعُ﴾: الفاء للتوكيد، واللام لزيادة التوكيد.
﴿نَادِيَهُ﴾: مشتقة من نادي: وهو المجلس الذي يجلس فيه القوم للحديث،
стр. 5871
ويعني: ليدع أبو جهل أو غيره من الطّغاة والذين يصدون عن سبيل الله ليدعُ أهله وعشيرته وأصحابه لإعانته ودفع العذاب عنه يوم القيامة.
سورة العلق [٩٦: ١٨]
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾:
﴿سَنَدْعُ﴾: السين للاستقبال القريب؛ أي: عن قريب سندعو له الزّبانية؛ أي: خزنة جهنم.
﴿الزَّبَانِيَةَ﴾: الملائكة الغلاظ الشّداد ليأخذوا بمقدّم رأسه (ناصيته)، ويلقوه في السّعير، والزبانية تعني: الشرطة بلغة العصر الحاضر، أو القائمون على تدبير السجون.
سورة العلق [٩٦: ١٩]
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر ومنع.
﴿لَا تُطِعْهُ﴾: لا النّاهية، تطعه؛ أي: لا تطع يا محمد ﷺ هذا الطّاغية (أبا جهل) أو غيره أو تسمع إليه.
﴿وَاسْجُدْ﴾: وصلِّ لله تعالى ولا تخف أو تأبه بهذا الضّالّ عن سبيل الله.
﴿وَاقْتَرِب﴾: إلى الله سبحانه بالعبادة وكثرة السّجود.
стр. 5872
سورة القدر [٩٧: ١]
سورة القدر
ترتيبها في القرآن (٩٧) وترتيبها في النّزول (٢٥).
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾:
﴿إِنَّا﴾: ضمير التعظيم للمنزِل وهو الله.
﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: تعني جملة واحدة دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، والهاء تعود إلى القرآن العظيم المنزَل.
﴿فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾: والليلة عند الله وملائكته تبدأ من صلاة العصر إلى صلاة الفجر، والليلة في اللغة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ أي: ابتدأ إنزاله فيها على نبيه محمّد ﷺ وفي شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وفي ليلة مباركة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤].
أي: أنزل القرآن في ساعة أو جزء من الليلة، ولا يعني طوال الليلة وإنما ساعة مخفية لا نعرف في أولها أو آخرها.
١ - أنزلناه؛ أي: القرآن: أضمر ذكر كلمة القرآن؛ لأنّه غني عن التّصريح والتّعريف.
стр. 5873
٢ - وقد عظّم القرآن العظيم بإسناد إنزاله إليه سبحانه.
٣ - وعظّم الليلة التي أنزل فيها بالقول ليلة القدر.
والقدر: القدر مصدر مشتق من قدر يقدر قدراً، والقدر يعني: التقدير.
وقدر: قد يعني من ضيق يضيق كقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وتعني ليلة تضيق بالملائكة لكثرة الذين ينزلون إلى الأرض. وقد يعني القدر: المكانة، فلان ذو قدر؛ أي: مكانة عظيمة كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
والقدر: يطلق على التقدير الذي هو: فعل الله تعالى سبحانه وقدر الله؛ أي: مقدوره، والإرادة: هي وقوع المراد، ومنها: الإرادة الشرعية، والإرادة الكونية؛ ففي هذه الليلة المباركة كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
سورة القدر [٩٧: ٢]
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾:
﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾: ما استفهامية للتعظيم والتّفخيم من شأنها، وما أدراك ولم يقل ما يدريك، ارجع إلى سورة الحاقة الآية (٣) للبيان.
وسميت ليلة القدر:
١ - لأنّه فيها يقدّر ما يكون في السّنة من الأمور والأحكام، تقدّر فيها الآجال والأرزاق.
٢ - من القدر: وهو الشّرف.
٣ - لأنّ العبادة فيها خير من ألف شهر.
٤ - وثبت في الصّحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه.
стр. 5874
٥ - تنزل الملائكة والرّوح فيها إلى كوكب الأرض.
٦ - لأنّها كلها سلام؛ أي: يسودها السلام والأمن.
سورة القدر [٩٧: ٣]
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾:
العبادة والقيام والطّاعة فيها أفضل أو خير من العبادة ألف شهر؛ أي: أكثر من (٨٣) سنة، وتكرار كلمة ليلة القدر ثلاث مرات في سورة عدد آياتها خمس آيات يدل على التّعظيم والتّفخيم والعناية بها والحرص على تحرّيها.
سورة القدر [٩٧: ٤]
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾: ولم يقل تتنزل الملائكة والرّوح فيها، تنزّل: تدل على القلة؛ لأنّها تنزل مرة واحدة في السّنة، أما تتنزل: تدل على الكثرة كما نرى تتنزل الملائكة في سياق الموت كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، تنزل الملائكة أفواجاً أفواجاً من السّماء إلى الأرض ليلة القدر، والرّوح: جبريل ﵇ والرّوح من الملائكة، وذكر الخاص بعد العام كما نرى هنا يدل على الاهتمام والتّعظيم لجبريل، فيها: تعود إلى ليلة القدر.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي بأمر ربهم.
﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾: من تعليلية تنزل من أجل كلّ أمر قضاه سبحانه لتلك السّنة.
سورة القدر [٩٧: ٥]
﴿سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾:
﴿سَلَامٌ﴾: نكرة تشمل كلّ أنواع السّلام: سلام: تحية من الملائكة وسلام لا شرّ فيها ولا سوء، بل كلها خير وسلامة، وبركة وفضل.
﴿هِىَ حَتَّى﴾: هي للتوكيد، حتّى: حرف نهاية الغاية (هي) قيل: هي الكلمة
стр. 5875
السابعة والعشرون في السورة، واستدل البعض من هذا أنها هي الليلة السابعة والعشرون، والله أعلم.
﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: وقت طلوعه؛ أي: سلام يمتد حتّى مطلع الفجر أو ليلة تمتد حتى مطلع الفجر.
فهي ليلة إكرام للنبي ﷺ وإكرام لهذه الأمة التي أعمارها بين (٦٠ - ٧٠ سنة).
وأفضل ليلة في العام كلّه على الإطلاق.
وأفضل الأعمال فيها الصلاة والقيام بين يدي رب العالمين وتلاوة القرآن، والدعاء، والصدقة، والاعتكاف والذكر والتسبيح والاستغفار، والعفو والصفح.
стр. 5876
سورة البينة [٩٨: ١]
سورة البينة
ترتيبها في القرآن (٩٨) وترتيبها في النّزول (١٠٠).
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾:
﴿لَمْ﴾: أداة نفي.
﴿يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾: الذين كفروا من أهل الكتاب؛ أي: الذين كفروا من اليهود والنّصارى والمشركون (من عبدة الأصنام والأوثان من مشركي العرب)، ولنعلم أن أهل الكتاب أعلى درجة من الذين أتيناهم الكتاب أو الذين أوتوا الكتاب وأقل درجة من هؤلاء الكل الذين أوتوا نصيباً من الكتاب.
﴿مُنْفَكِّينَ﴾: من فككت الشّيء فانفكّ؛ أي: انفصل.
منفكين: أي لم يكونوا منقسمين على أنفسهم، بل الكل ينتظر النبي المبعوث والذي ذُكر في كتبهم للإيمان به واتباعه.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: الحجة الواضحة أو البرهان السّاطع.
حتى تأتيهم: أي حتى أتتهم البينة فأصبحوا منفكين منقسمين على أنفسهم منهم من آمن به وصدقه ومنهم من صد عنه.
стр. 5877
والبينة: هي محمد ﷺ وما أنزل عليه من ربه من القرآن أو الآيات كما فسّرته الآية (٢).
سورة البينة [٩٨: ٢]
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾:
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾: هو محمّد ﷺ من الله: أي مبعوث أو مرسل من الله.
﴿يَتْلُوا﴾: التّلاوة: هي القراءة والتلاوة لا تكون إلا من الصّحف (القرآن)، والتلاوة لها أجر، والتلاوة قد تكون عن ظهر قلب.
﴿صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾: يتلو عليهم آيات الله (آيات القرآن)، المطهرة من الباطل والزيغ.
سورة البينة [٩٨: ٣]
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾:
﴿فِيهَا﴾: أي الصّحف المطهّرة، صحف القرآن (جمع صحيفة).
﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فيها أحكام، فرائض، شرائع، قيّمة: مستقيمة عادلة تبين لهم طريق الهدى والحق من الباطل والضّلال. وقيل: كتب قيمة لما شملت من الأمور العظيمة التي فيها سعادة الدارين.
سورة البينة [٩٨: ٤]
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾:
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ما: النّافية، تفرّق الذين أوتوا الكتاب (أي اليهود والنصارى) تفرّقوا في نبوة محمّد أو التّصديق به والإيمان بما جاء به، ووصفهم بالذين أوتوا الكتاب وليس أهل الكتاب يأتي في سياق الذم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾: أي بعدما بعث فيهم رسول الله ﷺ اختلفوا وتفرقوا، أمّا قبل مجيئه الكلّ ينتظره، فلم يعجبهم كون الرّسول اختير من الأميين أو قريش،
стр. 5878
فاستمروا في كفرهم وتكذيبهم به ولم يتوبوا ويعودوا إلى رشدهم، وهذه الآية توكيد للآية (١).
سورة البينة [٩٨: ٥]
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: ما النّافية، أُمروا: في كتبهم، إلا: أداة حصر، ليعبدوا الله: اللام لام التّوكيد.
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي موحّدين مخلصين مطيعين.
﴿حُنَفَاءَ﴾: على ملّة الحنيفية السّمحة (ملة التوحيد) أي: مائلين عن الملل الباطلة إلى دين الحق.
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾: يقيموا الصّلاة: بأركانها وشروطها وأوقاتها، ويؤتوا الزّكاة المفروضة عليهم.
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: ذلك: اسم إشارة واللام للبعد، يشير إلى الإخلاص والتّوحيد وإقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، ذلك دين القيمة؛ أي: الإسلام.
سورة البينة [٩٨: ٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: من اليهود والنصارى، وكفروا بالإسلام وبمحمد ﷺ وبالقرآن.
﴿وَالْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ﴾: من قريش عبدة الأصنام والأوثان: مصيرهم في نار جهنم.
стр. 5879
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود والبقاء والدّوام بدون انقطاع، ويبدأ من نقطة بدء (زمن دخولهم فيها)، ونجد في هذه الآية عدم ذكر أبداً مقارنة بالآيات الأخرى، ولعل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ قد يكون دليلاً على ذلك أو المقام مقام إيجاز وليس تفصيل، والله أعلم.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد تفيد الذّم.
﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾: البريّة: اسم جمع بمعنى الخلق، مشتقة من برأ الخلق؛ أي: خلقهم من تراب، والبَرَى: التّراب، شرّ البرية، شر الخليقة، شرّ النّاس.
سورة البينة [٩٨: ٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض وما أمر الله تعالى.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد المدح.
﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾: خير الناس أو خير الخلق؛ أي: أفضلهم منزلة عند الله تعالى.
стр. 5880
سورة البينة [٩٨: ٨]
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾:
﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: الجزاء على العمل، ويعني: ثوابهم يوم القيامة.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند خالقهم ورازقهم.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: جنات الإقامة الدّائمة، ذكرت جنات عدن في القرآن (١١) مرة.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: البقاء والدّوام بلا انقطاع، ويبدأ من وقت دخولهم، أبداً: توكيد.
﴿﵃﴾: بما قدّموه من إيمان وتقوى.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: لثوابه وفضله وكرمه عليهم.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير إلى الجزاء والثّواب والخلود والجنات والرّضوان.
﴿لِمَنْ﴾: اللام للتوكيد. من: اسم موصول للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث.
﴿خَشِىَ رَبَّهُ﴾: في الدنيا الخشية تعني الخوف من رب العالمين، مع التّعظيم والعلم في الدنيا.
الخشية المقرونة بالطاعة والتقوى والعمل الصالح وليس مجرد الخشية.
خشي ربه: في السرّ والعلن.
стр. 5881
سورة الزلزلة [٩٩: ١]
سورة الزلزلة
ترتيبها في القرآن (٩٩) وترتيبها في النّزول (٩٣).
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾:
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿زُلْزِلَتِ﴾: أصلها زل زل، زل الأولى وزل الثّانية.
﴿زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾: الزّلزلة: زُلْزِلت الأرض؛ أي: الأرض الجديدة وليست الأرض القديمة؛ أي: التي نحيا عليها الآن، هذه الأرض التي ستكون أكبر بكثير من الأرض القديمة وأكبر من السموات والأرض الحاليتين؛ كي تتسع إلى بلايين بلايين البشر من آدم إلى آخر مخلوق، هذه الأرض الجديدة التي ستحوي كل ذرات الأرض القديمة وتحوي بقايانا، وهذه الزلزلة تختلف عن الزلزلة الأولى التي تحدث عند قيام الساعة وانهيار النظام الكوني التي ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ١ - ٢].
والتي تحدث نتيجة تصادم الألواح تحت القارية (تحت البحار) والتي تؤدي إلى البراكين وتسجير البحار وغيرها من الأحداث عند النفخة الأولى.
سورة الزلزلة [٩٩: ٢]
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾:
أثقالها: أي ما فيها من الموتى؛ أي: الأرض الجديدة أثقالها موتاها.
стр. 5882
سورة الزلزلة [٩٩: ٣]
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾:
﴿مَا﴾: للاستفهام والتّهويل والتعجّب.
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ﴾: أي يتساءل الإنسان: ماذا حدث للأرض؟
و (قال) بصيغة الماضي بدلاً من يقول الإنسان بصيغة المستقبل؛ لأنّ الأمر كأنّه حدث وانتهى.
سورة الزلزلة [٩٩: ٤]
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: أي: يوم القيامة.
﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: جمع خبر والخبر هو أعم من النبأ.
بعد أن يوحي لها خالقها ومدبّرها: حدِّثي أخبارك، وقيل: أخبارها أن تشهد على كلّ عبد أو أمة بما عمل على ظهرها فتقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا.
سورة الزلزلة [٩٩: ٥]
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾:
﴿بِأَنَّ﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، أن لزيادة التّوكيد.
﴿أَوْحَى لَهَا﴾: أشار إليها بأن تحدث أخبارها، وكما ذكر في قصة زكريا ﵇: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، أو أذِن لها بأن تحدّث أخبارها؛ أي: تشهد على الناس بما عملوا على ظهرها من خير وشر أو فساد.
سورة الزلزلة [٩٩: ٦]
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة أو البعث.
стр. 5883
﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾: يَصُدُرُ: يرجع أو ينصرف الناس من قبورهم إلى أرض المحشر.
﴿أَشْتَاتًا﴾: فرقاً فرقاً؛ أي: جماعات جماعات إلى موقف الحساب.
﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾: أي ما قدّموه من صالح الأعمال أو طالحها وخيرها وشرها في الدنيا؛ ليروا كتب أعمالهم. ومنهم من قال: ليروا أعمالهم: جزاء أعمالهم (الجنة أو النار).
سورة الزلزلة [٩٩: ٧]
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء عاطفة للتفريع، من: شرطية.
﴿يَعْمَلْ﴾: في الدّنيا.
﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾: مثقال ذرة من الخير، ولمعرفة مقدار الذّرّة ارجع إلى سورة النّساء الآية (٤٠) للبيان، الخير: هو العمل أو الشّيء الحسن النّافع، وجاء بصيغة المضارع "يعمل" بدلاً من عمل؛ للدلالة تكرار وتجدد العمل وعلى أهمية ما عملوا وكأنهم يعملونه الآن، وهذا ما يسمى حكاية الحال.
﴿يَرَهُ﴾: يرى جزاءه؛ أي: ثوابه.
سورة الزلزلة [٩٩: ٨]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿شَرًّا يَرَهُ﴾: شراً؛ الشر: ضد الخير؛ أي: سوءاً يرى جزاء عمله.
стр. 5884
سورة العاديات [١٠٠: ١]
سورة العاديات
ترتيبها في القرآن (١٠٠) وترتيبها في النّزول (١٤).
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾:
﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾: الواو: واو القسم، العاديات: جمع عادية مؤنث العادي اسم فاعل من عدا بمعنى: ركض؛ الخيل التي تخرج مع أصحابها في سبيل الله، هكذا قال ابن عبّاس وعامة المفسرين، من العَدْو: وهو الجري بسرعة.
﴿ضَبْحًا﴾: صوت أنفاس الخيل الذي نسمعه حين تجري مسرعة، والخارج من مناخرها والناتج عن تنفّسها بشدة.
سورة العاديات [١٠٠: ٢]
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾:
﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: الفاء عاطفة وتفيد التّرتيب والتّعقيب في الآيات الأربع، الموريات: من أورى: إذا أخرج النّار.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: أي الخيل الغازية في سبيل الله وهي تقدح قدحاً بحوافرها فتخرِج الشّرر حين تصدم حوافرها بالحجارة، أو الصخور، والقدح: الضّرب، والقداحة: الآلة المستعملة لإشعال النّار.
سورة العاديات [١٠٠: ٣]
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾:
﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، المغيرات جمع مغيرة؛ أي: الخيل التي تغزو (تغير) على العدوّ وقت الصبّاح، فكانوا إذا أرادوا الغارة سَرَوا ليلاً حين غفلة النّاس ونومهم وباغتوا العدوّ صباحاً والعدوّ على غير استعداد.
стр. 5885
﴿صُبْحًا﴾: وقت دخول الصّباح، طلوع الصّباح، والصّبح أفضل الأوقات للهجوم والقتال والغارة.
سورة العاديات [١٠٠: ٤]
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾:
﴿فَأَثَرْنَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، أثرن: هيّجن؛ أي: أثارت الخيل الغازية الغبار بحوافرها في وجه العدوّ فلا يعود يراها.
﴿بِهِ﴾: بالجري.
﴿نَقْعًا﴾: النّقع هو الغبار الدّقيق أو التّراب الحادث من سرعة جري الخيل.
سورة العاديات [١٠٠: ٥]
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾:
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، وسطن به: فدخلن للقتال وسط جمع العدوّ، به: بالجري.
﴿جَمْعًا﴾: جمع العدوّ.
سورة العاديات [١٠٠: ٦]
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾:
هذا جواب القسم، والإنسان هنا يعني الكافر.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، واللام في "لكنود" لزيادة التّوكيد.
﴿الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾: لكنود: لكفور كما قال ابن عباس أو لعاصٍ أو قليل الخير أو البخيل: الذي يأكل وحده ويمنع رِفْده؛ أي: يمنع العطاء، وقيل: كنود صيغة مبالغة من: كند النعمة؛ كفر بها أو الجحود بنِعم ربه. وقيل: الكنود من يَعُدَّ المصائب أو يذكرها وينسى النعم ويلوم ربه؛ أي: اللوام، وقيل الأرض الكنود: التي لا تنبت شيئاً، والمعنى يحتمل الكل.
سورة العاديات [١٠٠: ٧]
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾:
﴿وَإِنَّهُ﴾: إنه: للتوكيد، والهاء تعود على الإنسان.
следующие страницы →