Полный текст (5 934 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
سورة آل عمران [٣: ٧١]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: تكرار النداء؛ لإيقاظهم من سباتهم، وتوبيخهم لما يقومون من الكفر والستر لآيات الله الدالة على صدق نبوَّة محمد ﷺ .
﴿لِمَ﴾: استفهام استنكاري.
﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: من اللبس، وهو الخلط، يقال: لبس عليه الأمر؛ أي: اختلط عليه حتى لا يعرف صحته من باطله، واشتقت من اللبس إدخال شيء في شيء.
تلبسون الحق (نعت النبي وصفاته) بالباطل (بالتحريف والتزوير في التوراة والإنجيل).
﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: (وهو نبوَّة محمد ﷺ وصفاته، والكتمان: هو السكوت عن ذكر خبر، أو أمر ما، والكتمان: يختص بالأسرار والأخبار، وهو حالة من حالات الخفاء.
﴿وَأَنتُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: أنه الحق من عند الله.
سورة آل عمران [٣: ٧٢]
﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِى أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٦٩).
стр. 632
﴿وَقَالَتْ طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: من أحبارهم ورؤسائهم، قالت لأتباعهم من اليهود والنصارى: أظهروا إسلامكم وإيمانكم بما أنزل على المسلمين ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾: أول النهار؛ أي: ساعات الصباح، واكفروا آخره، أي: في ساعات المساء.
﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: قد تعني: ارتدوا عن الإسلام، أو قولوا: قرأنا الكتب السماوية وشاورنا علماءنا، فوجدنا أن محمداً ليس هو النبيَّ المبعوث، وظهر لنا كذبُه، أو صلّوا إلى قبلة الذين (آمنوا) أول النهار، واكفروا بقبلتهم آخر النهار لعلهم يرجعون عن قبلتهم.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: للتعليل.
أو أدخلوا الشكَّ والريبة في قلوب أصحاب محمد ﷺ .
﴿يَرْجِعُونَ﴾: لعلهم يرتدون عن دينهم، ويرجعون عنه.
سورة آل عمران [٣: ٧٣]
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: تتمة للآية (٧٢) السابقة، وقالت الطائفة نفسها: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون، وهذه الآية تحمل عدة تفسيرات:
١ - الاحتمال الأول: هو أن نعتبر جملة قل: إن الهدى هدى الله جملة اعتراضية، وما تبقى من الآية هو قول أهل الكتاب.
٢ - الاحتمال الثاني: أن يعتبر أن كلام أهل الكتاب قد انتهى بقوله: ولا تؤمنوا إلا لمن يتبع دينكم قل: إن الهدى جملة جديدة، وما بعدها تتمة لقوله: إن الهدى هدى الله.
стр. 633
التفسير على ضوء الاحتمال الأول:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿تُؤْمِنُوا﴾: أي: لا تصدقوا، أو تتولوا من الموالاة، وتثقوا بأحدٍ إذا لم يكن يهودياً، أو نصرانياً.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: لا تؤمنوا حصراً وقصراً إلا.
﴿لِمَنْ﴾: اللام: للتوكيد، من: ابتدائية.
﴿تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: ملتكم، وشريعتكم.
﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: جملة اعتراضية كما قلنا سابقاً جاءت في منتصف كلام أهل الكتاب.
إن: للتوكيد، قل: لا ينفع مكركم، وما تبيتونه؛ لأن الهدى هدى الله، الهدى: المراد به الدين؛ أي: الإسلام، هدى الله: دين الله، الهدى الموصل إلى الغاية وهي رضوان الله وحده، وهو الهدى الكامل التام، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٢٠) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ المراد بهدى الله في هذه الآية: تحويل القبلة.
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾: أي: لا تقرُّوا لأحدٍ من أتباع محمد أنهم قد أوتوا من العلم شيئاً، مثل ما أوتيتم، أو لا تخبروا بأنهم على الحق، أو أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، أو لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، أو يتخذوه حُجَّة ضدكم، واحجبوا أسراركم عن المؤمنين.
стр. 634
والخلاصة: لا تؤمنوا لأتباع محمد من المسلمين، ولا تطلعوهم على ما عندكم من العلم، إلا إذا ارتدوا وتبعوا دينكم.
ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من العلم، والآيات والنعيم، ولا تصدقوا أن يجادلوكم يوم القيامة عند ربكم؛ لأنكم أصح ديناً منهم، قل إن دين الإسلام هو دين الله.
التفسير على ضوء الاحتمال الثاني وهو:
أن قول الطائفة قد تم عند قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. وانتهى كلامهم.
وما بعده هو قول الله سبحانه؛ أي: قل: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، المخاطب هنا أمة محمد ﷺ .
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: أن: تفسيرية، أو نافية؛ (أي: لم يؤتَ أحدٌ مثلما أوتيتم)؛ أي: أعطيتم يا أمة محمد ﷺ من الدِّين والقرآن والحجة ما لم يُعطَ أحدٌ من الناس، ولا تصدقوا أن أهل الكتاب، أو غيرهم سيحاجونكم عند ربكم؛ لأنهم لا حجة لهم.
﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الْفَضْلَ﴾: هو القرآن (الكتاب)، كما قال تعالى في سورة فاطر، آية (٣٢): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده.
стр. 635
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦٨) من سورة البقرة.
﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يستحق الفضل، ومن لا يستحقه.
سورة آل عمران [٣: ٧٤]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: يعطي فقط الرحمة: النبوَّة، رداً على اليهود الذين زعموا أن النبوَّة لا تكون إلا فيهم.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده.
﴿وَاللَّهُ ذُو﴾: صاحب، وذو: أشرف وأبلغ من صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٨٧)، أو غافر آية (٢)؛ للبيان.
﴿الْفَضْلِ﴾: الزيادة عن الأجر والثواب.
﴿الْعَظِيمِ﴾: كماً وكيفاً.
سورة آل عمران [٣: ٧٥]
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: الواو: استئنافية، من: ابتدائية.
﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى.
تشير هذه الآية على العدل الإلهي أن يخبرنا أن بعض أهل الكتاب ذوو أمانة، فلو أمنته على قنطار من الذهب (والقنطار=١٠٠ رطل) والرطل يعادل (٢، ٥ كغ) يؤده إليك، واستعمل القنطار للمبالغة.
﴿مَنْ إِنْ﴾: من: اسم موصول، إن: شرطية.
﴿بِقِنطَارٍ﴾ الباء: للإلصاق، أو تعني: على، ولكن لماذا استعمل الباء بدلاً
стр. 636
من (على)؛ لأن الأمانة في هذه الآية هي الوديعة (المال) أو الأمانة بالمعاملة وأنت غير متمكن من الذي تأمنه هل يرد الأمانة أم لا بقوله تعالى على لسان يعقوب ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤] على تدل على التمكن.
﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾: واحد لا يؤده إليك، وهذه تدل على قلة أمانتهم.
﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: لا: النافية، يؤده إليك: لا يرجعه إليك، إلا: أداة حصر، ما دمت عليه قائماً، أي: تلح في طلب الدينار، وتكون دائم السؤال عنه، أو مطالباً له ليلاً ونهاراً، فالقيام عليه تعني المطالبة به، والقاعد عنه تعني: غير المطالب به.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ﴾: ذلك: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى ترك الأداء الذي دل عليه لم يؤده؛ أي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم، ليس علينا في الأميين سبيل: الأميين؛ أي: العرب (وتعني: المؤمنين)، والتسمية مشتقة من الأم، والأمي من لا يكتب، والأميين: من لا كتاب لهم. سبيل؛ أي: إثم أو حرج، أو مؤاخذة، أو تبعة.
أي: قالوا ليس علينا إثم إذا أكلنا أموال الأميين العرب؛ لأنهم كانوا أنفسهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولأن الأميين ليسوا على دينهم، والخلق عبيد لهم؛ مما يدل على تعصبهم الدِّيني، وأنهم استحلوا أموال الناس ظلماً وباطلاً.
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: بادعائهم الباطل ليس علينا في الأميين سبيل قد جاء في كتابهم فهم بذلك يفترون على الله الكذب، وهم: ضمير فصل تفيد التوكيد (أنفسهم)، يعلمون: أنهم كاذبون، ويعلمون أن الخيانة محرَّمة في شرع الله.
стр. 637
سورة آل عمران [٣: ٧٦]
﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾:
﴿بَلَى﴾: أي: عليهم إثم وذنب وتبعة في أكل أموال الأميين.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية شرطية.
﴿أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾: التزم بالوفاء بعهده، واتقى الله في ترك الخيانة، وأطاع الله.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: للتوكيد.
﴿اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: الذين يوفون بعهد الله، ويؤدون الأمانات إلى أهلها، ويطيعون الله ورسوله.
سورة آل عمران [٣: ٧٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
روى الشيخان وغيرهما: أن الأشعث قال: «كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدَّمته إلى النبي ﷺ فقال: «ألك بينة؟» قلت: لا، فقال لليهودي: «احلف»، فقلت: يا رسول الله! إذن يحلف، فيذهب مالي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾».
وأخرج البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلاً أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله، لقد أعطي بها ما لم يعطه؛ ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة: أن الآية نزلت في حُيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، وغيرهما من اليهود الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة وبدلوه،
стр. 638
وحلفوا أنه من عند الله، وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بنت أبي الحُقيق، وحيي بن أخطب: حرَّفوا التوراة، وبدَّلوا صفة رسول الله ﷺ ، وأخذوا الرشوة على ذلك.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: العهد هنا: هو العهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب بأنهم إن أدركوا بعثة رسول الله محمد ﷺ ليؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، وهو العهد الذي جاء في قوله تعالى في سورة آل عمران، آية (٨١): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
فعندما جاءهم ما عرفوا كفروا به أنكروا ما عاهدوا عليه من الإيمان، والتصديق بمحمد، وأتباعه مقابل الثمن والمال الذي أخذوه كرشوة.
أيمانهم: جمع يمين؛ أي: أيمانهم الكاذبة بالله، جعلوا الأيمان الكاذبة مقابل الثمن الذي وُعدوه.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: ووصف الثمن بالقليل؛ حتى ولو كان ثمناً كبيراً وعظيماً؛ لأنه مهما كان الثمن (كثيراً عظيماً) فهو قليل، أو سماه قليلاً؛ لأن من يشتري بآيات الله، أو عهد الله المال فهو قد باع آخرته بدنياه، فأي ثمن يقبضه سيكون قليلاً مهما كانت صفته.
وكلمة (ثمناً) وردت في القرآن في (١٠) آيات في تسع آيات منها ترافقت كلمة (ثمناً) بكلمة (قليلاً)، إلا آية (١٠٦) من سورة المائدة جاءت كلمة (ثمناً) بدون ذكر (قليلاً)، ووردت بثمن بخس في الآية (٢٠) من سورة يوسف فقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.
стр. 639
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، إشارة إلى الذين يشترون بعهد الله.
﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ﴾: لا نصيب لهم في الآخرة، ولا حظ لهم من نعيم الآخرة، أو خيرها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٢)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾: لغضبه عليهم، لا يسمح لهم بالتكلم، أو الاعتذار، لا يؤذن لهم.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: استهانة بهم، والسخط عليهم؛ أي: ولا يهتم بهم، ويهملهم.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: لا يطهرهم من ذنوبهم، والتزكية الثناء، أو النماء والثناء.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام: لام الاستحقاق، عذاب شديد الإيلام ودائم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٧٤) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: نجد أن الذنب في آية البقرة وهو الكتمان، وإضلال الغير: هو أشد من الذنب في آية آل عمران وهو: يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ولذلك كان العقاب أشد في آية البقرة ما يأكلون في بطونهم إلا النار مقارنة بلا خلاف لهم؛ أي: لاحظ ولا نصيب لهم يوم القيامة.
стр. 640
سورة آل عمران [٣: ٧٨]
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: الواو: استئنافية، إن: حرف مشبه بالفعل يفيد التوكيد.
﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور، وتقديم الجار والمجرور؛ للاختصاص والحصر، منهم: (من اليهود).
﴿لَفَرِيقًا﴾: اللام: لام الاختصاص. فريقاً: الفريق هم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وغيرهم.
﴿يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ﴾: اللّي: هو الفتل؛ أي: يفتلون ألسنتهم يميلون ألسنتهم عن القراءة الصحيحة المنزلة إلى القراءة المحرفة والمبدلة بالزيادة في كلام الله، أو النقص، أو تغيير المعنى، أو قراءته بنغمة توهم الناس أنه من التوراة.
ومن الأمثلة على تحريفهم قولهم إذا سلموا على رسول الله ﷺ قالوا: السام عليكم بدلاً من السلام عليكم، والسام: هو الموت، وكلمة راعنا من الرعونة والحماقة، وقولوا: حطة.
﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾: اللام: لام التعليل، والهاء في تحسبوه تعود على الكلام المحرف.
стр. 641
تحسبوه: من حسب؛ أي: ظن الظن الراجح القائم على حساب قلبي، وتجربة، وحساب.
﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: تظنوه ظناً مرجحاً: كبيراً أنه من التوراة؛ للتدليس والتلبيس.
﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: الواو: عاطفة، ما: نافية، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد، من الكتاب: من التوراة.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ويقولون: ولم يقل: وقالوا، بل جاء بالفعل المضارع بدلاً من الماضي؛ لنقل صورة كذبهم إلى الحال الزمن الحاضر؛ للدلالة على بشاعة ما قالوه، وهذا يسمى حكاية الحال، وليدل على استمرارهم في قولهم وتحريفهم. وتكرار كلمة الكتاب ومن عند الله للتوكيد لكي يصدقهم الناس أن ما يفترون من الكذب أنه من الكتاب (التوراة) وهو من عند الله وإنما هو تحريف وباطل.
هو: ضمير منفصل يفيد التوكيد والحصر، من عند الله: فهم لا يكتفون بالليِّ وفتل ألسنتهم، بل يزعمون كذباً أنه من الله، وأنه مكتوب في التوراة، ويدل ذلك على جرأتهم على الله، وعدم خوفهم من الجبار القهار.
﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: يرد الله سبحانه بنفسه عليهم، وما هو من عند الله؛ لأنه سبحانه يعلم ما أنزل في التوراة.
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: يقولون: هو من عند الله أولاً، ويقولون على الله الكذب ثانياً بالتحريف، والتزوير، ويحاولون تأكيد كذبهم.
стр. 642
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنه كذب وافتراء وليس من عند الله.
سورة آل عمران [٣: ٧٩]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾:
﴿مَا﴾: النافية؛ لنفي الحال خاصة وقد تنفي المستقبل والماضي، وأقوى أو آكد من ليس في النفي، والنفي بـ (لم) أقوى وآكد من النفي بـ (ما).
﴿كَانَ﴾: في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أي: كان ينبغي، أو يحق، أو يستقيم لبشر.
﴿لِبَشَرٍ﴾: اللام: لام الاختصاص، لبشر: أي: من نبي، ولا رسول. والبشر: مشتقة من البشارة، ومن معانيها: حسن الهيئة، يقال: رجل بشير، وبشر؛ أي: حسن الهيئة، ولفظ البشر يعني: الظهور، وسموا بشراً؛ لظهورهم على وجه الأرض بعكس الجن، وظهور شأنهم، وعبر عن الإنسان بالبشر؛ بسبب الطبقة الظاهرة من الجلد، والتي تسمى البشرة، وهي غير مغطاة بالشعر، وخاصة بالإنسان.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.
﴿يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾: أي: ينزل عليه الكتاب، تشمل الكتب السماوية والصحف وغيرها. يؤتيه: من الإيتاء لمعرفة معنى الإيتاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
الكتاب: اسم جنس (القرآن، التوراة، الإنجيل، أو الزبور). ارجع إلى الآية (٣) من سورة آل عمران.
стр. 643
﴿وَالْحُكْمَ﴾: الفقه، والعلم في الدِّين (الشريعة)، ومعرفة الأحكام، والفتاوى.
﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: الرسالة.
﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾: ثم: تفيد الترتيب الذِّكري، وليس التراخي في الزمن.
يقولَ، ولم يقل: يقولُ، ما هو الفرق؟
يقولَ: بالنصب يدل على الاستقبال.
يقولُ: بالضم يدل على الحال الماضي.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص. الناس: ارجع إلى الآية (٨) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿كُونُوا عِبَادًا لِّى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: اتخذوني إلهاً أو رباً. من دون الله: أي: من غير الله. لي: اللام: للاختصاص، والياء: ياء المتكلم.
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: ولكن: حرف استدراك وتوكيد؛ أي: فلا يقول للناس: كونوا عباداً لي من دون الله، ولكن يقول للناس: كونوا ربانيين.
﴿كُونُوا رَبَّانِيِّنَ﴾: بدلاً من القول كونوا عباداً لله كونوا ربانيين جمع رباني منسوب إلى الرب ليكون المعنى أشد إخلاصاً للرب، ورباني، وهو العالم الفقيه بالدِّين، المتصف بالعبادة، والطاعة، والحكمة، والحلم، والعمل الصالح وغيرها، ورباني: مشتقة من مرب: وهو الذي يُعلّم الناس أمور دينهم، ويعلمهم الخير، والصلاح، فيصبح كالمربي.
стр. 644
وكلمة رباني: فيها نسب؛ أي: منسوب إلى الرب؛ لكثرة عبادته، ووسع علمه، وفقهه في الدِّين، فالرباني: هو المتمسك بطاعة الله تعالى عن علم ودراسة، وعظيم الخُلق، ومربي للناس.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: مصدرية.
﴿كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾: تعلمون الناس أمور دينهم وتعلمونهم الكتاب المنزل عليهم، وتكونون قدوة لهم في الطاعة والاستقامة، والعمل الصالح.
﴿وَبِمَا﴾: وتكرار بما تفيد التوكيد، وفصل كل من الأمرين على حدة تعليم الناس (لفائدة الناس) تدرسون (لتعليم أنفسكم).
﴿تَدْرُسُونَ﴾: تدبرون، وتقرؤون، وتفهمون الكتاب ومعانيه، وتدرسون الأحكام، والفقه، وتعليم الكتاب للناس، ودراسته توجب الطاعة التامة، والقدوة الحسنة؛ كي تنالوا درجة الربانية.
وهذه الآية تشير إلى أهمية تعلم كتاب الله ودراسته، ودراسة الفقه والشريعة والعمل بها، وأنه لا بد من تعليم الناس أمور دينهم، ونشر الدِّين والدعوة إلى الله؛ للتقرب منه .
سورة آل عمران [٣: ٨٠]
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النافية، جاءت بعد ما (ما كان لبشر .... ولا … )؛ لزيادة النفي وتوكيده.
﴿يَأْمُرَكُمْ﴾: بالنصب عطفاً على يقولَ.
стр. 645
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.
﴿تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَابًا﴾: تجعلوا الملائكة، ولا الرسل والأنبياء. أرباباً: جمع رب بمعنى الرازق، والخالق، والمدبر.
كما حدث في أمر قريش حين عبدوا الملائكة واليهود، والنصارى حيث اتخذوا عزيراً، والمسيح أرباباً من دون الله.
﴿أَيَأْمُرُكُم﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وفيه معنى التعجب.
﴿بِالْكُفْرِ﴾: الباء: للإلصاق، بالشرك بالله، أو الردة عن الإسلام إلى الكفر.
﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان.
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني.
﴿أَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل يفيد التوكيد والحصر.
﴿مُّسْلِمُونَ﴾: مخلصون لله موحِّدون له.
وهذا تبرئة لعيسى ﵇ وعزير، ولغيره من الأنبياء والرسل والملائكة؛ أي: من المستحيل أن يبعث الله سبحانه نبياً ولا رسولاً، ثم يدعو هذا النبي أو الرسول الناس إلى عبادة أحدٍ إلا الله.
سورة آل عمران [٣: ٨١]
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ
стр. 646
رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ﴾: أي: واذكر إذ، أو حين أخذ الله ميثاق جميع الأنبياء والرسل.
والميثاق: هو العهد المؤكد باليمين. ارجع إلى الآية (٨٣) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
والميثاق هنا: أن يصدق بعضهم بعضاً، ويؤمن كل نبي بمن يأتي بعده، أو من يعاصره من الأنبياء، ومن أتى قبله، وينصره إن أدركه؛ فإن لم يدركه يأمر قومه بنصرة ذلك النبي، أو الرسول إن أدركوه، واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع.
﴿لَمَا﴾: اللام: لام الاختصاص، أو التعليل؛ أي: لأجل ما آتيتكم. ما: إما شرطية، أو موصول بمعنى: الذي، آتيتكم، أو الذي آتيتكموه.
﴿آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ﴾: كتاب: نكرة تشمل الكتب السماوية والصحف، والإيتاء غير الإعطاء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ للبيان.
﴿وَحِكْمَةٍ﴾: أي: النبوَّة.
﴿ثُمَّ﴾: تفيد الترتيب، والتراخي في الزمن.
﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾: هو محمد ﷺ ، أو غيره من الرسل السابقين مرسل من عند الله.
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾: اللام والنون في تؤمننَّ: للتوكيد، به: أي: لتصدقنَّه.
стр. 647
﴿وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾: اللام والنون: للتوكيد بالقول والفعل، ومعونته بشتى الوسائل.
﴿قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام، والإقرار (استفهام تقريري)، مأخوذة من قر الشيء؛ إذ ثبت في مكانه. أقررتم: أي: اعترفتم (كل اعتراف إقرار)، ونقيض الإقرار الإنكار. انظر في كلمة أقررنا.
﴿وَأَخَذْتُمْ﴾: أي: قبلتم.
﴿عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى﴾: الإصر: هو العهد الشديد أو الميثاق، وكذلك التكاليف الشاقة تسمى إصراً.
واشتقت كلمة الإصار: وهي الأوتاد التي يشد بها البيت، والعهد الموثق إصر؛ لأنه يُشد ويُعقد، وهو إذا أرسل الله سبحانه رسولاً أن يصدقوه وينصروه، والعهد المؤكد يحمل صاحبه على الوفاء بما التزمه.
واستعمل ذلكم بدلاً من ذلك؛ لأن ذلكم تستعمل لما هو آكد وأشد من ذلك، وللأمور المتعددة مثل: الإقرار والأخذ.
وقال سبحانه: إصري؛ أي: عهدي، نسب العهد إليه سبحانه؛ للدلالة على شدة أهميته.
﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾: من الإقرار عادة وهو التكلم بالحق، والاعتراف اللازم على النفس، مع توطين النفس على الانقياد والإذعان، وقد يقر إنسان بالباطل.
والإقرار: قد يكون باللسان، أو بغيره من القرائن، وهو سيد الأدلة.
الإقرار: اعتراف، كل اعتراف إقرار، وليس كل إقرار اعترافاً.
стр. 648
فالاعتراف: هو التكلم بالإقرار. وقيل: الإقرار: هو تحصيل ما لم يصرح به القول، والإقرار كان من الرسل والأنبياء وأممهم؛ لما جاءهم من كتاب وحكمة ورسول.
﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾: أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. فالشهادة دائماً تقتضي شاهداً، ومشهوداً عليه، ومشهوداً به.
بأن يشهد كل نبي على الأنبياء الآخرين أنه صدق النبي الذي جاء من بعده، أو عاصره، ونصره، وبلغ أمته ونصره وأيده، وتشهد كل أمة على رسولها، ويشهد أولوا العلم من الأمة الإسلامية على غيرها.
﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: تعود على العزيز الحكيم على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض من الشاهدين.
سورة آل عمران [٣: ٨٢]
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب. من: شرطية تستعمل للمفرد، والمثنى، والجمع.
﴿تَوَلَّى﴾: أعرض، أو رجع عما أقره واعترف به، أو نقض عهده.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: أخذ الميثاق، والإقرار، والشهادة. ذلك: اسم إشارة للبعد يشير إلى الميثاق والإقرار.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد.
﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد المبالغة والقصر. الفاسقون: أي: إذا كان هناك فاسقون فهم الفاسقون حقاً.
стр. 649
والفاسق: هو الخارج عن طاعة الله، أو دينه، والتولي عن طاعة الله هو فسق، والتولي والفسق مستحيل في حق الأنبياء والرسل، والمقصود بالفاسقين هنا: هم أتباع الرسل والأنبياء من الأمم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان في معنى فاسقين.
سورة آل عمران [٣: ٨٣]
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾:
انتهت الآية السابقة بقوله: فأولئك هم الفاسقون، وبدأت هذه الآية: أفغير دين الله يبغون.
﴿أَفَغَيْرَ﴾: الهمزة: للاستفهام، والتوبيخ، والإنكار.
﴿دِينِ اللَّهِ﴾: دين الإسلام. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لمعرفة معنى الدِّين، والملة.
﴿يَبْغُونَ﴾: يريدون، ويطلبون، وقدم هنا المفعول به الذي هو غير دين الله على الفعل يبغون؛ لشدة الإنكار على عبادة غير الله؛ (أي: غير دين الله)، وجاءت النون في كلمة يبغون؛ لتوكيد شدة الإنكار.
وقيل سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس: اختصم أهل الكتابين: اليهود، والنصارى إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أينا أحق بدين إبراهيم؟ فقال النبي: «كلا الفريقين بريء من دينه»، فقالوا: ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك؛ فنزلت هذه الآية.
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾: وله تعالى أسلم له خضع وانقاد سواءً.
стр. 650
﴿مَنْ﴾: للعاقل. أهل السموات والأرض (الملائكة، والإنس، والجن).
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية.
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الملائكة في السموات، وكل المخلوقات.
﴿طَوْعًا﴾: اختياراً، والطوع: الانقياد بسهولة.
﴿وَكَرْهًا﴾: أي: بالقهر، والقوة لا بالإرادة والاختيار، فالكل تحت سلطانه سبحانه. ارجع إلى سورة البقرة لمزيد من البيان في معنى كرهاً، والفرق بين كَرهاً: بفتح الكاف، وكُرهاً: بضم الكاف.
﴿وَإِلَيْهِ﴾: تقديم الجار والمجرور إليه تفيد الحصر إليه حصراً، لا إلى غيره.
﴿يُرْجَعُونَ﴾: بضم الراء بدون اختيار أو إرادة، الكل يرجع إليه سبحانه الطائع، والكاره للحساب والجزاء رغماً عن أنوفهم؛ أما يَرجعون: بفتح الياء تدل على الرجوع بالإرادة والاختيار.
стр. 651
سورة آل عمران [٣: ٨٤]
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة أخذ الله الميثاق من النبيين على أن ينصر بعضهم بعضاً، ويؤمن بعضهم ببعض؛ أي: يصدقوا بعضهم بعضاً، سواء عاشوا في زمن واحد، أو أزمنة مختلفة، على كل رسول أن يبلغ أمته أن يؤمنوا بكل الرسل، وعدم التعصب؛ لأن العقيدة واحدة، ولكن هؤلاء الأتباع هم الذين ضلوا الطريق، فجعلوا رسلهم آلهة تُعبد، وأشركوا، وحرفوا كتبهم، ورفضوا الإيمان بغير رسلهم؛ فظهر الاختلاف بين الرسل وأممهم؛ أي: أتباعهم، والكل يدعي الصلاح، وأنه على الدِّين القيم، وغيره على الباطل.
فجاءت هذه الآية؛ لتوضح لنا الحل لإزالة الاختلاف.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: كلمة قل هي خطاب للنبي وحده ﷺ بدل من قولوا آمنا كما في الآية (١٣٦) في سورة البقرة، وجاءت آمنا بدلاً من آمنت؛ لتدلنا وتوضِّح لنا أن هذا النبي ﷺ وأمته شيءٌ واحدٌ؛ أي: وحدة إيمانية واحدة، سواء تخاطب رسولها، أو تخاطبها، فرسولها واحدٌ من أفرادها، وتحمل في طياتها أن أمة محمد ﷺ طائعة لرسولها.
فإذا جاء الأمر إلى الرسول ﷺ فالتنفيذ يكون من جميع أفراد هذه الأمة، كما قال تعالى في سورة البقرة، آية (٢٨٥): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
стр. 652
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: أنزل، ولم يقل ما نزل؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) للبيان؛ أنزل علينا، وفي آيات أخرى: أنزل إلينا.
فالإنزال يأتي مرة متعدِّياً بـ (على)، ومرة أخرى متعدِّياً بـ (إلى).
﴿عَلَيْنَا﴾: وما: اسم موصول، وتعني الذي، علينا: على الرسول، وعلى أمته معاً، والذي أنزل على الرسول هو الذي أنزل على أمته.
استعمال على يفيد العلو والسمو والتشريف، فحين يقصد الإنزال وجهته يأتي بعلى، وحين يقصد الغاية، أو النهاية، أو يقصد التبليغ والدعوة يأتي بإلى؛ أي: إلينا: تفيد الانتهاء، وعلينا: تفيد الجهة، ومختصة بالأنبياء والرسل. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة للبيان.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: وما أنزل على إبراهيم من الصحف، وعلى إسماعيل، وإسحاق من الوحي، والأسباط: المرجح هم من أحفاد أو ذرية يعقوب ﵇، وليسوا أولاده (أخوة يوسف) كما ظن الكثير؛ لأن أبناء يعقوب ﵇ لم يكونوا أنبياء إلا يوسف ﵇، والسبط يعني: القبيلة أو الجماعة الذي يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل (ابن البنت).
﴿وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: وهنا نلاحظ عطف العام على الخاص، وصدقنا بما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي سائر الرسل والأنبياء من ربهم من الآيات والمعجزات، لا نفرق بين أحد منهم؛ أي: لا نؤمن ببعض الرسل والأنبياء،
стр. 653
ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل، ونحن له مسلمون؛ أي: مخلصون في التوحيد، والعبادة، والطاعة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الإيتاء، والفرق بين الإيتاء والعطاء.
سورة آل عمران [٣: ٨٥]
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية، مَنْ: للمفرد، والمثنى، والجمع.
﴿يَبْتَغِ﴾: يُرد، أو يطلب ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: فلن: الفاء: للتأكيد، ولن: للنفي، وهي أقوى أدوات النفي؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد معاً. غير الإسلام: الإسلام دين الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وليس هناك دين آخر غير الإسلام، وإنما هناك شرائع، أو ديانات، والإسلام دين التوحيد، (وهو ملة إبراهيم حنيفاً)، وأي شريعة لا تنادي بالتوحيد؛ فلن تقبل من العبد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد والحصر.
﴿فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الخاسرين لأنفسهم، أو أنفسهم وأهليهم.
سورة آل عمران [٣: ٨٦]
﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
سبب النزول:
١ - قيل: رهط من قريش كانوا (١٢) رجلاً ارتدوا عن الإسلام، وعادوا إلى مكة؛ فنزلت هذه الآية بحقهم.
٢ - أو قيل: إن رجلاً من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالمشركين، ثم أراد التوبة، وسأل قومه أن يسألوا رسول الله ﷺ ؛ فنزلت هذه الآية.
стр. 654
٣ - وقيل: فريق من أهل الكتاب عندهم علم بالتوراة، والإنجيل كانوا يجدون نعت النبي ووصفه مكتوباً في كتبهم قبل أن يُبعث، وكانوا ينتظرون قدومه، فلما بُعث رسول الله ﷺ كفروا به.
والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والنفي، والاستبعاد لهدايتهم (أي: لا يهدي).
﴿يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: أي: أسلموا، ثم ارتدوا.
﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾: آمنوا بصدق نبوَّة محمد ﷺ ، وآمنوا بأنه ﷺ الرسول المنتظر، وأنه حق.
﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: البينات: جمع بينة، الدالة على صدق نبوَّة محمد ﷺ ، وذكر البينات فقال: وجاءهم البينات بدلاً من: جاءتهم البينات.
البينات: في اللغة: يجوز تأنيثها ويجوز تذكيرها؛ لأنها ليست مؤنث حقيقي، ولكن في القرآن لها سياق خاص حين يذكرها تدل على الآيات في القرآن، والتوراة، والإنجيل، أو الأحكام بما فيها الأوامر والنواهي، وحين يؤنث البينات؛ تعني: المعجزات، والعلامات، والبينات الدالة على النبوَّة كما في قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لمزيد من البيان.
وإذا قارنا في هذه السورة الآية (٨٦): ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: في هذه الآية عندنا تائبين وتوبتهم تقبل.
والآية (٩٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ
стр. 655
تَوْبَتُهُمْ﴾: في هذه الآية هؤلاء ارتدوا، وكانوا سبباً في ارتداد آخرين؛ لن تقبل توبتهم عند الموت؛ أي: حضور الموت تطبيقاً لقوله سبحانه في آية (١٨) من سورة النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، واستمروا في ذلك: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْئَانَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الله لا يهدي: من اختار طريق الضلال لنفسه، والشرك، وأصبح من القوم الظالمين (الظلم من الشرك)؛ أي: أسرف في الظلم، أو ارتد، أو ابتعد كثيراً عن طريق الهداية، فكانت هدايته مستبعدة، أو مستحيلة، فهذا أصبح من الظالمين لأنفسهم؛ لأنه أورد نفسه مورد التهلكة. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمعرفة المزيد عن الظلم.
سورة آل عمران [٣: ٨٧]
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، وتشير إلى الظالمين، والمرتدين، والكافرين.
﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: أي: أجرهم.
﴿لَعْنَةَ اللَّهِ﴾: من اللعن: وهو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله مع المنع من الخير.
واللعنة: اسم، والاسم يدل على الثبوت، وهؤلاء عليهم اللعنة الثابتة ما داموا على شركهم، وضلالهم ولم يتوبوا.
وتقديم الجار والمجرور (عليهم)؛ أي: خاصة بهم حصراً وقصراً.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: أي: لعنة الملائكة بالدعاء عليهم باللعن.
стр. 656
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: الإنس والجن، والمؤمن والكافر، وهذا يكون يوم القيامة؛ حيث يلعن الله الكافر، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.
وأجمعين: توكيد لجميع الناس، والكافر سيلعن نفسه لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، فمثلاً حين يلعن الظالمين والكافرين فهو منهم؛ فقد لعن نفسه.
سورة آل عمران [٣: ٨٨]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: جمع خالد، والخلود: هو الدوام المستمر، واستمرار البقاء من بدء وقت معين، وكذلك الخلود، يعني: البقاء بدون تغير، أو تلف.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: شدةً، أو زمناً لا يخفف عنهم شدته، أو لا ساعةً، ولا يوماً.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ولا: الواو: عاطفة؛ لا: الناهية؛ هم: ضمير فصل يفيد التوكيد؛ ينظرون: من الإنظار: هو الإمهال؛ أي: لا يؤخرون عن تقديمهم للعذاب، أو يمهلون يوماً، أو ساعة؛ أي: يبدأ عذابهم مباشرة، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٦٢) في سورة البقرة نجدها متشابهتين في قوله ينظرون، وإذا نظرنا إلى الآية (٨٦) في سورة البقرة نجدها ينصرون، والاختلاف عائد أن آية البقرة (٨٦) جاءت في سياق القتال، ولذلك جاءت ينصرون، وأما الآية (٨٨) في آل عمران والآية (١٦٢) في البقرة جاءتا في سياق اللعن، والطرد من رحمة الله تعالى، ولذلك انتهت بقوله ينظرون.
سورة آل عمران [٣: ٨٩]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾: أداة استثناء. الذين: اسم موصول.
﴿تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: التوبة تعني: عدم العودة إلى ارتكاب الذنب، والندم
стр. 657
على ما فعلوا، والإكثار من الأعمال الصالحة. ارجع إلى الآية (١٧ - ١٨) من سورة النساء.
ذلك: اسم إشارة؛ للبعد، يشير إلى الضلال، والشرك، والردة.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾: ما أفسدوا، وأرجعوا الحقوق إلى أصحابها، وأصلحوا باطنهم وظاهرهم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: الفاء: للتوكيد. إن: للتوكيد. غفور: كثير الغفران يغفر الذنوب جميعاً مهما كثرت وعظمت. رحيم: يؤخر عنهم العذاب؛ أي: يمهلهم، فلا يعجل لهم العقاب، أو العذاب؛ لعلهم يتوبون.
سورة آل عمران [٣: ٩٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: وكانوا اثني عشر رجلاً، ومنهم: الحارث بن سويد، كفروا بعد إيمانهم: ارتدوا عن الإسلام، وعادوا إلى مكة، ثم تاب الحارث، وحسن إسلامه، ولم يتب البقية، وسواء كانوا هؤلاء، أو غيرهم من الكفرة، أو من المرتدين.
﴿ثُمَّ﴾: ثم نتباين الصفات.
﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: نشروا الكفر، والضلال، ومنعوا غيرهم من الدخول في الإسلام، وأضلوا غيرهم، وتمادوا في كفرهم، ولم يتوبوا إلى الله، ولا زالوا على قيد الحياة.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾: لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد. لن تقبل توبتهم في المستقبل إذا لم يتوبوا إلى الله تعالى وماتوا وهم على حالتهم هذه لن تقبل
стр. 658
توبتهم حين يحضرهم الموت، أو بعد الموت، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية التالية (٩١) نجد استعمال (فلن) بدلاً من (لن)؛ ارجع إلى الآية (٩١) للبيان.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يفيد التحقير، وبُعد ضلالهم. هم: ضمير فصل يفيد التوكيد والحصر. الضالون: هم الضالون حقاً، فهم أبعد الضالين عن طريق الهدى، أو الصراط المستقيم، وأصبحت سمة الضلال ثابتة فيهم، ولن تجد من هو أضل منهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٨)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ٩١]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أي: بدون أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا عن كفرهم قبل موتهم، وهم: ضمير فصل يفيد التوكيد. كفار: ولم يقل: كافرون؛ لأن كفار صيغة مبالغة؛ تدل على كثرة القيام بالكفر، وتدل على الذوات، وتشمل عموم الكافرين، ولم يقل: وهم كافرون: كافرون: تدل على الحدث (أو الفعل)، وإن صفة الكفر عندهم ثابتة.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، لن: حرف نفي؛ تنفي المستقبل القريب والبعيد، والتوكيد بالفاء؛ لأنهم ماتوا وهم كفار وانتهى الأمل، بينما في الآية السابقة (٩٠): (كفروا ثم ازدادوا كفراً) لا زالوا أحياء، لا زال أمامهم بريق أمل إذا تابوا إلى الله توبة نصوحاً.
﴿يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾: يوم القيامة.
стр. 659
﴿وَلَوِ﴾: الواو: حالية تفيد التوكيد، لو: حرف امتناع لامتناع شرطية؛ أي: على افتراض أن له ملء الأرض ذهباً، وهذا مستحيل.
﴿افْتَدَى بِهِ﴾: أي: لن يقبل منه فداء إذا أراد أن يفدي نفسه أن يخلصها من العذاب.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾: لو أنفقه في أي خير في الدنيا؛ لأنه لا ثواب له، وحبط عمله؛ لكونه مات على الكفر، ولن يقبل منه ملء الأرض ذهباً، وأنى له ذلك؛ لأنه في الآخرة لم يعد يملك مقدار ذرة.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يدل على سوء عاقبتهم، لهم: اللام: لام الاستحقاق، عذاب أليم: شديد الإيلام، ودائم.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ما: النافية، ناصرين: جمع ناصر، وما لهم من يدرأ عنهم العذاب، أو يشفع لهم، أو يخفف عنهم العذاب، من: استغراقية؛ أي: ما لهم من أي ناصر مهما كان حاله، وغناه، وقوته. ارجع إلى الآية (٢٢) من نفس السورة.
стр. 660
سورة آل عمران [٣: ٩٢]
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾:
﴿لَنْ﴾: حرف نفي؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَنَالُوا﴾: من نال؛ أي: أصاب، أو حصل.
﴿الْبِرَّ﴾: اسم جامع لكل خير، وهنا تعني: الجنة، وقيل: البر يشمل التقوى، والطاعة، والخير، والقرب من الله تعالى، والفضل. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٧٧).
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يُعد من ملكه سواء كان زكاة أو صدقة تطوع. مما تحبون: حتى تنفقوا من أحب أموالكم إليكم، أو الثمار، أو الأنعام. مما: (من، وما)، من: الابتدائية، وما: اسم موصول؛ أي: الذي تحبون.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: شرطية.
﴿تُنْفِقُوا مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية، شيء: نكرة؛ أي: شيء قليل، أو كثير، ومهما كان نوعه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: الفاء: للتوكيد. إن: لزيادة التوكيد. الله به عليم: محيط، ومطلع عليه يعلمه ويجازي به.
стр. 661
سورة آل عمران [٣: ٩٣]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
المناسبة: قال النبي ﷺ : إنه على ملة إبراهيم، فقالت اليهود: كيف تأكل لحوم الإبل، وألبانها، وإبراهيم حرم ذلك، فقال النبي ﷺ : كان ذلك حلاً لإبراهيم، فنحن نحله، فقالت اليهود: لا إنه محرم على إبراهيم، فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم.
لم يحرم الله سبحانه على بني إسرائيل بما فيهم نبيهم إسرائيل وهو يعقوب ﵇؛ أي: طعام، فكل الطعام كان حلاً لهم من قبل إنزال التوراة على موسى.
ولكن ما حدث: هو أن يعقوب (إسرائيل) أصيب بمرض شديد، قيل: هو عرق النسا، ألم شديد بسبب الضغط على العصب الوركي، فنذر يعقوب لله إذا شافاه الله وعافاه؛ ليحرّمن على نفسه أحب الطعام والشراب (لحم الإبل وألبانها)، وحدث ذلك، وأراد الوفاء بالنذر، وهذا التحريم على نفسه لم يكن أمراً إلهياً على يعقوب، ولا على بني إسرائيل قبل تنزيل التوراة.
أما بعد تنزيل التوراة فقد حرم الله على بني إسرائيل ما جاء في الآية (١٤٦) من سورة الأنعام، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: وسبب هذا التحريم هو بسبب نقض بني إسرائيل المواثيق، والعصيان، وعدم الأخذ بالتوراة، والعمل بها، والظلم، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، وهذا ما جاء في الآية (١٦٠ - ١٦١) من سورة النساء، قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
стр. 662
فأطلع الله رسوله محمداً ﷺ على الحقيقة، وسأله أن يسأل اليهود بأن يأتوا بالتوراة ويقرؤوها أمامه إن كانوا صادقين بأن الله حرم عليهم أي طعام قبل تنزيل التوراة، فلم يأتوا بها، وعلموا أن الله سبحانه قد أطلع نبيه محمداً ﷺ على كذبهم، وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الندرة، أو الشك. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: لستم صادقين.
سورة آل عمران [٣: ٩٤]
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
﴿فَمَنِ﴾: الفاء: عاطفة. من: شرطية للمفرد والجمع.
﴿افْتَرَى﴾: الافتراء: اختلاق الكذب المتعمد.
﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الكذب جاء بـ (ال) التعريف؛ لأن الكذب هنا محدد هو بمسألة الطعام، ولو قال: فمن افترى على الله كذباً، كذباً: هنا نكرة، وتشمل كل أنواع الكذب.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مباشرة من بعد ظهور الحق، ونزول هذه الآية: أن الله لم يحرم على بني إسرائيل أي طعام قبل أن تنزل التوراة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد جواب الشرط، أولئك: اسم إشارة للبعد، ويشير للذين يفترون على الله الكذب.
﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد التوكيد والقصر.
الظالمون: حقاً بما افتروا على الله، ويفيد المبالغة في الظلم، وأن صفة الظلم أصبحت ثابتة لا تفارقهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لبيان معنى الظلم.
стр. 663
سورة آل عمران [٣: ٩٥]
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ : ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾: تعالى في كل ما يخبر به، وفيما يقوله في الطعام، وفي إبراهيم ما كان يهودياً، ولا نصرانياً.
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: الحنيفية السمحة، والملة هي الشريعة، والمعتقدات العامة وتضاف إلى النبي. أما الدِّين: فهو الأحكام، والآيات، والشريعة، والعقيدة تضاف إلى الله.
﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: المائل عن الضلال، أو المستقيم، والحنف: هو الميل في القدمين والساقين، فحين يعم الضلال؛ فالذي يميل منحرفاً عن الضلال هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم. ارجع إلى الآية (١٣٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ٩٦]
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: أول بيت وضع، والواضع هو الله، أمر الملائكة ببنائه، فقد كان مكان الحرم ومكة أول جزء تشكل من اليابسة (الأرض)، وهو يتوسط كل القارات. للناس: لا يعني كل الناس، وإنما المؤمنون بالله، فاللام: لام الاختصاص.
أي: أول ما بني للعبادة على الأرض هو الكعبة.
﴿لَلَّذِى بِبَكَّةَ﴾: أي: البيت الذي ببكة، واللام: للتوكيد؛ ببكة: بكة قيل: هو الاسم القديم لمكة المكرمة، ثم أبدلت الباء ميماً فأصبح اسمها الجديد مكة، وأم القرى، والبلد الأمين، وقيل: مكة البلد.
وبكة: ما حول البيت موضع المسجد، أو مكان الطواف والازدحام.
وبكة مشتقة من البك. قيل: هو دفع الناس بعضهم بعضاً (الازدحام).
стр. 664
وقيل: سميت بكة: لازدحام الناس فيها أيام الحج ورمضان.
وقيل: بكة هي مكة، أبدلت الباء بدلاً من الميم، كما ورد في بعض لغات القبائل.
وبكة: لأنها تبك أعناق الجبابرة، فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله ، كما حدث لأبرهة الحبشي.
ومن الأسماء التي ذكرت في القرآن الكريم: البيت العتيق، البيت الحرام، المسجد الحرام، أم القرى، البلد الأمين.
﴿مُبَارَكًا﴾: من البركة، والزيادة، والنماء؛ لمضاعفة الثواب والأجر، فكل صلاة في المسجد الحرام تعادل (١٠٠، ٠٠٠) صلاة، وهذا يشمل صلاة الفرض، والتطوع، مقارنة بالصلاة من غيره من حديث عبد الله بن الزبير، وحديث جابر ﵃، وهذه البركة قد تكون معنوية أو حسية، والحسية: ما يلاحظ الحاج وأهل مكة في زمن الحج من المنافع والخيرات التي تشمل الكل، والبركة جاءت كذلك من حرمته يوم خلق الله السموات والأرض.
﴿وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾: مصدر هداية للعالمين، أو ذا هدى؛ لكونه قبلة للمسلمين في صلاتهم، والهدى: هو الطريق الموصل إلى الجنة، أو الموصل إلى الغاية، فمن يحج بلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال؛ يرجع كيوم ولدته أمه.
سورة آل عمران [٣: ٩٧]
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿فِيهِ﴾: يعود إلى أول بيت.
﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: دلائل واضحات منها مقام إبراهيم، والصفا، والمروة، والحجر الأسود، وزمزم، وأمن من دخله.
﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: مقام للمكان الذي كان يقوم (يقف) عليه إبراهيم؛ ليرفع
стр. 665
القواعد من البيت؛ أي: هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم، وفيه أثر قدميه، وقد قيل: إن إبراهيم ﵇ نحت مكان قدميه حتى تثبت قدماه، ولا تزلَّا.
وذهب بعض المفسرين: أن المراد من مقام إبراهيم: هو موضع قيامه للصلاة، والعبادة؛ أي: الموضع الذي اختاره للصلاة.
وقال آخرون: مقام إبراهيم الحرم كله؛ أي: المسجد الحرام كله.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: هذا إخبار تكليفي، أو طلباً تشريعياً، والتكليف، أو التشريع قد يطاع من البعض، أو الكل، أو يعصى أحياناً.
فالله سبحانه يقول: من دخله كان آمناً.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾: من: شرطية.
﴿كَانَ آمِنًا﴾: على نفسه، وماله من أي: اعتداء، أو إيذاء، عصمة الدخول إلى الحرم، فلا يقتص منه حتى يخرج من الحرم، وفي داخل الحرم لا يجالس، ولا يبايع، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج، هذا مذهب الحنفية والحنابلة.
أما مذهب المالكية والشافعية: إذا جنى جناية تستوجب القصاص، أو الحد خارج الحرم، ولجأ إلى الحرم يُقتص منه أينما وجد، وسواء كان داخل الحرم، أو خارجه قصاص في النفس، أو غيرها، والمرجح هو مذهب المالكية والشافعية، وإلا لاختل الأمن، وانتشرت الجرائم والمفاسد.
أما بالنسبة لمن ارتكب جناية في الحرم، أو انتهك حرمة الحرم؛ فقد اتفق الفقهاء على أن يقبض عليه مباشرة، ويقدم إلى العدالة للحكم فيه. ارجع إلى مصادر الفقه الأخرى.
﴿وَلِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة، والاستعلاء.
﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾؛ أي: الحج لله يكافئ به، ولله على الناس حج البيت؛ أي:
стр. 666
فرض على الناس أن يحجوا لله . ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٦)؛ للبيان.
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: من: اسم موصول من للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ما عدا الصغار؛ فإنهم غير مكلفين.
الاستطاعة: كما قيل تشمل ملك الزاد والراحلة (تكاليف السفر والإقامة والطعام)، المال الفائض عن حاجاته الأساسية ونفقة عياله، وتشمل أيضاً: الأمن، والإسلام، والبلوغ، وصحة البدن من الأمراض المعدية.
وقد اختلف العلماء في تحديد الاستطاعة، ولا شك أنها تختلف من زمن إلى آخر.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: من: شرطية. كفر: قد تعني الكفر بالله ، أو كفر بالحج، فالكفر بالله سبحانه معروف، أما الكفر بالحج فهو نوعان: كفر في الاعتقاد بأن الله فرض على الناس حج البيت؛ أي: لا يؤمن بالحج إطلاقاً كفريضة، فلا يحج جاحداً لوجوبه، وينكر أن الحج هو ركن من أركان الإسلام. قال العلماء: وهذا كفر حقيقي.
وهناك من يؤمن بالحج أنه فرض، وعنده الاستطاعة، ولكنه يستخدم المبررات والأعذار أنه مشغول، أو غير قادر هذا العام، وهكذا، فهذا يعتبر عاصياً.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: الفاء: جواب الشرط. إن: للتوكيد. غني عن العالمين: ولم يقل: غني عنه، بل قال: غني عن العالمين؛ لأن الله سبحانه في الحقيقة غني الذي أدَّى الحج والذي لم يؤده؛ لأن الحج فائدته ترجع إلى الحاج، وليس إلى الله تعالى، فالله سبحانه غني عن كليهما، وعن كل العالمين كافة، سواء أحجُّوا أم لم يحجُّوا.
стр. 667
سورة آل عمران [٣: ٩٨]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ ، وجاء بقل؛ لأن المخاطبين ليسوا أهلاً أن يخاطبوا مباشرة من قبل الله بفعل أمر ليدل على الاهتمام بالمقول.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أصحاب التوراة (اليهود) وأصحاب الإنجيل (النصارى).
﴿لِمَ﴾: اللام: حرف جر، ما: استفهامية استفهام إنكاري إنكاراً لكفرهم بآيات الله، وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها.
﴿تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: الكفر هنا يعمي الستر (لم تخفون وتسترون) آيات الله في التوراة، والإنجيل التي تدل على صفات ونعت محمد ﷺ ، وصدق نبوته، والداعية إلى اتباعه وتصديقه.
﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾: الواو: للحال والتوكيد. شهيد: صيغة مبالغة من شاهد؛ أي: المطلع، والمحيط علمه بكل شيء من سرٍّ، ونجوى، وجهر، وما تخفي الصدور، وشهيد على كل عمل من قول، أو فعل، ويعلم ما في السرائر، والعقول، وما يجري في الكون، وما يقوم به كل مخلوق من خلقه.
﴿عَلَى﴾: للاستعلاء والشدة.
﴿مَا﴾: اسم موصول.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: العمل يشمل القول، والفعل من الكفر، والفساد.
سورة آل عمران [٣: ٩٩]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
﴿لِمَ﴾: استفهامية.
стр. 668
﴿تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تمنعون الناس من الدخول في دين الله. سبيل الله: هو دين الحق، وهو الإسلام بالتضليل، والتحريف، والفتنة.
﴿مَنْ آمَنَ﴾: من ابتدائية، آمن بالله.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: العوج: من الاعوجاج ما كان يميل إلى جهة، ثم يميل إلى الأخرى. وعوجاً: بكسر العين تستعمل للأمور المعنوية، أما المفتوحة بفتح العين: تستعمل للأمور الحسية المادية مثل عوج في الجدار. تبغونها عوجاً: لا تريدون ديناً قيماً، بل ديناً معوجاً مائلاً عن الحق في المعاني، والقيم، وتريدون الميل عن الاستقامة، والصراط.
أو تلبسون على الناس: الحق بالباطل.
أو تخفون الحق، وتغيرون صفة رسول الله ﷺ ؛ كي تحدثوا اعوجاجاً في هذا الدِّين المستقيم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨٦) في الأعراف وهي قوله تعالى على لسان شعيب: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: نجد في آية الأعراف حذف به، وأضاف الواو (على كلمة وتبغونها)؛ لأن تبغونها معطوفة على تصدون، وأما آية آل عمران (تبغونها): جملة في محل نصب حال، والحال لا يدخل عليه واو، أو لأن تبغونها قد تكون استئنافية، وفي آية الأعراف قيد الإيمان بالله وحده، وفي آية آل عمران لم يقيد فأطلق الإيمان ليشمل كل أنواعه.
﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾: على أن ما جاء في التوراة في نعت محمد ﷺ هو الحق، وأنتم تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم. وأنتم شهداء؛ أي: رأيتم محمد ﷺ ، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، وإضافة إلى ما سمعتموه في التوراة، والإنجيل فيما جاء بشأنه (نعت، أو ذكر).
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما: الواو: عاطفة. ما: النافية. الله بغافل: الباء:
стр. 669
للإلصاق. عما تعملون: من الصد، والمنع، والتحريف، والفتنة، والزيغ بالقول، والفعل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ١٠٠]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بعد أن وبَّخ أهل الكتاب على كفرهم، وصدهم الناس عن دين الله، نداء بالحذر من إطاعة فريق من الذين أوتوا الكتاب. فقال:
﴿إِنْ تُطِيعُوا﴾: إن: شرطية، تفيد القلة، أو الاحتمال.
﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فريقاً، وليس كل الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين؛ أوتوا الكتاب (ولم يقل: أتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب)؛ لأن أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب: تأتي في سياق الذم، وأتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب: تأتي في سياق المدح.
سبب نزول هذه الآية: أن شماس اليهودي، وكان شديد الكفر وأصحابه أرادوا الفتنة بين الأوس والخزرج بعد أن رأوا بينهما الوئام، فذكَّروا الأوس والخزرج بحرب بُعاث، فثار الأوس على الخزرج، فعلم بذلك رسول الله ﷺ ، وخرج إليهم، وقال: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، فخمدت الفتنة وتصالح الطرفان.
﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: الارتداد يكون بالإقناع، والحجة الباطلة؛ حتى يرتدوا عن دينهم، ويرجعوا إلى الكفر شيئاً فشيئاً، أما الصد: فهو المنع بالقوة والقهر؛ أي: (يصدوكم): يمنعوكم من الدخول في الإسلام بالحجة والبيان، أو القوة.
والرد: هو الرجوع، أو العودة إلى المكان، (أو الحالة) الذي خرج منها، وفيه إجبار، أو إكراه على العودة، بينما الرجوع العودة إلى المكان الذي خرج منه، وفيه معنى الرغبة؛ أي: يرجع وهو راغبٌ غير مكره، أو مضطر.
стр. 670
ولنقارن هذه الآية: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ مع الآية (١٠٩) من سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: نجد أن هناك ثلاثة فروق هي:
١ - أوتوا الكتاب مقابل أهل الكتاب.
٢ - بعد إيمانكم مقابل من بعد إيمانكم.
٣ - كافرين مقابل كفاراً.
١ - أوتوا الكتاب: أقل تكريماً، وتشريفاً، مقارنة بمناداتهم أهل الكتاب، أهل الكتاب أفضل درجة من أوتوا الكتاب.
٢ - بعد إيمانكم: محاولة الرد إلى الكفر فيها فسحة وتراخٍ في الزمن، وليست مباشرة، بينما قوله: من بعد إيمانكم: الرد إلى الكفر يعني مباشرة بدون تأخير فوراً وبسرعة.
٣ - كافرين: تدل على الفعل على الحدث، فعل الكفر ونوعه، بينما كفاراً: صيغة مبالغة تدل على ذوات المبالغين في الكفر، وكثرة القيام به.
следующие страницы →