← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فرض على الناس أن يحجوا لله . ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٦)؛ للبيان. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: من: اسم موصول من للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، ما عدا الصغار؛ فإنهم غير مكلفين. الاستطاعة: كما قيل تشمل ملك الزاد والراحلة (تكاليف السفر والإقامة والطعام)، المال الفائض عن حاجاته الأساسية ونفقة عياله، وتشمل أيضاً: الأمن، والإسلام، والبلوغ، وصحة البدن من الأمراض المعدية. وقد اختلف العلماء في تحديد الاستطاعة، ولا شك أنها تختلف من زمن إلى آخر. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: من: شرطية. كفر: قد تعني الكفر بالله ، أو كفر بالحج، فالكفر بالله سبحانه معروف، أما الكفر بالحج فهو نوعان: كفر في الاعتقاد بأن الله فرض على الناس حج البيت؛ أي: لا يؤمن بالحج إطلاقاً كفريضة، فلا يحج جاحداً لوجوبه، وينكر أن الحج هو ركن من أركان الإسلام. قال العلماء: وهذا كفر حقيقي. وهناك من يؤمن بالحج أنه فرض، وعنده الاستطاعة، ولكنه يستخدم المبررات والأعذار أنه مشغول، أو غير قادر هذا العام، وهكذا، فهذا يعتبر عاصياً. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: الفاء: جواب الشرط. إن: للتوكيد. غني عن العالمين: ولم يقل: غني عنه، بل قال: غني عن العالمين؛ لأن الله سبحانه في الحقيقة غني الذي أدَّى الحج والذي لم يؤده؛ لأن الحج فائدته ترجع إلى الحاج، وليس إلى الله تعالى، فالله سبحانه غني عن كليهما، وعن كل العالمين كافة، سواء أحجُّوا أم لم يحجُّوا.

стр. 667

سورة آل عمران [٣: ٩٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ ، وجاء بقل؛ لأن المخاطبين ليسوا أهلاً أن يخاطبوا مباشرة من قبل الله بفعل أمر ليدل على الاهتمام بالمقول. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أصحاب التوراة (اليهود) وأصحاب الإنجيل (النصارى). ﴿لِمَ﴾: اللام: حرف جر، ما: استفهامية استفهام إنكاري إنكاراً لكفرهم بآيات الله، وحذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها. ﴿تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: الكفر هنا يعمي الستر (لم تخفون وتسترون) آيات الله في التوراة، والإنجيل التي تدل على صفات ونعت محمد ﷺ ، وصدق نبوته، والداعية إلى اتباعه وتصديقه. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ﴾: الواو: للحال والتوكيد. شهيد: صيغة مبالغة من شاهد؛ أي: المطلع، والمحيط علمه بكل شيء من سرٍّ، ونجوى، وجهر، وما تخفي الصدور، وشهيد على كل عمل من قول، أو فعل، ويعلم ما في السرائر، والعقول، وما يجري في الكون، وما يقوم به كل مخلوق من خلقه. ﴿عَلَى﴾: للاستعلاء والشدة. ﴿مَا﴾: اسم موصول. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: العمل يشمل القول، والفعل من الكفر، والفساد. سورة آل عمران [٣: ٩٩] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿لِمَ﴾: استفهامية.

стр. 668

﴿تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تمنعون الناس من الدخول في دين الله. سبيل الله: هو دين الحق، وهو الإسلام بالتضليل، والتحريف، والفتنة. ﴿مَنْ آمَنَ﴾: من ابتدائية، آمن بالله. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: العوج: من الاعوجاج ما كان يميل إلى جهة، ثم يميل إلى الأخرى. وعوجاً: بكسر العين تستعمل للأمور المعنوية، أما المفتوحة بفتح العين: تستعمل للأمور الحسية المادية مثل عوج في الجدار. تبغونها عوجاً: لا تريدون ديناً قيماً، بل ديناً معوجاً مائلاً عن الحق في المعاني، والقيم، وتريدون الميل عن الاستقامة، والصراط. أو تلبسون على الناس: الحق بالباطل. أو تخفون الحق، وتغيرون صفة رسول الله ﷺ ؛ كي تحدثوا اعوجاجاً في هذا الدِّين المستقيم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨٦) في الأعراف وهي قوله تعالى على لسان شعيب: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: نجد في آية الأعراف حذف به، وأضاف الواو (على كلمة وتبغونها)؛ لأن تبغونها معطوفة على تصدون، وأما آية آل عمران (تبغونها): جملة في محل نصب حال، والحال لا يدخل عليه واو، أو لأن تبغونها قد تكون استئنافية، وفي آية الأعراف قيد الإيمان بالله وحده، وفي آية آل عمران لم يقيد فأطلق الإيمان ليشمل كل أنواعه. ﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾: على أن ما جاء في التوراة في نعت محمد ﷺ هو الحق، وأنتم تعرفونه، كما تعرفون أبناءكم. وأنتم شهداء؛ أي: رأيتم محمد ﷺ ، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، وإضافة إلى ما سمعتموه في التوراة، والإنجيل فيما جاء بشأنه (نعت، أو ذكر). ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما: الواو: عاطفة. ما: النافية. الله بغافل: الباء:

стр. 669

للإلصاق. عما تعملون: من الصد، والمنع، والتحريف، والفتنة، والزيغ بالقول، والفعل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٠٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بعد أن وبَّخ أهل الكتاب على كفرهم، وصدهم الناس عن دين الله، نداء بالحذر من إطاعة فريق من الذين أوتوا الكتاب. فقال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا﴾: إن: شرطية، تفيد القلة، أو الاحتمال. ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فريقاً، وليس كل الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين؛ أوتوا الكتاب (ولم يقل: أتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب)؛ لأن أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب: تأتي في سياق الذم، وأتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب: تأتي في سياق المدح. سبب نزول هذه الآية: أن شماس اليهودي، وكان شديد الكفر وأصحابه أرادوا الفتنة بين الأوس والخزرج بعد أن رأوا بينهما الوئام، فذكَّروا الأوس والخزرج بحرب بُعاث، فثار الأوس على الخزرج، فعلم بذلك رسول الله ﷺ ، وخرج إليهم، وقال: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، فخمدت الفتنة وتصالح الطرفان. ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: الارتداد يكون بالإقناع، والحجة الباطلة؛ حتى يرتدوا عن دينهم، ويرجعوا إلى الكفر شيئاً فشيئاً، أما الصد: فهو المنع بالقوة والقهر؛ أي: (يصدوكم): يمنعوكم من الدخول في الإسلام بالحجة والبيان، أو القوة. والرد: هو الرجوع، أو العودة إلى المكان، (أو الحالة) الذي خرج منها، وفيه إجبار، أو إكراه على العودة، بينما الرجوع العودة إلى المكان الذي خرج منه، وفيه معنى الرغبة؛ أي: يرجع وهو راغبٌ غير مكره، أو مضطر.

стр. 670

ولنقارن هذه الآية: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ مع الآية (١٠٩) من سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: نجد أن هناك ثلاثة فروق هي: ١ - أوتوا الكتاب مقابل أهل الكتاب. ٢ - بعد إيمانكم مقابل من بعد إيمانكم. ٣ - كافرين مقابل كفاراً. ١ - أوتوا الكتاب: أقل تكريماً، وتشريفاً، مقارنة بمناداتهم أهل الكتاب، أهل الكتاب أفضل درجة من أوتوا الكتاب. ٢ - بعد إيمانكم: محاولة الرد إلى الكفر فيها فسحة وتراخٍ في الزمن، وليست مباشرة، بينما قوله: من بعد إيمانكم: الرد إلى الكفر يعني مباشرة بدون تأخير فوراً وبسرعة. ٣ - كافرين: تدل على الفعل على الحدث، فعل الكفر ونوعه، بينما كفاراً: صيغة مبالغة تدل على ذوات المبالغين في الكفر، وكثرة القيام به.

стр. 671

سورة آل عمران [٣: ١٠١] ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿وَكَيْفَ﴾: الواو: عاطفة، كيف: اسم استفهام، وتعجب واستبعاد وقوع الكفر فيهم، والقرآن يُتلى عليهم ورسول الله ﷺ بينهم. ﴿تَكْفُرُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدد، وتكرار الكفر منهم. ﴿وَأَنتُمْ﴾: الواو: حالية تفيد التوكيد. أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد. ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾: تُقرأ عليكم آيات الله على لسان رسوله ليلاً ونهاراً. ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾: أي: بين أظهركم رسول الله، والذي ظهرت على يديه المعجزات الكثيرة. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية. ﴿يَعْتَصِم بِاللَّهِ﴾: يتمسك بالله ، وكتابه، ودينه. يعتصم: مشتقة من العصم: وهو المنع، والعصمة: المناعة؛ كالذي يأخذ تلقيحاً ضد مرض ما؛ كي لا يصاب به. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة. قد: حرف تحقيق يفيد التوكيد. ﴿هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: فقد اهتدى إلى صراطٍ مستقيم إلى الإسلام، وسار على الصراط الموصل إلى الغاية.

стр. 672

وكيف تكفرون ليس معناها أنه وقع منهم الكفر، ولو حصل ذلك لما ناداهم بـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. سورة آل عمران [٣: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بالتقوى، وإسلام الوجه لله، استعمل فيها يا النداء: للبعد، والها: للتنبيه. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: اتقوا الله: أطيعوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه. حق: من الحق: وهو الوجوب، والثبوت، والحق: هو الصدق هو كل أمر ثابت لا يتغير. حق تقاته؛ أي: اتقوه اتقاءً حقاً، أو اتقوه التقوى الواجبة؛ أي: ابذلوا جهدكم، أو أقصى استطاعتكم في طاعة الله، وذكره، وشكره، وعبادته، والإيمان التام الكامل، فلا تؤمنوا ببعض، وتكفروا ببعض، والإحسان، والرضا، والصبر، والشكر. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: الناهية. ﴿تَمُوتُنَّ﴾: النون في تموتن؛ للتوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: ضمير منفصل يفيد التوكيد. ﴿مُّسْلِمُونَ﴾: أي: مخلصون، موحِّدون بالاستسلام لله تعالى، وقضائه، وقدره في تلك اللحظات الحرجة، أو الساعة الرهيبة، وقوله: وأنتم مسلمون: تدخل في سياق: اتقوا الله حق تقاته، وكأنه خص التوحيد، والإخلاص؛ أي: ذكر الخاص بعد العام؛ للتوكيد على أهمية لا إله إلا الله، واليقين برحمة الله تعالى وعدله، وتجنب الشيطان، أو الشك، وعدم الزيع، والدعاء: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة.

стр. 673

فالإيمان درجات تبدأ بالإسلام، ثم ترتفع إلى درجة الإيمان، ثم ترتفع إلى درجة التقوى، ثم ترتفع إلى درجة الإحسان، ثم الإسلام، وهو إسلام الوجه، ويعني: الإخلاص التام، وأن يعبد الله كأنه يراه. ومن معاني حق تقاته: طاعة صادقة مخلصة مستمرة حتى الموت. ويجب العلم أنه لا يوجد بشر يستطيع أن يتقي الله التقوى التي تليق بجلاله وعظمته، ولو سجد وصلى وصام وأطاع الله وعبده في كل ثانية ولحظة في حياته حتى مماته. وأما قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]: معناها نفس معنى الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾؛ لأن قوله: ما استطعتم؛ أي: ما في وسعكم، وجهدكم، وطاقتكم، فلا يظن أحد كما ظن البعض: أن الاستطاعة في هذه الآية هي أقل درجة من حق تقاته في الآية الأولى، ولا شك أن لكل إنسان طاقة وسعة محددة. والذي يحدد الاستطاعة هو الله؛ أي: المشرع؛ فلا يصح للعبد أن يحدد الاستطاعة بنفسه، أو القدرة، ولا ينسى أن الله سبحانه رخص للمريض والمسافر وللمرأة في حالة حيضها ونفاسها وحملها برخص؛ لأنه عليم حكيم، وغفور رحيم، وأكثر العلماء متفق على أن الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: لم تنسخ بالآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ كما ظن البعض الآخر. سورة آل عمران [٣: ١٠٣] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: الاعتصام: الاستمساك والمنعة، والتمسك عادة يكون بشيء ما؛ لتجنب الوقوع، فكأن هناك شيئاً إذا تمسك به

стр. 674

جنبه الوقوع، وارتفع به إلى الأعلى، ومنع نفسه من السقوط، وهذا الشيء هو حبل الله؛ أي: كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ ، وهذا يسمى في البيان استعارة تمثيلية بليغة. بحبل الله: الباء: للإلصاق، حبل الله: هو القرآن، وسنة الرسول ﷺ ، أو الدِّين، ويشمل: الإيمان، والعمل الصالح، وحبل الله: هو الأمان في الدنيا والآخرة، وعدم الخوف، والحزن، والنجاة، وهو الموصل إلى البغية والغاية. جميعاً: للتوكيد، الكل يجب أن يعتصم بحبل الله. ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، تفرقوا: شيعاً وطوائف وأحزاباً، كما تفرقت اليهود والنصارى. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: قيل: الخطاب موجَّه إلى الأوس والخزرج حين كان بينهم حروب وعداوة كثيرة في الجاهلية امتدت أكثر من (١٢٠) سنة، فلما جاء الإسلام وحَّد بينهم بنعمة الألفة والوحدة، والاجتماع على القرآن، والإيمان، وطاعة الله. والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب. فما أحوجنا نحن في هذا العصر إلى الأخذ بهذه الآية أكثر مما أخذ بها الأوس والخزرج. ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي؛ أي: حين ﴿كُنتُمْ أَعْدَاءً﴾: في الجاهلية، فألف بين قلوبكم. أعداء: إذا كانت العداوات بينهم مختلفة يصفهم بأنهم أعداء، وإذا كانت العداوة بينهم واحدة، أو سببها واحد مثال: عداوة في الدِّين قال عنهم عدو.

стр. 675

﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾: أي: وحَّد بين قلوبكم، وجمع بين الأوس والخزرج، وجمع بين قلوبكم بالأخوَّة، والإسلام، والإيمان. ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾: أصبحتم متراحمين، ومجتمعين على أمر واحد: إخواناً في الدِّين. ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا﴾: أي: مشرفين. شفا الحفرة: حافتها، ومن كان يقف على الحافة يوشك أن يقع، وأشفى على الشيء: أشرف عليه. أي: مشرفين على الوقوع في نار جهنم؛ لما كنتم عليه من الكفر. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾: فأنقذكم الله بالإسلام والوحدة والصلح، وأنجاكم من الوقوع في نار جهنم. منها: تعود للحفرة، أو النار، أو الشفا. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: كما نبين لكم ما ذكر في الآيات السابقة يبين لكم آياته؛ لتهتدوا هداية تامة، ولا تعودوا إلى أوضاع الجاهلية من التفرقة، والاختلاف، والعدوان. ﴿آيَاتِهِ﴾: أضاف الهاء لها تعظيماً، ولم يقل الآيات. فحين يقول: آياته، أهم من قوله: الآيات، وقوله: آياتي أهم في المعنى من الآيات، أو آياته، وأحب وأقرب من الآيات. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لعل: للتعليل؛ أي: لتهتدوا. سورة آل عمران [٣: ١٠٤] ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: ﴿وَلْتَكُن﴾: الواو: عاطفة، واللام: لام التوكيد، أو لام الأمر، أو الاختصاص.

стр. 676

﴿مِّنكُمْ﴾: من: ابتدائية للتبعيض؛ لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية لا يلزم كل الأمة، وليس كل فرد مؤهل للقيام بذلك. ومن المفسرين من قال: من: للبيان؛ أي: منكم من أمة محمد ﷺ منكم خاصة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة. ﴿أُمَّةٌ﴾: هي الجماعة التي تجمعها عقيدة واحدة بغض النظر عن الكم البشري، والحيز الجغرافي. ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾: الخير كل ما فيه منفعة وصلاح الناس في الدِّين والدنيا، والخير ضد الشر، أو كل ما ينفع الإنسان في حياته الدنيا والآخرة من الإيمان، والعمل الصالح. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: المعروف: كل ما عرفه الشرع فأمر به لنفعه وصلاحه للفرد أو الجماعة. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: المنكر: وهو كل ما نهى عنه الشرع؛ لضرر وفساد للفرد، أو الجماعة، أو ما أنكره الله ورأوه قبيحاً. وقيل: المنكر هو فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعد يفيد علو منزلتهم. ﴿هُمُ﴾: ضمير يفيد التوكيد. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الكاملون في الفلاح، أو إذا كان هناك مفلحون فهم في طليعة المفلحين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) للبيان.

стр. 677

سورة آل عمران [٣: ١٠٥] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾: الخطاب إلى أمة محمد ﷺ ، وهم جزء من الأمة الإسلامية التي امتدت من نوح إلى إبراهيم إلى موسى وعيسى إلى محمد ﷺ . كالذين: الكاف: كاف التشبيه. الذين: اسم موصول. ﴿تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾: تفرقوا: من التفرق، وهو الاختلاف الشديد الذي أدى إلى الابتعاد؛ أي: فارق بعضهم بعضاً فلم يكونوا يداً واحدة، وأما تتفرقوا كما في الآية (١٣) في سورة الشورى ولا تتفرقوا بدلاً من تفرقوا تأتي في سياق تفرق الأمم المختلفة، وتفرقوا تأتي في سياق تفرق أفراد الأمة الواحدة مثل أمة محمد ﷺ ؛ أي: اليهود والنصارى على رأي أكثر المفسرين. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: من: ابتدائية، مباشرة من بعد ما جاءهم البينات. الأدلة الواضحة، والآيات، والأوامر، والنواهي بعدم الاختلاف، والتفرق، والتشيع. ارجع إلى سورة البقرة (٢٠٩)؛ لمزيد من البيان، والفرق بين جاءكم البينات، وجاءتكم البينات. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: من أشد أنواع العذاب (يجمع بين كونه عذاباً أليماً ومهيناً ومقيماً). قال تعالى في هذه الآية: ولا تفرقوا، بينما في سورة الشورى (١٣): ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾: ففي آية آل عمران قال: تفرقوا، حذف إحدى التاءين؛

стр. 678

لأن الخطاب فيها للأمة الإسلامية فقط، بينما تتفرقوا (جاء بتاءين)؛ لأن الخطاب في الآية موجَّه إلى أمم مختلفة من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى؛ أي: أمم مختلفة، فزيادة التاء تناسب زيادة الأمم. والتفرُّق في آية آل عمران يختلف عن التفرق في آية الشورى، ففي آل عمران تحذير ونهي عن التفرق مهما كان نوعه، ومهما قل أو صغر، وأما النهي في آية الشورى فهو تحذير أوسع وأشمل. وانتبه إلى تقديم التفرقة على الاختلاف والأصل هو الاختلاف، وهو الذي يؤدِّي إلى التفرقة، فقدَّم التفرقة على الاختلاف؛ لأنه أحياناً التفرقة هي التي تسبب الخلاف، أو بالعكس الخلاف يؤدِّي إلى التفرقة. والاختلاف المنهي عنه هو في أصول الدِّين، وتحكيم الأهواء والمصالح، ولا يقصد به الاختلاف في الفروع والاجتهادات في تفاصيل العبادات والمعاملات، فما هو الفرق بين الخلاف والاختلاف؟ فالاختلاف: لغة يعني: عدم الاتفاق، وفي الاصطلاح: أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، والاختلاف منه المحمود، ومنه المذموم. ويكون الاختلاف أمراً مشروعاً إذا توافر فيه أمران: الأول: أن لكل من المختلفين دليلاً يصح الاحتجاج به، وإذا لم يكن له دليل سقط، ولم يؤخذ به. الأمر الثاني: ألا يؤدِّي الأخذ بالمذهب المخالف إلى باطل، أو شيء محال؛ فإذا كان كذلك بطل، ولم يؤخذ به. أما الخلاف: هو الذي يفقد الأمرين، أو الشرطين، أو أحدهما، والخلاف منبوذ، وهو مظهر من مظاهر الهوى.

стр. 679

سورة آل عمران [٣: ١٠٦] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: يوم القيامة. ﴿تَبْيَضُّ﴾: البياض يعني النور، نور في وجوه المؤمنين المتقين، وكناية عن السرور والبهجة سببه الإيمان والوضوء والتقوى. ﴿وَتَسْوَدُّ﴾: السواد من الظلمة، ظلمة في وجوه الكافرين كناية عن الخوف، والكآبة، وسببه الكفر، والشرك، والمعاصي، وقدم الذين ابيضت وجوههم للتشريف والتعظيم على الذين اسودت وجوههم. والسواد والبياض في الآخرة لا يمدان بصلة إلى الاسوداد والابيضاض الذي نراه في الدنيا، واللون ليس دليلاً على حب أو كره الله لعبده. فاللون الأسود في الدنيا قد يصبح لوناً أبيضَ في الآخرة، واللون الأبيض في الدنيا قد يصبح أسودَ في الآخرة. فلون البشرة في الدنيا أسبابه تختلف عن لون البشرة في الآخرة. فاللون في الآخرة يعود إلى الإيمان والكفر، وفي الدنيا يعود إلى الهرمونات والجينات والبيئة، وسوف تزول عوامل البيئة؛ لأن السموات والأرض سوف تتبدل آنذاك. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: استئنافية، أما: حرف شرط وتفصيل. ﴿الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: بسبب تفرقهم واختلافهم، ومن سوء ما عاينوه من أهوال يوم القيامة.

стр. 680

والسواد نتيجة الغبرة التي ترهقها قترة، والقترة من القتار: وهو الهواء الممتلئ بدخان أسود يشبه دخان الدهن المحروق. ﴿أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: أكفرتم: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ، والخطاب موجَّه إلى أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد ﷺ . أكفرتم بمحمد ﷺ بغياً وتكبراً وحسداً بعد أن عرفتموه، كما تعرفون أبناءكم، ولم تؤمنوا به، أو الخطاب إلى المرتدين، أو المنافقين، والمبتدعين، والكفار بشكل عام. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: فذوقوا: الفاء: رابطة لجواب الشرط. أصل الذوق يكون باللسان (الفم)، وشبه العذاب بشيء مما يؤكل أو يذاق. ﴿الْعَذَابَ بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية، ما: حرف مصدري. ﴿كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسبب كفركم في الدنيا، وجاء بصيغة المضارع (لحكاية الحال)، وتجدُّد كفرهم وعدم توبتهم. سورة آل عمران [٣: ١٠٧] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: بعد الحديث عن الذين اسودَّت وجوههم يتحدث عن القسم الآخر وهم الذين ابيضَّت وجوههم، بسبب نور الإيمان والتقوى، والوضوء، وقيام الليل، وقدم حين فصل الذين اسودت وجوههم على الذين ابيضت وجوههم للكثرة، أو بدأ بالتفصيل بما انتهى إليه الإجمال، والله أعلم. ﴿فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: الرحمة: قيل: الجنة وزيادة، والرحمة صفة ثابتة باقية ببقاء الله، فالرحمة أعظم من الجنة. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم: ضمير منفصل يدل على الحصر.

стр. 681

خالدون: صفة ثابتة لا تتغير، لا يموتون، ولا يتغيَّرون، والخلود استمرار البقاء يبدأ من وقت محدَّد هو دخولهم الجنة. وقيل: ففي: الفاء الأولى للدخول في الرحمة، والفاء الثانية للخلود. سورة آل عمران [٣: ١٠٨] ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد يشير إلى الآيات الواردة في الوعد والوعيد. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾: عن طريق جبريل ﵇، ولكنه أسند التلاوة إليه سبحانه؛ لأن جبريل إنما يتلو بإذن الله، وأمره، وكما علمه سبحانه. نتلوها: جاء بنون العظمة؛ للدلالة على أهمية الآيات وأهمية المتلو عليه. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، فهي ملتبسة بالحق (والحق هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر؛ لأنه من الله تعالى). والحق ملزق بها، لا يمكن فصله عنها، ولا فصلها عنه. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية؛ لنفي الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾: فهو سبحانه ينفي عن نفسه أن يظلم (يفعل الظلم)، ويذهب إلى أبعد من ذلك وينفي عن ذاته إرادة الظلم، ونفي الإرادة أبلغ من نفي الفعل نفسه، فهو ينفي الإرادة، وينفي الفعل معاً. ويؤيِّد ذلك قوله سبحانه في الآية (٤٦) من سورة فصلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.

стр. 682

سورة آل عمران [٣: ١٠٩] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: ﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: عاطفة، لله: اللام: لام الاختصاص، وتقديم الجار والمجرور لله على ما في السموات، وما في الأرض؛ تفيد الحصر، والقصر؛ أي: له وحده سبحانه. ﴿مَا﴾: لغير العاقل، والعاقل، وهي أعم وأشمل من (من). ﴿فِى﴾: ظرفية مكانية وزمانية. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: السبع ذاتها وما تحوي. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ذاتها وما تحوي. وتكرار ما (في يفيد) التوكيد، وحين يعيد عبارة (ما في) قد يتبع ذلك ذكر شيء عن أهل الأرض، أو تكرار ما في يفيد الفصل بين السموات والأرض، فهناك أشياء ومخلوقات توجد في السموات ولا توجد على الأرض أو بالعكس، فله سبحانه كل شيء. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: حصراً، وقصراً له وحده، ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: للفصل، والحساب وإصدار الحكم. سورة آل عمران [٣: ١١٠] ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ﴾: يعني: وجدتم خير أمة، أو خلقتم.

стр. 683

أو تعني: كنتم في علم الله خير أمة. أو كنتم منذ آمنتم خير أمة. أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة. أو معنى كنتم؛ أي: أنتم خير أمة أخرجت للناس. أو كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة. وهذه الخيرية مشتركة ما بين أول الأمة وآخر الأمة. ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: أخرجت: ولم يقل: خرجت؛ أي: خرجت بنفسها بدون مخرج؛ أي: خرجت بنفسها بدون رسالة، أو قوانين ربانية، وإنما أخرجت؛ أي: أخرجها الله سبحانه للناس بمنهج الإسلام، ولم تخرج مجرد إخراج لا فائدة فيه ولا نفع، وإنما أخرجت لهداية الناس كافة. للناس: اللام: لام الاختصاص. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: تأمرون الناس بالإيمان بالله بتطبيق شرع الله، واتباع سنة رسوله ﷺ في الحياة اليومية، وتعليم الناس أمور دينهم. وتعريف المعروف: ارجع إلى الآية (١٠٤) من نفس السورة. ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: الكفر، والشرك، وكبائر الإثم والفواحش، والفساد باليد واللسان، أو بالقلب، وذلك أضعف الإيمان. وتعريف المنكر: ارجع إلى الآية (١٠٤) من نفس السورة. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: والإيمان بالله يتضمن: الإيمان بكل ما أمر الله به من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره. وقدَّم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على الإيمان بالله؛ لأن الأمم السابقة لم تكن مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما هذه الأمة فلها

стр. 684

ميزة على غيرها من الأمم كونها مكلفة بهذا الأمر، ولذلك قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؛ لأن الإيمان عامل مشترك بين الأمم، فالكل مطلوب منه الإيمان، ويؤكد ذلك ما قاله الله سبحانه في سورة المائدة، آية (٧٨ - ٧٩): ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يصاحبه إيمان بالله فلن يُقبل من صاحبه، وهو في الآخرة من الخاسرين، وقد يجازي عليه في الدنيا، وقدَّمه للحثِّ على القيام به، وبيان أهميته. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية. ﴿آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: لو آمنوا بمحمد ﷺ ، وبما أنزل على محمد ﷺ ، أو آمنوا كإيمان المسلمين بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، وآمنوا برسلهم، واتبعوا ما أنزل الله تعالى. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: إذ كانوا يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، يؤمنون بموسى، وعيسى، ويكفرون بمحمد ﷺ . ﴿مِّنْهُمُ﴾: أي: من أهل الكتاب. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: أمثال عبد الله بن سلام، وأصحابه (وهم قلة). ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: الخارجون عن طاعة الله بعدم اتباع النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، والذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان في فاسقين، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٦) من سورة الحديد وهي قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أكثرهم: تعني العدد، أو النسبة أكثر من كثير؛ أي: كثير أقل من أكثر، وأكثر تأتي أيضاً في سياق أسوأ الصفات مقارنة بكثير.

стр. 685

سورة آل عمران [٣: ١١١] ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ﴿لَنْ﴾: حرف لنفي الضرر عنكم في المستقبل القريب والبعيد. ﴿يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: إلا: أداة حصر؛ أي: لا تظنوا هذه الأكثرية الفاسقة قادرة على إلحاق الضرر بكم، وإنما قد يؤذوكم بالقول، أو الاستهزاء، أو السخرية، والطعن، والكذب. يضروكم إلا أذى: لن يضروكم: ما معنى الضرر: الحدث المؤلم الذي له آثار تمتد على زمن طويل كما يحدث في الحروب والسلب والنهب. أما الأذى: هو الحدث المؤلم ساعة وقوعه، وينتهي سريعاً بعد فترة من الزمن، والضرر أشد من الأذى، والأذى يحدث أولاً، وإذا استمر قد يصبح ضرراً. ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية جازمة، تفيد معنى الاحتمال، وتستعمل للأمور النادرة الوقوع. يقاتلوكم: أصلها يقاتلونكم حذف منها النون؛ تعني: عدم توكيد قتالهم لخوفهم منكم. ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾: أي: ينهزموا أمامكم (تولية الأدبار تدل على الهزيمة والخذلان). حذف النون من يولونكم فقال: يولوكم (وهي جواب الشرط، وحذف منها النون) لتعني يولوكم الأدبار بسرعة. والأدبار جمع دبر، والدبر يقابله القبل، وتعني الظهر، واستعمل الدبر بدلاً من الظهر، أو العقب (عقب القدم) لبشاعة الانهزام أمام العدو. ولا بد من الانتباه إلى أمر هام: هو أن القرآن العظيم يستعمل غالباً الدبر في الانهزام أمام العدو، وفي القتال والانسحاب من أرض المعركة، ويستعمل العقب غالباً في الارتداد عن دين الله، والكفر، والضلال بعد الإيمان.

стр. 686

أمثلة: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]؛ أي: الفرار من أرض المعركة. ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ [الفتح: ٢٢]؛ أي: فروا من أرض المعركة. ﴿أَفَإِين مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]؛ أي: عدتم إلى الكفر والشرك والعصيان أو الردة. ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩]. لأن الفرار أمام العدو يمكن العدو من ظهورنا، أو أدبارنا، فهذا أمر عظيم مستهجن، وحين يفر المسلم من أرض المعركة، أو التولي يوم الزحف من الكبائر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: بدلاً من قوله: ثم لا ينصروا، فهنا عطف بالرفع بدلاً من أن يعطف بالجزم. وهذا له أهمية بلاغية هامة؛ لأنه لو جزم الفعل فقال: ثم لا ينصروا؛ لكان النصر مقيداً بتلك المعركة فقط؛ أي: تنصروا مرة واحدة، أو مرتين على الأكثر. ولكن حين رفع الفعل، وقال: ثم لا تنصرون: كأنه وعدٌ مطلقٌ بالنصر المتكرر مرات عديدة، وليس مرة واحدة فقط؛ ليطمئن المؤمنين. وانظر إلى كلمة (ثم) التي تدل على التراخي في الزمن؛ أي: في الزمن القادم البعيد، وهذا يدل على حكم الله تعالى على أهل الفسق، والكفر أنهم لا ينصرون أبداً، سواء بقتال أو غيره، وإن انتصروا مرة أو مرتين فلن يطول ذلك، ويعود النصر إليكم، وهذا إشارة ووعد من الله للمؤمنين يبعث في روح المؤمن التفاؤل ويحثه على التوكل على الله، واليقين بنصر الله تعالى. يؤيد ذلك قوله تعالى في الآية (١٢٦) من سورة آل عمران: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

стр. 687

سورة آل عمران [٣: ١١٢] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: أحاطت بهم الذلة، أو ألصقت بهم المذلة بحيث لا يستطيعون الانفكاك عنها، كما تحيط الخيمة بما فيها (استعارة مكنية). وكلمة ضربت مشتقة من صهر المعادن في قالب تصهر النقود الفضية فيه، تُصهر وتوضع في قالب، فتخرج مطبوعة بطباعة لا تنفك عنها. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: جار ومجرور، وتقديم عليهم على الفاعل تفيد الحصر، وعلى تفيد الاستعلاء والمشقة. ﴿الذِّلَّةُ﴾: الذليل: هو من لا منعة له، ولا قوة (ضعفاء لا منعة لهم ولا قوة)، وحدث ذلك بعد أن تأمروا على قتل رسول الله ﷺ ، وبسبب الحروب ضد المسلمين مثل حروب خيبر، وبني قريظة، وبني قينقاع. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: أين: ظرف مكان تفيد الإبهام والغموض، وأوسع شمولاً وعموماً من حيثما. ما: شرطية، ثقفوا: أينما وجدوا، ولكن هناك فرق بين ثُقفوا ووجدوا. ثقفوا: إذا ثقفت عدوك؛ أي: وجدته وأنت في حالة من القوة، والتمكن من النيل منه. وجدوا: تعني إذا وجدت عدوك؛ أي: وجدته وأنت في حالة غير تأهب، واستعداد لقتاله، والنيل منه، وهنا يجب عدم التعرض له ومواجهته. أي: ضربت عليهم الذلة أينما أدركوا، وأقاموا، فالذلة محيطة بهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، إلا في حالتين يكونون فيها غير أذلاء: الأولى: ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾: الحبل هو العهد من الله.

стр. 688

والحبل هو المعاهدة كالمعاهدة التي تربط بين دولة ودولة أخرى. والحبل يعني الأمان؛ لأنه يوصل إلى البغية، ويزول به الخوف. إلا بحبل من الله؛ أي: ضربت عليهم الذلة في كل الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل من الناس، وحبل الله يعني: الكتاب (القرآن، أو التوراة)، أو الدِّين. أي: إذا تمسكوا بكتابهم كالتوراة (وعملوا بما فيه)، أو الذين طبقوا ما فيه فهم في مأمن. أو إذا أعطاهم الرسول ﷺ العهد، كما حصل في المدينة، فكانوا آمنين غير خائفين. وبعد أن تخلى عنهم الله بسبب ما فعلوه لجؤوا إلى غيرهم كالدول وغيرها لتحميهم. الثانية: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾: أو هم غير أذلاء حين عقدوا المعاهدات مع الدول الأخرى؛ فأصبحوا تحت حماية دولة قوية تدافع عنهم. ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا أو استحقوا غضب الله، والباء في كلمة بغضب للإلصاق؛ أي: غضب الله لا يفارقهم (ملتصق بهم). ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾: المسكنة أمر ذاتي نفسي داخلي، هو شعورهم بأنهم مظلومون مساكين أمام العالم كله، بينما الذلة أمر خارجي (مثل الهزائم في الحروب، والانكسار، والجبن، والخوف). ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب الله.

стр. 689

كل ذلك سببه كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، وبسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على حدوده. ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: يكفرون ولم يقل: كفروا؛ لأنهم استمروا على كفرهم، وكفرهم يتكرَّر، ويتجدَّد، ولم يتوقَّف. أمثلة على كفرهم بآيات الله، مثل: النجاة من فرعون، وفلق البحر، وإنزال المن والسلوى، ورفع الطور فوقهم كأنه ظلة، وضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: ارجع إلى الآية (٦١) من سورة البقرة لمقارنة آيات قتل النبيين والأنبياء بحق وبغير حق. يقتلون الأنبياء: جاءت بالفعل كفعل مضارع (لحكاية الحال)؛ ليحضر صورة القتل أمام أعيننا رغم أنه حدث في الماضي، وينقله من الماضي إلى الحاضر؛ لبشاعته. والأنبياء: تدل على جمع كثرة (جمع تكسير) مقارنة بالنبيين جمع سالم يفيد القلة. بغير حق: حق: نكرة، والنكرة تدل على البشاعة والذم، ولا يوجد حقٌّ أصلاً، أو سبب سواء كان معرفة، أو نكرة يدعو إلى قتل أي نبي. ﴿ذَلِكَ﴾: تفيد التوكيد والتكرار لما حدث لهم من الذلة والمسكنة والغضب. ﴿بِمَا عَصَوْا﴾: الباء: باء السببية، أو البدلية.

стр. 690

أي: بسبب عصيانهم أوامر الله، ونواهيه، وكانوا يعتدون، أمثلة: أخذهم الربا وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وصدهم عن سبيل الله كثيراً. لنقارن هاتين الآيتين سورة البقرة، آية (٦١): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. والآية (١١٢) من سورة آل عمران: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. ففي آية البقرة: الذلة والمسكنة ضربت عليهم في آن واحد (في زمن موسى ﵇)، وتجلت الذلة والمسكنة في هزائمهم في الحروب مع العماليق (القوم الجبارين) الذين كانوا دائماً يهزمونهم، وسرقوا التابوت الذي فيه بقية من آل موسى وآل هارون. وأما في آية آل عمران: ضربت عليهم الذلة في زمن أول، وضربت عليهم المسكنة في زمن آخر، أو ثانٍ، وضربت عليهم الذلة حين تآمروا على قتل رسول الله ﷺ ، وضربت عليهم المسكنة في حروب خيبر وبني قريظة وبني قينقاع. ومقارنة هاتين الآيتين يشير إلى استعمال التنكير في آية آل عمران، وذكر الأنبياء في آل عمران الذي يدل على جمع الكثرة مقارنة بقتل النبيين جمع قلة في البقرة، واستعمال صيغة التعريف يدل على أن آية آل عمران أشد وأبلغ ذماً وتشنيعاً من آية البقرة، ولا ننسى أن آية البقرة أيضاً جاءت في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل. سورة آل عمران [٣: ١١٣] ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾: أي: ليس أهل الكتاب متساوين في درجة الإيمان والتقوى.

стр. 691

﴿مِّنْ﴾: ابتدائية، أو بعضية من ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: جماعة قائمة ثابتة على الإيمان، والعمل الصالح، مثل: عبد الله بن سلام، وجماعة معه من اليهود، وقائمة مستقيمة على طاعة الله ، وقائمة بالأمانة والفرائض. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾: آيات القرآن في صلاة التهجد، والتلاوة تعني: القراءة المتتالية. ﴿آنَاءَ الَّيْلِ﴾: ساعات الليل. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: أي: يصلون (عبَّر عن الصلاة بالسجود)، عبر بالجزء وأراد به الكل، السجود جزء من الصلاة. سورة آل عمران [٣: ١١٤] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: من أهل الكتاب، من: للمفرد، والمثنى، والجمع. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: لهم نفس صفات خير أمة أخرجت للناس. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٠) من نفس السورة بصيغة المضارع؛ للتجدد، والاستمرار. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٠) من نفس السورة بصيغة المضارع؛ للتجدد، والاستمرار. ﴿وَيُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾: ولم يقل: إلى الخيرات؛ أي: هم سارعوا في فعل الخيرات سابقاً، ومستمرون عليها، ويسارعون في زيادتها.

стр. 692

﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: وأولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد يفيد علو درجتهم، وعلو منزلتهم. من الصالحين: من جملة الصالحين الذين أصلحوا أعمالهم عند ربهم، ورضي عنهم، واستحقوا ثناءَه، وأصلحوا استعمار الأرض، وكانوا قدوة لإصلاح غيرهم. سورة آل عمران [٣: ١١٥] ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: شرطية، ﴿يَفْعَلُوا﴾: يقوموا به من قولٍ أو عمل. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل الصغير، أو الكبير، أو القليل، أو الكثير، أو مهما كان نوعه. ﴿خَيْرٍ﴾: ما فيه نفع وصلاح الدِّين والدنيا. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد، لن يكفروه قريباً أو بعيداً. ﴿يُكْفَرُوهُ﴾: مشتقة من الكفر، وهو الستر، والهاء: تعود على الخير؛ أي: لن يُستر عنهم، أو لن يحجب عنهم ثوابه؛ أي: سينالون ثوابه وافياً. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بصيغة المبالغة على وزن فعيل، كثير العلم، لا تخفى عليه خافية، عليم بما يفعلونه ويقولونه. ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾: جمع متقٍ، عليم بما يعملونه، ومن هم وليجازيهم على تقواهم. ارجع للآية (٢) من سورة البقرة.

стр. 693

سورة آل عمران [٣: ١١٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِىَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السورة. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة. سورة آل عمران [٣: ١١٧] ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا رياءً، وبدون إخلاص، وابتغاء السمعة، والمدح من الناس، وليس ابتغاء وجه الله؛ حتى ولو تكرر إنفاقهم، وتجدد لن ينفعهم، ولن يقبل منهم، وشبهه الله كمثل ريح فيها صرٌّ. ﴿كَمَثَلِ﴾: الكاف: للتشبيه؛ أي: يشبه. ﴿رِيحٍ﴾: الريح في القرآن تحمل معنى الشر والدمار، والعذاب بعكس الرياح التي تحمل الخير والبركة. ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾: الصرُّ: هو البرد الشديد الزمهرير (ريح صرصر عاتية). ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾: الحرث: الزرع؛ أي: رزق قوم (جماعة من الناس). ﴿ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالشرك، والكفر، والرياء، والمعاصي.

стр. 694

﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾: الفاء: للمباشرة، والتعقيب، أهلكته: قضت عليه، أو دمرته، أو جعلته حطاماً لا نفع منه. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بإهلاك حرثهم، أو بعدم قبول نفقاتهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، ولم يتوبوا إلى الله ، فكان ذلك سبب إحباط ثواب نفقاتهم. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتحقيق. ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بحبوط ثواب أعمالهم في الآخرة، أما في الدنيا فالله سبحانه يثيبهم، فما يقومون به من مشاريع خيرية مثلاً، أو إنشاء المدارس، أو التبرعات، فالله سبحانه يعطيهم أكثر منها في الدنيا، وتخلد أسماؤهم، وتقام لهم الذكريات والأعياد. وفي هذه الآية قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، وفي آيات أخرى قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠]. يستعمل كانوا في سياق الأقوام الذين ماتوا، وانقرضوا، أو سياق الآخرة. أما أنفسهم يظلمون: هم الآن في الدنيا، ولا زالوا على قيد الحياة (في سياق الدنيا)، فالسؤال هنا: عندما تهب ريح صرصرٍ هل تهب على هؤلاء القوم الكافرين وحدهم، أم تهب على الجميع الذين ظلموا أنفسهم، والذين لم يظلموا؟! تهب على الجميع، فالذين ظلموا أنفسهم خسروا أموالهم وأنفسهم، وفي النار هم فيها خالدون، وأما الذين آمنوا، ولم يظلموا أنفسهم فعليهم الصبر والاحتساب، والإنابة، ولهم الثواب والأجر عند الله.

стр. 695

سورة آل عمران [٣: ١١٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا، استعمل فيها الهاء؛ للتنبيه. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: الاتخاذ يعني: الجعل، أو التصيير؛ أي: لا تجعلوا. ﴿بِطَانَةً﴾: بطانة الرجل؛ أي: خاصته، وأصحابه المقربين الذين يسر إليهم أسراره، ويسمون كذلك وليجة، وبطانة: مشتقة من بطانة الثوب، وهي القماش الرقيق الذي يبطن به الثوب الداخلي، ويلتصق بجسم الإنسان، وشبه خاصة الرجل والمقربين إليه ببطانة الثوب؛ لأنهم قريبون منه يعرفون أسراره، وأعماله كقرب الثوب الباطن من صاحبه. ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من غيركم؛ أي: لا تتخذوا بطانة لكم من غير المؤمنين؛ كاليهود والمنافقين تسرون إليهم أخباركم، أو تطلعوهم على أسراركم. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يَأْلُونَكُمْ﴾: أصل الألو: التقصير، يقال: ألا في الأمر؛ أي: قصر فيه. الخبال: هو الشر، والفساد، وبث الأكاذيب، والنميمة، (وقيل: اختلال العقل). ﴿يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: أي: لا يقصرون في أن يفعلوا كل ما يقدرون عليه ليوقعوا فيكم البلبلة، والفساد، والشر، وخلق الاضطراب، والاختلاف بينكم.

стр. 696

﴿وَدُّوا﴾: من الود، وهو الحب الذي تمليه طباعهم، وقلوبهم. ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: ما: مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم بأي وسيلة، وأي نوع من العنت، وإلحاق الضرر، والمشقة بكم، عنتم: مشتقة من العنت: وهو الوقوع في أمر شاق، أو الضرر بكم. إذن ودوا ما عنتم: أحبوا إلحاق الضرر بكم والمشقة، وإهلاككم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يفيد التوكيد. ﴿بَدَتِ﴾: ظهرت. ﴿الْبَغْضَاءُ﴾: شدة الكراهية، وإذا اشتدت البغضاء تحولت إلى شنآن، أو قِلى. ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: حيث تزل ألسنتهم بالخطأ من الشتم، والكذب، والمخالفة. ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ﴾: من الكراهية، والحقد، والعداوة. ﴿أَكْبَرُ﴾: أعظم مما يقولونه بألسنتهم بطريق الخطأ. ﴿قَدْ بَيَّنَّا﴾: قد: للتوكيد، بينا: أوضحنا وأظهرنا. ﴿لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الدلائل التي تهديكم إلى سواء السبيل من عدم اتخاذهم بطانة لكم خاصة. ﴿إِنْ﴾: شرطية، وتفيد الشك، أو الندرة في الحدوث. ﴿كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: إذا كنتم ذوي عقول نيرة تفهم الآيات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٤٤) والآية (٧٣)؛ للبيان.

стр. 697

وأما إذا لم يظهر منهم بادرة، أو موقف من هذه المواقف العدائية، فالله لا يمنعكم من أن تبروهم، وتقسطوا إليهم؛ حيث قال في سورة الممتحنة، آية (٨): ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. سورة آل عمران [٣: ١١٩] ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: تستمر الآيات في التحذير من اتخاذ البطانة من غير المؤمنين، وتبين الأسباب الداعية إلى عدم اتخاذ البطانة، فيقول تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ﴾: الهاء: للتنبيه، والتحذير لعباده المؤمنين، أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد. ﴿أُولَاءِ﴾: اسم إشارة للقرب حذف الهاء من أولاء وأصلها هؤلاء؛ لأن الموقف لا يحتاج إلى الوعظ وإلى التنبيه مرة أخرى، واكتفى بهاء التنبيه في كلمة ها أنتم. ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: لأنهم أقرباء لكم، وبالنسب، والصداقة، والخلة، أو تحبونهم طمعاً في إسلامهم، أو رحمة بهم، وهم لا يحبونكم. لا: النافية. وانتبه إلى قوله: تحبونهم، ولا يحبونكم، ولم يقل تحبوهم ولا يحبوكم، بل زاد نون التوكيد على حبكم الشديد لهم، وهم لا يبادلونكم أي حب، (وزاد نون التوكيد على عدم حبهم لكم). وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾ في الآية (١١٩) التي جاءت في سياق اتخاذ البطانة، وبقوله في آية (٦٦) من آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ففي قوله: ها أنتم هؤلاء: دخلت

стр. 698

هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد مما يدل على أن التنبيه والتحذير وشدة اللوم هو أشد وأكبر في هذه الآية التي جاءت في سياق أهل الكتاب الذين يزعمون أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً مقارنة بالذين اتخذوا بطانة من دون المؤمنين. ولنقارن أربع آيات: الآية (١١٩) من سورة آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾: نجد تقديم هاء التنبيه على الضمير، وتأخير اسم الإشارة. والآية (٨٥) من سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ﴾: نجد دخول هاء التنبيه على اسم الإشارة مع تقديم الضمير أنتم. والآية (٦٦) من سورة آل عمران: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾: نجد دخول هاء التنبيه على الضمير، وعلى اسم الإشارة في آن واحد. والآية (٨٤) من سورة طه: ﴿هُمْ أُولَاءِ﴾: لا نجد بها هاء داخلة على الضمير، ولا اسم الإشارة. فلكل آية من هذه الآيات سياق مختلف من حيث شدة التحذير، والتنبيه؛ سنعود إليه حين دراستها. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: وتصدقون بالكتاب. الباء: للإلصاق، وتعني: التمسك به. الكتاب: اسم جنس؛ أي: بكل الكتب السماوية المنزلة. كله: توكيد للإيمان بكل الكتب، والدليل قوله سبحانه: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].

стр. 699

وحذف وهم لا يؤمنون؛ حيث كان الأصل في الآية: وتؤمنون بالكتاب كله، وهم لا يؤمنون. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية للزمن المستقبل، وتتضمن معنى الشرط، وتفيد حتمية الحدوث. ﴿لَقُوكُمْ﴾: من اللقاء، وهو المواجهة، والتحدث، والفرق بين اللقاء والاجتماع: الاجتماع قد يكون في مكان ما، والكل موجود، ولا يجري اتصال، أو حديث بينهم. أما اللقاء: فهو اجتماع وحديث معاً. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: أي: صدقنا بما جاء به محمد ﷺ ، قالوا آمنا حذراً على أنفسهم، وهذه حال المنافقين. ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾: أي: خلا بعضهم ببعض، أو خلوا إلى رؤسائهم؛ بحيث لا يراهم المؤمنون، خلا به، وخلا إليه، وخلا معه، وخلا: سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل (خلا معه)، وخلا قد تعني: مضى وذهب. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: الأنامل: جمع أنملة رأس الأصابع كلها. وعض الأنامل: عادة يعض على رأس الأنملة، ولا يعض الأنامل كلها، بل أنملة واحدة. ولكنه استعمل الأنامل بدلاً من الأنملة (مجازاً) دليلاً على شدة الغيظ، والحقد، والندم. وعضوا عليكم الأنامل: لأنهم لم يستطيعوا إلحاق الضرر والأذى بكم. أو عضوا من شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم، ووحدتكم. ﴿الْغَيْظِ﴾: قيل هو أشد من الغضب، والغيظ: هو الهيجان، وثورة النفس؛

стр. 700

لعدم القدرة على التشفي، والانتقام، والثأر بسبب سوء لحقه من الغير. ارجع إلى سورة التوبة، آية (١٥)؛ لمزيد من ا لبيان. ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ . ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: قل استمروا على غيظكم حتى الممات، أو موتوا وأنتم فيما أنتم عليه من الغيظ؛ لأن الله سبحانه متم نوره، ومظهر دينه. والباء تفيد الإلصاق، موتوا والغيظ ملتصق بكم، أو ملازم لكم لا ينفك عنكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: إن: للتوكيد، عليم: مطّلع ورقيب على كل نفس، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. بذات الصدور: تعني القلوب (القلب في الصدر). ذات الصدور تعني: كل المعتقدات، والحقائق، والأحاسيس، والخواطر من نفاق، وإيمان، وحسد، ومكر، وكراهية، وحب، فهذه الأمور التي تعيش وتصاحب الإنسان تصبح كالصاحب الذي لا يفارق صاحبه، فلكونها ملازمة، أو مصاحبة لصدر الإنسان؛ أي: قلبه (تجول وتعيش فيه) تسمى ذات الصدور، وإن لم تخرج بعد إلى الناس. سورة آل عمران [٣: ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تدل على الاحتمال، أو ندرة الحدوث. ﴿تَمْسَسْكُمْ﴾: تمسسكم من المس: وهو اللمس الخفيف، مجرد التقاء الماس بالممسوس، والمس يكون في الخير، أو الشر.

стр. 701

﴿حَسَنَةٌ﴾: نكرة؛ أي: حسنة، والحسنة: ما يسرّ النفس، وكل ما يستحسنه الإنسان من فوز، أو غنيمة، أو نصر، أو رزق، أو الدخول في الإسلام، ومهما كانت صغيرة، أو كبيرة، ومهما كان نوعها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾: تحزنهم، وتزعجهم؛ أي: مجرد أن تمسكم، ولو كان مسَّاً طفيفاً تحزنهم، وتزعجهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾: وإن: شرطية تدل على الاحتمال، أو ندرة الحدوث. تصبكم: ولم يقل: تمسسكم، كما قال في شأن الحسنة، وإنما قال تصبكم، والإصابة أشد، وأسوأ من المس، فهم يبغون لكم الإصابة بالسيئة؛ لأن المس في نظرهم لا يكفي، بل لا بد من أن يكون شديداً إلى درجة الإصابة الشديدة حتى ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾: يفرحوا بذلك، أما إن كان مجرد المس الخفيف لما فرحوا والسيئة قد تكون الفقر، أو الهزيمة، أو الجوع، أو الخوف، أو الكل معاً. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، تصبروا: على أذاهم وحقدهم، وغيظهم، وعلى ما أصابكم في سبيل الله، وتصبروا على طاعتكم. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: الله في موالاتهم، وتتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿لَا﴾: النافية، والكيد اسم لفعل المكروه بالغير. ﴿يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾: يضركُم: بضم الكاف، وفي قراءة أخرى لا يضركَم بفتح الكاف، والأكثر شيوعاً هي القراءة بفتح الكاف؛ لأن الفتحة أخف الحركات، والضمة أثقل الحركات، فعند القول بالفتح معنى انظر لا يذكر قليل جداً، وأما بالضم يضركُم كما في هذه الآية تعني هناك ضر، أو أذى سوى يصيبكم، ولكن لا

стр. 702

يضركُم كثيراً، ومجيئها بالفتح، أو الضم؛ للدلالة على أن هناك حالات شديدة من الضر وحالات أخف، وليس ما يعانيه الأفراد بمستوى واحد، أو من نوع واحد، والكيد هو التدبير الخفي للضرر بالغير، وهو احتيال على إيقاع الضرر بالغير؛ بحيث يبدو أنه غير مدبر، والضُّر: ما يصيب البدن من السقم، أو الأمراض، أو الجوع، والضَّر: بفتح الضاد: ضد النفع. ﴿شَيْئًا﴾: للتوكيد على عدم ضر الكيد، والشيء هو أقل القليل، وشيئاً نكرة؛ أي شيء مهما كان نوعه، أو شدته، والشيء: كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: إن: للتوكيد، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري. إن الله عالم بكل شيء، ومحيط به إحاطة تامة من كل الجوانب، محيط به بقدرته، وعلمه، وقادر على إحباطه إن شاء، فالله سبحانه محيط بما يعمل الكافرون، وهو أيضاً محيط بالكافرين أنفسهم، ومحيط بأقوالهم وأفعالهم. وهذه الآية تحث المؤمنين على الصبر، والتقوى على أذى الكافرين، والمشركين حتى يأتي الله بأمره بالنصر، أو الفتح من عنده. سورة آل عمران [٣: ١٢١] ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: يجب الانتباه أن في سورة آل عمران (٦٠) آية تتحدث عن غزوة أحد تبدأ بهذه الآية: وإذ غدوت من أهلك إلى الآية (١٨٠). ﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ ظرف زماني للماضي، أو تعني: واذكر حين. ﴿غَدَوْتَ﴾: الغدوة: هي أول النهار (ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس).

стр. 703

﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية. ﴿أَهْلِكَ﴾: الأهل هم الزوجة، والأولاد (غدوت من حجرة عائشة). ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: تبوئ: توطن المؤمنين في أماكن القتال، أو تنزل المجاهدين في أماكن قتالهم يقال: بوأته، وبوأت له منزلاً؛ أي: أنزلته فيه. ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: أماكن يقفون فيها للقتال يوم أحد، وهم يومئذٍ خمسون رجلاً هم الرماة وأميرهم هو عبد الله بن جبير. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: سميع لما قاله بعض المؤمنين حين شاورتهم في الخروج خارج المدينة للقتال، فقالوا: لا تخرج إليهم، وابقَ في المدينة حتى يدخلوها علينا، والذين قالوا: لنخرج عليهم حتى نلقاهم خارج المدينة المنورة، والله سبحانه عليم وسميع بكل قول، ونية، وفعل، ومن أخطأ، أو أصاب، ومن أخلص، ومن نافق.

стр. 704

سورة آل عمران [٣: ١٢٢] ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى: واذكر حين، أو متعلق بالآية السابقة سميع عليم؛ أي: عليم إذ همت. ﴿هَمَّتْ﴾: من الهم: وهو حديث النفس نحو عملٍ ما، أو الخاطر الذي يجول في عقل الإنسان، وقد يتحول أخيراً إلى قصدٍ وعزم. ﴿طَائِفَتَانِ﴾: الطائفة: جماعة من الناس تؤمن بنفس الأفكار، أو تطوف حول أفكار واحدة، أو عقيدة واحدة. والفرق بين الطائفة والفئة: الطائفة: جماعة تؤمن بنفس الأفكار، أفكارها موحدة. الفئة: جماعة من الناس لا تستطيع أن تحمي نفسها إلا إذا فاءت إلى فئة أخرى؛ لتحميها، والفئة تحمل معنى الحماية، أو النصرة، أو القتال. طائفتان: هما بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج في طريقهما إلى معركة أحد؛ إذ هموا بالانسحاب، والعودة إلى المدينة عندما رأوا تخاذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين مع أصحابه، وكانوا حوالي ثلاثمئة رجل، فقالوا: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؛ مما أدَّى ببني سلمة، وبني حارثة على التفكير بالانسحاب، ولكن لم يحدث ذلك حيث عصمهما الله تعالى.

стр. 705

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد. ﴿تَفْشَلَا﴾: من الفشل هو الخور والانسحاب، ولكنهم ثبتوا وساروا إلى أرض المعركة. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: والله متولي أمورهما وناصرهما. الولي: هو الذي يواليك، ويُعينك حين الحاجة، أو الخوف، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك، ولذا عصمهما من عدم الرجوع، وترك النبي مع القليل من أصحابه في أرض المعركة. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وعلى الله تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر، حصر التوكل على الله وحده لا غيره. التوكل: الاعتماد على الله في كافة الأمور الدِّينية والدنيوية، وهو عمل قلبي. والتوكل: يعني تفويض الأمر لصاحب الأمر، وهو الله تعالى، والاستعانة به بعد تقديم الأسباب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان. وفي هؤلاء المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد نزل قول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. ونزل أيضاً قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. سورة آل عمران [٣: ١٢٣] ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ينتقل الله تعالى في هذه الآية ليذكر بفضله على المؤمنين بالنصر يوم بدر
следующие страницы →