Полный текст (5 934 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
﴿حَسَنَةٌ﴾: نكرة؛ أي: حسنة، والحسنة: ما يسرّ النفس، وكل ما يستحسنه الإنسان من فوز، أو غنيمة، أو نصر، أو رزق، أو الدخول في الإسلام، ومهما كانت صغيرة، أو كبيرة، ومهما كان نوعها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان.
﴿تَسُؤْهُمْ﴾: تحزنهم، وتزعجهم؛ أي: مجرد أن تمسكم، ولو كان مسَّاً طفيفاً تحزنهم، وتزعجهم.
﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾: وإن: شرطية تدل على الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
تصبكم: ولم يقل: تمسسكم، كما قال في شأن الحسنة، وإنما قال تصبكم، والإصابة أشد، وأسوأ من المس، فهم يبغون لكم الإصابة بالسيئة؛ لأن المس في نظرهم لا يكفي، بل لا بد من أن يكون شديداً إلى درجة الإصابة الشديدة حتى ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾: يفرحوا بذلك، أما إن كان مجرد المس الخفيف لما فرحوا والسيئة قد تكون الفقر، أو الهزيمة، أو الجوع، أو الخوف، أو الكل معاً.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، تصبروا: على أذاهم وحقدهم، وغيظهم، وعلى ما أصابكم في سبيل الله، وتصبروا على طاعتكم. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: الله في موالاتهم، وتتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
﴿لَا﴾: النافية، والكيد اسم لفعل المكروه بالغير.
﴿يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾: يضركُم: بضم الكاف، وفي قراءة أخرى لا يضركَم بفتح الكاف، والأكثر شيوعاً هي القراءة بفتح الكاف؛ لأن الفتحة أخف الحركات، والضمة أثقل الحركات، فعند القول بالفتح معنى انظر لا يذكر قليل جداً، وأما بالضم يضركُم كما في هذه الآية تعني هناك ضر، أو أذى سوى يصيبكم، ولكن لا
стр. 702
يضركُم كثيراً، ومجيئها بالفتح، أو الضم؛ للدلالة على أن هناك حالات شديدة من الضر وحالات أخف، وليس ما يعانيه الأفراد بمستوى واحد، أو من نوع واحد، والكيد هو التدبير الخفي للضرر بالغير، وهو احتيال على إيقاع الضرر بالغير؛ بحيث يبدو أنه غير مدبر، والضُّر: ما يصيب البدن من السقم، أو الأمراض، أو الجوع، والضَّر: بفتح الضاد: ضد النفع.
﴿شَيْئًا﴾: للتوكيد على عدم ضر الكيد، والشيء هو أقل القليل، وشيئاً نكرة؛ أي شيء مهما كان نوعه، أو شدته، والشيء: كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: إن: للتوكيد، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
إن الله عالم بكل شيء، ومحيط به إحاطة تامة من كل الجوانب، محيط به بقدرته، وعلمه، وقادر على إحباطه إن شاء، فالله سبحانه محيط بما يعمل الكافرون، وهو أيضاً محيط بالكافرين أنفسهم، ومحيط بأقوالهم وأفعالهم.
وهذه الآية تحث المؤمنين على الصبر، والتقوى على أذى الكافرين، والمشركين حتى يأتي الله بأمره بالنصر، أو الفتح من عنده.
سورة آل عمران [٣: ١٢١]
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
يجب الانتباه أن في سورة آل عمران (٦٠) آية تتحدث عن غزوة أحد تبدأ بهذه الآية: وإذ غدوت من أهلك إلى الآية (١٨٠).
﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ ظرف زماني للماضي، أو تعني: واذكر حين.
﴿غَدَوْتَ﴾: الغدوة: هي أول النهار (ما بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس).
стр. 703
﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية.
﴿أَهْلِكَ﴾: الأهل هم الزوجة، والأولاد (غدوت من حجرة عائشة).
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: تبوئ: توطن المؤمنين في أماكن القتال، أو تنزل المجاهدين في أماكن قتالهم يقال: بوأته، وبوأت له منزلاً؛ أي: أنزلته فيه.
﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: أماكن يقفون فيها للقتال يوم أحد، وهم يومئذٍ خمسون رجلاً هم الرماة وأميرهم هو عبد الله بن جبير.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: سميع لما قاله بعض المؤمنين حين شاورتهم في الخروج خارج المدينة للقتال، فقالوا: لا تخرج إليهم، وابقَ في المدينة حتى يدخلوها علينا، والذين قالوا: لنخرج عليهم حتى نلقاهم خارج المدينة المنورة، والله سبحانه عليم وسميع بكل قول، ونية، وفعل، ومن أخطأ، أو أصاب، ومن أخلص، ومن نافق.
стр. 704
سورة آل عمران [٣: ١٢٢]
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى: واذكر حين، أو متعلق بالآية السابقة سميع عليم؛ أي: عليم إذ همت.
﴿هَمَّتْ﴾: من الهم: وهو حديث النفس نحو عملٍ ما، أو الخاطر الذي يجول في عقل الإنسان، وقد يتحول أخيراً إلى قصدٍ وعزم.
﴿طَائِفَتَانِ﴾: الطائفة: جماعة من الناس تؤمن بنفس الأفكار، أو تطوف حول أفكار واحدة، أو عقيدة واحدة.
والفرق بين الطائفة والفئة:
الطائفة: جماعة تؤمن بنفس الأفكار، أفكارها موحدة.
الفئة: جماعة من الناس لا تستطيع أن تحمي نفسها إلا إذا فاءت إلى فئة أخرى؛ لتحميها، والفئة تحمل معنى الحماية، أو النصرة، أو القتال.
طائفتان: هما بنو حارثة من الأوس، وبنو سلمة من الخزرج في طريقهما إلى معركة أحد؛ إذ هموا بالانسحاب، والعودة إلى المدينة عندما رأوا تخاذل عبد الله بن أُبي رأس المنافقين مع أصحابه، وكانوا حوالي ثلاثمئة رجل، فقالوا: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؛ مما أدَّى ببني سلمة، وبني حارثة على التفكير بالانسحاب، ولكن لم يحدث ذلك حيث عصمهما الله تعالى.
стр. 705
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.
﴿تَفْشَلَا﴾: من الفشل هو الخور والانسحاب، ولكنهم ثبتوا وساروا إلى أرض المعركة.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾: والله متولي أمورهما وناصرهما.
الولي: هو الذي يواليك، ويُعينك حين الحاجة، أو الخوف، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك، ولذا عصمهما من عدم الرجوع، وترك النبي مع القليل من أصحابه في أرض المعركة.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: وعلى الله تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر، حصر التوكل على الله وحده لا غيره.
التوكل: الاعتماد على الله في كافة الأمور الدِّينية والدنيوية، وهو عمل قلبي.
والتوكل: يعني تفويض الأمر لصاحب الأمر، وهو الله تعالى، والاستعانة به بعد تقديم الأسباب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لمزيد من البيان.
وفي هؤلاء المنافقين الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد نزل قول الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
ونزل أيضاً قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
سورة آل عمران [٣: ١٢٣]
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
ينتقل الله تعالى في هذه الآية ليذكر بفضله على المؤمنين بالنصر يوم بدر
стр. 706
الذي حدث في السابع عشر من رمضان، وكان جيش العدو عددهم يقرب من الألف، وجيش المسلمين (٣١٤ رجلاً).
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، وقد: للتحقيق.
﴿بِبَدْرٍ﴾: الباء: باء الإلصاق؛ أي: وأنتم موجودون في بدر، وبدر: اسم مكان بين مكة والمدينة، وكان فيه بئر بدر، ويبعد عن المدينة بنحو (١٥٠ كيلومتراً).
﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: أذلة: جمع ذليل، وأنتم تعني: المؤمنين قبل المعركة، معركة بدر أنتم أذلة. والذليل: وهو من لا منعة له، ولا قوة (كناية عن قلة عددهم، وعدتهم، وضعف حالهم).
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ائتمروا بطاعة الله، وتجنبوا محارمه، وكذلك أطيعوا الرسول، واصبروا واثبتوا معه، ولا تخالفوا أمره.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتكونوا من الشاكرين، والشكر يكون عادة على النعمة، أو العطاء الواصل للعبد، ويكون باللسان والجوارح كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، لعل: هنا للتعليل، فالطاعة، والصبر، والثبات من مظاهر الشكر على النعمة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ١٢٤]
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾:
﴿إِذْ﴾: واذكر إذ قلت، وأبدلها بفعل مضارع: ﴿تَقُولُ﴾: ليدل على حكاية الحال.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والمؤمنون: هم الصحابة.
стр. 707
﴿أَلَنْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجاء بلن الذي هو لتأكيد النفي.
﴿يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: من السماء.
اختلف المفسرون في قوله: إذ تقول للمؤمنين ﴿يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾: هل هذا كان يوم بدر، أم يوم أحد على قولين:
فالذين قالوا كان هذا يوم أحد: قالوا كان هذا وعد لهم بالمدد المذكور من الملائكة على شرط الصبر، والتقوى، فلما لم يصبروا ولم يتقوا وخالفوا ما أمرهم به رسول الله ﷺ ، فلم يمددهم الله لا بثلاثة، ولا بخمسة، ولم تنزل الملائكة، ولو نزلت الملائكة لما انهزموا في أحد.
والذين قالوا: كان هذا يوم بدر أمدهم بألف من الملائكة يوم بدر، ثم زادهم إلى (٣ آلاف)، ثم خمسة آلاف؛ لأنهم صبروا واتقوا، كما ذكره تعالى في سورة الأنفال آية (٩).
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
فهذه الألف نزلت فعلاً، وقاتلت مع المؤمنين، وشوهد ذلك يقيناً.
خلاصة القول ـ والله سبحانه أعلم ـ: ومن المحتمل أن هذه الآيات (١٢٢ - ١٢٧) من آل عمران نزلت في سياق معركة بدر؛ لتذكر المسلمين بنصرهم يوم بدر.
وكذلك الآيات في سورة الأنفال تتحدث عن بدر؛ أي: هناك مشهدين لمعركة بدر، ولا شك باقي الآيات في سورة آل عمران تتحدث عن معركة أحد،
стр. 708
كما سنرى. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٩) لمزيد من البيان المفصل عن جمع بين الآيات في سورة آل عمران والأنفال والفرق بين المد والإمداد.
سورة آل عمران [٣: ١٢٥]
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾:
﴿بَلَى﴾: إذا وقعت عند النفي تفيد إثبات ما بعدها؛ أي: يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة.
﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾: إن: شرطية، تصبروا: على لقاء العدو، وتتقوا: ربكم تأتمروا بأوامره، وتتجنبوا نواهيه، وتتقوا المعاصي، ومخالفة النبي ﷺ ، وتثبتوا مع رسوله.
﴿وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ﴾: أي: ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه (أي: الآن) لقتالكم.
﴿هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة المسومين، ويمددكم من الإمداد، وأكثر ما يستعمل في المحبوب، والمد أكثر ما يستعمل في المكروه.
مسومين: مُعلمِين أنفسهم، أو خيلهم. عليهم عمائم بيض، أو صفر، وخيلهم معلمة في أذنابها ونواصيها.
سورة آل عمران [٣: ١٢٦]
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: نافية.
стр. 709
﴿جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: الهاء تعود على الإمداد، والله سبحانه قادر على النصر بدون الإمداد بالملائكة، أو أي شيء.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿بُشْرَى لَكُمْ﴾: أي: هذا الإمداد فيه بشرى لكم، والبشارة هو أول ما يصل إليك من الخبر السار، وفي الآية (١٠) في سورة الأنفال قال تعالى: ﴿إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ حذف لكم؛ لأن الآية في الأنفال تقدمها قوله لكم في الآية (٧) مرتين.
إذن: من هذه الآية نعلم أن حضور الملائكة المعركة، وعددهم سواء كثر، أو قل هو مجرد بُشرى؛ لأن النصر الحقيقي هو من عند الله العزيز الحكيم.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: اللام للتأكيد، لتسكن وتهدأ قلوبكم به؛ أي: بالإمداد، وفي الآية (١٠) في سورة الأنفال قال تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ قدم به على قلوبكم بعكس آية آل عمران.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية، إلا: حصراً ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
﴿الْعَزِيزِ﴾: القوي الذي لا يغلب، ولا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد.
﴿الْحَكِيمِ﴾: الذي ينصر من يشاء، ويمنع النصر عمن يشاء حسب ما تراه حكمته.
وفي هذه الآية التي نزلت بخصوص غزوة أحد قدَّم القلوب على الإمداد للاهتمام؛ لأن القلوب في غزوة أحد كانت حزينة مجروحة وخائفة.
وأما في آية الأنفال (١٠) التي نزلت بخصوص غزوة بدر قدَّم الإمداد على
стр. 710
القلوب في غزوة بدر، فقال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لأن الإمداد كان هو المهم والمنتظر.
ولنقارن بين هاتين الآيتين، الآية (١٢٦) من سورة آل عمران، والآية (١٠) من سورة الأنفال:
آل عمران آية (١٢٦): ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ الآية نزلت في غزوة أحد، وآية الأنفال نزلت في غزوة بدر، وغزوة بدر وقعت قبل أحد فبين في بدر (آية الأنفال) أن النصر إلا (حصراً) من عند الله إن الله عزيز حكيم أكد بـ (إن)؛ أي: ليس النصر بالعدد والعدة، وإنما هو من عند الله وحده سبحانه، وعلل النصر بعزته وحكمته، وفي آية آل عمران في وقعة أحد قال إلا من عند الله العزيز الحكيم بأل التعريف؛ أي: الذي تعرفونه سابقاً من غزوة بدر.
الأنفال آية (١٠): ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
الخلاصة: في آل عمران (غزوة أحد)، ولتطمئن قلوبكم به (يعني به الإمداد) قدَّم القلوب في أحد؛ لأن القلوب حزينة مجروحة، وخائفة، والقلوب أهم من الإمداد.
في الأنفال (غزوة بدر): ولتطمئن به قلوبكم (هنا قدَّم الإمداد على القلوب؛ لأن القلوب مطمئنة بالنصر الذي وُعدوه وهم ينتظرون الإمداد الإلهي).
في آل عمران: لم يؤكد، وقال: إلا من عند الله العزيز الحكيم، أما في الأنفال أكد وقال: إن الله عزيز حكيم.
стр. 711
في آل عمران: قال: بشرى لكم، وفي الأنفال: لم يأت بذكر لكم؛ لأن سبقها ذكر لكم مرتين:
الأولى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧].
والثانية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].
وحذف لكم؛ لأنه مفهوم من الآيات السابقة.
سورة آل عمران [٣: ١٢٧]
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾:
﴿لِيَقْطَعَ﴾: اللام: لام التعليل؛ ليقطع بالقتل والأسر.
﴿طَرَفًا﴾: طائفة من الذين كفروا، وهو ما كان يوم بدر من قتل (٧٠) وأسر (٧٠) من رؤساء قريش، ومن هنا: ابتدائية.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: من الكبت: أصل الكبت هو الخزي والإذلال؛ أي: يخزيهم ويذلهم بالهزيمة والخيبة والأسر.
﴿فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: جمع خائب، والخائب الذي لم ينل ما أمّل، والخيبة لا تكون إلا بعد أمل، واليأس قد يكون بغير أمل.
فينقلبوا خائبين: يرجعوا إلى ديارهم مهزومين، لم ينالوا ما كانوا يأملون من النصرة والعزة.
سورة آل عمران [٣: ١٢٨]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾:
﴿لَيْسَ لَكَ﴾: للنفي. لك: اللام: لام الاختصاص، والكاف: للمخاطب، وهو محمد ﷺ ؛ أي: ليس لك يا محمد من الأمر شيء.
стр. 712
﴿مِنَ﴾: استغراقية، تستغرق كل شيء.
﴿الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: الأمر؛ يعني: هزيمة، أو نصر؛ أي: الله مالك أمرهم، إما يهلكهم أو يعذبهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا ليس عليك إلا البلاغ والإنذار، وليس موكلاً إليك قبول توبتهم، أو تعذيبهم.
شيء: نكرة، أي شيء مهما قل، أو كثر، ومهما كان نوعه، وإنما أنت مبعوث لإنذارهم فقط، فالله هو الذي يتوب، ويعذب، وينصر، ويغلب.
وليس لك شيء، ولا تدع عليهم، ولا تتألم لقرارك بالخروج خارج المدينة إلى أُحد لقتالهم وهو ليس السبب في الهزيمة في أحد، وأنت لست مسؤولاً عما حدث في أُحد، فهو تدبير العزيز الحكيم.
﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: حين خرجوا لقتالك، أو للدفاع عن الشرك والباطل. فإنهم: الفاء: للتوكيد، وإن: للتوكيد كذلك، ظالمون: لأنفسهم، وظالمون لغيرهم، ومشركون، وصفة الظلم ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤) لبيان معنى الظلم.
سورة آل عمران [٣: ١٢٩]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: عاطفة، لله: لام الاختصاص، وتقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يفيد الحصر؛ أي: ما في السموات وما في الأرض حصراً له وحده، لا يشاركه أحد في ملكه وحكمه.
﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ملكاً، وخلقاً، وحكماً، وتدبيراً لله وحده.
стр. 713
ما في السموات: كظرف وما فيها كمظروف.
وما في الأرض كظرف وما فيها كمظروف.
وما في السموات لوحدها، وما في الأرض لوحدها، وما في كليهما معاً له وحده.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يحكم في السموات والأرض بما يشاء، فيغفر: يمحو ويستر ذنوب من يشاء من عباده، ويصفح ويعفو بالتوبة.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: بحكمه وعدله، ففي هذ الآية قدم المغفرة على العذاب للترغيب والبشارة، وأما في آية (٤٠) في سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قدم العذاب على المغفرة؛ لأن السياق في السرقة، وقدم العذاب للترهيب والحذر من السرقة.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من غفر؛ أي: كثير الغفران يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك مهما كانت وتنوعت وكثرت.
رحيم: على وزن فعيل؛ أي: يؤخر العذاب والعقاب، ورحيم بعباده المؤمنين دائماً وأبداً في الدنيا والآخرة.
سورة آل عمران [٣: ١٣٠]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَواا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
المناسبة: نجد أن الله يتوقف عن الحديث عن الغزوة، وينتقل إلى الحديث عن الربا، فهل هناك علاقة بين معركة أحد والنهي عن الربا؟
стр. 714
لقد كان من أسباب الهزيمة في أحد هو ترك الرماة مواطنهم في جبل أُحد رغم أن رسول الله ﷺ حذرهم وأوصاهم بعدم فعل ذلك مهما كان الأمر.
ولكن الصحابة (الرماة) عصفت بهم شهوة الغنائم حين ظنوا أن المسلمين قد انتصروا في بداية المعركة، وطمعوا في المال والغنائم، فتركوا مواقعهم إلا العدد القليل الذين استجابوا لدعوة الرسول، وبقوا في أماكنهم؛ مما أدَّى إلى هزيمتهم، وقتل الكثير منهم، وتعرضهم للهلاك، فطمعهم في الغنيمة، والغنيمة مال زائد، والربا كذلك، ولذلك ذكر الربا.
أو يذكرنا الله تعالى بترك الربا، وبذل المال الحلال في سبيل الله، فهذه الغزوات تحتاج إلى تضحية ومال طيب حلال.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بتكليف جديد وأمر جديد.
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿تَأْكُلُوا الرِّبَواا﴾: تأخذوا وشبه أخذ الربا بالأكل. ارجع إلى الآية (٢٧٥) من سورة البقرة؛ للبيان. وهذا يسمى المجاز المرسل، والربا ربا الفضل، وربا النسيئة.
﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾: لا تأخذوا؛ أي: تأكلوا الفائدة المركبة مع مرور الزمن. وما كان عليه الحال في الجاهلية كانوا يؤخرون الدَّين ويزيدون مقابل التأخير الفائدة حتى تتضاعف الفوائد.
١ - في الجاهلية كان إذا حل أجل الدَّين يسألون الذي عليه الدَّين إما أن
стр. 715
تقضي، وإما أن تُربي؛ فإن لم يقضِ زاد عليه الفائدة، وهكذا عام بعد عام يتضاعف مبلغ الربا، ويصبح أضعافاً مضاعفة.
٢ - أضعافاً مضاعفة إذا قارنته برأس المال، مثال: إذا أودعت مبلغاً من المال مثل (١٠٠٠ درهم) بفائدة (١٠%) بعد سنة يصبح المبلغ (١١٠٠ درهم)، ثم تترك (١١٠٠ درهم) سنة أخرى تصبح (١٢١٠) وهكذا أي: تأخذ فائدة على رأس المال، وعلى الفائدة، وهذا يسمى بالربح المركب، فالأضعاف تتضاعف، ويصبح رأس المال الذي بدأت به شيء قليل لا يذكر ضعيف أمام المضاعفة التي حصلت من جراء تراكم الفائدة واستثمارها.
ومال الربا قل أو كثر هو حرام، ولا يقصد هنا أن الربا المضاعف أضعافاً كثيرة هو الحرام فقط، والربا القليل أو البسيط ليس حراماً، فالكل حرام.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا ما نهاكم عنه.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعلكم: للتعليل، تفلحون: أي: اتقوا الله لتفحلوا في دنياكم وآخرتكم، ومعنى الفلاح. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة.
في الدنيا وفي الآخرة بالفوز برضوان الله وجنته.
سورة آل عمران [٣: ١٣١]
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾:
وهنا زاد التأكيد والتحذير من الربا الذي يؤدِّي إلى النار.
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾: أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية (حاجزاً)، وذلك بالالتزام بطاعة الله فيما أمر، أو نهى عنه.
﴿الَّتِى﴾: اسم إشارة.
стр. 716
﴿أُعِدَّتْ﴾: أعدت: تعني بعديد من أنواع العذاب؛ أي: هيئت للمرابين الذين يأكلون الربا، وهذا دليل على النار مخلوقة الآن ولغيرهم من الكفار والمشركين والمنافقين والمجرمين والعاصين.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: ولم يقل: أعدت للذين يأكلون الربا؛ لأن هؤلاء من زمرة الكافرين.
سورة آل عمران [٣: ١٣٢]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: في كل أمر ونهي وتحذير، ولم يقل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كما في آية النساء (٥٩)؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٥٩) للبيان.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: رجاء رحمة الله، ولترحمون: يجب الأخذ بالأسباب الموصلة إلى الرحمة، وطلب الرحمة من الله؛ أي: رجاء رحمة الله، والدعاء ترحمون في الماضي، والمستقبل، والحاضر، رحمة تتجدد وتتكرر.
ارجع إلى الآية (٣٢) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. أطيعوا الله والرسول. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (٨)؛ لمزيد من البيان لعلكم ترحمون، وعسى ربكم أن يرحمكم.
стр. 717
سورة آل عمران [٣: ١٣٣]
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿وَسَارِعُوا﴾: الواو: عاطفة، فهذه الآية معطوفة على ما قبلها من الآيات، واتقوا، وأطيعوا، وسارعوا.
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: بترك الربا حالاً، والسرعة هي الجري بسرعة إلى طلب المغفرة.
والسرعة لا تعني العجلة؛ لأن العجلة مذمومة في معظم الأحوال؛ إلا في دفن الميت، والتوبة، والزواج للبكر، وأداء الأمانة مثلاً، والسرعة مطلوبة من كل إنسان في الإنابة، والتوبة، والاستغفار (طلب المغفرة).
وهناك فرق بين المسارعة والمسابقة (أو السباق).
المسابقة تحتاج إلى أكثر من فاعل، فلا بد من اثنين، أو أكثر لتتم المسابقة، أما المسارعة فقد تتم بواحد.
وسارعوا إلى: إلى: حرف غاية، والغاية هي المغفرة.
والمغفرة: مشتقة من الغفر، والغفران؛ أي: الستر ستر الذنوب، وبالتالي العفو عنها.
سارعوا إلى مغفرة من ربكم: ومغفرة نكرة؛ أي: مغفرة صغيرة وكبيرة؛ أي:
стр. 718
سارعوا إلى موجبات المغفرة وأولها هي الإسراع بالتوبة، والإنابة إلى الله، وترك الذنب، وكثرة الاستغفار، والإكثار من العمل الصالح، وفعل الخير.
من ربكم: الرب المربي المتولي بتدبير أموركم الذي خلقكم، ورزقكم، ورباكم.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: وسارعوا إلى جنة: نكرة؛ لأن هناك جنات كثيرة: جنات عدن، جنات الفردوس، جنات النعيم وغيرها. سارعوا إلى أي جنة من هذه الجنات، والإسراع يعني إلى موجبات الدخول في الجنة؛ كالقيام بالعمل الصالح، والإيمان وطاعة الله ورسوله.
جنة عرضها السموات والأرض: عرضها السموات السبع والأرض، فما طولها؟ لا يعلمه إلا الله.
﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق (الملكية). أعدت: هيئت وأحضرت، فهي الآن موجودة ومخلوقة، وتنتظر أهلها.
المتقين: جمع متقٍ، والمتقي هو من أطاع أوامر الله، وتجنب ما نهى الله عنه.
ولا بد من مقارنة هذه الآية (١٣٣) من آل عمران مع الآية (٢١) من سورة الحديد؛ لنرى الكثير من الفروق:
آل عمران (١٣٣): ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
الحديد (٢١): ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾.
стр. 719
الاختلاف الأول: آية سورة آل عمران: تخاطب المتقين، وتحثهم بأن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم وجنة.
بعد أن طلب منهم التقوى: ﴿فَاتَّقُوا﴾، وطاعة الله ورسوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
وبدأ بواو العاطفة.
آية سورة الحديد: تخاطب الذين آمنوا بالله ورسله، وهم أقل درجة من المتقين في الإيمان.
ولكن الذين آمنوا بالله ورسله أكثر عدداً من المتقين، وتحثهم على المسابقة إلى مغفرة من ربهم وجنة بعد أن بين لهم أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة.
الاختلاف الثاني: في آية سورة آل عمران: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
في آية سورة الحديد: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾.
الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض أوسع، أو أكبر من الجنة التي عرضها السموات والأرض؛ لأن السماء أوسع وأكبر من السموات، فالسماء تشمل السموات السبع وغيرها.
وبما أن عدد الذين آمنوا بالله ورسله أكثر من المتقين فهم يحتاجون إلى مكان أوسع، ولذلك ناسبهم قوله تعالى: كعرض السماء والأرض.
والمتقون أقل عدداً ناسبهم جنة عرضها السموات والأرض (أقل مساحة من السماء والأرض).
стр. 720
سورة آل عمران [٣: ١٣٤]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:
أعدت للمتقين الذين من صفاتهم الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾: جاء بالفعل المضارع الذي يدل على التجدد، والاستمرار في الإنفاق.
الذين: اسم موصول يفيد المدح والتعظيم.
﴿فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: في الغنى واليسر، والضراء: هو البلاء الذي يصيب البدن خاصة مثل المرض والسقم والفقر؛ ينفقون بكثرة في السراء والضراء.
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: الكاظمين: جمع كاظم، والكظم: هو حبس الغيظ في الصدر مع القدرة على إمضائه؛ أي: إخراجه وإظهاره للغير.
والغيظ: هو غم أو هيجان النفس بسبب سوء لحق بها من الغير؛ أي: هو ألم شديد يحدث في النفس عند الاعتداء عليها بسبب مادي حسي أو معنوي. ارجع إلى سورة التوبة، آية (١٥)؛ لمزيد من البيان.
وأصل الكظم مشتق أن تملأ القربة (وعاء لنقل الماء عند العرب قديماً)، وهو جلد مدبوغ فإذا ملئت بالماء شد على رأسها، أي: رُبط على فتحتها ربطاً محكماً بحيث لا يخرج من الماء شيءٌ، ويقال عن هذا الفعل كظم القربة؛ أي: ملأها وربطها، ومن ليونة القربة يحاول الماء أن يخرج منها دائماً، وكذلك الغيظ: فهو يشبه الماء في القربة، والقربة هي النفس البشرية.
يريد الله منا أن نُحكم ونربط ونكظم النفس البشرية؛ كي لا يخرج منها الغيظ، كما نربط ونكظم القربة.
стр. 721
﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: العفو: ترك العقوبة على الذنب.
العفو: ترك عقوبة من أذنب، وعدم مؤاخذته مع القدرة على الأخذ بالعقوبة، أو عدم العفو، ولا يقتضي إيجاب الثواب.
أما الغفران: فهو ترك العقوبة (يسقط عنه العقاب)، ويعطيه ثواباً على أعماله الصالحة (أي: الغفران= العفو+ الثواب).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: الله يحب كل محسن بما فيهم هؤلاء المتقين الكاظمين، والعافين عن الناس، فهؤلاء وصلوا مرحلة الإحسان.
وللمزيد عن الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة.
سورة آل عمران [٣: ١٣٥]
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا﴾: إذا: ظرفية شرطية.
﴿فَاحِشَةً﴾: أي: المعاصي والذنوب وتشمل الكبائر؛ (أي: كل كبيرة)، وقيل: الفاحشة الأمر القبيح المنكر من الأفعال والأقوال، وكثيراً ما استعملت في الزنى، أو اللواط، وعبادة الأصنام، ومعصية الرسول، وتعني: القذف، والإفك، وغيرها، والفاحشة قد يكون لها حد كحد الزنى، واللواط.
﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بعمل الصغائر من الذنوب، أو فعلوا ذنباً دون الفاحشة، وظلم النفس هو الذنب الذي يقتصر أثره على الفاعل، وظلم النفس بأن يوردها العذاب، أو العقاب، أو موارد التهلكة.
﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: بألسنتهم وقلوبهم؛ أي: تذكروا نهي الله للقيام بتلك الأعمال، أو تذكروا وعيده فخافوا الله ولاموا أنفسهم.
стр. 722
﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾: الفاء: تدل على سرعة الاستغفار والتوبة، والندم، وعدم العودة إلى ما فعلوه، واستغفروا الله لذنوبهم.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾: ومن: استفهام يقصد منه النفي؛ أي: لا يغفر الذنوب إلا الله، وهذا من فضله وإحسانه، وكرمه أنه يغفر الذنوب جميعاً؛ إلا الشرك والكفر. إلا: أداة حصر؛ أي: فقط الله سبحانه هو الذي يغفر الذنوب. الذنوب: جمع ذنب، والذنب: هو الخطيئة، والذنوب: هي الخطايا، وتشمل السوء، والفحشاء، وقيل: السوء: الذنوب التي لا يوجد لها حد، والفحشاء: ذنوب لها حد.
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾: ولم: الواو: عاطفة، لم: حرف نفي، والإصرار: هو الثبات على الشيء، والمداومة، والإقامة عليه؛ أي: لم يستمروا، أو يداوموا على فعل القبيح، والذنوب.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنهم قد أذنبوا وخالفوا ما أمر الله به، ويعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب، ويقبل التوبة عن عباده.
سورة آل عمران [٣: ١٣٦]
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد؛ للدلالة على علو منزلتهم.
﴿جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: الجزاء: فيه معنى المقابلة شيء بشيء جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، وفيه معنى المماثلة، والجزاء إما العقاب، وإما الثواب، والجزاء أعم من الأجر فيه الصالح والطالح، وأما إذا أراد النفع يستخدم الأجر.
أي: جزاؤهم مغفرة من ربهم: أي: يمحو عنهم ذنوبهم، ولن يعاقبهم، ولهم ثواب آخر هو:
стр. 723
﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: قيل: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود: اللزوم المستمر؛ أي: البقاء المستمر من وقد مبتدأ هو دخولهم الجنة.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: الأجر: هو جزاء العمل، سواء كان دنيوياً، أم أخروياً؛ أي: الأجر مقابل العمل، ويأتي دائماً بالنفع. أما الجزاء فقد يأتي بالنفع، أو الضرر. نِعْمَ: فعل ماض لإنشاء المدح، نعم هذا الأجر وهو الجنة، أو نعم أجر العالمين الجنة.
لنقارن ثلاث آيات وردت فيها نعم أجر العاملين:
١ - آل عمران (١٣٦): ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: زيادة الواو.
٢ - العنكبوت (٥٨): ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: بدون الواو.
٣ - الزمر (٧٤): ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: بالفاء.
الواو: أوسع من الفاء، وتفيد مطلق الجمع، وتدل على السعة في الاختيار، وأرحب زمناً، ولا تفيد الترتيب، والتعقيب.
١ - في آل عمران: زاد الواو، فقال: ونعم أجر، الواو: تفيد التعدد، والتفخيم؛ لأنه ذكر المتقين الذين ينفقون، الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، والذين إذا فعلوا فاحشة ولم يصروا والمحسنين جزاؤهم مغفرة، وجنات كلها أوصاف معطوفة ناسبها: ونعم أجر العاملين.
٢ - بينما في العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: (لم يذكر لهم أوصافاً)، وهؤلاء لا يزالون في الدنيا، وهم آمنوا وعملوا الصالحات فدرجتهم: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
стр. 724
٣ - أما في آية الزمر: جاءت في سياق هؤلاء الذين دخلوا الجنة، وسلمت عليهم الملائكة وهم يتبوَّءُون من الجنة حيث يشاؤون، فهؤلاء يناسبهم فنعم أجر العاملين.
إذن الفاء أقوى، أو أعلى درجة من الواو، والواو أعلى درجة من غير الواو.
فالموصوفون في آية الزمر أعظم درجة من الموصوفين في آية آل عمران، والموصوفون في آية آل عمران أعظم درجة من الموصوفين في آية العنكبوت.
ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة الزمر، والآية (٥٨) من العنكبوت للمقارنة، ولمزيد من البيان.
سورة آل عمران [٣: ١٣٧]
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق؛ أي: الواقع المذكور في هذه الآية قد حدث.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مضت؛ أي: حصلت في أزمان سبقت هذا الكلام.
﴿سُنَنٌ﴾: جمع سنة، وهي الطرق التي يصرف الله بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون، وسنن الله في خلقه وقوانينه، من هذه السنن: أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
سنة التولية: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].
سنة التدافع: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
سنة التداول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠].
стр. 725
سنة الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
سنة التسخير: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
﴿فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أي: سافروا للسياحة سفر للعبرة غايته الاتعاظ، والاطلاع على آثار وديار الهالكين من القرون الأولى، السير: يعني السفر، فانظروا: فاعتبروا بالوقوف على ديار الهالكين المكذبين، وما حل بهم من دمار، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط.
ولنقارن هذه الآية بآية (١١) من سورة الأنعام: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
استعمل فيها (ثم) بدلاً من (الفاء)، ثم: فيها تراخٍ، ومهلة؛ أي: سيروا في الأرض لطلب العلم مثلاً، أو للتجارة، أو الرزق، وخلال أو بعد ذلك قوموا بزيارة ديار الهالكين، والمكذبين، والآثار التي تركوها.
أما سيروا فانظروا: الفاء: تعني السفر الذي غايته الأساسية: السياحة والعبرة، ورؤية ديار الهالكين، والمكذبين مباشرة بعد الخروج.
سورة آل عمران [٣: ١٣٨]
﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ للقرب تشير إلى القرآن الكريم.
﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: البيان: هو القول الحق، الذي يُبيِّن المطلوب منكم، ويبيِّن لكم الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وافعلوا، ولا تفعلوا.
стр. 726
للناس: اللام: لام الاختصاص، للناس: عامة الإنس، والجن (الثقلين).
﴿وَهُدًى﴾: مصدر للهداية، أو الهادي إلى الصراط المستقيم، والرشد. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة.
﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: أي: وصية، ونصيحة، وتحذير بفعل الخير، والبعد عن الشر. ارجع إلى سورة النحل آية (١٢٥).
﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: إذن القرآن بيان للناس عامة، وهدى، وموعظة للمتقين. اللام: لام الاختصاص، للمتقين فقط، أو خاصة.
سورة آل عمران [٣: ١٣٩]
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية، ﴿تَهِنُوا﴾: من الوهن: وهو الضعف، وهو أن يفعل الإنسان المعافى في بدنه وعقله فعل الضعيف. وقيل: الوهن الجبن، وتعني كذلك: ولا تقعدوا عن الجهاد في سبيل الله بعد معركة أُحد.
﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية.
تحزنوا: من الحُزُن، بضم الزاي يكون على شيء مضى، وهو ضيق مؤقت محدود، وينتهي عاجلاً أو آجلاً.
أما الحَزَن: بفتح الزاي، فلا ينتهي أبداً، ويستمر، ويموت مع الإنسان.
وسبب الحُزن: هو قتل (٧٠) من الأنصار و (٥) من المهاجرين يوم أحد، ومنهم حمزة، ولما أصاب رسول الله ﷺ من شج وكسر، وما أصاب المسلمين من هزيمة، والغنائم التي فاتتهم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٣).
﴿وَأَنْتُمُ﴾: الواو: حالية للتوكيد، أنتم: ضمير منفصل يفيد التوكيد.
﴿الْأَعْلَوْنَ﴾: الغالبون في نهاية الأمر؛ بشرط أن تكونوا من المؤمنين،
стр. 727
وتطيعوا الرسول ﷺ فيما يأمركم به، وينهاكم عنه، الغالبون في الآخرة: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
سورة آل عمران [٣: ١٤٠]
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية جازمة تدل على احتمال الحدوث، أو ندرته.
﴿يَمْسَسْكُمْ﴾: من المس، وهو الإصابة الخفيفة، والمس هو مجرد اللمس.
﴿قَرْحٌ﴾: نكرة؛ أيُّ قرحٍ، والقرح: الجرح في البدن نتيجة أثر السلاح، وأدوات الحرب كما حدث في أُحد.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾: فقد أصاب القوم (قريش، أو الكفار) قرحٌ مثله (يوم بدر). انظر كيف استخدم يمسسكم (فعل مضارع) لما حدث يوم أحد، أو لقرب يوم أحد من زمن نزول الآية، واستخدم مس (فعل ماض) لما حدث يوم بدر.
﴿وَتِلْكَ﴾: الواو: استئنافية، تلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
﴿الْأَيَّامُ﴾: أيام الغلبة، والنصرة، والفوز، والظفر.
﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: من المداولة، وهي دوال الشيء؛ أي: نقل الشيء
стр. 728
من واحد إلى آخر؛ أي: نصرّفها يومٌ لك ويومٌ عليك، أو تارةً لهؤلاء، وتارةً لهؤلاء.
ولم يقل الحق: نداولها بين المؤمنين، والكافرين؛ لأن ما حدث في أُحد هو مخالفة لأوامر رسول الله ﷺ ، وعصيان، وخروج عن المنهج، وعندما فعلوا ذلك أصبحوا مجرد ناس عاديين مثل غيرهم؛ لأنهم خسروا ميزة الإيمان، وميزة الطاعة، وعندها فإن النصر يكون لكم يوماً، ولهم يوماً؛ لأنكم متساوون معهم في عدم الإيمان، وطلب الدنيا.
وأما لو ظلوا مؤمنين، ولم يعصوا رسول الله ﷺ لما انتقل النصر إلى غيرهم من الكفار، والدليل على ذلك أنهم كانوا منتصرين في بداية معركة أُحد.
والمقصود بالأيام: ليس الليل والنهار، أو (٢٤) ساعة، بل أيام النصر أوقات الغلبة؛ لأن الله سبحانه قد وعد المؤمنين بأن لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً.
ومن هذه الآية نعلم: أن المسلمين إذا تخلوا عن نهج الله ودينه، وعصوا رسوله صاروا مجرد بشر كغيرهم من البشر، فإذا اشتركوا في أي معركة، وهم مجرد بشر، والإيمان ليس ميزةً لهم، فالنصر يكون لمن فاق عدده، وعدته؛ لأنهم أصبحوا سواسية (الكل بدون إيمان).
أي: تلك الأيام نداولها بينكم، وبين عدوكم.
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: الواو: عاطفة.
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ليُري الله الذين آمنوا صدقهم في إيمانهم، أم ادعاءهم، وكذبهم؛ ليقيم عليهم الحجة؛ لأن الله سبحانه يعلم ما هم عليه من إيمان، وإخلاص، ويعلم نواياهم منذ الأزل، ومن هو الفائز، والمنتصر قبل أن تبدأ المعركة.
стр. 729
والغاية من هذا الابتلاء كي يُبيِّن للذي آمن مدى صدقه حتى لا يدعي أنه كان سيفعل كذا، وكذا، أو يجاهد ولم تتسنَّ له الفرصة، أو أنه لو دُعي للجهاد لجاهد، وصمد، وقاتل في سبيل الله، ولكن ما إن يبتليه الله تعالى وتحدث المعركة ينسحب ويفر.
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾: يوم أُحد أو غيره من الأيام؛ أي: ليكرم أناساً منكم بالشهادة؛ لصدق إيمانهم، والشهداء جمع شهيد، وهو من يُقتل في سبيل الله تعالى.
ويجب الانتباه إلى قوله: (وليعلم) و (يتخذ): أضاف اللام في كلمة (ليعلم)، ولم يضفها في (يتخذ)، ولم يقل: وليتخذ منكم شهداء.
لأن الأهمية في كلمة (ليعلم) أشد، وأهم من كلمة (يتخذ منكم شهداء)؛ أي: إقامة الحجة، وابتلاء الذين آمنوا عند الله أهم من اتخاذ الشهداء.
وإذا كان الأمران متساويين في الأهمية، كما في آية (١٢) من سورة الإسراء: ﴿لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: الأهمية كما في لتبتغوا، ولتعلموا متساوية، جاء باللام في كلا الأمرين.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين الذين انصرفوا راجعين يوم أحد مع ابن أُبي ابن سلول.
أو هؤلاء الذين عصوا رسول الله ﷺ ، ولم يثبتوا في مقاعد القتال، بل غرَّتهم الغنائم والدنيا؛ مما أدَّى إلى الهزيمة، والفشل.
стр. 730
سورة آل عمران [٣: ١٤١]
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: الواو: عاطفة، واللام: للتوكيد.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: يمحص: مشتقة من المحص، يقال: محص الذهب: أي: أزال عنه ما يشوبه من الخَبث، والعناصر غير المرغوب بها؛ أي: طهره ويكون ذلك باستعمال النار.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يطهرهم كما يُطهر الذهب، ويخلصهم من ذنوبهم، وذلك بالابتلاء، والاختبار، كما حدث في يوم أُحد، أو بالجهاد، أو غيره.
﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: المحق: هو النقص، ومحو الشيء، ويكون ذلك شيئاً فشيئاً؛ حتى يفنى، ويزول؛ أي: يستأصل الكافرين بالقتل وغيرها فينقص عددهم
إذن مداولة الأيام: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: للتمحيص والاختبار والتطهير من الذنوب، والتصفية للمؤمنين، وفي نفس الوقت هو استئصال للكافرين، ومحو لآثارهم.
وأضيفت اللام في ليمحص، ولم تضف إلى كلمة يمحق؛ لأن المهم والتأكيد هو التمحيص في عملية المداولة، وأما محق الكافرين فليس له نفس أهمية التمحيص.
стр. 731
سورة آل عمران [٣: ١٤٢]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾:
الخطاب في هذه الآية إلى صحابة رسول الله ﷺ خاصة الذين عصوا أمره يوم أُحد، ولم يثبتوا في مواقعهم على جبل أحد، والمؤمنين بشكل عام في كل زمان ومكان.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا﴾: ارجع إلى الآية (٢١٤) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾: لما: للنفي المستمر إلى زمن الحال، أو التكلم، وهي بمعنى: لم، وفيها معنى التوقُّع.
﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ﴾: أي: الذين جاهدوا منكم حقيقة، وقتلوا في سبيل الله، والذين لم يجاهدوا وتركوا مواقعهم على جبل أحد طمعاً في الغنيمة فهؤلاء نفى عنهم الجهاد يوم أحد، مع توقُّع الجهاد منكم في المستقبل؛ أي: لم تجاهدوا حقيقة يوم أحد.
﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة يوم أُحد، وتنالوا الرضا والقرب من الله، وأنتم لم تجاهدوا في سبيل الله جهاد المخلصين، بل عصيتم رسول الله ﷺ ، وما ظهر، أو بدا منكم خيراً يوم أحد؛ حتى يعلمه الله، ولم تجاهدوا، ولم تصبروا، كما كان مطلوباً منكم؛ لكي تستحقوا الجنة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١٤) لمقارنة الآيات المتشابه في سورة البقرة وسورة التوبة آية (١٦).
سورة آل عمران [٣: ١٤٣]
﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾:
سبب النزول: عن ابن عباس ﵄: أن رجالاً من الصحابة كانوا يقولون:
стр. 732
ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر بعد أن أخبرهم رسول الله ﷺ بما حصل للشهداء من كرامة يوم بدر، فتمنوا أن يستشهدوا، ويلحقوا بإخوانهم، فأراهم الله يوم أُحد، فلم يلبثوا إلا عصوا رسول الله ﷺ ، وانهزموا؛ إلا من شاء الله منهم فنزلت هذه الآية.
﴿وَلَقَدْ﴾: قد: للتحقيق، اللام: للتوكيد.
﴿كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾: أي: الجهاد، والشهادة في سبيل الله مع النصر على الأعداء. والسؤال لما عدل عن ذكر الشهادة أو في سبيل الله فذكر الموت كالقول: ولقد كنتم تتمنون الشهادة أو الموت في سبيل الله قد يكون السبب؛ لأنهم خالفوا أوامر رسول الله ﷺ في معركة أحد، أو لأنهم لم يبقوا في المدينة كما أشار رسول الله، وخرجوا إلى أحد تمنون الموت: ولم يقل: تتمنون الموت، حذف إحدى التاءَين قد يعني تمني الموت الذي يقصد به القتل (الشهادة) مع النصر، أو القتل (الشهادة) ولو كان مع الهزيمة، وحذف أحد التاءَين؛ لأنه تحقق القتل (الشهادة) فقط بدون النصر وما حدث الشهادة مع الهزيمة، ولو حدثت الشهادة في سبيل الله مع النصر؛ لقال: تتمنون الموت، والله أعلم.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾: من قبل أن تشاهدوا الموت، وتعرفوا شدته، وويلاته.
﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: الرؤية أنواع قد تكون:
١ - بمعنى العلم.
٢ - وقد تعني الظن.
٣ - والرؤيا بالعين.
وهنا كانت رؤية باليقين رؤية يقينية.
стр. 733
فقد: الفاء: للتوكيد، وقد: كذلك للتوكيد.
فقد رأيتموه: أي: الموت، وأنتم تنظرون: جاءت لتحدِّد وتؤكد نوع الرؤيا، فهي رؤيا حقيقية بأم العين (عين اليقين).
والموت بذاته لا يُرى، ولكن آثار الموت هي التي تُرى.
سورة آل عمران [٣: ١٤٤]
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ما: النافية.
﴿مُحَمَّدٌ﴾: رسول الله ﷺ .
ورد اسمه ﷺ (محمد) في القرآن في أربع آيات فقط هي:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ﴾ [الفتح: ٢٩].
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾ [محمد: ٢].
وورد اسمه ﷺ أحمد مرة واحدة في سورة الصف، آية (٦).
وخوطب بـ (يا أيها النبي) و (يا أيها الرسول) في بقية الآيات. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٤١)؛ للبيان.
وكلمة محمد، أو أحمد من مشتقات الحمد؛ أي: فعل حمد.
стр. 734
فقالوا: أحمد وقع الحمد منه لغيره، فأحمد هو أحمدُ خلقِ اللهِ للهِ، أو أحمدُ البشرِ للهِ، وأكثر حمداً مما لو قال اسمه حامد مثلاً.
ومحمد: ذات يقع عليها الحمد من غيرها؛ أي: يحمده الكثير من الخلق، أكثر مما لو قال اسمه محمود مثلاً.
ولرسول الله ﷺ أسماء أخرى بالإضافة إلى محمد وأحمد؛ الحاشر، والمُقَفَّى، والماحي، ونبي الرحمة وطه.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، إذن: رسول يعني: نبي كذلك. قد: للتحقيق والتوكيد.
وما: للنفي، محمد إلا: للحصر، رسولٌ: حتى لا يظن أحدٌ أن رسول الله ﷺ لا يموت، ولا يُقتل، أو يصبه ما يُصيب غيره من الجراح.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أي: مضت من قبله الرسل.
﴿أَفَإِين مَاتَ﴾: قيل: نزلت هذه الآية يوم أُحد حين قال قوم من المنافقين: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول. وقال آخرون: لو كان نبياً ما قُتل.
﴿أَفَإِين﴾: الهمزة استفهام فيها معنى التحذير من الانقلاب على الأعقاب، وكلمة ﴿أَفَإِين مَاتَ﴾ وردت في موت الرسول ﷺ فقط، فالله خصه بهذه الكلمة؛ ليلفت النظر إلى أن رسول الله ﷺ بشر وسيموت، كما مات سائر الرسل من قبله؛ أي: سيخلو كما خلوا؛ لأنهم اعتقدوا أنه ليس كسائر الرسل ولن يخلو كما خلوا، وهذا في اللغة يسمى فن القصر، قصر قلبي.
﴿مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾: كلاهما يؤدِّي إلى فقدان الحياة.
стр. 735
ولكن الموت، والذهاب بالحياة في القتل يكون بنقض البنية؛ أي: البدن الذي يصبح غير ملائم لسكن الروح؛ مما يؤدِّي إلى خروج الروح؛ فالقتل: هو إرغام الروح على الخروج من البدن الذي تغيَّر.
وأما في الموت الطبيعي هو الذهاب بالروح أولاً؛ أي: خروج الروح أولاً، والبدن سليم حين خروجها، وبعد خروجها يموت البدن.
ففي الموت العادي: فالروح تخرج أولاً؛ مما يؤدِّي إلى موت البدن. وأما في القتل: البدن يموت أولاً، أو يتغير (يصبح غير صالح كسكن للروح) مما يرغم الروح على الخروج.
كان موته ﷺ يوم الإثنين، وهو كذلك يوم دخوله ﷺ المدينة.
﴿انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: الانقلاب: العودة، أو الرجوع إلى حالة غير الحالة التي كانوا عليها سابقاً. ولو عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل؛ لقال: رجعتم فالانقلاب هو غير الرجوع.
فالانقلاب: هو الرجوع، ولكن إلى غير الحالة السابقة التي كانوا عليها. مثال: انقلب الطين خزفاً، ولا تقل رجع الطين خزفاً؛ لأنه لم يكن قبل ذلك خزفاً. وشبه سبحانه من ارتد عن دينه بالرجوع على الأعقاب (جمع عقب: وهو مؤخَّر القدم)، وهذا يسمى استعارة في علوم الجمال اللغوي.
أعقابكم: جمع عقب: وهو مؤخَّر القدم.
انقلبتم على أعقابكم؛ أي: رجعتم كفاراً بعد الردة (ارتددتم إلى الكفر)، وكذلك قد تعني: رجعة القهقرى من أرض المعركة؛ أي: فررتم من أرض المعركة خوفاً من القتل، أو فررتم من أرض المعركة؛ لكونكم سمعتم أن محمداً ﷺ قُتل.
﴿وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: ومن: الواو: استئنافية، من: شرطية، ينقلب
стр. 736
على عقبيه؛ أي: يرتد عن دينه، أو يترك أرض المعركة، وينقلب إلى المدينة، فلن يضر الله شيئاً.
﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: شيئاً بكل تأكيد، وشيئاً: نكرة؛ أي: لن يضر الله تعالى شيئاً قليلاً، أو كثيراً، والشيء هو أقل القليل، وإنما ضره يعود على نفسه.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، ولن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد؛ لأن الله سبحانه أزلاً، وقبل أن يخلق شيئاً له صفات الكمال، فخلق الخلق، وعبادتهم أو عدمه لا يُغيِّر في صفات كماله سبحانه.
﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: الواو: استئنافية، والسين: للمستقبل القريب. الشاكرين: هم الذين لم ينقلبوا (بالإدبار من أرض المعركة، أو الارتداد عن الإسلام، أو استشهدوا في سبيل الله يوم أحد). وإذا نظرنا إلى الآية التالية (١٤٥) وهي قوله تعالى وسنجزي الشاكرين: نجد أن الآية (١٤٤) صرح بالفاعل، والآية (١٤٥) أخفى الفاعل؛ لأنه تقدم ذكره في الآية السابقة (١١٤).
وسماهم شاكرين: لأنه اعتبر ثباتهم شكراً لله، وكذلك قتلهم في سبيل الله تعالى شكراً، والثبات والصبر في أرض المعركة، أو الاستشهاد يستوجب الجزاء؛ أي: الثواب من الله تعالى بأعظم الأجور، وأحسن المثوبات في الدنيا والآخرة.
سورة آل عمران [٣: ١٤٥]
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية؛ لنفي الحال، والمستقبل، والماضي، والحاضر (كل الأزمنة).
﴿كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾: أي: ما تستطيع، أو تقدر؛ أي: نفس أن تموت؛ إلا بإذن الله بأمر من الله؛ حتى وإن حاولت الانتحار المرات العديدة، بأخذ مادة
стр. 737
سامة أو غيرها من الوسائل وإن تظن أنها قادرة فهي غير قادرة إلا إذا شاء الله سبحانه؛ لأن الموت بيد الله تعالى وحده.
لنفس: اللام: لام الاستحقاق. أن: للتوكيد.
﴿تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بأمر من الله تعالى إلى ملك الموت الموكل بقبض الروح.
﴿كِتَابًا﴾: أي: كتب الله لكل نفس أجلاً، وتقديره: كتب كتاباً.
﴿مُّؤَجَّلًا﴾: كتاباً ذا أجل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، والأجل: المدة المضروبة لانقضاء الشيء، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره.
وفي هذه الآية حثٌّ وتحريض على الجهاد في سبيل الله، ولن يموت أحدٌ قبل أجله، ولو بثانية واحدة سواء جاهد أو مات على فراشه.
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾: من: الشرطية، يُرد: أي: بعمله؛ أي: يطلب بعمله ثواباً. وإذا قارنا يرد، وأراد: يرد فيها تجدد وتكرار؛ لأنها بصيغة المضارع؛ أي: يرد مرات عديدة، وإرادة الثواب يتجدد ويتكرر؛ ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٩)، وآية (١٨) للمقارنة والبيان.
﴿ثَوَابَ﴾: في اللغة هو الجزاء على العمل، ويكون في الخير والشر، وعادة يشمل الأعمال الصالحة والعقائد.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: مثل النصر، والغنيمة، والعزة، والشهرة، والمال، والرزق، وفيه تعريض، أو إشارة بالذين شغلتهم الغنائم يوم أُحد.
﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾: هو نعيم الجنة عادة، وفيه إشارة لمن ثبت يوم أُحد.
﴿نُؤْتِهِ﴾: أصلها نؤأته حذف فيه الهمزة، أو نؤتيه؛ أي: ما نشاء؛ أي: ما قدر له، وليس ما يشاء العبد.
стр. 738
أو من قصد بجهاده، أو بعمله الدنيا أُعطي منها، ومن قصد بجهاده، وبعمله الآخرة أُعطي منها، ومن الدنيا معاً.
﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾: فيه إعادة، وتكرار للتأكيد على الشاكرين حيث قال سبحانه في الآية (١٤٤): وسيجزي الله الشاكرين.
وإذا انتبهنا إلى الآية نجد هناك مؤتي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، وهناك مجزي ﴿سَنَجْزِى﴾.
والمؤتي: هو الله سبحانه، والمجزي: هو الله سبحانه، إذن المؤتي والمجزي واحد، وهو الله .
لنقارن هذه الآية مع الآية (٢٠) من سورة الشورى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
في آية آل عمران: من يريد ثواب الدنيا نؤته منها، وفي آية الشورى: من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها بلا زيادة، (وما له في الآخرة من خلاق)، فالحرث يعني: الزرع، والنتيجة هي الثواب.
فمن يحرث ويسعى للدنيا، ويرجو ثوابها؛ نؤته منها؛ من مال، ومتاع، وشهرة، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا.
ومن يحرث للآخرة، ويسعى لها، ويرجو ثوابها؛ نضاعف له ذلك الحسنة بعشر أمثالها، أو أكثر، ويؤت الدنيا والآخرة معاً.
سورة آل عمران [٣: ١٤٦]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾:
المناسبة: هذه الآية فيها تذكير لصحابة رسول الله ﷺ الذين قاتلوا يوم
стр. 739
أُحد، لماذا لا يكونوا كهؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع أنبيائهم في السابق، أو في غيرها من المعارك والغزوات.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مركبة من كأن التشبيه، وأي المنونة، فصارت كلمة واحدة: كأين عند أكثر النحاة، وهناك من قال اسم غير مركب، ووردت في القرآن في (٧) آيات هي: آل عمران (١٤٦)، يوسف (١٠٥)، الحج، (٤٥، ٤٩)، العنكبوت (٦٠)، محمد (١٣) الطلاق (٨)، ولم ترد في القرآن إلا مقرونة مع (من)، ومعناها بمعنى كم الخبرية التي تفيد التكثير وتفيد التفخيم وربما الاستفهام، ولمقارنة كأين، ويكأن: ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥).
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿نَّبِىٍّ﴾: أي: كثير من الأنبياء، ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾: ربيون؛ أي: جاهدوا معهم، ونصروهم في الدنيا.
﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾: أي: ناس ذو خبرة عسكرية قتالية، وسياسية بالمفهوم الحديث، أو بالمعنى القديم (يفهمون سبل الحرب)، وهم عادة أتقياء، وعباد صالحون مؤمنون برسالة أنبيائهم. كثير: (جماعة كثيرة).
وما هو الفرق بين (ربيون، وربانيون) كما ورد في قوله تعالى في آية (٧٩) من سورة آل عمران: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
الربانيون: تطلق على العلماء الراسخين في علوم الدِّين، والفقه، الأتقياء الصالحين. ارجع إلى الآية (٧٩) من آل عمران؛ لمزيد من البيان.
ربيون: خبراء، أو ذوي خبرة في علوم الدنيا، ومنها الخبرة العسكرية، والقتالية، الأتقياء الصالحين، كما قلنا سابقاً.
стр. 740
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد، ما: نافية.
﴿وَهَنُوا﴾: من الوهن، وهو الجبن، وخور القوى مع كون الجسم قوياً، ولا علة فيه، ومحله القلب، ومنه الخوف الشديد الذي يصيب الإنسان؛ فيؤدِّي إلى عدم الرغبة في الجهاد في سبيل الله، أو للقعود عن الجهاد.
﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: ما: بمعنى الذي، وما أعم وأشمل من الذي أصابهم في سبيل الله من الجراحات والقتل والأسر وغيرها لم يؤدِّ بهم إلى الوهن، ولا الضعف، ولا إلى الاستكانة.
﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: تكرار (ما) يفيد زيادة التوكيد. وفصلَ كلاً على حدة، الوهن والضعف، ولا كلاهما.
والضعف: بفتح الضاد يكون في الجسم والرأي، أو العقل.
والضُّعف: بضم الضاد يكون فقط في الجسم (مرض عضوي).
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: ما: النافية. الاستكانة: من السكون: وهو عدم الحركة؛ لأن الذي يحارب يحتاج إلى فرٍّ وكرٍّ، وتعني هنا: استسلموا، وخضعوا، وذلوا لأعدائهم.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: أي: هؤلاء الربيون يجب عليهم الصبر في سبيل الله، والثبات في أرض المعركة؛ لأن الله يحب الصابرين.
سورة آل عمران [٣: ١٤٧]
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية.
﴿كَانَ قَوْلَهُمْ﴾: دعاءَهم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
следующие страницы →