← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

على عقبيه؛ أي: يرتد عن دينه، أو يترك أرض المعركة، وينقلب إلى المدينة، فلن يضر الله شيئاً. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: شيئاً بكل تأكيد، وشيئاً: نكرة؛ أي: لن يضر الله تعالى شيئاً قليلاً، أو كثيراً، والشيء هو أقل القليل، وإنما ضره يعود على نفسه. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، ولن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد؛ لأن الله سبحانه أزلاً، وقبل أن يخلق شيئاً له صفات الكمال، فخلق الخلق، وعبادتهم أو عدمه لا يُغيِّر في صفات كماله سبحانه. ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: الواو: استئنافية، والسين: للمستقبل القريب. الشاكرين: هم الذين لم ينقلبوا (بالإدبار من أرض المعركة، أو الارتداد عن الإسلام، أو استشهدوا في سبيل الله يوم أحد). وإذا نظرنا إلى الآية التالية (١٤٥) وهي قوله تعالى وسنجزي الشاكرين: نجد أن الآية (١٤٤) صرح بالفاعل، والآية (١٤٥) أخفى الفاعل؛ لأنه تقدم ذكره في الآية السابقة (١١٤). وسماهم شاكرين: لأنه اعتبر ثباتهم شكراً لله، وكذلك قتلهم في سبيل الله تعالى شكراً، والثبات والصبر في أرض المعركة، أو الاستشهاد يستوجب الجزاء؛ أي: الثواب من الله تعالى بأعظم الأجور، وأحسن المثوبات في الدنيا والآخرة. سورة آل عمران [٣: ١٤٥] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية؛ لنفي الحال، والمستقبل، والماضي، والحاضر (كل الأزمنة). ﴿كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾: أي: ما تستطيع، أو تقدر؛ أي: نفس أن تموت؛ إلا بإذن الله بأمر من الله؛ حتى وإن حاولت الانتحار المرات العديدة، بأخذ مادة

стр. 737

سامة أو غيرها من الوسائل وإن تظن أنها قادرة فهي غير قادرة إلا إذا شاء الله سبحانه؛ لأن الموت بيد الله تعالى وحده. لنفس: اللام: لام الاستحقاق. أن: للتوكيد. ﴿تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بأمر من الله تعالى إلى ملك الموت الموكل بقبض الروح. ﴿كِتَابًا﴾: أي: كتب الله لكل نفس أجلاً، وتقديره: كتب كتاباً. ﴿مُّؤَجَّلًا﴾: كتاباً ذا أجل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، والأجل: المدة المضروبة لانقضاء الشيء، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره. وفي هذه الآية حثٌّ وتحريض على الجهاد في سبيل الله، ولن يموت أحدٌ قبل أجله، ولو بثانية واحدة سواء جاهد أو مات على فراشه. ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾: من: الشرطية، يُرد: أي: بعمله؛ أي: يطلب بعمله ثواباً. وإذا قارنا يرد، وأراد: يرد فيها تجدد وتكرار؛ لأنها بصيغة المضارع؛ أي: يرد مرات عديدة، وإرادة الثواب يتجدد ويتكرر؛ ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٩)، وآية (١٨) للمقارنة والبيان. ﴿ثَوَابَ﴾: في اللغة هو الجزاء على العمل، ويكون في الخير والشر، وعادة يشمل الأعمال الصالحة والعقائد. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: مثل النصر، والغنيمة، والعزة، والشهرة، والمال، والرزق، وفيه تعريض، أو إشارة بالذين شغلتهم الغنائم يوم أُحد. ﴿ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾: هو نعيم الجنة عادة، وفيه إشارة لمن ثبت يوم أُحد. ﴿نُؤْتِهِ﴾: أصلها نؤأته حذف فيه الهمزة، أو نؤتيه؛ أي: ما نشاء؛ أي: ما قدر له، وليس ما يشاء العبد.

стр. 738

أو من قصد بجهاده، أو بعمله الدنيا أُعطي منها، ومن قصد بجهاده، وبعمله الآخرة أُعطي منها، ومن الدنيا معاً. ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ﴾: فيه إعادة، وتكرار للتأكيد على الشاكرين حيث قال سبحانه في الآية (١٤٤): وسيجزي الله الشاكرين. وإذا انتبهنا إلى الآية نجد هناك مؤتي ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، وهناك مجزي ﴿سَنَجْزِى﴾. والمؤتي: هو الله سبحانه، والمجزي: هو الله سبحانه، إذن المؤتي والمجزي واحد، وهو الله . لنقارن هذه الآية مع الآية (٢٠) من سورة الشورى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. في آية آل عمران: من يريد ثواب الدنيا نؤته منها، وفي آية الشورى: من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها بلا زيادة، (وما له في الآخرة من خلاق)، فالحرث يعني: الزرع، والنتيجة هي الثواب. فمن يحرث ويسعى للدنيا، ويرجو ثوابها؛ نؤته منها؛ من مال، ومتاع، وشهرة، أو غير ذلك من حظوظ الدنيا. ومن يحرث للآخرة، ويسعى لها، ويرجو ثوابها؛ نضاعف له ذلك الحسنة بعشر أمثالها، أو أكثر، ويؤت الدنيا والآخرة معاً. سورة آل عمران [٣: ١٤٦] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: المناسبة: هذه الآية فيها تذكير لصحابة رسول الله ﷺ الذين قاتلوا يوم

стр. 739

أُحد، لماذا لا يكونوا كهؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع أنبيائهم في السابق، أو في غيرها من المعارك والغزوات. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مركبة من كأن التشبيه، وأي المنونة، فصارت كلمة واحدة: كأين عند أكثر النحاة، وهناك من قال اسم غير مركب، ووردت في القرآن في (٧) آيات هي: آل عمران (١٤٦)، يوسف (١٠٥)، الحج، (٤٥، ٤٩)، العنكبوت (٦٠)، محمد (١٣) الطلاق (٨)، ولم ترد في القرآن إلا مقرونة مع (من)، ومعناها بمعنى كم الخبرية التي تفيد التكثير وتفيد التفخيم وربما الاستفهام، ولمقارنة كأين، ويكأن: ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥). ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿نَّبِىٍّ﴾: أي: كثير من الأنبياء، ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾: ربيون؛ أي: جاهدوا معهم، ونصروهم في الدنيا. ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾: أي: ناس ذو خبرة عسكرية قتالية، وسياسية بالمفهوم الحديث، أو بالمعنى القديم (يفهمون سبل الحرب)، وهم عادة أتقياء، وعباد صالحون مؤمنون برسالة أنبيائهم. كثير: (جماعة كثيرة). وما هو الفرق بين (ربيون، وربانيون) كما ورد في قوله تعالى في آية (٧٩) من سورة آل عمران: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. الربانيون: تطلق على العلماء الراسخين في علوم الدِّين، والفقه، الأتقياء الصالحين. ارجع إلى الآية (٧٩) من آل عمران؛ لمزيد من البيان. ربيون: خبراء، أو ذوي خبرة في علوم الدنيا، ومنها الخبرة العسكرية، والقتالية، الأتقياء الصالحين، كما قلنا سابقاً.

стр. 740

﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد، ما: نافية. ﴿وَهَنُوا﴾: من الوهن، وهو الجبن، وخور القوى مع كون الجسم قوياً، ولا علة فيه، ومحله القلب، ومنه الخوف الشديد الذي يصيب الإنسان؛ فيؤدِّي إلى عدم الرغبة في الجهاد في سبيل الله، أو للقعود عن الجهاد. ﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: ما: بمعنى الذي، وما أعم وأشمل من الذي أصابهم في سبيل الله من الجراحات والقتل والأسر وغيرها لم يؤدِّ بهم إلى الوهن، ولا الضعف، ولا إلى الاستكانة. ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: تكرار (ما) يفيد زيادة التوكيد. وفصلَ كلاً على حدة، الوهن والضعف، ولا كلاهما. والضعف: بفتح الضاد يكون في الجسم والرأي، أو العقل. والضُّعف: بضم الضاد يكون فقط في الجسم (مرض عضوي). ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: ما: النافية. الاستكانة: من السكون: وهو عدم الحركة؛ لأن الذي يحارب يحتاج إلى فرٍّ وكرٍّ، وتعني هنا: استسلموا، وخضعوا، وذلوا لأعدائهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: أي: هؤلاء الربيون يجب عليهم الصبر في سبيل الله، والثبات في أرض المعركة؛ لأن الله يحب الصابرين. سورة آل عمران [٣: ١٤٧] ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية. ﴿كَانَ قَوْلَهُمْ﴾: دعاءَهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

стр. 741

﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: هم الوحيدون الذين قالوا مثل هذا القول: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا … ) فيها مدح للقائل. وهناك من قرأ هذه الآية بضم اللام؛ أي: وما كان قولُهم إلا أن قالوا؛ أي: هم لم يقولوا غير هذا القول (ربنا اغفر لنا ذنوبنا … )؛ أي: فقط قالوا هذا القول، ولم يقولوا غيره من الكلام في أثناء المعركة، والقتال، وفيها مدح للمقول. فصار لها معنيان: هم الوحيدون الذين قالوا هذا القول، وتلك المقولة كانت المقولة الوحيدة التي قالوها أثناء الحرب والقتال، إذن نِعم القائل ونعم المقولة. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: وهم في أرض المعركة يذكرون الله تعالى، ويتوبون إليه، ويسألونه أن يستر ويعفو عن ذنوبهم السابقة، وقد يستشهدون في سبيل الله بعد ثوان، أو دقائق، أو ساعات. ﴿وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾: الإسراف: مجاوزة الحد؛ أي: إذا ارتكبنا كبيرة قالوا ذلك خشية وتقرباً إلى الله. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: في مواطن القتال، وأرض المعارك، وثبت أقدامنا على دينك، ولا تزغ قلوبنا. ﴿وَانصُرْنَا﴾: أي: حقق فوزنا. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: لأن النصر لا يكون إلا من عندك أيها العزيز الحكيم.

стр. 742

سورة آل عمران [٣: ١٤٨] ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿فَآتَاهُمُ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب؛ أي: استجاب لهم ربهم بسرعة مجرد أن دعوا. آتاهم: من الإيتاء، وهم أعم من العطاء، ويشمل النواحي المادية والمعنوية (الجنة والرضوان والمغفرة). ارجع إل الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: من نصر، وفوز، وغنيمة. ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: وانتبه إلى قوله: وحسن ثواب الآخرة، ولم يقل ذلك عن الدنيا (حسن ثواب الدنيا)؛ لأن الدنيا متاع الغرور، وزائلة، وثوابها زائل، وليس جديراً أن يوصف بالحسن، وأما ثواب الآخرة الذي يتضمن الجنة، وأعظم من ذلك درجاتها، وأعظم منها رضوان الله تعالى، وأعظم من ذلك رؤية وجهه الكريم، فيا له من ثواب يدل على كرمه، وفضله، وإحسانه. والثواب مشتقة من الثوب. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٣)؛ للبيان. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: فهؤلاء الربيون، وهؤلاء الذين قاتلوا مع رسلهم؛ لإعلاء كلمة الله، وأحسنوا في دنياهم إحسان الكم والكيف هم مع المحسنين الذين يحبهم الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٢)؛ لمزيد من البيان.

стр. 743

سورة آل عمران [٣: ١٤٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بتكليف جديد، أو أمرٍ جديد، أو تحذير. ﴿إِنْ تُطِيعُوا﴾: إن: شرطية، تستعمل للحالات النادرة الحدوث، أو حالات الاحتمال، والشك. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: سواء كانوا من أهل الكتاب، أو غيرهم من أهل الملل الأخرى تطيعوهم في أمور الدِّين. ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: أي: يرجعوكم إلى الكفر بعد الإيمان، والردُّ يختلف عن الرجوع. ارجع إلى الآية (٧) من سورة القصص. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: الانقلاب هو الرجوع إلى غير الحالة التي كانوا عليها؛ أي: تنقلبوا كفاراً بعد إذ أنتم مؤمنون. خاسرين: تنقلبوا خاسرين لأنفسكم، وربما أهليكم يوم القيامة. قال علي ﵁: نزلت هذه الآية في بعض المنافقين، أو الكفار الذين قالوا لبعض المؤمنين بعد هزيمة أحد، وحين شاع أن رسول الله ﷺ قد قُتل: ارجعوا إلى دينكم، أو قالوا: لو كان محمد نبياً لما قُتل، ومنهم من قال: نذهب إلى ابن أُبَيٍّ، ونطلب منه أن يتوسط لنا عند أبي سفيان؛ ليأخذ لنا الأمان. فنزلت هذه الآية بتحذير المؤمنين من طاعة هؤلاء الكفار، وعدم الظن أن

стр. 744

أبا سفيان، أو غيره هو الناصر والمعين؛ لأن الله سبحانه وحده هو المولى، وهو النصير. سورة آل عمران [٣: ١٥٠] ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: ﴿بَلِ﴾: حرف إضراب إبطالي تفيد التقرير والتعيين (أي: لا تطيعوا الذين كفروا)، بل أطيعوا الله ﴿اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: أي: المتولي أموركم؛ أي: المعين، والناصر الحقيقي الذي يوصلكم إلى غايتكم. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد الحصر والتوكيد. ﴿خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: جمع ناصر؛ أي: فقد ينصركم أحد من البشر نصراً مهما كان نوعه مؤقتاً وزائفاً، ولكن الناصر الحقيقي هو الله وحده، ولا يأتي النصر الحقيقي إلا من عند العزيز الحكيم؛ ناصرين: جملة اسمية تدل على ثبات الصفة؛ ارجع إلى الآية (٩١) في نفس السورة لبيان الفرق بين ناصرين وأنصار. سورة آل عمران [٣: ١٥١] ﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾: سبب النزول: كما قال السدي بعد معركة أحد ارتحل أبو سفيان، ومعه المشركون من معركة أحد متوجِّهين إلى مكة، وبعد أن ساروا عائدين قالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشرذمة تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله سبحانه الرعب في قلوبهم، وعدلوا عن ذلك حيث شاع بينهم أن محمداً قادمٌ بجيش قوي جداً من المدينة؛ حيث انضم إليه مقاتلون جدد، وهو قادم في حمراء الأسد. ﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: السين: للاستقبال القريب. سنلقي: من الإلقاء لا يكون إلا للأمور المادية، فكأنه حول الرعب الذي هو أمر معنوي نفسي إلى أمر مادي وأفرغه في قلوب الذين كفروا؛ حتى تمكن الرعب في قلوبهم، ولم يجرؤوا على الرجوع إلى قتال المؤمنين ورسوله ﷺ بعد أحد.

стр. 745

ولم يقل: سألقي، بل قال سبحانه: سنلقي استخدم نون العظمة (نون الجمع)؛ التي تجمع كل صفات الكمال، والقدرة، والقوة، والقهر، والمنعة، وتعني: أن الإلقاء سيشمل ويعم كل هذه القلوب الكافرة، وسبب هذا الإلقاء: هو لأنهم أشركوا، وكل قلب به كفر سيلقي الله فيه الرعب، فالإشراك جاء لهم بالرعب؛ لأنهم لا مولى لهم. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: الباء: للإلصاق، والتمسك، أو السببية، أو التعليل. ما: نكرة لغير العاقل، والعاقل. بما أشركوا به: أي بسبب إشراكهم. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: من آلهة، وأصنام. سلطاناً: أي: حُجَّة، أو برهان، أو دليل على الشرك بالله يقهرهم على فعل ذلك، أو أي دليل وبرهان يبيح لهم ذلك. والسلطان: هو الحجة القوية التي لا تدحض لقوة دلالتها، مأخوذة من مادة السين، واللام، والطاء: سلط. والسلطان نوعان: سلطان القوة، والقهر؛ أي: قوة تقهرهم على فعل المعصية (أو الشرك). أو سلطان البرهان والدليل القادر على إقناعهم بفعل الشرك، أو المعصية. ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: المأوى: اسم المكان الذي يأوي إليه؛ للإقامة والاستقرار. يجب أن نفرق بين المأوى والمثوى: المأوى: هو المسكن، أو مكان الاستقرار، وجاءت مأوى في وصف الجنة والنار كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. والمأوى قد يكون حسناً أو سيئاً، وإذا كان سيئاً يعني مثوى، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾،

стр. 746

والمأوى بالنسبة لأصحاب النار قد يعني السخرية منهم يظنون مكانهم إلى الجنة، ثم يفاجؤون بأنه إلى النار، والمأوى لا يصل إليه أو يحل به إلا بعد سعي وتخطيط وتدبير. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾: بئس: فعل ذم، مثوى الظالمين: مثوى: اسم مكان من الثواء؛ أي: الإقامة، والمثوى: المستقر، وكلمة مثوى استعملها القرآن فقط لأهل النار، وأما مشتقات المثوى كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقوله: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥]، هذه المشتقات تشير إلى أن المثوى فيها كان حسناً. إذن: يجب أن نفرق بين مثوى، والتي تعني المكان السيء والضيق والمقيد لا يسمح بالحركة وأسوء من السجن والدائم. وكلمة ثاوياً، مثواكم، مثواه، مثواي: كلها تشير إلى المثوى الحسن والجيد، والمثوى ومشتقات الثوى؛ أي: المكان الذي حل به أو وصل إليه بدون تخطيط أو تدبير. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: الكافرين المشركين. سورة آل عمران [٣: ١٥٢] ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد بصدق الوعد، وقد: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: في بداية المعركة (معركة أحد)، ولقد صدقكم الله وعده بالنصر، قيل: كان جواباً على ما قاله بعض أصحاب رسول الله ﷺ بعد رجوعهم من أُحد، فقد قال قوم منهم: من أين أصابنا هذا،

стр. 747

وقد وعدنا الله بالنصر؛ فنزلت هذه الآية، والنصر دام أو استمر حتى خالفوا أمر النبي ﷺ ، وترك معظم الرماة مواقعهم على جبل أُحد قبل انتهاء المعركة طمعاً في الغنائم. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني للماضي. ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾: الحس هنا: هو القتل، يقال: حسه؛ أي: قتله، بإذنه: بإرادته، وأمره تعالى، وتحسونهم: تعني تقتلونهم قتلاً ذريعاً، وهذا ما حدث في بداية المعركة؛ حيث قُتل أحد عشر رجلاً من حملة لواء المشركين، ولم يبق منهم أحد يحمله حتى أصبح حمل لواء المشركين شؤماً عليهم ما يدنو منه أحد إلا قُتل؛ فتركوه على الأرض، واستبسل المسلمون في القتال. وقُتل عدد قليل من المسلمين في بداية المعركة، ومنهم حمزة ﵁، وظل المسلمون مسيطرين على أرض المعركة، وبدأ المشركون ينهزمون من أرضها أمام المسلمون، ورأى الرماة هزيمة المشركين، ورأوا أصحابهم يظفرون بغنائم العدو عندها ترك الرماة أماكنهم إلا عشرة منهم فقد ثبتوا في أماكنهم. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ﴾: حتى: حرف غاية، وجر، وتحمل معنى إلى نهاية الغاية. فتكون الآية: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه إلى أن فشلتم وتنازعتم في الأمر. ﴿إِذَا﴾: ظرفية تحمل معنى الشرط. ﴿فَشِلْتُمْ﴾: قال بعض المفسرين: هناك تقديم وتأخير في هذه الآية، وأصلها حتى إذا تنازعتم في الأرض وفشلتم وعصيتم، وبعض المفسرين قالوا جاء ترتيبها كما حصلت وليس هناك تقديم أو تأخير أي حتى إذا فشلتم: جبنتم، وضعفتم أمام عدوكم، والفشل يعني كذلك الخسارة، وتقديم النتيجة على ذكر

стр. 748

السبب وهو الاختلاف والعصيان الذي حدث أولاً لكي يشعرهم بعظمة الذنب الذي ارتكبوه. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ﴾: التنازع: يعني الاختلاف في الرأي الذي يؤدي إلى الخصومة، والأمر هو أمر رسول الله ﷺ إياهم بعدم ترك مواقعهم مهما حدث، فالأكثرية قالوا: ننسحب ونذهب إلى الغنائم، وجماعة قالوا: نثبت مكاننا، كما أمرنا رسول الله ﷺ ، ولم يقل اختلفتم وإنما سمى المخالفة عصياناً؛ لأن المقام مقام جهاد وليس اجتهاد فلا بد من الطاعة المطلقة للرسول دون تأويل. ﴿وَعَصَيْتُم﴾: أمر الرسول ﷺ بترك مكان الرمي في الجبل. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: من النصر في بداية المعركة. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: منكم: الخطاب إلى الصحابة الذين شاركوا في أحد وعصوا الرسول ﷺ ؛ منكم من يريد الغنائم؛ فانسحب، وترك مكانه في الجبل عارياً، ونزل إلى الميدان. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: وبعضكم ثبت في مكانه، ولم ينسحب، ويركض وراء الغنائم، وهم أقل من (١٠) استشهدوا، ومنهم عبد الله بن جبير. قال ابن مسعود ﵁: والله ما كنت أعلم أن أحداً من صحابة رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد هذه الآية. ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ثم: للترتيب العددي، وليس للتراخي. ﴿صَرَفَكُمْ﴾: الصرف: هو التحويل؛ أي: حفظكم من المشركين، وأبقاكم أحياء حتى حين؛ ليبتليكم: أي: ليختبركم فيما بعد، واللام: للتعليل، أو صرفكم عنهم من بعد أن كنتم مشغولين بقتالهم، وقبل أن تنظروا إلى الغنائم. وقيل: عفا عنكم: أي: لو شاء لسلط عليكم المشركين فقتلوكم أجمعين. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: لأنه عفا عنهم لتركهم مواقعهم في الجبل،

стр. 749

وركضهم وراء الغنيمة، وكذلك لم يستأصلوكم، ويقتلوكم جميعاً؛ لأنه سبحانه ذو فضل: صاحب الفضل، والجود على المؤمنين. سورة آل عمران [٣: ١٥٣] ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، أو: واذكروا إذ تُصعدون: تفرون هاربين. ﴿تُصْعِدُونَ﴾: لها ثلاثة تفسيرات: ١ - تُصعِدون: بضم التاء، وكسر العين: هذا ما قاله أكثر القراء، وتعني: ابتدأ السفر (أي: الانهزام من أرض المعركة) أصعدنا من بغداد إلى خراسان؛ أي: ابتدأنا المسير. ٢ - أو تُصعدون: من أصعد؛ أي: ذهب باتجاه الصعيد؛ أي: في الأرض المستوية حتى ينجو بسرعة، ويستطيع الهرب. ٣ - وتَصعَدون: بفتح التاء والعين من صعد؛ أي: سار من أسفل إلى أعلى؛ أي: صعد على الجبل، والمرجح أنهم هربوا إلى الأرض السهلة؛ للفرار. ﴿وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾: أي: لا تلتفتون إلى أحد، أو لا تلتفتون برؤوسكم يمنة ولا يسرة، ولا إلى خلفكم. من لوى: بمعنى عطف. ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ﴾: أي: والرسول ﷺ يناديكم من مؤخرتكم؛ أي: من خلفكم قائلاً: إليّ عباد الله. ارجعوا إليّ عباد الله. ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: الباء في كلمة بغم: باء الإلصاق؛ أي: غم مع غم، غم بعد غم، غم على غم. والغمُّ: هو ضيق في الصدر من أمر مكروه، أو حزن شديد، والغم، والنعاس جند من جنود الله.

стр. 750

فأثابكم غماً بغم: فعندنا في هذه الآية غمَّان، واحتمالات هذين الغمين: الاحتمال الأول: الغم الأول: غم الهزيمة والقتل. الغم الثاني: قدوم خالد بن الوليد بخيل المشركين. الاحتمال الثاني: الغم الأول: الفرار، والهزيمة، أو ما فاتهم من الغنيمة. والغم الثاني: الغم حين سمعوا بقتل محمد ﷺ . الاحتمال الثالث: إذا كانت الباء بمعنى الجزاء يصبح المعنى: غماً: أي: ما حدث للصحابة من هزيمة، وقتل، وجراح، وقدوم خالد بن الوليد بخيل المشركين وإشاعة قتل الرسول ﷺ . بغم: الباء: سببيه، أو بدلية. بغم: جزاؤكم؛ لأنكم خالفتم أمر رسول الله ﷺ . أي: حين خالفتم أمر رسول الله ﷺ سببتم للرسول الغم، فجازاكم الله بغم الهزيمة، والقتل. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾: الفاء: للمباشرة والتعقيب. وسمي ذلك ثواباً؛ أي: ما حدث لكم من قتل وهزيمة وفرار هو لإزالة ومحو خطأ معصية رسول الله ﷺ . لكيلا: اللام للتوكيد. كي: للتعليل، وبيان الغرض الحقيقي من الغم، وهو لتجنب الحزن على ما فاتكم من النصر، والغنيمة. ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: من القتل، والهزيمة، والفرار، والرعب الذي حدث لكم عند سماعكم بمقتل رسول الله ﷺ . ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾: من الغنيمة، والنصر؛ جاءت (لكيلا) في هذه موصولة، وفي الآية (٧) في سورة الحشر جاءت مفصولة

стр. 751

(كي+لا)، ويجوز كناية لكي لا موصولة أو مفصولة، وهذا يدل أولاً: على أن ما نقرأه في القرآن هو كما نزل على قلب محمد ﷺ بدون تحريف؛ ثانياً: لعدم فصل بين الحزن على ما فاتكم من الغنيمة وبين ما أصابكم من الجراح والهزيمة؛ لأن الأول هو سبب الثاني. ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: من الهزيمة، والقتل، أو الجراح، والرعب بمقتل رسول الله ﷺ . أي: ما حدث لكم من غم، وهزيمة، وجراحات: هو جزاء لما حدث منكم من معصية، ومخالفة لأمر رسول الله ﷺ ؛ حيث تركتم مواقعكم ركضاً وراء الغنيمة، ومع ذلك سوف يثيبكم الله عليها، ويعفو عنكم، ويطهركم من ذنوبكم، ولتكون عبرة، وموعظة للأيام القادمة، ودرساً لعدم مخالفة رسول الله ﷺ فيما آتاكم، ونهاكم عنه. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: فالله سبحانه خبير؛ أي: عليم ببواطن أموركم، وبكل ما حصل من معصية، وتنازع، وفرار، وقتل، وترك النبي ﷺ في أرض المعركة وحدة، والله مطلع على نواياكم، وعقولكم، وما تخفي الصدور.

стр. 752

سورة آل عمران [٣: ١٥٤] ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين فضل النعاس على الغم. ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُم﴾: كلمة أنزل عليكم تدل على أن النعاس عطاء علوي، ورحمة من الله، وآية من آياته؛ لأن صاحب الغم، والهم لا ينام أبداً، وهنا يُنزل الحق سبحانه فضله عليهم بالنوم من بعد الغم، من تعني: مباشرة من بعد الغم أمنة نعاساً. وقال أمنة: ولم يقل الأمن، فما هو الفرق بينهما؟ الأمن: هو الطمأنينة مع زوال السبب، أو الأسباب؛ أي: زوال الخوف كاملاً. الأمنة: الطمأنينة إلى حد ما؛ أي: عدم زوال الخوف كاملاً، فلا يزال هناك بعض الخوف مخيم على الناس، ولا يزال هناك بعض الخوف، لعدم زوال الأسباب كاملة، فالأمن أفضل من الأمنة.

стр. 753

﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾: يغشى: يغطي ويستر، أو يلابس كالغشاء. ﴿طَائِفَةً مِّنكُمْ﴾: وهم المؤمنون المخلصون الذين ثبتوا في أماكنهم، أو الذين أخطؤوا، وعصوا الرسول ﷺ بدون قصد ونية ومعرفة عاقبة أمرهم. وتعريف الطائفة: جماعة تطوف حول فكرة واحدة، أو أفكار معينة؛ أي: لهم سياسة واحدة، أو عقائد واحدة. ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾: هم المنافقون خرجوا فقط طمعاً في الغنيمة لم يصبْهم أي نعاس، وأهمهم خلاص أنفسهم، ونجاة أنفسهم. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: يظنون بالله غير الحق: الباء: للإلصاق، والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر. ظن الجاهلية: الظن: هو التردد الراجح، وهو ظن السفه مثل: ١ - أن الله أخلف وعده لنا بالنصر، ونسوا أنهم عصوا رسول الله ﷺ . ٢ - لو كان محمد نبياً حقاً ما أصابنا هذا. ٣ - بأن محمداً غير نبي، وأمره باطل، وأن الله لن ينصره. ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾: يقولون لأنفسهم سراً: هل لنا: هل: للاستفهام، وفيها معنى الجحود، والنفي. لنا من الأمر: من: استغراقية. الأمر: النصر، أو الهزيمة، أو الغنيمة، أو الخروج إلى أحد لم يكن لنا فيه رأي. من شيء: من نصيبٍ؛ أي: لم نُصِبْ لا نصراً، ولا غنيمة، ولا حظاً من خروجنا إلى غزوة أُحُدٍ.

стр. 754

أو: لو كان الأمر لنا ما خرجنا من المدينة إلى أُحُدٍ (أصلاً كان رأينا ألا نخرج، وما أصابنا ما أصابنا)، وإنما خرجنا كرهاً. ﴿قُلْ إِنَّ﴾: أي: النصر، والظفر، والخروج، وسواء خرجتم أم لم تخرجوا، والدخول، والقدر، والقضاء، والموت، والقتل كله لله. ﴿يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾: يخفون في أنفسهم من الكفر، والعداوة، والحقد، أو النفاق، أو الندم على الخروج؛ أي: يبطنون الإنكار، والتكذيب، والنفاق. ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: أي: لو كان الأمر كما قال محمد أن الأمر كله لله ولأوليائه؛ لما غلبنا أيضاً قط، ولما قتل كثير من المسلمين في هذه المعركة. لو كان لنا شيء من النصر، أو الظفر الذي وعدنا به محمد وأصحبه ما قتلنا هاهنا. فهم يظنون أن خروجهم إلى أرض المعركة هو سببٌ لموتهم فهم لا يؤمنون بأن الموت والحياة بيد الله. ﴿قُلْ لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: هذا كان رداً على سؤالهم لو ما خرجنا ما أصابنا ما أصابنا، قل يا محمد لهم: لو تخلفتم، ولم تخرجوا؛ لخرج منكم من كتب عليه القتل، أو الموت، وظهر وانكشف أو بان بشدة (أي: برز)، وماتوا بدون جهاد، أو قتال بالمكان الذي حدد له. مضاجعهم: (مصارعهم)؛ أي: لو لم تخرجوا وبقيتم في المدينة لما نجا من القتل منكم أحدٌ. فالجهاد ليس سبباً لقتلكم، فهناك من يجاهد، ولا يقتل، وهناك من لا يجاهد ويُقتل، ويموت، فالأمر بيد الله، وبإذن الله.

стр. 755

﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ﴾: من الإخلاص، أو النفاق، والشك، والريبة، ووساوس الشيطان. وليبتلي الله: اللام: للتوكيد؛ ليبتلي: من الابتلاء. ارجع إلى الآية (٣١) من سورة محمد؛ لمزيد من البيان. ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾: يطهر، ويخلص قلوبكم من الذنوب، والتمحيص؛ يعني: التخلص من الذنوب، والسيئات، ويقال: محص الذهب بالنار؛ أي: أزال عنه ما يشوبه من الخبث. بالابتلاء؛ أي: أبان ما في قلوبكم من الاعتقاد، والشرك. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من نفس السورة؛ للبيان. سورة آل عمران [٣: ١٥٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾: أي: انهزموا يوم أُحُدٍ منكم، وتولوا عن القتال، ولم يقاتلوا منكم يا معشر المسلمين. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: يوم أُحُدٍ يوم التقى جمع المسلمين، وجمع الكافرين؛ فقد تولَّى أكثر المسلمين، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا ثلاثة عشر رجلاً، كما ذكرت الروايات. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد. استزلهم: بمعنى أزلهم ولكن أكثر تأكيداً ومبالغة في الزل؛ فقد كانت أُحد أعظم الزلات.

стр. 756

استزلهم الشيطان: بالوسوسة، والتزيين، الألف والسين والتاء؛ تعني: الطلب؛ أي: طلب منهم الشيطان أن يزلُّوا؛ لأنه علم فيهم ضعف الإيمان، والشيطان لا يستزل إلا الضعيف، والزلل: هو العثرة، والهفوة، مثل انزلاق القدم، وسقوط صاحبها، والسقوط، أو الوقوع في الخطأ الذي قد يؤدي إلى ما هو أعظم غير متوقع، والإثم هو توليهم عن القتال، وانسحابهم من أرض المعركة، وترك مواقعهم في جبل أُحُدٍ، ومخالفة أمر رسول الله ﷺ . الشيطان: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾: أوقعهم الشيطان ببعض الذنوب؛ كالطمع في الغنيمة، وكره القتال، أو الجهاد في سبيل الله، ومعصية الرسول ﷺ . ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: الواو: عاطفة، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد، عفا الله عنهم: لتوبتهم، واستغفارهم ربهم. والعفو هو: ترك العقوبة على الذنب. ذنب معصية الرسول ﷺ . ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة كثير الغفر مهما كثرت أو عظمت الذنوب؛ فالله يغفرها؛ إلا الشرك. صيغة مبالغة. ﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل العقوبة لعباده؛ لعلهم يتوبون، وينيبون إليه، ذو الصفح، والأناة، حليم لمن عصاه مع القدرة على العقوبة.

стр. 757

سورة آل عمران [٣: ١٥٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا، والهاء: للتنبيه، بتكليف جديد، أو تحذير، أو تنبيه. ﴿لَا﴾: الناهية، ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: في الكفر، والنفاق. ﴿إِذَا﴾: ظرفية للماضي والاستمرار فهم قالوا في الماضي، وإذا تدل على شأنهم وللاستمرار في قولهم وأنه لن يتوقف. ﴿ضَرَبُوا فِى الْأَرْضِ﴾: خرجوا للتجارة، أو السفر في الأرض، وليس على الأرض؛ لأن الطبقة الغازية المحيطة بالأرض هي تابعة للأرض. وأصل الضرب: إيقاع شيء على شيء، ويعني: ضرب الأرض بالأرجل، ويعني: السير عليها. ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أي: غزاة، جمع غازي، والغزو: هو الخروج لمحاربة العدو، وأصل الغزو: قصد الشيء، والمغزَى: أي: المقصد. ﴿لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾: لو كانوا عندنا: لو: شرطية. كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا: أي: لو بقيتم عندنا، ولم تخرجوا للسفر، أو القتال (الغزو) لما مُتّم، ولما قتلتم. وهو اعتقاد خاطئ؛ لأن الموت العادي، أو الموت بالقتل هو بأمر الله تعالى وقضائه.

стр. 758

هو كتابٌ مؤجلٌ سيقع سواء كنتم في سفر، أو في غزو، أو في قعر بيوتكم، أو بروج مشيدة، وليس السبب في موتكم، أو قتلكم هو الخروج، أو عدمه. ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾: ليجعل: اللام: لام التعليل، أو الاختصاص. الله ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. ذلك: يشير إلى القول الذي قالوه: ﴿لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. يجعل الله سبحانه قولهم حسرة في قلوبهم، والحسرة: تعني الحزن الشديد، والشعور بالندم، وظهور ذلك على الفرد؛ أي: يشعروا بأشد الندم، والأسف على ما قالوا. انتبه: أسند الله الفعل إليه؛ أي: هذا الاعتقاد الفاسد في أذهانهم بالنسبة للموت، والقتل أن سببه الضرب في الأرض، أو الغزو سيكون لهم سبباً في زيادة الغم، والحسرة، وضيق الصدر إذا ماتوا، أو قتلوا حقيقة، وفي هذا تحذير للمؤمنين أن يفعلوا كما فعل الذين كفروا، ويتحسروا على من مات أو قتل بناءً على اعتقادهم الفاسد الخاطئ: أن موت هؤلاء، أو قتلهم ليس بسبب من الله، وإنما بسبب خروجهم. ﴿وَاللَّهُ يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: من يشاء ومتى شاء، وأين شاء، وكيف شاء في السفر، أو الغزو، أو قعر بيوتكم، ولا يموت أحد إلا بأمره، وقدره. ولا تستقدمون ساعة ولا تستأخرون. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: العمل يشمل القول، والفعل؛ أي: بصير بما تقولونه، أو تفعلونه، فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء. حتى أن اعتقادهم الفاسد بأن موتهم، أو قتلهم ليس بأمر من الله، وإنما

стр. 759

بسبب خروجهم للجهاد أصبح معلوماً، ولم يعد يخفى على أحد، فأصبح مكشوفاً للكل، ولذلك قال سبحانه: بما تعملون بصير، ولو أخفوه لقال تعالى: والله بما تعملون خبير. سورة آل عمران [٣: ١٥٧] ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: استئنافية، واللام في لئن: للتوكيد، وإن: شرطية تفيد الاحتمال، وقلة الحدوث. ﴿قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: في الجهاد في سبيل الله. ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾: في سفر، أو في إقامتكم. انتبه إلى ضم الميم في كلمة مُتم. انظر في ملحق هذه الآية؛ لمعرفة الفرق بين مُتم، ومِتم. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: لمغفرة من الله ورحمة: اللام في لمغفرة: جواب الشرط؛ أي: إن قتلتم في سبيل الله، أو متم في سبيل الله كلاهما وسيلة لنيل المغفرة من الله التي تمحو الذنب عنكم. ورحمة: التي ترفع الدرجات، ورحمة: نكرة؛ أي: رحمة من الله مُرحب بها. هذه المغفرة والرحمة خير وأفضل من البقاء في الدنيا، وجمع المال والعرض. ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يجمع المنافقون من حطام الدنيا، والمال والمتاع، مما: (من وما): من البعضية، ما: اسم موصول، أو مصدرية.

стр. 760

وفي هذا حث على الجهاد في سبيل الله، والموت لنيل الرحمة والمغفرة. ومن الناحية البيانية: لا بد من معرفة لماذا ضم الميم في مُتم في هذه الآية. بينما في الآية (٣٥) من سورة المؤمنون كسر الميم، فقال: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. لأن حركة الضم هي أثقل الحركات المستعملة في اللغة العربية، والموت في سبيل الله بسبب الحروب والجهاد والشدة هو أثقل وأشد أنواع الموت، فجاء بأثقل الحركات؛ لتناسب أشد الأفعال (الموت في سبيل الله والقتل)، وبما أن حركة الكسر هي أخف الحركات المستعملة في اللغة العربية، والموت الطبيعي على فراش الموت أو العادي هو أخف من الموت في سبيل الله، فجاء بأخف الحركات؛ لتناسب أخف أنواع الموت شدة.

стр. 761

سورة آل عمران [٣: ١٥٨] ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. وإن: شرطية، مُتم، أو قتلتم: تدل على احتمال الحدوث. مُتم: الموت العادي، أو قتلتم في سبيل الله. أي: سواء ﴿مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾: بأي سبب مصيركم إلى الله وحده قطعاً وحصراً. ارجع إلى الآية السابقة؛ لمزيد من البيان. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: الحشر: هو الجمع + السوق؛ أي: تساقون إليه، وتُجمعون، ويكون يوم القيامة. هناك فرق بين القتل، والموت: الموت العادي: تخرج فيه الروح أولاً مما يؤدِّي إلى موت البدن (نقض البنية) ثانياً. أما القتل: يحدث فيه نقض البنية أولاً، فترغم الروح بالخروج، وترك البدن الذي لم يعد صالحاً لبقائها فيه. وبالنسبة للتقديم والتأخير: نرى في الآية (١٥٦) تقديم الموت على القتل، فقال تعالى: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. وفي الآية (١٥٧) تقديم القتل على الموت، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾.

стр. 762

وفي الآية (١٥٨) تقديم الموت على القتل، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾. فما سبب التقديم تارة، والتأخير تارة أخرى؟ ففي الآية (١٥٦): قدَّم الموت على القتل؛ لأن الآية في سياق الضرب في الأرض، أو كانوا غزى، قدَّم الأكثر، وهو الضرب في الأرض للسفر والتجارة وغيرها على الغزو (غزاً)؛ أي: الأقل. أما في الآية (١٥٧): قدَّم القتل على الموت؛ لأن القتل أشرف من الموت، وأعظم درجة. وفي الآية (١٥٨): قدَّم الموت على القتل؛ لأن السياق عن يوم الحشر، وعدد الموتى في يوم الحشر أكثر وأعظم من عدد الشهداء، فقدَّم الموت على القتل، والله أعلم. سورة آل عمران [٣: ١٥٩] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: ﴿فَبِمَا﴾: الفاء: استئنافية، والميم: للتوكيد. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أصلها برحمة من الله لنت لهم، أو لنت لهم برحمة من الله. رحمة: هي جلب ما يسر، ودفع ما يضر، وتعني: الإنعام على المحتاج، ورحمة هنا: جاءت نكرة؛ للتعظيم. ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾: اللين: الرفق، واللطف؛ أي: رفيقاً بهم تعاملهم بالرفق، واللطف. فبرحمة من الله تعالى، وتوفيقه لك جعلك لين المعاملة، ورقيق المعاشرة لهم. نزلت هذه الآية في أعقاب أحداث أُحُدٍ، حيث لم يعنف ﷺ الذين تولوا

стр. 763

يوم أُحُدٍ من المسلمين، بل رفق بهم، فأخبر تعالى أن ذلك كان بتوفيق منه . ﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: قاسياً جافاً، قاسي القلب، غليظاً، خشن القول، صعب الخلق. وأصل كلمة فظاً: هو ماء الكرش (الماء الموجود في الأمعاء الغليظة في الإبل). فالإبل حين تشرب كميات كبيرة من الماء تخزنها في الأمعاء الغليظة، ثم لا تجد ماء تجتر من الماء المخزون، وهذا الماء كريه غير مستساغ الرائحة، وسموا خشونة القول: فظاظة، والفظ: القول الخشن. ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: أي: تفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: فاعف عنهم أولاً، لما كان بينك وبينهم اعف عنهم لما فعلوه فيك يوم أُحُدٍ؛ حيث عصوا أمرك، وما أصابك من جراح، وبسبب طمعهم في الغنائم. ثانياً: استغفر الله لهم؛ لأنهم أذنبوا، وعصوا الله ورسوله، فهذا يتطلب منك الاستغفار لهم. ثالثاً: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ﴾: بعد العفو عنهم، والاستغفار لهم، أصبحوا أهلاً للمشورة، فشاورهم في أمور السلم، والحرب؛ أي: شاور ذوي الرأي، والعلم منهم، والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: فإذا: الفاء: عاطفة، إذا: ظرف للزمن المستقبل. ﴿عَزَمْتَ﴾: العزم: هو الهم بالقيام، وهو القصد الإمضاء فيما جزم عقب المشاورة، أو عزمت ما تريد.

стр. 764

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: استعن بالله بعد اتخاذ الأسباب الضرورية (التوكل عمل قلبي). ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لبيان معنى التوكل. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: إن: للتوكيد، يحب المتوكلين: جمع متوكل، وهو الذي يهيِّئ الأسباب، ثم يدعو الله لمساعدته، ويعتمد عليه سبحانه في شؤونه. سورة آل عمران [٣: ١٦٠] ﴿إِنْ يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد القلة، والاحتمال. ﴿يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: كما نصركم يوم بدر، فلا أحد يغلبكم، فلا: الفاء: رابطة لجواب الشرط. وفي آية أخرى في سورة محمد ﷺ آية (٧): ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ونصر الله يكون بإعلاء كلمته، وإعلاء دينه. والله سبحانه لا يحتاج إلى نصرة؛ فهو القوي العزيز. ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾: كما خذلكم في أُحُدٍ، الخذل، أو الخذلان، لا يمدُ لكم يد العون في النصر على أعدائكم. ﴿فَمَنْ ذَا﴾: من: للعاقل، استفهامية تفيد النفي؛ أي: لا ناصر لكم إلا الله، وذا: اسم إشارة للقريب. ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾: الهاء: تعود على الله سبحانه، والجواب: لا أحد يستطيع نصركم إلا الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: على الله وحده يتوكل المؤمنون.

стр. 765

﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: في ليتوكل: للتعليل، يتوكل المؤمنون: يعتمدون على ربهم في قضاء حوائجهم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٦١] ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية. ﴿كَانَ لِنَبِىٍّ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: ما يصح لنبي أن يغل. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد، ﴿يَغُلَّ﴾: الغلول الأخذ بالخفاء بمعنى السرقة من الغنائم قبل قسمتها. شرعاً: هو الخيانة في الغنائم؛ كقوله تعالى في سورة المائدة، آية (٦٤): ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية، ﴿يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: قيل: يأتي يوم القيامة حاملاً لما غَلَ أمام الناس، ويُفضح أمام الخلائق. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي. ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: من خير، أو شر، فينال الغال، وغيره جزاء فعله تاماً كاملاً يوم القيامة، وفي الآية (١١١) في سورة النحل قال تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾؛ لأن الأعمال كسب فالعمل أعم من الكسب، ولأن السياق في أمر خاص هو الجهاد جاء بالكسب. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: هم ضمير منفصل للتوكيد، لا: النافية، يُظلمون: بنقص حسنة واحدة، أو زيادة سيئة واحدة. سورة آل عمران [٣: ١٦٢] ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿أَفَمَنِ﴾: الهمزة همزة استفهام، وإنكار، ونفي؛ أي: (ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله). والفاء: استئنافية للتوكيد. من: اسم موصول.

стр. 766

﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: أطاع الله فيما أمر ونهى، ولم يغل في الغنيمة، ولم يخن في الأمانة، وأطاع رسول الله ﷺ ، وخرج لجهاد العدو، ولم يعص رسوله ﷺ ، وثبت في أرض المعركة. ﴿كَمَنْ﴾: الكاف: للتشبيه، من: اسم موصول؛ أي: كالذي. ﴿بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾: باء: رجع واستحق غضب الله لمعصيته، وغلوله، وتخلف عن رسول الله ﷺ (كجماعة المنافقين) في الخروج للجهاد. السخط: الكراهية: عدم الرضا بما قدر الله، وقسم، وإظهار القبيح من القول والفعل، ويعني: التقبيح والسخط قد لا يكفي وحده، وفيما بعده جهنم وبئس المصير. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾: مكان استقراره جهنم. ارجع إلى الآية (١٢) من نفس السورة؛ للبيان، وسورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: فعل ذم، وهنا يعني: الذم العام. المصير: المرجع والمنتهى؛ لأن إظهار السخط قد لا يؤثر في بعض الناس، ولا تنفع فيهم اللعنة، ولذلك جاء بقوله: ومأواه جهنم وبئس المصير. سورة آل عمران [٣: ١٦٣] ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل يعود على الذين اتبعوا رضوان الله، والذين باؤوا بسخط الله. أو تعود على الذين اتبعوا رضوان الله فقط، فهؤلاء يتفاوتون في درجاتهم بالنسبة للقرب من الله، أو في رضوانه عليهم في كون بعضهم أفضل من بعض، كما قال تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾: أي: بعضهم أفضل من بعض بالقرب من الله تعالى. ولهم درجات: لهم درجات تعني: درجات الجنة التي قيل: إنها مئة درجة. إذن هم درجات؛ أي: بعضهم أفضل من بعض بالنسبة للقرب من الله،

стр. 767

ولهم درجات مختلفة؛ أي: درجات الجنة، كما في قوله تعالى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ﴾: يبصر كل شيء، أحاط بصره بعباده، فهو يرى أفعالهم، ويسمع أقوالهم، ولا تخفى عليه خافية. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: العمل يعني القول + الفعل بما يعملون؛ أي: أقوالهم وأفعالهم، وقدَّم بصير على يعملون؛ لأن الآيات في سياق الأعمال القلبية. سورة آل عمران [٣: ١٦٤] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: منّ: أي: أنعم وتفضل (والمن هو العطاء بلا مقابل). وهناك المن المذموم: وهو الذي يتبع الصدقة المن، والأذى. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: رغم أن رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، ورسولٌ إلى الناس جميعاً، ولماذا المن على المؤمنين فقط؛ لأنهم هم الذين انتفعوا به خاصة من دون الناس؛ لأن بقية الناس لم يصدقوا به. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني، وتعني حين، أي: حين بعث فيهم. ﴿بَعَثَ فِيهِمْ﴾: أي: أرسل فيهم والبعث فيه قوة وحض ومشقة أكثر من أرسل. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: جاءت هذه الآية في سياق تعداد النعم على المؤمنين؛ أي: من المؤمنين، ومن أنفسهم؛ قد تعني: من قريش، بينما في آيات أخرى يقول:

стр. 768

رسولاً منهم؛ أي: من عامة العرب، أو الناس، ومنهم: جاءت في سياق دعاء إبراهيم أثناء بناء البيت مع إسماعيل. ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: آيات القرآن، والهاء في آياته تعود إلى الله سبحانه تشريفاً لهذه الآيات. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: التزكية: هي التطهير، والنماء، تطهير من الشرك، والكفر، والأوثان. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: الكتاب القرآن العظيم؛ أي: يعلمهم القراءة، والمعنى، والأحكام؛ أي: يتلو عليهم أولاً، وبعد ذلك يزكيهم، وبعد ذلك يعلمهم ما جاء في القرآن من أحكام وشرائع. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي: السنة النبوية. ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: وإن: الواو: للتوكيد، إن: المخففة؛ للتوكيد كذلك. لفي: اللام للتوكيد، في: ظرفية زمانية قبل مجيء أو بعث محمد ﷺ رسولاً فيهم. ضلال مبين: ضلال: بعد عن الحق. ضلال: نكرة تشمل كل أنواع الضلال. ضلال مبين: ظاهر، واضح لكل إنسان، وبين أنه ضلال لا يُخفي نفسه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٨)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٦٥] ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿أَوَلَمَّا﴾: الهمزة: استفهام للتعجب، والإنكار؛ لقولهم أنى هذا. والواو: العاطفة، لما: ظرف بمعنى حين تتضمن معنى الشرط.

стр. 769

﴿أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾: أي: ما أصابكم يوم أُحُدٍ من هزيمة، وفاجعة، وقتل (٧٠) منكم. ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد، أصبتم مثليها: أي: يوم بدر فقد قتلتم (٧٠) من الكفار، وأسرتم (٧٠)؛ جعل المثلين في اليومين (يوم بدر ويوم أحد)، وجعل الأسر كالقتل. ﴿قُلْتُمْ﴾: متعجبين يوم أُحُدٍ. ﴿أَنَّى﴾: للتعجب، والاستفهام تعجبتم وسألتم: كيف يحدث لنا هذا، ونحن مسلمون، أو من أين حدث لنا هذا الخذلان، ورسول الله ﷺ فينا، فكان من الأفضل ألا تسألوا هذا السؤال. ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ : ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾: أي: السبب بين وواضح هو عصيانكم لرسول الله ﷺ ، ومخالفة أوامره طمعاً في الغنيمة، وحب الدنيا، والفرار من أرض المعركة، وعدم الثبوت، والقتال مع رسول الله ﷺ . ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: إن: للتوكيد، الله على كل شيء قدير: قدير على أن يخذلكم، ويهزمكم، وقدير على أن ينصركم، القادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء مهما كبر، أو صغر، كامل القدرة.

стр. 770

سورة آل عمران [٣: ١٦٦] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾: الواو: استئنافية، ما: اسم موصول، أصابكم: حدث لكم وحل بكم. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: يوم أُحُدٍ (يوم التقى جمع المؤمنين وجمع الكافرين). ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بعلم الله، وأمره، وبإرادته، وقضائه. الفاء: للتوكيد، والباء: للإلصاق. ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عاطفة. ليعلم: اللام: لام التوكيد (وقيل: التعليل). هناك إشكال في فهم هذه الآية من قبل البعض. فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: أي: ما حدث وجرى يعلمه الله سبحانه منذ الأزل أنه سيحدث، وسيقتل منكم (٧٠)، ويعلم نتيجة المعركة قبل أن تحدث. وما جرى يوم أُحُدٍ من الأحداث؛ لكي يعلم المؤمنون أنفسهم، والذين نافقوا أنفسهم، وغيرهم بتلك الحوادث. فلا يستطيعون إنكارها، وتقام عليهم الحجة، فكيف تقام عليهم الحجة، فقد يقول قائل: أنا مستحيل أن أعصي رسول الله ﷺ ، أو أخالف أمره، ولن أترك

стр. 771

مقعدي على أحد هذا مجرد تصريح منه، فإذا اختبرناه وامتحناه فعلاً، وقام بذلك فقد أقام لنفسه الحجة، وفاز، وأما إذا خالف، وعصى، وترك مقعده راكضاً وراء الغنيمة، ثم انهزم من أرض المعركة عندها تقام عليه الحجة، فلا يستطيع إنكار ذلك، وتظهر له نتيجة عمله، فلا يستطيع إنكارها. ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ولم يقل: الذين آمنوا؛ لأن هناك فرقاً بين الذين آمنوا، والمؤمنين: فأما المؤمنون: فهم الذين أصبحت صفة الإيمان ثابتة لهم، وصلوا إلى درجة الإيمان، ونالوا ذلك. وأما الذين آمنوا: لا زالوا في طريقهم إلى الوصول إلى درجة الإيمان الثابت التي وصل إليها المؤمنون، فالذين آمنوا يتجدَّد، ويتكرَّر إيمانهم، أما المؤمنون إيمانهم ثابت، ومستمرٌّ لا يتغيَّر. سورة آل عمران [٣: ١٦٧] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: الواو: عاطفة، ليعلم: اللام: للتوكيد (لها نفس معنى: وليعلم المؤمنين). ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: وهم جماعة عبد الله أُبي حيث خرجوا للقتال مع رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ، ولكن بعد مسيرهم بعض الطريق تخاذلوا رجعوا،

стр. 772

وكان عددهم ثلث المقاتلين، ولما اتخذ هؤلاء المنافقون القرار بالانسحاب، والرجوع، وعدم القتال قيل لهم: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كما يقاتل المؤمنون. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾: أي: دافعوا عن أموالكم، وأنفسكم، وأهليكم على الأقل إذا كنتم لا تريدون الجهاد في سبيل الله. قال المنافقون للمؤمنين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾: أي: ما خرجتم إليه يوم أُحُدٍ هو ليس قتالاً، ولا دفاعاً، بل هو إلقاء بأنفسكم إلى التهلكة (لأن رأي عبد الله بن أُبَيٍّ كان الإقامة في المدينة، وعدم الخروج والتصدي لقتال المشركين في المدينة، وليس في خارج المدينة)؛ حيث كان لهم سابق خبرة أن القتال خارج المدينة سيورث الهزيمة، والقتل؛ لذلك رفض هؤلاء المنافقون، واحتجوا بتلك الذريعة، وقالوا: لن نتبعكم؛ لأن هذا ليس قتالاً، وإنما هو انتحار. ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾: أي: يوم تخاذلوا، ورجعوا، وقالوا: لن نتبعكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان؛ أي: ابتعدوا كثيراً عن الإيمان إلى الكفر. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾: ينطقون بالإيمان بألسنتهم فقط، وليس في قلوبهم إلا الكفر (النفاق)، أو يقولون: نحن أنصاركم، وأعوانكم، وهم أعداء يريدون السوء للمؤمنين.

стр. 773

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: من النفاق، والعداوة. والكتمان: هو الإخفاء الذي يختص بالأمور المعنوية؛ كالإسرار، والإخبار. سورة آل عمران [٣: ١٦٨] ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: تعود على المنافقين الذين قعدوا عن القتال. ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: الذين مضوا بالخروج إلى أُحُدٍ ولم يتراجعوا، ثم هُزموا، وقُتل منهم (٧٠) رجلاً. ﴿لَوْ﴾: شرطية تفيد التمني. ﴿أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾: أي: أطاعونا بعدم الخروج إلى أُحُدٍ، ما: النافية، قُتلوا: ما أصابهم ما أصابهم يوم أُحُدٍ. ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾: الدرء: هو الدفع بشدة. ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر؛ أي: إذا حضر أجلُكم، أو ارفضوا الموت إذا جاءكم بشكل مفاجئ أو شديد فيها معنى التحدي حتى ولو كان الموت شيء مرئي لا يمكن للإنسان حماية نفسه. ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أن الفرار من الموت، والحذر، أو القعود عن الجهاد يُنجي من الموت، وجواب إن محذوف؛ للتعظيم، والتهويل.

стр. 774

سورة آل عمران [٣: ١٦٩] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية، تحسبن: من الحسبان، أو الحساب، والنون في تحسبن: للتوكيد. تحسبنَّ: من حسب؛ أي: اعتقد، حسبتم؛ أي: اعتقدتم اعتقاداً راجحاً، أو حسب تعني: الظن الراجح المبني على حساب حسي، وحساب قلبي قائم على النظر، والتجربة، والحساب. ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: سواء شهداء بدر، أو شهداء أُحُدٍ، أو غيرهم من الذين استشهدوا في سبيل الله، وهم يقاتلون لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه. ﴿أَمْوَاتًا﴾: جمع ميّت: بالتشديد؛ أي: خرجت روحه، وفقد عنصر الحياة، فهم ليسوا كذلك. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليسوا بأموات كما يحسبهم الناس. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حياة برزخية حقيقية، لا يعلم حقيقتها إلا الله ، ونؤمن بها كما أخبرنا عنها القرآن الكريم، ورسول الله ﷺ . ﴿يُرْزَقُونَ﴾: يتنعمون بطيب الرزق، ولذيذ العيش، ويرزقون تأكيد لكلمة أحياء. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: هذه العندية عند ربهم لا تشبه العندية عندنا في الدنيا فهي عندية خاصة، عندية تكريم وتشريف. وعندما نفتح القبر ونجدهم تراباً وعظاماً، ونحكم عليهم بأنهم تراب وعظام نحكم عليهم بقانون الدنيا، أو عنديتنا، أما في قانون الله، وقانون الآخرة

стр. 775

فهم أحياء يرزقون، فهم في حياة جديدة، وعالم جديد، ونحن في عالم الدنيا، وحياتنا تختلف عن حياتهم، وليس لنا القدرة على سماعهم، ورؤيتهم، ويكفي أن رسول الله ﷺ قد سمع اللَّذَين يعذبان في قبرهما، وأنه خاطب قتلى بدر. سورة آل عمران [٣: ١٧٠] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿فَرِحِينَ﴾: الفرح في القرآن أنواع: الفرح المحمود، والفرح المذموم، والفرح المباح، وسياق الآيات يحدد نوع الفرح المطلق والمقيد، وأنواع الفرح: المحمود، والمذموم، والمباح، والفرح: انفعال طبيعي يتمثل بانشراح الصدر بلذة عاجلة، وقد يتمثل بالبطر والفرح المطلق، والفرح النسبي لشكر الله، وزخارف الدنيا، وأكثر ما ورد في الذم، وأما الفرح المحمود: فهو المقيد بأمور الدين والآخرة والخير؛ سواء أكان حسياً أم معنوياً، والفرح في هذه الآية من الفرح المحمود، ويعود على الذين قتلوا في سبيل الله، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بما آتاهم من نعيم ورزق وكرامة. من فضله: من: ابتدائية، فضله: الفضل هو الزيادة عن الاستحقاق، أو الأجر. والفضل ليس بواجب على أحد. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: من البشرى: وهي الخبر السار الذي يصل لأول مرة، والبشر والبشارة، فالبشارة تؤدِّي إلى تغير لون الوجه؛ ليصبح الوجه متلألئاً، وله بريق ولمعان من السرور. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: يسرون بإخوانهم الذين تركوهم
следующие страницы →