← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مقعدي على أحد هذا مجرد تصريح منه، فإذا اختبرناه وامتحناه فعلاً، وقام بذلك فقد أقام لنفسه الحجة، وفاز، وأما إذا خالف، وعصى، وترك مقعده راكضاً وراء الغنيمة، ثم انهزم من أرض المعركة عندها تقام عليه الحجة، فلا يستطيع إنكار ذلك، وتظهر له نتيجة عمله، فلا يستطيع إنكارها. ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ولم يقل: الذين آمنوا؛ لأن هناك فرقاً بين الذين آمنوا، والمؤمنين: فأما المؤمنون: فهم الذين أصبحت صفة الإيمان ثابتة لهم، وصلوا إلى درجة الإيمان، ونالوا ذلك. وأما الذين آمنوا: لا زالوا في طريقهم إلى الوصول إلى درجة الإيمان الثابت التي وصل إليها المؤمنون، فالذين آمنوا يتجدَّد، ويتكرَّر إيمانهم، أما المؤمنون إيمانهم ثابت، ومستمرٌّ لا يتغيَّر. سورة آل عمران [٣: ١٦٧] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: الواو: عاطفة، ليعلم: اللام: للتوكيد (لها نفس معنى: وليعلم المؤمنين). ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: وهم جماعة عبد الله أُبي حيث خرجوا للقتال مع رسول الله ﷺ يوم أُحُدٍ، ولكن بعد مسيرهم بعض الطريق تخاذلوا رجعوا،

стр. 772

وكان عددهم ثلث المقاتلين، ولما اتخذ هؤلاء المنافقون القرار بالانسحاب، والرجوع، وعدم القتال قيل لهم: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: كما يقاتل المؤمنون. ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾: أي: دافعوا عن أموالكم، وأنفسكم، وأهليكم على الأقل إذا كنتم لا تريدون الجهاد في سبيل الله. قال المنافقون للمؤمنين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ﴾: أي: ما خرجتم إليه يوم أُحُدٍ هو ليس قتالاً، ولا دفاعاً، بل هو إلقاء بأنفسكم إلى التهلكة (لأن رأي عبد الله بن أُبَيٍّ كان الإقامة في المدينة، وعدم الخروج والتصدي لقتال المشركين في المدينة، وليس في خارج المدينة)؛ حيث كان لهم سابق خبرة أن القتال خارج المدينة سيورث الهزيمة، والقتل؛ لذلك رفض هؤلاء المنافقون، واحتجوا بتلك الذريعة، وقالوا: لن نتبعكم؛ لأن هذا ليس قتالاً، وإنما هو انتحار. ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾: أي: يوم تخاذلوا، ورجعوا، وقالوا: لن نتبعكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان؛ أي: ابتعدوا كثيراً عن الإيمان إلى الكفر. ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾: ينطقون بالإيمان بألسنتهم فقط، وليس في قلوبهم إلا الكفر (النفاق)، أو يقولون: نحن أنصاركم، وأعوانكم، وهم أعداء يريدون السوء للمؤمنين.

стр. 773

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: من النفاق، والعداوة. والكتمان: هو الإخفاء الذي يختص بالأمور المعنوية؛ كالإسرار، والإخبار. سورة آل عمران [٣: ١٦٨] ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: تعود على المنافقين الذين قعدوا عن القتال. ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: الذين مضوا بالخروج إلى أُحُدٍ ولم يتراجعوا، ثم هُزموا، وقُتل منهم (٧٠) رجلاً. ﴿لَوْ﴾: شرطية تفيد التمني. ﴿أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾: أي: أطاعونا بعدم الخروج إلى أُحُدٍ، ما: النافية، قُتلوا: ما أصابهم ما أصابهم يوم أُحُدٍ. ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾: الدرء: هو الدفع بشدة. ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر؛ أي: إذا حضر أجلُكم، أو ارفضوا الموت إذا جاءكم بشكل مفاجئ أو شديد فيها معنى التحدي حتى ولو كان الموت شيء مرئي لا يمكن للإنسان حماية نفسه. ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أن الفرار من الموت، والحذر، أو القعود عن الجهاد يُنجي من الموت، وجواب إن محذوف؛ للتعظيم، والتهويل.

стр. 774

سورة آل عمران [٣: ١٦٩] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية، تحسبن: من الحسبان، أو الحساب، والنون في تحسبن: للتوكيد. تحسبنَّ: من حسب؛ أي: اعتقد، حسبتم؛ أي: اعتقدتم اعتقاداً راجحاً، أو حسب تعني: الظن الراجح المبني على حساب حسي، وحساب قلبي قائم على النظر، والتجربة، والحساب. ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: سواء شهداء بدر، أو شهداء أُحُدٍ، أو غيرهم من الذين استشهدوا في سبيل الله، وهم يقاتلون لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه. ﴿أَمْوَاتًا﴾: جمع ميّت: بالتشديد؛ أي: خرجت روحه، وفقد عنصر الحياة، فهم ليسوا كذلك. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليسوا بأموات كما يحسبهم الناس. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: حياة برزخية حقيقية، لا يعلم حقيقتها إلا الله ، ونؤمن بها كما أخبرنا عنها القرآن الكريم، ورسول الله ﷺ . ﴿يُرْزَقُونَ﴾: يتنعمون بطيب الرزق، ولذيذ العيش، ويرزقون تأكيد لكلمة أحياء. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: هذه العندية عند ربهم لا تشبه العندية عندنا في الدنيا فهي عندية خاصة، عندية تكريم وتشريف. وعندما نفتح القبر ونجدهم تراباً وعظاماً، ونحكم عليهم بأنهم تراب وعظام نحكم عليهم بقانون الدنيا، أو عنديتنا، أما في قانون الله، وقانون الآخرة

стр. 775

فهم أحياء يرزقون، فهم في حياة جديدة، وعالم جديد، ونحن في عالم الدنيا، وحياتنا تختلف عن حياتهم، وليس لنا القدرة على سماعهم، ورؤيتهم، ويكفي أن رسول الله ﷺ قد سمع اللَّذَين يعذبان في قبرهما، وأنه خاطب قتلى بدر. سورة آل عمران [٣: ١٧٠] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿فَرِحِينَ﴾: الفرح في القرآن أنواع: الفرح المحمود، والفرح المذموم، والفرح المباح، وسياق الآيات يحدد نوع الفرح المطلق والمقيد، وأنواع الفرح: المحمود، والمذموم، والمباح، والفرح: انفعال طبيعي يتمثل بانشراح الصدر بلذة عاجلة، وقد يتمثل بالبطر والفرح المطلق، والفرح النسبي لشكر الله، وزخارف الدنيا، وأكثر ما ورد في الذم، وأما الفرح المحمود: فهو المقيد بأمور الدين والآخرة والخير؛ سواء أكان حسياً أم معنوياً، والفرح في هذه الآية من الفرح المحمود، ويعود على الذين قتلوا في سبيل الله، بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بما آتاهم من نعيم ورزق وكرامة. من فضله: من: ابتدائية، فضله: الفضل هو الزيادة عن الاستحقاق، أو الأجر. والفضل ليس بواجب على أحد. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: من البشرى: وهي الخبر السار الذي يصل لأول مرة، والبشر والبشارة، فالبشارة تؤدِّي إلى تغير لون الوجه؛ ليصبح الوجه متلألئاً، وله بريق ولمعان من السرور. ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: يسرون بإخوانهم الذين تركوهم

стр. 776

يجاهدون على الأرض، وأنهم سيأتون من بعدهم بالشهادة في سبيل الله؛ ليشاركوهم في النعيم الدائم، ولنعلم أن دخول الجنة لا يكون إلا برحمة من الله، وفضل حتى الشهداء. ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ألا: أصلها أن + لا. أن: المخففة، ولا: النافية. وأن: تفيد التوكيد. ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة؛ للبيان. سورة آل عمران [٣: ١٧١] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: من البشارة، كما ورد في الآية السابقة. فهذه البشارة لهم أنفسهم، أما البشارة السابقة فكانت لإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وجاء بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدد استبشارهم واستمراره. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هي الجنة. ﴿وَفَضْلٍ﴾: وكل شيء يمنحونه في الجنة هو فضل من الله، والفضل: هو كل زيادة على أجرهم، ورضوان الله سبحانه، ورؤية وجهه الكريم أكبر فضل. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. سورة آل عمران [٣: ١٧٢] ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أجابوا دعوة الرسول ﷺ ، فقد رُوي عن رسول الله ﷺ أنه بلغه أن أبا سفيان من بعد غزوة أُحُدٍ وهزيمة المسلمين يريد الرجوع بقريش إلى المدينة؛

стр. 777

ليستأصلوا مَنْ بقي مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ ؛ حيث قال أبو سفيان بعد رجوعهم إلى مكة: لا محمد قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، شرٌّ ما صنعتم، فحين علم رسول الله ﷺ دعا رسول الله ﷺ أصحابه للخروج طلباً لأبي سفيان إرهاباً له، وأنه ﷺ لا يزال عنده جيش وقوة، فخرج ﷺ مع عدد من أصحابه، وهم لا يزالون في جروحهم فخرج معهم إلى حمراء الأسد، وبقوا هناك ثلاثة أيام، ثم صرف الله سبحانه أبا سفيان، ومن معه، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. ﴿الَّذِينَ﴾: تعود على المؤمنين صحابة رسول الله ﷺ . ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أجابوا دعوة رسول الله ﷺ بالخروج لقتال، أو ملاحقة أبي سفيان، وجيش قريش بعد رجوعهم من أُحُدٍ. استجابوا وهم مرهقون متألمون، ومثخنون بالجراح. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: من: ابتدائية؛ تعني: مباشرة بدون فاصل زمني. أصابهم القرح: الجراح، والألم في غزوة أُحُدٍ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾: للذين: اللام: لام الاستحقاق، أحسنوا: طاعة الرسول، والاستجابة له ﷺ ، وأحسنوا من الإحسان كمّاً وكيفاً. ﴿مِنْهُمْ﴾: قدَّم الجار والمجرور خاصَّة، وليس من غيرهم؛ (أي: حصراً وقصراً). ﴿وَاتَّقَوْا﴾: مخالفة الله ورسوله، وأطاعوا أوامر الله تعالى، وتجنَّبوا محارمه. ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: هو الجنة، ومن أعظم الأجور.

стр. 778

سورة آل عمران [٣: ١٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: تعود على الرسول وصحابته. ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾: وهم نفر من عبد القيس مرُّوا بأبي سفيان، وهو عازم على العودة إلى المدينة بعد غزوة أُحُدٍ؛ لتصفية المؤمنين، فقال له أبو سفيان أخبر محمداً ﷺ وأصحابه أن أبا سفيان قادم بجيشه، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك زادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾: إن: للتوكيد، الناس قد جمعوا لكم: أبو سفيان، وأصحابه قد جمعوا لكم ليقاتلوكم. ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: لا تأتوهم، أو خافوهم، واهربوا منهم، ولا تحاربوهم. ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقاً بالله، ويقيناً بنصر الله لرسوله، وعباده المؤمنين. ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: يكفينا الله أمرهم وشرهم. ونعم الوكيل: نعم من أفعال المدح، نعم المتولي أمورنا، والمدبِّر أحوالنا؛ أي: نفوِّض أمرنا إلى الله الحفيظ.

стр. 779

سورة آل عمران [٣: ١٧٤] ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾: الفاء: للمباشرة والتعقيب. انقلبوا: أي: رجع النبي ﷺ وأصحابه من حمراء الأسد بعد عودة أبي سفيان بجيشه إلى مكة، والانقلاب هو الرجوع إلى غير الحالة السابقة التي كانوا عليها، رجعوا مطمئنين سالمين لم يمسسهم سوء بعد أن كانوا خائفين غير آمنين من عدوهم. ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، نعمة من الله: النعمة ما يهبه الله لعبده من خير يجلب له المسرة، ويدفع عنه المضرة. ولوحظ في القرآن أن نعمة تكتب بالتاء المربوطة أو بالتاء المفتوحة (نعمت). إجمالاً يمكن القول: وردت بالتاء المربوطة (٢٥) مرة، و (١١) مرة بالتاء المفتوحة. ١ - نعمة: بالتاء المربوطة: غالباً تأتي في سياق نعم الله الظاهرة للعيان، أو سياق النعم العامة، وتعني نعمة واحدة. ٢ - نعمت: بالتاء المفتوحة: تأتي في سياق النعم الخاصة بالمؤمنين، وهي نِعم كثيرة جداً. وفضل: الفضل: الزيادة على الأجر، فرغم أنهم لم يقاتلوا أبا سفيان أثابهم ثواب غزوة في سبيل الله.

стр. 780

﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: لم: نافية، يمسسهم سوء: من قتل، أو أذى حين خرجوا إلى حمراء الأسد. ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: بالاستجابة لما دعاهم رسول الله ﷺ ، وهو الخروج أو التصدي لأبي سفيان وجيشه بعد معركة أُحُدٍ. ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: والله صاحب الفضل المطلق على المؤمنين بما فضل عليهم، أو بما منّ عليهم بدفع المشركين عنهم، ولمعرفة معنى (ذو): ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٨٧)، وغافر، آية (٣)، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧٤) في نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ التعريف بأل التعريف يأتي في سياق الأمور العامة والأكثر شمولاً والأهم. سورة آل عمران [٣: ١٧٥] ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة؛ للحصر والتوكيد. ﴿ذَلِكُمُ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، وتشير إلى الشيطان. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان لمعرفة معنى الشيطان. ﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: قيل: هو إبليس، أو قيل: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، أو كلاهما، وذلكم: اسم إشارة يدل على وأُحُدٍ بعينه، والغالب: هو نعيم بن مسعود الأشجعي. فإذا كان هو إبليس فكيف نفسر يخوف أولياءَه، وإذا كان غير إبليس؛ أي: نعيم بن مسعود الأشجعي كيف نفسِّر يخوف أولياءَه؟ أولاً: الشيطان (إبليس) قيل: يخوف أولياءَه تقديره: يخوفكم بأوليائه، أو يخوفكم من أوليائه.

стр. 781

يخوفكم: أنتم المؤمنين حتى لا تخرجوا إلى ملاقاة أبي سفيان وجيشه عند حمراء الأسد، أو يخوفكم من أوليائه: وأولياؤه هم أبو سفيان وجماعته، أو كفار قريش، أو المنافقون. ثانياً: الشيطان (هو نعيم بن مسعود الأشجعي): وهو يعتبر من شياطين الإنس. يخوف أولياءَه: لنفهم معنى أوليائه يجب أن نعلم بعد رجوع أبي سفيان منتصراً إلى مكة ألقى الله سبحانه الرعب في قلبه حتى لا يرجع إلى مكة؛ ليستأصل محمداً وصحابته، كما كان ينوي. يخوف أولياءَه: أي: الأشجعي يخوف أولياءَه حتى لا يخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، حين طلب منهم رسول الله ﷺ الجهاد، وملاقاة أبي سفيان وجنودِه. فالذين يستمعون له ويستجيبون له من الناس هم (أولياؤه)، فلا تخافوهم، وخافونِ (الله). علاقة أبي سفيان بالأشجعي: التقى أبو سفيان بنعيم الأشجعي حين قدِم مكةَ معتمراً، فقال له: ارجع إلى المدينة فثبَّط محمداً وأصحابه بعدم الخروج للقتال. فرجع فقال لرسول الله ﷺ وصحابته: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم؛ أي: فلا تخرجوا لقتال أبي سفيان وقريش، ورغم التحذير خرج رسول الله ﷺ مع صحابته إلى حمراء الأسد. مَنِ استمع إلى قول نعيم الأشجعي، واستجاب له يعدُّ من أوليائه (أولياء الشيطان نعيم الأشجعي). ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾: لا: الناهية، والخطاب لرسول الله ﷺ والمؤمنين: أي: لا

стр. 782

تخافوا من أولياء الشيطان أبي سفيان وجماعته، أو غيره من المشركين. اخرجوا إليهم، ولا تخافوهم. ﴿وَخَافُونِ﴾: إن قعدتم ولم تخرجوا إليهم لقتالهم، أو التصدِّي لهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية، كنتم مؤمنين: لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، وكذلك إن الله ناصر عباده المؤمنين. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فالشيطان سواء كان إبليس أو غيره (من شياطين الجن)، أو من شياطين الإنس أمثال نعيم بن مسعود الأشجعي. يخوف أولياءَه: أولياؤه هو الذين يستجيبون لوساوس الشيطان، ويخافون أن يخرجوا للجهاد. وكما بيَّن الله ذلك في سورة الأنعام، آية (١٢١) فقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾، يوحون بالوحي، والوحي في اللغة: هو الإعلام الخفي بالوسوسة، والإغراء، والتزيين؛ يحثُّ بعضهم بعضاً، سواء كانوا من الجن، أو الإنس، فبعد أن يكفروا أو يشركوا، ويعصوا الله ورسوله يطلق عليهم أولياء الشيطان، أو حزب الشيطان. سورة آل عمران [٣: ١٧٦] ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية. ﴿يَحْزُنكَ﴾: من الحزن، وهو غم يصب النفس لرؤية، أو سماع ما يسوءُه ويكرهه، وهناك فرق بين الحزُن بضم الزاي، والحزَن بفتح الزاي. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٣٣)؛ للبيان. فقد كان رسول الله ﷺ يحزن فعلاً حين يرى بعض الناس يسارعون في

стр. 783

الكفر، وكان ﷺ يحرص على إيمان كل إنسان، وهذا الحرص هو الذي دفعه إلى الحزن، ولا غريب في ذلك؛ لأنه رحمةٌ للعالمين. ﴿يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾: ولم يقل: يسارعون إلى الكفر؛ لأنهم أصلاً، أو سابقاً كانوا منغمسين في الكفر، ولم يكونوا مؤمنين، أو كانوا غير كافرين، وهم يسارعون إلى الكفر الآن، وقيل: هم المنافقون، وكفار قريش، وأبو سفيان، أو اليهود يسارعون في الكفر، أو يسارعون في الكفر؛ أي: يزدادون كفراً؛ بارتكاب أنواع جديدة من المحرمات، أو المعاصي والفساد. ويسارعون فيها معنى شدة الحرص على المسارعة وكثرتها وتكرارها بدلاً من يسرعون. أو كانوا يخفون كفرهم، وهم الآن يظهرون كفرهم على العلن، وليس مسارعتهم في الكفر تقصيراً منك يا محمد ﷺ في إبلاغهم، أو دعوتهم. ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: إنهم: للتوكيد، لن: حرف نفي تنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد. يضروا الله شيئاً: شيئاً: نكرة؛ أيَّ شيء مهما كان نوعه صغيراً، أو كبيراً، لا في ذاته، ولا ملكه، ولا رسوله، والتنكير يدل على قلة وحقارة ما يفعلونه من الإسراع، أو محاولة الضرر. انتبه إلى قوله: لن يضروا الله شيئاً: المفروض أن يقول: لن يضروك شيئاً، أو: لن يضروكم شيئاً؛ لأن المعركة هي بين الذين كفروا ورسول الله ﷺ ، والمؤمنين، ولكن الله سبحانه وضع ذاته طرفاً في المعركة بدلاً من رسول الله ﷺ والمؤمنين؛ لأن عِداءَ الرسول والمؤمنين هو عداءٌ لله تعالى . فكأن المعركة هي معركة بين الله سبحانه القوي العزيز، وبين الكافرين، فلا يهمكم أمرهم، ولا تحزنوا عليهم. فهم لا يضرون إلا أنفسهم وسيذوقون وبال أمرهم.

стр. 784

ثم بيَّن الله سبحانه كذلك ما ينتظرهم من جزاء. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا﴾: أصلها أن + لا، أن: للتوكيد، لا: للنفي؛ أي: توكيد النفي. ﴿يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى الْآخِرَةِ﴾: الحظ هو النصيب؛ أي: نصيباً من الثواب؛ أي: الأجر في الآخرة، والحظ: يأتي في سياق الخير فقط (في القرآن)، والنصيب: يأتي في سياق الخير والشر، وتدل الآية أن لا: ليس هناك أملٌ، ولا رجاءٌ في أي حظ (ثواب) في الآخرة. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: اللام في لهم للاختصاص، عذاب عظيم: في ألمه، وكميته، وقدره، ومدته، ونوعه؛ فهو أعظم أنواع العذاب، وأشد من العذاب المهين والأليم. سورة آل عمران [٣: ١٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾: إن: للتوكيد، اشتروا: الاشتراء عملية تبادل الثمن هو الإيمان، والمشترى هو الكفر إذن هم اشتروا (أخذوا) الكفر، ودفعوا إيمانهم ثمناً له. والسؤال هنا: هل كان عندهم إيمان ليدفعوه كثمن؟ والجواب قد يكون ذلك إيمان الفطرة. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: ارجع إلى الآية السابقة؛ لتبيان ذلك. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام، لا يطاق. وقال بعض المفسرين: إن هذه الآية جاءت في سياق الذين ارتدوا عن دينهم.

стр. 785

سورة آل عمران [٣: ١٧٨] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية. ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: ارجع إلى الآية (١٦٩)؛ لمزيد من البيان. ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: من الحساب، أو الحسبان وهو الاعتقاد الراجح المبني على حساب قلبي، أو عقلي، المبني على حساب حسي سابق (ناتج عن مراقبة وخبرة). ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا﴾: أنما: أصلها أنَّ: (حرف مشبه بالفعل)، وما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿نُمْلِى لَهُمْ﴾: الإملاء: هو إطالة الوقت؛ يعني: نطيل لهم في العمر، ورغد العيش، وبما يصبوا إليه من نصر وظفر ورزق وغيره. لهم: اللام: لام الاختصاص، لهم خاصة، وليس لغيرهم. ﴿خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾: الخير هو الشيء الحسن النافع؛ أي: الإملاء: هو ليس شيئاً حسناً، ونافعاً لهم، بل هو شرٌّ لهم. ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ﴾: كافة مكفوفة للحصر؛ أي: فقط نملي لهم؛ ليزدادوا إثماً. ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: اللام: للتوكيد. ليزدادوا إثماً: أي: ذنوباً، وأشد المعاصي. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: الواو: عاطفة، لهم: اللام: لام الاستحقاق. عذاب: نكرة؛ أيْ: أشد ما تتصوَّره العقول. مهين: لا يكفي كونه أليماً وعظيماً، بل مهيناً؛ أي: أمام الناس، وعلى مرأى منهم وفضيحة لهم. سورة آل عمران [٣: ١٧٩] ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ

стр. 786

اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿مَا﴾: النافية للحال. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾: ما كان الله في الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿لِيَذَرَ﴾: اللام: لام التوكيد، توكيد النفي السابق، ليذر: ليترك، أو يدع. ﴿الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾: أي: من اختلاط المنافقين بالمؤمنين، وعدم معرفة المنافقين من المؤمنين. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية (نهاية الغاية). ﴿يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: يميز: يظهر ويفرق بين الخبيث (المنافق المشرك، أو العاصي الفاجر) من الطيب (المؤمن الطاهر المخلص). أي: أنه سبحانه لا بد من أن يمتحن ويبتلي الناس بشيء من المحنة، أو الشدة، ولن يترك الناس على حالتهم حتى يظهر المؤمن الطيب من المنافق الخبيث الفاجر. وكما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]. ارجع إلى تلك الآية لمزيد من البيان. وما حدث في أُحُدٍ كان اختباراً للمؤمنين، وفَضَحَ فيه المنافقين، والذين تخلفوا عن الخروج، ومَن خالف أمر رسول الله ﷺ ، ومَن انهزم في المعركة. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾: التكرار يفيد النفي. ﴿لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: فتعرفوا المنافق من غيره، أو ينزل عليكم الوحي ويطلعكم على ما في قلوب العباد من تقوى، أو كفر. يطلعكم على الغيب (من الإطْلاع)، أما قوله: فلا يظهر على غيبه أحداً (من الإظهار)، فما هو الفرق بين الإطْلاع، والإظهار:

стр. 787

الإطْلاع: يكون مرة، أو مرتين (عدد قليل). الإظهار: يعني: مرات كثيرة، أو يظهره على كثير من الغيب. فليس من شأنه سبحانه أن يطلع الناس على الغيب، ولكن خلق لهم عقولاً، وفطرة، وهداهم، وترك لهم أن يميزوا بأنفسهم المؤمن من الكافر بما هو ظاهر لهم من الأسباب. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: لكن: حرف استدراك. ومع ذلك لا ننسى أن الله يجتبي يختار ويصطفي من رسله من يشاء، ويطلعه على بعض الغيب، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. أي: يطلع رسوله على من هو منافق، ومن هو مخلص. ﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: الفاء: للتوكيد، فعليكم الإيمان بالله، ورسله، ومنهم محمد ﷺ . ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾: إن: شرطية، تؤمنوا: تستمروا، وتحافظوا على إيمانكم، وتستقيموا عليه، وتطيعوا الله سبحانه ورسوله فيما أمر، وتؤمنوا بما جاء به الرسل من أخبار الغيب. ﴿فَلَكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، لكم: اللام: لام الاستحقاق. ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ثواب عظيم، وهو الجنة، لا يفوقه أجر، ولا يعلمه، ولا يحدده أحد إلا الله. سورة آل عمران [٣: ١٨٠] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٨).

стр. 788

﴿يَبْخَلُونَ﴾: يمنعون الحق الواجب عليهم من زكاة، أو صدقة، أو إطعام جائع، أو ستر عارٍ. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الباء في بما: للإلصاق، الإيتاء: هو الإعطاء مع إمكانية أخذه منه مرة أخرى، الإيتاء: أعم من الإعطاء، ويشمل الأمور المادية والمعنوية. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. وآتاهم الله من فضله: هنا يعني: المال، والعلم، وغيره، ولا ينفقون منه الواجب. الذين يبخلون: بصيغة المضارع؛ لتفيد التجدد، والاستمرار. ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: هو: إشارة إلى البخل، هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد. ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾: حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليس بخلهم خيراً لهم، بل هو شرٌّ لهم. والخير كما قلنا: الشيء الحسن النافع. والشر: هو الشيء الضار، وضده الخير، وتكرار هو: يفيد الحصر، والتأكيد. ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾: السين: للاستقبال القريب. ﴿مَا بَخِلُوا بِهِ﴾: اسم موصول يعني: الذي. سيكلفون ويحملون إثم الذي بخلوا به: إثم عدم دفع زكاة أموالهم، أو سيلزمون إثم ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل: طوق من النار. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يوم يقوم الناس لرب العالمين للحساب والجزاء. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مثِّل له شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك».

стр. 789

﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور هنا يفيد الحصر؛ أي: لله وحده ميراث السموات والأرض. ﴿مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الله له ما في السموات، وما في الأرض، وهو مالك الملك الحقيقي وحده لا شريك له من الأزل إلى الأبد، وكل ما في الكون في السماء والأرض هو ملكه وحده، وما يملكه أي إنسان فقط مستخلف فيه، وبعد نفخه الصعق (النفخة الأولى)، وموت الخلائق جميعاً تبقى أموالهم، وأملاكهم لا أحد يُطالب بها، ويدَّعي أنها ملكه ولا قيمة لها. والله سبحانه يستردُّ من الخلائق ما جعلهم مستخلفين فيه، وهو ليس في الحقيقة وراثة؛ لأن الوارث يرث شيئاً لم يكن ملكه من قبل، والله سبحانه له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما من قبل أن يخلقهم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: خبير أحاط علمه ببواطن الأمور وظواهرها. وقدَّم بما تعملون على خبير؛ لأن سياق الآيات جاء في أعمال الكافرين، والمنافقين. والانتقال من صيغة المخاطب (كقوله: سيطوقون) إلى صيغة (المخاطب) مباشرة (بما تعملون) بدلاً من قوله: بما يعملون؛ للمبالغة في الوعيد، وشدة الإثم.

стр. 790

سورة آل عمران [٣: ١٨١] ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أسباب النزول: عن ابن عباس ﵄ قال: دخل أبو بكر بيت المِدْراس فوجد يهوداً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له منخاص، فقال له أبو بكر: اتق الله، وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله، فقال منخاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا الفقير، ولو كان غنياً ما استقرض منا فغضب أبو بكر فضرب وجه منخاص، وقال: والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك، فذهب منخاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! انظر ما صنع صاحبك بي، وأخبره بما قال منخاص فجحد؛ أي: أنكر ما قاله لأبي بكر ﵁؛ فنزلت هذه الآية. وقيل عن ابن عباس ﵄ كذلك: أن اليهود أتت رسول الله ﷺ بعد نزول الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فقالوا: يا محمد! أَفتقر ربك يسأل عباده القرض، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد. ﴿سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: إن: للتوكيد؛ أي: أكد اليهود نسبة الفقر إلى الله على سبيل المبالغة.

стр. 791

ونحن أغنياء: وصفوا أنفسهم بالأغنياء، وأن الغنى صفة ثابتة لهم، ونسوا أن الله هو الذي جعلهم أغنياء، وأنه هو المنعم عليهم. ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾: الله سبحانه لا يكتب، وإنما يأمر الملائكة الموكلين بالإنسان أن يكتبوا من الكفر والافتراء على الله والاستخفاف بالرسول والقرآن، وكتابة كل ما يقال. وأسند الكتابة إليه سبحانه؛ لبشاعة هذا الافتراء على الله بأنه فقير، وهم أغنياء، وفي الآية تهديد ووعيد. ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: أي: وسنكتب قتلهم الأنبياء بغير حق. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦١)؛ لبيان الآيات المشابهة مثل: قتلهم النبيين بغير حق، أو قتلهم النبيين بغير الحق. ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: أي: سنعاقبهم على قولهم: إن الله فقير، ونحن أغنياء، وعلى قتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا: أصل الذوق باللسان، ثم استعمل في عذاب الحريق، وعذاب الحريق: المحرق المؤلم، عذاب بالنار الملتهبة. سورة آل عمران [٣: ١٨٢] ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف: للخطاب يشير إلى عذاب الحريق. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية، أو التعليلية. ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسبب ما قدمت أيديكم من أعمال، وذكر الأيدي بالذات؛ لكثرة تداول الأعمال، والمعاصي بالأيدي من قبيل المجاز.

стр. 792

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: ظلام: صيغة مبالغة من الظلم، تقول: فلان ظالم، وإذا أردت المبالغة تقول: ظلَّام؛ أي: كثير الظلم، وعندما نقول: فلان ظلَّام؛ يعني: أنه ظالم أيضاً. ولكن عندما تقول: فلان ليس ظلَّاماً (ليس كثيرَ الظلم)، فقد يكون ظالماً فقط، إذن تنفي عنه ظلَّاماً، ولا تنفي عنه كونه ظالماً، فالله سبحانه في هذه الآية نفى عن نفسه ظلَّاماً، فهل يعني ذلك أنه ظالمٌ؟ حاشا لله أن يكون ظالماً، ولكي ينفي عنه كونه ظالماً، قوله في سورة النساء، آية (٤٠): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وفي سورة يونس، آية (٤٤): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾، فبذلك نفى عن ذاته الظلم بكل أشكاله، وموازينه؛ لأنه سبحانه بيَّن للناس الحلال والحرام، والواجب والمباح، والمكروه، وكل ما يحتاجونه في دنياهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦)، وسورة الزمر آية (١٦) لبيان معنى عبيد عبادي عباد. سورة آل عمران [٣: ١٨٣] ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: هم جماعة من اليهود، وقيل: منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وغيره. قالوا لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾: أي: أعلمنا، وأوصانا في التوراة. ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾: أصلها: أن: للتوكيد، ولا: النافية؛ لتوكيد النفي.

стр. 793

﴿نُؤْمِنَ﴾: نصدِّق. لرسول: يزعم أنه رسول ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: القربان: هو ما يتقرَّب به إلى الله تعالى من ذبح أو غيره. أي: إياكم أن تؤمنوا برسول حتى يأتيكم بمعجزة ترونها بأم أعينكم، وهي أن يقدِّم الرسول نفسه قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله؛ لأن هذا كان من سنن الأنبياء السابقين أن تنزل نارٌ فتأخذ القربان، وقبول القربان هو سرٌّ من أسرار الله، وذلك بعد أن يدعو ذلك النبي، ويناجي ربه حتى يتقبله، ورسول الله ﷺ جاء بمعجزات محسوسة كثيرة، ومنها القرآن، إذن هم طلبوا من رسول الله ﷺ أن يقوم بذلك العمل، فنزلت هذه الآية ردّاً عليهم. وتأكله النار: النار لا تأكل، فهذا نوع من الاستعارة اللغوية، والذي يأكل هو الإنسان، أو الحيوان. ﴿قُلْ قَدْ﴾: قل لهم يا محمد: قد: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات، والباء: للتوكيد، والإلصاق. وقوله تعالى: (جاءكم رسل) بالتذكير بدلاً من (جاءتكم رسل) بالتأنيث يدل على القلة كما في الآية (١٤) في سورة فصلت وهي قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾؛ لأن التأنيث في القرآن يدل على الكثرة، والتذكير يدل على القلة. ﴿وَبِالَّذِى قُلْتُمْ﴾: الذي سألتم من القربان، أو القرابين، والباء: للتوكيد. ﴿فَلِمَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، لم: استفهام فيه معنى الاستنكار، والتعجب.

стр. 794

﴿قَتَلْتُمُوهُمْ﴾: بدلاً من تصديقهم، فالإتيان بالقربان، وإن تأكله النار هذا مجرَّد كذب وافتراء، ولو كان كلامكم صحيحاً لآمنتم بالرسل الذين جاؤوكم بالقرابين. ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في طلبكم هذا. سورة آل عمران [٣: ١٨٤] ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية تدل على قلة الحدوث، أو ندرته. ﴿كَذَّبُوكَ﴾: بعد مجيئهم بكل هذه البينات والمعجزات والآيات. ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: هذا نوع من التخفيف عن رسول الله ﷺ . كذبوك: فعل ماضٍ، ولم يقل: فإن يكذبوك بالمضارع التي تدل على الاستمرار، والتجدد، أو تعدد حالات التكذيب. كذبوك في الماضي في حادثة ما وانتهى الأمر. فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: للتحقيق والتوكيد. كُذب رسل من قبلك؛ أي: جاؤوا من قبلك وكذبهم أقوامهم. ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات، والدلائل، والبراهين على نبوتهم وصدقهم. ﴿وَالزُّبُرِ﴾: جمع زبور، وهو كل كتاب ذو حكمة، وسمي زبوراً؛ لأنه يزبر؛ أي: يزجر عن الباطل، يدعو إلى الحق (الزبر: الزجر). ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.

стр. 795

﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: الواضح الجلي بالأحكام والشرائع مثل التوراة، والإنجيل، والقرآن. ١ - لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ مع الآية (٣٣) من سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، أو كيف نجمع بين الآيتين؛ فإن كذبوك، فإنهم لا يكذبونك؟ فإن كذبوك: بصيغة الماضي تدل على المشركين كذبوا رسول الله في حادثة ما، وانتهى الأمر. أو كذبوا بآية من آيات الله تعالى. فإن كذبوك في الظاهر والعلن أمام الناس ليصدوا الناس عن اتباعك والدخول في الإسلام. فإنهم لا يكذبونك: أي: في باطن أنفسهم (لا يكذبونك لأنك في أعينهم الصادق الأمين) أما في العلن، وأمام الناس؛ فإنهم يكذبونك. وإن تكذيبهم لك في العلن، وأمام الناس سوف يتجدَّد، ويتكرَّر، ولن ينتهيَ، ولذلك جاء بصيغة المضارع، وفي نفس الوقت سوف يتجدَّد ويتكرَّر شعورهم بأنك الصادق الأمين. ٢ - لنقارن هذه الآية من سورة آل عمران، مع آية (٢٥) من سورة فاطر: آية آل عمران: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. آية فاطر: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. في آية فاطر جاء بـ (٣) باءات في آل عمران بباء واحدة. تكرار الباء يفيد التوكيد؛ فهو أكد ثلاث مرات في فاطر؛ لأن المقام، أو السياق في فاطر هو في مقام الإنذار، والتبليغ، والدعوة، واستمرار تكذيبهم،

стр. 796

(كما رأينا في قوله: يكذبوك)، وعظم الإنذار بينما السياق في آل عمران جاء في سياق اليهود الذين يمارون في الباطل، ويطلبون من الرسول أن يأتيهم بقربان تأكله النار، فالمقام أقل شدة. ٣ - لنقارن هذه الآية من آل عمران بالآية (٤٢) من سورة الحج: آية آل عمران: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. آية الحج: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾. في آل عمران: فقد كذب رسل من قبلك؛ أي: واحداً واحداً كل رسول في زمانه كُذِّب، أو ناس كذبوا به، وناس لم يكذبوا. أما آية سورة الحج: فقوم نوح، أو عاد، أو ثمود؛ فإنهم كذبوا مجموعة من الرسل الذين جاؤوا قبلهم دفعة واحدة كذبوا بجميع الرسل. ٤ - ما هو الفرق بين كُذب وكذبت: كُذب: تدل على القلة. كذبت: تدل على الكثرة؛ أي: كثرة الرسل الذين كُذِّبوا. سورة آل عمران [٣: ١٨٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: المناسبة: في الآية السابقة قال سبحانه: فإن كذبوك بسبب عنادهم، ولم يؤمنوا بك، فاعلم أن كل نفس ذائقة الموت، وهذا تهديد للمكذبين بالرسل، والبينات، والكتب. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: الذوق: هو إدراك الطعم، والذوق في القرآن قد يأتي في سياق العذاب والرحمة؛ أي: الخير والشر. هذا إخبار عام من الله

стр. 797

سبحانه إلى جميع الخلائق بما فيها الجن، والإنس والملائكة، كل نفس، ونفس نكرة تشمل كل نفس ستذوق الموت، والسؤال هنا: هل الموت يذاق كالطعام، أو الشراب، والجواب: لا، وإنما استعمله في هذه الآية من باب المجاز. أي: كما أن حقيقة الأكل للإنسان، والحيوان؛ أي: لا بد من الأكل، وكذلك حقيقة الموت. وللموت سكرات، وهذه السكرات لا بد أن يشعر بها كل إنسان قبل موته. ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الواو: عاطفة، إنما: كافة مكفوفة تفيد التوكيد، توفون: من التوفية كل إنسان يأخذ أجره كاملاً، أو يوفيه أجره يعطيه أجره كاملاً، وكمال الأجر يكون يوم القيامة، وهذا يعني أنكم ستوفون بعض أجوركم في الدنيا، وفي القبر، وكمال، أو إتمام الأجر يكون يوم القيامة. الأجر: هو الجزاء على العمل سواء كان دنيوياً، أو أخروياً؛ أي: هو مقابل العمل. وقد ذُكرت هذه الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ثلاث مرات في القرآن الكريم في هذه الآية من سورة آل عمران، وفي سورة الأنبياء، آية (٣٥): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وفي سورة العنكبوت، آية (٥٧): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. يوم القيامة: سمي بذلك الاسم؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين يقومون من قبورهم للحساب والجزاء. ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية. ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾: أي: أُبعد عن النار، ونجا منها، والزحزحة: هي الإبعاد والتنحية.

стр. 798

وزُحزح: فعل ماض مبني للمجهول؛ فالذي زحزحه هو الله سبحانه بكرمه وفضله. عن: تفيد المجاورة؛ أي: الابتعاد. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾: برحمة الله وفضله، وليس بعمله، دخول خلود. ﴿فَقَدْ فَازَ﴾: الفاء: تفيد التعقيب والمباشرة. وقد: للتحقيق والتوكيد (توكيد الفوز). والفوز: هو النجاة من الكرب، والحصول على الغاية ما تحب، والفوز أعم وأهم من النجاة يشمل النجاة، أما النجاة فتعني النجاة فقط؛ أي: الخلاص من المكروه، أو الكرب. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان وأنواع الفوز ودرجاته والمقارنة. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية. ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَتَاعُ﴾: هو كل ما ينتفع به، ويرغب في اقتنائه، أو يتمتع به كالطعام، وأثاث البيت، والسلعة، والأداة، والمال، ويطلق على القليل والكثير، ويجمع على أمتعة. ﴿الْغُرُورِ﴾: بضم الغين: ما يُغتر به، وهو خلاف ما هو الحقيقة؛ أي: الخداع؛ لكونه متاعاً زائلاً، باطلاً، وفانياً بعكس متاع الآخرة الدائم الباقي. أما الغَرور: بفتح العين فهي تعني الشيطان (اسمه الغَرور). والغرور مصدر أضيف إليه المتاع، وكونه للغرور زاد في التحذير منه.

стр. 799

أي: الحياة الدنيا تشبه المتاع الخادع الغار لصاحبه؛ لأنه سيضمحل، ويزول والدنيا متاع متروك، أو متاع زائل مهما كان جميلاً ومبهراً. سورة آل عمران [٣: ١٨٦] ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون الثقيلة في تبلونَّ تفيد التوكيد؛ أي: زيادة التوكيد في الابتلاء. تبلون: من الابتلاء، وهو الاختبار، ولكن لا يكون ابتلاءً إلا بتحمل المكاره والمشقة، ويكون بالخير، والشر، والبلاء يكون في الأموال (بالإنفاق، أو النقص بسبب الآفات أو غيرها)، أو الأنفس بالقتل، والجهاد، والجراح، والألم، والمخاوف، والمصائب، والعبادات، والأمراض، وفقد الأحبة. وقد يكون الاختبار بالخير؛ أي: بالإنعام على الفرد، ولا يقال: يُبتلى الإنسان بالنعمة. ﴿فِى أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: وقدَّم في أموالكم؛ لأنها الأكثر ابتلاءً على أنفسكم. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾: الواو: عاطفة، واللام للتوكيد، والنون في لتسمعنَّ: لزيادة التوكيد على السماع ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (اليهود والنصارى)، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (مشركي العرب). ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾: الأذى هو الحدث الذي يؤلم لفترة ما، ثم ينتهي أما الضرر فيكون له آثار طويلة بعد وقوعه.

стр. 800

والأذى مثل الطعن في دينكم، وصد الناس عن الدخول في الإسلام، والاتهامات الباطلة، وغيرها. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية، إن: شرطية. ﴿تَصْبِرُوا﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والاستمرار. وإن تصبروا على الابتلاء في المال، وفي النفس، وغيرها، وتصبروا على أذى الذين أوتوا الكتاب، وأذى الذين أشركوا. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: تستقيموا على تقواكم، وتستمروا بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وتفيد التوكيد. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف، للخطاب، ذلك الصبر، والتقوى، وهو من باب الندب. ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: العزم: هو القوة، والقدرة على إنجاز الفعل، ويعين على القيام به أن تجمع له القوة، والصبر، والتقوى، وهذه الأمور بحد ذاتها؛ أي: التقوى، والصبر، والقوة من الأمور التي تحتاج إلى عزم.

стр. 801

سورة آل عمران [٣: ١٨٧] ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: واذكر، أو: واذكر حين. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾: الميثاق هو العهد المؤكد باليمين. ارجع إلى الآية (٦٣) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي: المقصود هو علماؤهم من اليهود والنصارى. ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: لتبيننه؛ أي: لتبينن أمر محمد ﷺ ، كما هو موجود عندكم بدون تغيير، وتحريف لتبيين أوصافه ونعوته … أو لتبينن ما جاء في التوراة، والإنجيل في صفات ونعت رسول الله ﷺ . للناس: اللام: لام الاختصاص، والناس: تعني: الثقلين الإنس والجن. ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: والكتمان: هو ما جاء في الكتاب في نعوت النبي ﷺ ، وأن يؤمنوا به، وبالإسلام والكتمان: هو كتم الشيء ظاهر الوضوح؛ للعيان، ولكن صاحبه يحاول كتمه وغالباً ما يكون شيئاً معنوياً، والكتمان غير الإخفاء. ارجع إلى الآية (١٥٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. أما الإخفاء: هو ما يدور في الخواطر، ويخفيه الإنسان، ومع مرور الزمن لا بد أن يُعلم، ويشمل الأشياء الحسية، والمعنوية (مثل النفاق).

стр. 802

﴿فَنَبَذُوهُ﴾: الهاء: تعود على الكتاب، أو الميثاق. الفاء: تدل على التعقيب، أو الترتيب، والنبذ: هو الطرح مع الكراهية، ويعني طرح الشيء بقوة، وذلك دليل على كراهيته، والنبذ له جهات يمين شمال أمام وراء، فهم نبذوه: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: ويعني ذلك دليل على الكراهية، فهم لا يريدون رؤيته، أو تذكره، فلو رماه أمامه، أو على يمينه، أو شماله، فقد يراه في المستقبل، أو يتذكره فهم نبذوه، ولم يكترثوا بما جاء في نعت النبي والإيمان به. ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أي: استبدلوا متاع الدنيا بما كتموا: ١ - أي: أخفوا وكتموا وتركوا ما أمروا به، وأخذوا بدله شيئاً تافهاً حقيراً من حطام الدنيا من المال، أو السلطة والجاه. ٢ - بما جاء في الكتاب من أحكام ونعوت النبي وصفاته. ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: بئس: من أفعال الذم، وما: مصدرية؛ أي: بئس شراء كهذا الشراء، أو موصولة بئس الذين يشترون. ارجع إلى الآية (٧٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٨٨] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾: لا: الناهية، تحسبن: ارجع إلى الآية (١٧٨) من نفس السورة. ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾: ارجع إلى الآية

стр. 803

(١٧٠) في نفس السورة لبيان معنى الفرح؛ هذه الآية لها معانٍ كثيرة مختلفة نذكر منها: ١ - تخلَّفوا عن الخروج إلى غزوة أُحُدٍ، ورجعوا بعد أن ساروا مسافة، ثم فرحوا بعدم خروجهم حيث لم تنلهم هزيمة، أو قتل، ويحسبون أنهم يحمدون على ما فعلوه؛ لكونهم أشاروا على النبي والمسلمين بعدم الخروج خارج المدينة؛ لقتال المشركين. ٢ - قد تعني من أتى المعصية أياً كانت، ثم يفرح ويجاهر بها، ثم يُحب أن يُحمد على فعلها. ٣ - يفرحون بما أوتوا من علم التوراة، أو يفرحون بما كتموه من صفات، ونعت النبي، ويحبون أن يحمدوا على ذلك الكتمان، أو بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم والإسلام، وهذا الفرح من الفرح المذموم. ارجع إلى الآية (١٧٠) من نفس السورة لبيان معنى الفرح وأنواعه. ٤ - وروى البخاري: أن رجالاً من المنافقين في زمن الرسول كانوا إذا خرج إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلافه؛ فإذا رجع رسول الله ﷺ إليهم اعتذروا منه، وأن المصلحة كانت في التخلف، وأحبوا أن يحمدوا على ذلك. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾: تكرار فلا تحسبنَّهم تفيد التوكيد. ﴿بِمَفَازَةٍ﴾: أي: بمنجاة من العذاب، ولهم عذاب أليم. والمفازة: هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته.

стр. 804

والمفازة: هي الصحراء، وهي مهلكة، ويطلق عليها مفازة تفاؤلاً بأن الذي يسلكها يفوز. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لهم: اللام: لام الاستحقاق، عذاب أليم: شديد الإيلام، ودائم. ارجع إلى الآية (٦١) من سورة الزمر؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٨٩] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: بعد ذكر فلا تحسبنَّهم بمفازة من العذاب جاء ليبيِّن أنه هو الحاكم وحده، وله ملك السموات والأرض. ﴿وَلِلَّهِ﴾: جار ومجرور تدل على الحصر والقصر. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: حكمُ ومُلكُ السموات والأرض، وما بينهنَّ تكذيباً لمن قال: إن الله فقير، ونحن أغنياء. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء مهما كان، فهو كامل القدرة. يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء يعجل، أو يؤخِّر العقوبة لمن يشاء، ويعزُّ ويذلُّ، يحيي ويميت، وبكلمة كن فيكون. سورة آل عمران [٣: ١٩٠] ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الخلق: هو الإيجاد ابتداءً، وأصل الخلق التقدير؛ أي: خلق السموات، والأرض، بهذا التقدير الذي أوجبته حكمته.

стр. 805

﴿وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: الدال على كروية الأرض، ودورانها حول نفسها، وحول الشمس، والذي ينتج عنه الليل والنهار من أعظم الآيات الدالة على قدرة الخالق. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٦٤) للبيان المفصل. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد، آيات: دلائل واضحة على وجوده سبحانه، وقدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، ووحدانيته. ﴿لِّأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: اللام: لام الاختصاص، أولي: ذوي الألباب الذين وصفهم في الآيات التالية (١٩١ - ١٩٤). السؤال هنا: ما الفرق بين: ﴿وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وقوله: ﴿مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾؟ الاختلاف بعضه مذموم، وبعضه غير مذموم، أما التفاوت فكله مذموم، والاختلاف يدل على علم فاعله، والتفاوت يدل على جهل فاعله. سورة آل عمران [٣: ١٩١] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿يَذْكُرُونَ﴾: الذكر هنا يعني: الصلاة، أو الذكر العادي، والشكر وغيره. ﴿قِيَامًا﴾: أي: يصلون قياماً في حالة العافية، وقدم القيام على غيره؛ لأنه هو الأساس في الصلاة. ﴿وَقُعُودًا﴾: أي: يصلون وهم قعود، والقعود: هو الانتقال من العلو إلى الأسفل؛ أي: يكون واقفاً، ثم يقعد (إذا لم يستطع القيام).

стр. 806

﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾: أي: يصلون وهم على جنوبهم؛ أي: في حالة الاضطجاع (إذا كان مريضاً، أو به ضرٌّ، ولا يستطيع القيام، أو القعود). ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: في رفع السموات والمجرات، والأجرام، والنجوم، ومواقعها، والكواكب، والنشأة، والقوانين التي تحكم النظام الكوني، والسماء كسقف محفوظ، والأرض قراراً، والشمس، والقمر، والجبال، والغازات المحيطة بالأرض، والرياح، والسحب، والفلك، والليل، والنهار، وغيرها من الآيات الكثيرة. ﴿رَبَّنَا﴾: نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء. ﴿مَا﴾: النافية. ﴿خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: عبثاً، وبدون حكمة، وغاية، وقدرة، وعلم، وتقدير. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أي: يا رب أصفك بكل كمال، وأنزِّهك عن كل ما لا يليق بك من نقص، أو سوء، أو شرك، أو عجز، أو مكروه. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: الفاء: تدل على الترتيب، والمباشرة، والتوكيد، اجعل بيننا وبين النار وقاية؛ أي: حاجزاً، وابعدنا عنها، وجنبنا عذابها. سورة آل عمران [٣: ١٩٢] ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: ﴿رَبَّنَا﴾: نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء (بدلاً من قوله: يا ربنا). ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾: من: استغراقية، تدخل النار: ولو ثوانيَ فقط.

стр. 807

﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾: من الخزي، وهو الفضيحة أمام الخلائق، والخزي فيه معنى: الذل، والعار. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، الظالمين: جمع ظالم مشرك، أو ظالم لنفسه، أو غيره. واستعمل الظالمين بدلاً من وما للداخلين من أنصار؛ لأن الداخلين جزء من الظالمين. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: جمع نصير معين، أو مساعد، أو شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه. ارجع إلى سورة الروم آية (٢٩) لمقارنة ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]. وارجع إلى الآية (٥٦) في نفس السورة لبيان الفرق بين: وما للظالمين من أنصار، وقوله تعالى: وما لهم من ناصرين. سورة آل عمران [٣: ١٩٣] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: ﴿رَبَّنَا﴾: مثل الآية السابقة. ﴿إِنَّنَا﴾: إضافة النون للتوكيد. ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾: أي: محمداً ﷺ ، كما قال أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، أو كلاهما. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.

стр. 808

﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: صدقوا بربكم، والباء: للإلصاق، وأطيعوا أوامره، وتجنَّبوا نواهيه، واستقيموا على صراطه. ﴿فَآمَنَّا﴾: أي: صدَّقنا، وأطعنا. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب قيل: هي الكبائر تحتاج إلى توبة تليها مغفرة؛ أي: المحو (استرها وامحُها) من فضلك. ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: السيئات قيل: هي الصغائر، واللمم، والتكفير هو الستر؛ أي: استر سيئاتنا، وامحُها أيضاً، والتكفير يكون بفعل الحسنات اللاتي يذهبن السيئات. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: الأبرار: تأتي في سياق وصف البشر، وهي جمع قلة، والأبرار: جمع بار، وبرّ، قيل: هم الأنبياء، والصالحون، والمطيعون المستمسكون بدين الله تعالى؛ أما بررة: تأتي في سياق وصف الملائكة الكرام، والبررة: جمع كثرة؛ ارجع إلى سورة عبس آية (١٦) لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة الإنسان، آية (٥)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٩٤] ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: على ألسنة رسلك من الرحمة، والفضل، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، والنصر، والغلبة في الحياة الدنيا، والتمكين في الأرض، والاستخلاف. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لا: الناهية، لا تفضحنا، ولا تهنّا يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

стр. 809

﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: إنك صادق الوعد ومنجزه، الميعاد: الوعد بالبعث، والجزاء، والثواب، والميعاد يشمل الزمان، والمكان (زمن التواعد، ومكان التواعد). أما المعاد: يراد به المكان (فقط) الذي تعود إليه بعد مغادرته، معاد تعني: مكة في آية (٨٥) من سورة القصص: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. ارجع إلى الآية (٩) في نفس السورة لمعرفة الاختلاف بين هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. انتبه إلى تكرار كلمة ربنا خمس مرات: مبالغة في التضرع، ويسمى هذا في بديع اللغة الإطناب.

стр. 810

سورة آل عمران [٣: ١٩٥] ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: ﴿فَاسْتَجَابَ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، ومعنى ذلك: أجابهم ربهم مباشرة. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لأولي الألباب الذين دعوا ربهم بتلك الأدعية السابقة. ﴿رَبُّهُمْ﴾: هو المربي؛ أي: الخالق الرازق المدبر وشرفهم بإضافتهم إليه بقوله: ربهم. ﴿أَنِّى﴾: أن: للتوكيد، والياء: ياء المتكلم. ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾: لا: النافية؛ أي: لا أضيع، ولا أنسى ثواب أي عمل من الأعمال الحسنة التي عملتموها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: أي: عامل منكم ذكراً كان أم أنثى في المجازاة، أو تضييعها. ﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾: كل واحد منكم من الآخر؛ أي: من أصله؛ أي:
следующие страницы →