← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾: أي: يصلون وهم على جنوبهم؛ أي: في حالة الاضطجاع (إذا كان مريضاً، أو به ضرٌّ، ولا يستطيع القيام، أو القعود). ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: في رفع السموات والمجرات، والأجرام، والنجوم، ومواقعها، والكواكب، والنشأة، والقوانين التي تحكم النظام الكوني، والسماء كسقف محفوظ، والأرض قراراً، والشمس، والقمر، والجبال، والغازات المحيطة بالأرض، والرياح، والسحب، والفلك، والليل، والنهار، وغيرها من الآيات الكثيرة. ﴿رَبَّنَا﴾: نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء. ﴿مَا﴾: النافية. ﴿خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: عبثاً، وبدون حكمة، وغاية، وقدرة، وعلم، وتقدير. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: أي: يا رب أصفك بكل كمال، وأنزِّهك عن كل ما لا يليق بك من نقص، أو سوء، أو شرك، أو عجز، أو مكروه. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: الفاء: تدل على الترتيب، والمباشرة، والتوكيد، اجعل بيننا وبين النار وقاية؛ أي: حاجزاً، وابعدنا عنها، وجنبنا عذابها. سورة آل عمران [٣: ١٩٢] ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: ﴿رَبَّنَا﴾: نداء يدل على القرب بحذف أداة النداء الياء (بدلاً من قوله: يا ربنا). ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾: من: استغراقية، تدخل النار: ولو ثوانيَ فقط.

стр. 807

﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾: من الخزي، وهو الفضيحة أمام الخلائق، والخزي فيه معنى: الذل، والعار. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، الظالمين: جمع ظالم مشرك، أو ظالم لنفسه، أو غيره. واستعمل الظالمين بدلاً من وما للداخلين من أنصار؛ لأن الداخلين جزء من الظالمين. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: جمع نصير معين، أو مساعد، أو شفيع يمنع عنهم العذاب، أو يخففه. ارجع إلى سورة الروم آية (٢٩) لمقارنة ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]. وارجع إلى الآية (٥٦) في نفس السورة لبيان الفرق بين: وما للظالمين من أنصار، وقوله تعالى: وما لهم من ناصرين. سورة آل عمران [٣: ١٩٣] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: ﴿رَبَّنَا﴾: مثل الآية السابقة. ﴿إِنَّنَا﴾: إضافة النون للتوكيد. ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾: أي: محمداً ﷺ ، كما قال أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، أو كلاهما. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.

стр. 808

﴿آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾: صدقوا بربكم، والباء: للإلصاق، وأطيعوا أوامره، وتجنَّبوا نواهيه، واستقيموا على صراطه. ﴿فَآمَنَّا﴾: أي: صدَّقنا، وأطعنا. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب قيل: هي الكبائر تحتاج إلى توبة تليها مغفرة؛ أي: المحو (استرها وامحُها) من فضلك. ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: السيئات قيل: هي الصغائر، واللمم، والتكفير هو الستر؛ أي: استر سيئاتنا، وامحُها أيضاً، والتكفير يكون بفعل الحسنات اللاتي يذهبن السيئات. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: الأبرار: تأتي في سياق وصف البشر، وهي جمع قلة، والأبرار: جمع بار، وبرّ، قيل: هم الأنبياء، والصالحون، والمطيعون المستمسكون بدين الله تعالى؛ أما بررة: تأتي في سياق وصف الملائكة الكرام، والبررة: جمع كثرة؛ ارجع إلى سورة عبس آية (١٦) لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة الإنسان، آية (٥)؛ لمزيد من البيان. سورة آل عمران [٣: ١٩٤] ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: على ألسنة رسلك من الرحمة، والفضل، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، والنصر، والغلبة في الحياة الدنيا، والتمكين في الأرض، والاستخلاف. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لا: الناهية، لا تفضحنا، ولا تهنّا يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

стр. 809

﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: إنك صادق الوعد ومنجزه، الميعاد: الوعد بالبعث، والجزاء، والثواب، والميعاد يشمل الزمان، والمكان (زمن التواعد، ومكان التواعد). أما المعاد: يراد به المكان (فقط) الذي تعود إليه بعد مغادرته، معاد تعني: مكة في آية (٨٥) من سورة القصص: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. ارجع إلى الآية (٩) في نفس السورة لمعرفة الاختلاف بين هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. انتبه إلى تكرار كلمة ربنا خمس مرات: مبالغة في التضرع، ويسمى هذا في بديع اللغة الإطناب.

стр. 810

سورة آل عمران [٣: ١٩٥] ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: ﴿فَاسْتَجَابَ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، ومعنى ذلك: أجابهم ربهم مباشرة. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لأولي الألباب الذين دعوا ربهم بتلك الأدعية السابقة. ﴿رَبُّهُمْ﴾: هو المربي؛ أي: الخالق الرازق المدبر وشرفهم بإضافتهم إليه بقوله: ربهم. ﴿أَنِّى﴾: أن: للتوكيد، والياء: ياء المتكلم. ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾: لا: النافية؛ أي: لا أضيع، ولا أنسى ثواب أي عمل من الأعمال الحسنة التي عملتموها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: أي: عامل منكم ذكراً كان أم أنثى في المجازاة، أو تضييعها. ﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾: كل واحد منكم من الآخر؛ أي: من أصله؛ أي:

стр. 811

الذكور من الإناث، والإناث من الذكور، فكل الجنسين من أصل واحد هو آدم وحواء، وذكوركم مثل إناثكم في الطاعة، فلا تفرقة. ﴿فَالَّذِينَ﴾: الفاء: للتفصيل. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: إلى الحبشة، أو إلى المدينة، أو إلى غيرها. هاجروا استجابة لله تعالى، ولرسوله ﷺ هاجروا في سبيل الله من ذكر، أو أنثى. ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: بغير حقٍّ مرغمين، أخرجهم المشركون من مكة، أو غيرها. ﴿وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى﴾: بالعذاب، وخسران أموالهم، وديارهم، والاضطهاد، أو القهر، والكبت، والتشريد، وأوذوا بسبب إسلامهم، وأن يقولوا: ربنا الله. ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: قاتلوا الكفار والمشركين أعداء الدِّين، واستشهدوا. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، وكذلك النون في أكفرنَّ؛ لزيادة التوكيد في التكفير. ﴿عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: التكفير يعني: الستر، والمحو، والسيئات سواء كانت الكبائر، أو الصغائر. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾: الواو: عاطفة، واللام: للتوكيد، وكذلك النون في أدخلنَّهم لزيادة التوكيد. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: قيل: تنبع من تحتها. ﴿ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: الثواب: هو الجزاء على العمل الصالح قد يكون في

стр. 812

الدنيا، أو في الآخرة، وقد يأتي في الخير أو الشر، ولا يكون إلا من الله تعالى. ارجع إلى الآية (١٠٣) من سورة البقرة؛ لمعرفة اشتقاق الكلمة. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: وهو الجنة، ونعيمها. سورة آل عمران [٣: ١٩٦] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ﴾: ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿يَغُرَّنَّكَ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وإلى كل مسلم ومؤمن. يغرنك: مشتقة من الغُرور: بضم الغين: وهو الخداع، ونون النسوة في يغرنك: للتوكيد، ولم يقل: لا يغررك تقلب الذين كفروا؛ أي: لا يخدعنك. والغرور: إظهار الأمر الضار في صورة النافع؛ أي: الخداع. ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى الْبِلَادِ﴾: تجارة، وصناعة، ومكاسب الذين كفروا في البلاد، وما هم عليه من الرخاء، والسعة، والبسط. والتقلُّب في الأصل: الخروج من أرض إلى أرض طلباً للتجارة، والرزق، واستعير التقلب بدلاً عن الضرب في الأرض؛ لأن تقلُّبهم في البلاد ليس له خَلاقٌ في الآخرة، إنما خَلاقُه منحصر في الدنيا، والدنيا كلها متاع الغُرور. وإذا قارنا هذه الآية من آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مع الآية (٤) من سورة غافر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِى آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَادِ﴾: في آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾: أكد الاغترار بنون النسوة الثقيلة، بينما في غافر لم يؤكد فلا يغررك؛ لأن السياق في آل عمران جاء في الابتلاء في الأموال، والأنفس، والإيذاء في سبيل الله والهجرة، بينما في سورة غافر: جاء في سياق الجدال في آيات الله.

стр. 813

فتقلُّب الذين كفروا: هو الأشد مقارنة بتقلب الذين يجادلون في آيات الله، ولكونه الأشد أكد بقوله: لا يغرنك، وأما في تقلب الذين يجادلون، قال: لا يغررك؛ لم يؤكد. سورة آل عمران [٣: ١٩٧] ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: أي: ذلك التقلُّب، والكسب، والربح، والأموال، والسعة: متاع زائل، قليل، مضمحل. ومعنى متاع: ارجع إلى الآية (١٨٥) من نفس السورة؛ للبيان. قال رسول الله ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع» أخرجه مسلم. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي في الزمن. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: في الآخرة مأواهم جهنم؛ أي: مستقرهم المكان الذي يأوون إليه هو جهنم. ارجع إلى الآية (١٢) من نفس السورة؛ لبيان معنى جهنم. ﴿وَبِئْسَ﴾: فعل ذم؛ أي: ساء وقبُح. ﴿الْمِهَادُ﴾: مشتقة من مهد الطفل، أو فراشه المريح الذي أُعد له، وسمِّيت مهاد: للتهكُّم، والتوبيخ. في هذه الآية (١٩٧) قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وفي سورة الرعد، آية (١٨): ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وسورة التوبة، آية (٧٣)، وآية (٩٥)، والتحريم، آية (٩)، وغيرها. الفرق بين الآيتين: هو (ثم) في آل عمران: الواو في سورة الرعد، وبقية

стр. 814

السور؛ لأن آية آل عمران جاءت في سياق الذين كفروا، وتقلبهم في البلاد، فهم في الدنيا الآن، وجهنم في الآخرة؛ فناسب (ثم): للتراخي في الزمن. أما آية الرعد، وبقية السور: جاءت في سياق الآخرة؛ أي: هم الآن في الآخرة وجهنم في الآخرة، فناسب ذكر (و)، ومأواهم العطف بالواو. سورة آل عمران [٣: ١٩٨] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾: بعد ذكر الذين كفروا وتقلُّبهم في البلاد، ومأواهم جهنم وبئس المهاد، يذكر بالمقابل الذين اتقوا ربهم. ﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾: أطاعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: تنبع من تحتها الأنهار، أنهار الجنة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود يعني: استمرار البقاء من وقت مبتدأ؛ أي: الخلود له بداية، وهو يوم دخولهم الجنة، وليس له نهاية. ﴿نُزُلًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: النزل: ما يهيأ ويعد لإكرام الضيف من مأكل، ومشرب، ومبيت؛ أي: إكراماً من عند الله. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾: وما هيأ الله سبحانه، وأعد لضيوفه المتقين هو خير للأبرار. ولم يبيِّن في هذه الآية ما نوع ما عند الله للأبرار، ولكن بيَّنه في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ

стр. 815

النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾، وكذلك اللحم، والفواكه، والحور العين، والسرر، والذهب، والفضة، وما عند الله خير للأبرار مقارنة بما يكسبه هؤلاء الكفار في تقلُّبهم في البلاد من تجارة، وسعة، ورغد العيش فقط في الدنيا، وليس لهم في الآخرة من خَلاق. وإذا قارنا هذه الآية (١٩٨)، مع الآية (١٩٥) من نفس السورة: فالآية (١٩٥): ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. والآية (١٩٨): ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾. نجد أولاً: أن الذين هاجروا، وأخرجوا هم جزء من المتقين المذكورين في الآية (١٩٨)، فالآية (١٩٨): أعم وأشمل من الآية (١٩٥). ثانياً: الآية (١٩٨) قال تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾: فيها تمليك اللام: لام الاختصاص، والتمليك مقارنة بالإدخال: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾ في الآية (١٩٥). وخالدين فيها، ولم يذكر خالدين فيها في الآية (١٩٥). ونزلاً من عند الله، أفضل من ثواباً من الله، كما في الآية (١٩٥). فالأبرار المذكورون في الآية (١٩٨) أعلى درجة ومكانة من المذكورين في الآية (١٩٥).

стр. 816

سورة آل عمران [٣: ١٩٩] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، بعضهم قال: في النجاشي، وأصحابه، وبعضهم قال: في مؤمني أهل الكتاب؛ أمثال: عبد الله بن سلام، وبعضهم ذكر غير هؤلاء. ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: استئنافية، إنَّ: للتوكيد. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية (للتبعيض). ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: قوله تعالى: أهل الكتاب: فيها مدح لهم مقارنة بالذين أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب، وهم: اليهود، والنصارى. ﴿لَمَنْ﴾: اللام: للتوكيد، مَنْ: ابتدائية. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: بوحدانيته، وصفاته، وأسمائه، ويؤمن بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: ما: اسم مصول؛ أي: الذي أنزل إليكم، وهو القرآن المنزل على محمد ﷺ . ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: أنزل إليهم؛ أي: دفعة واحدة مثل التوراة، والإنجيل، ولم يقل نزل إليهم (يعني منجماً على دفعات). ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾: خاضعين لله، وتعني طائعين. ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لا: النافية، يشترون بآيات الله: الباء:

стр. 817

بدلية، ثمناً قليلاً، ولا كثيراً، لا يشترون بالآيات التي فيها البشارة بمحمد ﷺ ، ونعته، وصفته، ثمناً قليلاً. ارجع إلى الآية (٧٧) من نفس السورة؛ للبيان. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، تفيد التعظيم، والعلو، والشرف. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، لهم أجرهم: ثوابهم عند ربهم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: إشارة إلى كمال علمه بأعمال عباده، أو ما عملت كل نفس، وما يستحقون من الأجر والجزاء، أو الثواب، ولإزالة الظن أن كثرة الخلق تعني: طول الانتظار، وسيعجل لهم أجرهم؛ أي: حسابهم فليطمئنوا أن الله قادر على أن يحاسب الناس إذا شاء سبحانه بما تقتضيه الحكمة الربانية بوقت قصير؛ أي: ساعات قليلة، أو بكن فيكون. سورة آل عمران [٣: ٢٠٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى المؤمنين بالالتزام بأنواع مختلفة من الصبر والتقوى. ﴿اصْبِرُوا﴾: من الصبر، الصبر العادي. ﴿وَصَابِرُوا﴾: أبلغ من اصبروا؛ أي: كونوا أكثر صبراً؛ أعداء الله؛ أي: غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً؛ أي: صبراً أكثر؛ أي: اسبقوا الكفار في الصبر على شدائد الحرب، أو غيرها من الأمور. ﴿وَرَابِطُوا﴾: أي: أقيموا في الثغور، وعلى الحدود مترصِّدين لعدو الله وعدوكم.

стр. 818

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: ختم الآية بالتقوى، وهي امتثال أوامر الله، وطاعته، وتجنب ما نهى الله عنه، وأخر ما أمرهم به التقوى؛ أي: اصبر، وصابر، ورابط، واتق الله؛ لعلك تفلح. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتفلحوا في دنياكم وآخرتكم. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: تعني: الرجاء، أو التعليل. ﴿تُفْلِحُونَ﴾: في الدنيا والآخرة وتدركون كل ما تأملون؛ ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. واعلم: أن مراتب الصبر خمسٌ: ١ - صابر. ٢ - ومصطبر (أي: مليء بالصبر). ٣ - متصبر (متكلِّف بالصبر؛ أي: حامل نفسه على الصبر). ٤ - صبور (عظيم الصبر في الوصف والكيف). ٥ - صبَّار (أصبح الصبر صفة له)، وقيل: كثير الصبر في العدد، والكم.

стр. 819

سورة النساء [٤: ١] سورة النساء ترتيبها في القرآن السورة (٤)، وترتيبها في النزول (٩٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء إلى الناس كافة، وكلمة الناس: مشتقة من النوس؛ أي: الحركة، وهذا ما يوصف به الناس؛ لكثرة حركتهم، وكلمة الناس تشمل الإنس والجن (الثقلين)، وكلمة الناس: لا تدل على عدد مُعين، وكلمة الناس: أوسع من الإنس. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾: اتقوا عذابه، أو عقابه؛ بإطاعة أوامره، واجتناب نواهيه؛ من الوقاية: وهي أن تجعل بينك وبين عقابه مانعاً ووقاية، أو سخطه وغضبه. ولم يقل: اتقوا الله؛ لأن المقام مقام خلق، والرب هو الخالق، والمربي، والرازق، وفي مقام العبادة، والتشريع يأتي بكلمة الله، سبحانه، أو إلهكم. ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾: الذي: اسم موصول، والخلق: بالنسبة إلى الله سبحانه هو الإيجاد من العدم، والخلق لغة: هو التقدير، والتسوية؛ أيْ: كافة البشر بما فيهم آدم وحواء، وكل إنسان خلق من نفس الجنس البشري، أو من أصل واحد، من نفس واحدة خُلقت منها كل النفوس، وأما الجعل كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ الجعل: يكون أو يتم بعد الخلق؛ أي: الخلق أولاً كمرحلة ابتدائية ثم الجعل مرحلة ثانية بعد الخلق.

стр. 820

وخلق منها زوجها: تشير إلى أن النفوس في الأصل من طبيعة متشابهة، أو متجانسة في الخلق؛ أيْ: كل نفس زوج (مثيل) للأخرى. فالخلاصة: كل النفوس خلقت من نفس واحدة، وكلها متشابهة في الأصل أو متماثلة في الخَلْق، وليس في الخُلق. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٨٩)؛ لمزيد من البيان، والمقارنة، وارجع إلى سورة الزمر، آية (٤٢). ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. ﴿وَبَثَّ﴾: الواو: عاطفة. والبث: قيل: النشر، وهو التكاثر بالتناسل والتوالد. ﴿مِنْهُمَا﴾: من الرجال والنساء (الذكور والإناث). ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: لم يقل: ونساءً كثيرات، بل اقتصر قوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾؛ لأن المفروض إذا كان هناك رجال كثير أن يكون هناك نساءٌ كثيرات؛ حتى يتم الزواج، أو أكثر من كثيرات؛ وهذه من سنن الله سبحانه أن يكون عدد النساء أكثر من عدد الذكور. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا الله فيما أمر به، وتجنبوا فيما نهى عنه، أو تجنبوا سخطه وغضبه. ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾: أصلها تتساءلون به؛ حذفت التاء للتخفيف. ﴿تَسَاءَلُونَ﴾: أي: يسأل بعضكم بعضاً بالله؛ أيْ: تحلفون به الأيمان، مثل القول: أسألك بالله، أو اتقوا الله الذي تحلفون به الأيمان؛ أيْ: احفظوا أيمانكم، وإذا حلفتم عليكم بالبر بها، والوفاء.

стр. 821

﴿وَالْأَرْحَامَ﴾: أيْ: اتقوا أرحامكم؛ أيْ: صلوا أرحامكم، ولا تقطعوها، فسوف تسألون عنها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: إن للتوكيد. ﴿كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: كان، وما زال، وسيظل عليكم رقيباً؛ أيْ: لا يحدُّه زمان، ولا مكان، فهو خالق الزمان، والمكان. المراقب لأحوالكم، الحافظ لأفعالكم، وأقوالكم. والرقيب: هو البصير الذي يرصد كل قول، وكل فعل تقومون به، ويحفظه لكم. سورة النساء [٤: ٢] ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾: آتوا: هي من الإيتاء، والإيتاء أعم من العطاء فهو يشمل العطاء وغيره؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان والفرق بين الإيتاء والعطاء. بعد أن أوصى الله سبحانه بصلة الأرحام، وحرم قطعها، وبعد أن تكلَّم سبحانه عن بثِّ منهما رجالاً ونساءً؛ مضى ليقول: إن هذا المبثوث؛ أي: الخلق، قسم اكتملت قوته، ولا يحتاج إلى مساعدة، وقسم ضعيف: وهو ما يسمَّى اليتيم، أو اليتامى، ويحتاج إلى مساعدة. ـ واليتيم تعريفه: هو الإنسان الذي فقد أباه، ولم يبلغ الحُلم، ذكراً أو أنثى. ـ فها هو ذا يوصي أوصياء اليتامى أن يعطوهم أموالهم؛ فقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ كاملة. ومتى يكون ذلك؟ متى بلغوا النكاح، وآنستم منهم رشداً. ولا: الواو عاطفة.

стр. 822

لا: الناهية. ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة؛ لا: الناهية. ﴿تَتَبَدَّلُوا﴾: من بدل الشيء بغيره؛ أي: أخذ غيره أو مكانه، والخبيث: هو الحرام، أو السيِّئ الرديء؛ كأن يأخذ الوصي الثمين الجيد، ويعطي اليتيم الرديء الرخيص، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا﴾: ولم يقل: ولا تبدلوا. تتبدلوا: الخطاب موجَّه إلى الكثير من الناس، وليس فئة، أو فرداً واحداً، ومهما طال الزمن. أما تبدلوا: فالخطاب موجَّه إلى قلة عدد قليل من الناس، وزمن التبادل قصير محدد، كما ورد حين خاطب الله سبحانه رسوله ﷺ في سورة الأحزاب الآية (٥٢): ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾: نهى الله سبحانه عن أخذ أموال اليتامى بالقول لا تأكلوا أموالهم؛ لأن الأكل أشد دلالة وأقوى من الأخذ، ولأن الأخذ قد يعاد إلى صاحبه، أما الأكل فقد تم أكله وهضم؛ شبه الأموال بالطعام الذي يؤكل؛ ليفيد المبالغة في النهي، والأكل يعني: أيْ: لا تنفقوها، أو: ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم وتخلطوها معاً، فتأكلوا هذه مع تلك، بل فرِّقوا بين أكل أموالكم، والحفاظ على أموالهم؛ لأن ذلك يعد حُوباً كبيراً. ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: إن: للتوكيد، والهاء: تعود إلى أكل أموال اليتامى. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة؛ أيْ: في الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿حُوبًا﴾: إثماً، وذنباً عظيماً، والحوب: هو الهلاك والبلاء، والحوب أصله في العربية: الزجر.

стр. 823

سورة النساء [٤: ٣] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك، أو الندرة. ﴿خِفْتُمْ﴾: من الخوف، وهو توقُّع الضرر المشكوك في وقوعه. ﴿أَلَّا﴾: أصلها: أن: المصدرية، لا: النافية. إن: المصدرية تفيد التعليل. ﴿تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى﴾: القِسط: بكسر القاف: هو عدم الظلم، والجور؛ والقسط: يعني النصيب والحصة، فالقسط هو الحصة العادلة مأخوذة من: أقَسط: أزال الظلم والجور؛ أي: عدل، والقسط: اسم للعدل في القسمة، وتعني: العدل في الميزان. أما قَسَط: بفتح القاف فمعناها ظلم وجَارَ. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى﴾: وإن خفتم: أن تميلوا عن العدل إلى الجور، والظلم. والقسط: هو العدل مع التنفيذ؛ أيْ: إن خفتم ألا تقسطوا إلى اليتيمة، وتعطوها ما تستحق من المهر، ومالها؛ اتركوها، واذهبوا وتزوجوا بغيرها من النساء. معنى الآية: إن كان الرجل يكفل اليتيمة، ويكون وصياً عليها، ويريد أن يتزوجها لمالها، أو جمالها، أو غيره من الأسباب، وكان لا يقسط لها في مهرها، فلا يعطيها ما تستحق من المهر، فيظلمها. فجاءت الآية تطلب من الوصي، أو الكفيل: أن يعدل، ويزيل عن اليتيمة الظلم، والجور، ولا يأكل أموالها، ويدعها وشأنها، ويتزوج بغيرها. مثنى وثلاث ورباع.

стр. 824

إذن المبدأ هو العدل في معاملة اليتيمات. ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: ﴿فَانْكِحُوا﴾: الفاء: جواب الشرط. ﴿فَانْكِحُوا﴾: تزوجوا. ﴿مَا﴾: اسم موصول، وما: للعاقل، وغير العاقل، واستعملت ما بدلاً من؛ لأنها تشير إلى النوع الذي طاب لكم. ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾: ما استحسنتم من النساء من هُنَّ حلٌّ لكم من غير يتيماتكم. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: والواو: للتخيير. والسؤال هنا: لو قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين بدلاً من مثنى (أي: اثنين اثنين)؟ لا يصح؛ لأنه يعني: الكل يشترك في نكاح أو الزواج باثنتين كالقول كلوا رغيفين من الخبز تعني: الكل يشارك ويأكل من هذين الرغيفين، أما حين يقال كلوا ثلاثة ثلاثة يعني: كل واحد يأكل ثلاثة أرغفة؛ أي: مثنى تعني: اثنين اثنين، ومعناها واحد يمكن أن ينكح اثنتين، وثلاث معناها: ثلاث ثلاث؛ أي: وآخر يمكن أن ينكح ثلاث نساء، ورباع معناه أربع أربع، وليس معناها أربعة؛ أي: وثالث يمكن أن ينكح أربع نساء. ولا يصح القول فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين وثلاثة وأربعة، فأقصى حد هو أربعة نساء وليس تسعة (٢+٣+٤=٩). ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، شرطية تدل على الاحتمال، والشك، أو الندرة. ﴿خِفْتُمْ أَلَّا﴾: خفتم: من الخوف: وهو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ أن لا، أن: المصدرية للتعليل. لا: النافية. ﴿تَعْدِلُوا﴾: بين الزوجات؛ لسبب من الأسباب مثل: الضعف الجنسي، أو غيره في الأمور المتعارف عليها، فتزوجوا واحدة فقط.

стр. 825

﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: لم يعد هناك مصدر لملك اليمين في هذا الزمن. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، إشارة الزواج بواحدة فقط. ﴿أَدْنَى﴾: أقرب، ﴿أَلَّا﴾: أن: المصدرية تفيد التعليل. لا: النافية. ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: لهما معانٍ عدة: ١ - ألا تجوروا، تميلوا عن العدل إلى الجور والظلم (خوفاً من الجور والظلم). من عال يعول؛ أيْ: جار. ٢ - عال، يعول؛ يعني: افتقر ذلك أدنى أن تفتقروا؛ أيْ: تصبحوا فقراء بالزواج بأكثر من واحدة. ٣ - عال يعول؛ يعني: كثرت عياله، ألا تكثر عيالكم؛ أيْ: خوفاً من كثرة العيال (الأولاد). إذن أدنى ألا تعولوا: ألا تجوروا، وتظلموا، وألا تفتقروا، وألا يكثر عدد عيالكم؛ فالواحدة تكفي. سورة النساء [٤: ٤] ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾: الواو: عاطفة؛ عطف آتوا النساء على آتوا اليتامى، وآتوا: من الإيتاء، ويعني: العطاء وغيره؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للمزيد في معنى الإيتاء والعطاء والفرق بينهما. أي: وأعطوا النساء: الأزواج بعد أن تم عقد القران. ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾: المخاطب هم الأزواج (الناكحين) حيث كان الرجل يتزوج بلا مهر فيقول أرثك وترثني، ثم تقول المرأة: نعم فنزلت هذه الآية، وقيل:

стр. 826

المخاطب أيضاً الأولياء؛ مهورهنَّ فريضة من الله تعالى فرضها على الرجل؛ فلا يحل له، ولا لولي الأمر أن يأخذ من المهر شيئاً إلا برضا الزوجة، وعطف آتوا النساء صدقتهن على آتوا اليتامى أموالهم ذلك لأن حق المرأة وحق اليتيم يجب الإيفاء بهما؛ لأن المرأة واليتيم مستضعفان من المجتمع. ﴿نِحْلَةً﴾: أيْ: العطية، أو ما يعطيه الإنسان عن طيب نفس، ورضاً بلا مقابل، أو عوض. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾: فإن: الفاء: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الندرة. ﴿طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَىْءٍ﴾: أي: تنازلت المرأة عن شيء من المهر، أو حقها وبدون إكراه أو ضغط؛ فكلوه: ولم يقل فخذوه، وإنما قال تعالى ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾. والشرع يقول: مهر الزوجة لها، وفي هذه الآية فتح لها باباً للفضل؛ فإن تنازلت الزوجة عن شيء من المهر إلى الأب، أو الأقارب، أو الزوج، وهو المقصود في هذه الآية، فلا مانع؛ على شرط أن يكون طيب نفس. فما معنى (هنيئاً مريئاً)؟ الهنيء: هو الذي تجد فيه لذة حين أكله، أو شربه (تقول: الطعام طيب). المريء: سهل الهضم، لا يسبب متاعب هضمية مثل حرقة، أو تخمة، أو مغص؛ أيْ: ألم؛ لأنك قد تجد شيئاً تأكله، وتستلذ به، ثم يسبب لك متاعب هضمية، فهو هنيء، ولكن غير مريء. فكل طعام قد يكون هنيئاً، ولكن غير مريء، أو بالعكس. فهو شبّه أخذ شيءٍ من مهر الزوجة بالأكل الذي يجب أن يكون هنيئاً مريئاً

стр. 827

عن طيب نفس من دون ضرر لها، أو كره، أو خديعة، أو ظلم، أو مداهنة، أو بسبب حياء، أو غيره. سورة النساء [٤: ٥] ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: الناهية. ﴿تُؤْتُوا﴾: أيْ: تعطوا: من الإيتاء: وهو أعم من العطاء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للمزيد من البيان، والفرق بين الإيتاء والعطاء. ﴿السُّفَهَاءَ﴾: جمع سفيه: هو المصاب بقصور عقلي، والسفيه: من لا يحسن التصرف بماله بحكمة مما يؤدِّي إلى ضياع ماله، كأن يكون مبذراً، أو ينفق أمواله على الحرام وغيرها، والسفيه قد يكون ذكراً، أو أنثى، وحين يكون المرء سفيهاً يجب الحجر على هذا السفيه (من قواعد الفقه)، فتنتقل إدارة أمواله، أو الملكية إلى أحد أقاربه مثل عمه؛ ليصبح وصياً عليه، فيعطيه كل شهر ما يحتاجه. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وفي الحقيقة هي أموال السفهاء. وقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾: ليهتم كل وصي بالمحافظة على مال وصيه؛ وكأن المال ماله (وهو في الحقيقة مال اليتامى، والسفهاء، والمحجور عليهم). وقالوا: إن الله جعل مال الفرد مالاً للمجتمع كله، فهو يمتلكه، ولكن ينتفع به الفقير، والتاجر، والمجتمع. ﴿الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أي: الأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح الأمور؛ لأنهم إذا ضيعوها بالإسراف؛ أصبحوا عالة على غيرهم، وعلى المجتمع، ولذلك يقتضي تثميرها، وتنميتها، وإدارتها بحكمة. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾: ولم يقل: منها.

стр. 828

أيْ: على الوصي أن يشتغل ويُتاجر بأموال السفيه، ولا يتركها على حالها، ويعطي السفيه من الأرباح، وهذا معنى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾، ولو قال: منها؛ أيْ: من رأس المال، وليس من الأرباح؛ أيْ: من عين المال في كل مرة من دون استثمارها لوجدناها نفذت، ولم يبقَ له شيءٌ، وهذا يدل على الموصي أن ينمي أموال السفيه بالوسائل المباحة، وفي التجارة، وغيرها من المشاريع المباحة. ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾: الكسوة هي: اللباس؛ أيْ: من أرباحها، وثمرتها، لا من أصل المال. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: القول الطيب اللين اللطيف. كأن يقولوا لهم: حين ترشدون سندفع لكم أموالكم كاملة؛ أيْ: في سن الرشد، أو اعذرونا، أو سامحونا؛ لكون المبلغ قليلاً، وإن شاء الله سيكون أكثر في المستقبل، وهكذا. سورة النساء [٤: ٦] ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: وابتلوا: من الابتلاء، وهو أشد من الاختبار، ويكون بالخير أو الشر لاستخراج ما عند المبتلى من الطاعة أو المعصية؛ أي: اختبروا عقولهم، هل يستطيعون أن يقوموا بمصالحهم، ويحسنون التصرف بأموالهم، ودربوهم على ذلك، واختبروا أخلاقهم، وحسن تصرفهم بأن يدفع إليه شيءٌ من المال، ويطلب منه أن يتصرف به، ثم يسأله كيف أنفقه، ومقدار ما أنفق على كل سبب، وهذا الابتلاء يكون قبل سن البلوغ، فإذا بلغ سن النكاح يكون جاهزاً لاستلام أمواله. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾:

стр. 829

﴿حَتَّى﴾: حرف غاية؛ أيْ: نهاية الغاية النكاح (سن البلوغ)، أو النكاح؛ أيْ: حين يصبح الذكر قادراً على الإنجاب، والأنثى قادرة على الحمل والحيض. ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿آنَسْتُم﴾: رأيتم وشعرتم رُشداً منهم بسلامة العقل، وحسن التصرف في المال والقدرة على الاستثمار والصلاح، وعدم التبذير وغيرها، ويعرف ذلك بالاختبار كما قلنا سابقاً. ﴿رُشْدًا﴾: انتبه إلى الفرق بين الرُّشد: بضم الراء، والرَّشد: بفتح الراء. فالرُّشد: هو الصلاح، والاستقامة في أمور الدنيا والدِّين في الأمور الدنيوية والأخروية، والقدرة على الاهتداء إلى الأفضل والأصلح؛ أي: زيادة الوعي والعقل وصلاح الدين. وأما الرَّشد: فخاصَّة بأمور الدِّين، مثل: اتباع الحق، والاستقامة، والتقوى، والتوفيق؛ فالرُّشد أعم من الرَّشد، والرَّشاد: هو الصلاح بشكل عام. وأما سن الرُّشد: من الفقهاء من قال هو سن البلوغ، وقيل: بلغ أشده؛ أيْ: بلغ القدرة على الإنجاب، والقدرة على اختيار الأفضل في الخير. وقيل الرُّشد: سن التكليف؛ فقد اتفق الفقهاء على أن البالغ يصبح مكلفاً بجميع التكاليف الشرعية، وأما سن الرُّشد ليس له سن معينة عند جمهور الفقهاء، فالرُّشد قد يأتي مع البلوغ أو يتأخر عنه قليلاً أو كثيراً، وعكس الرُّشد: السفه. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، فإذا بلغوا سن النكاح، وبعد إيناس الرشد منهم؛ ادفعوا إليهم أموالهم.

стр. 830

﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَأْكُلُوهَا﴾: الأكل يعني: الأخذ؛ ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة لبيان معنى الأكل؛ أيْ: لا يصح أن يأخذ الوصي مال اليتيم إسرافاً وبدراً، والإسراف: هو الزيادة عن الحد؛ لأنه ليس ماله، وإنما مال اليتيم. ﴿وَبِدَارًا﴾: أي: المبادرة، والمسارعة قبل البلوغ والرشد تسليمه المال قبل أن يبلغ الرشد وهو حسن التصرف. وهذا الإسراف والبدار (المبادرة) الذي يتم قبل مرحلة الرُّشد، فحين ينفق الولي بإسراف شيئاً فشيئاً من مال اليتيم قبل أن يكبر ويرشد؛ مما يؤدِّي إلى إنفاق كل مال اليتيم قبل مرحلة الرشد، وعندها لا يجد اليتيم شيئاً عند كبره ورشده؛ فقد سمي ذلك أكلاً رغم أن وصي اليتيم لم يأكل وإنما أنفق على اليتيم. والإسراف: قد يعني: أن ينفق على اليتيم ببذخ، وإسراف يعطيه أكثر مما يحتاج إليه، مثلاً: أخذ ألفين بدلاً من ألف، ويقول له: خذ وأنفق، وهو بذلك يشجع اليتيم على الإسراف من جهة، ويهلك مال اليتيم. أو يسلم له ماله مبكراً؛ مما يؤدِّي كذلك إلى هلاك ماله، ويعتبر ذلك كله أكلاً لمال اليتيم، وهذا التصرف من وصي اليتيم لا يراه إلا الله سبحانه، واعتبره أكلاً، وحذر منه في الآية (١٠) من نفس السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ومن: للعاقل المفرد والمثنى والجمع. ﴿وَمَنْ كَانَ﴾: أيْ: إن كان الوصي غنياً فليستعفف؛ أيْ: لا يأخذ أجراً على

стр. 831

وصايته على مال اليتيم، ويجعل عمله احتساباً لوجه الله تعالى، وأجرهُ على الله سبحانه. ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: استئنافية، إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث. أنهم قبضوها منكم؛ لدفع التهم عنكم، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم. ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿فَأَشْهِدُوا﴾: عليهم شهيد، أو شهيدين عليهم، ولم يقل: فاستشهدوا عليهم؛ استشهدوا: الألف والسين والتاء تعني: الطلب، وتفيد المبالغة في الشهادة، وفيها تحديد بالعدد عدد الشهداء، أما اشهدوا: ليس فيها تحديد، ونوع الشهداء. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: وكفى: أيْ: يكفي، ﴿حَسِيبًا﴾: أي: الكافي عباده بفضله، أو الكافي لعبده؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وحسيباً: قد تعني المحاسب لعباده على أعمالهم؛ فهو الكافي لعباده في جميع أمورهم وحوائجهم في الدنيا والآخرة؛ أيْ: يحفظ أعمال عباده من خير وشر، ويحاسبهم عليها. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للتوكيد. ﴿وَكَفَى﴾: تفيد الدوام، والاستمرار على كونه حسيباً.

стр. 832

سورة النساء [٤: ٧] ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾: ﴿لِلرِّجَالِ﴾: اللام: لام الاستحقاق؛ يعني: الأولاد، والأقرباء، كباراً، أو صغاراً. ﴿نَصِيبٌ﴾: هو القسم المنصوب المعين؛ الذي أوجبه الله للورثة، والنصيب يكون في المحبوب، والمكروه، ويختلف عن الحظ الذي لا يكون إلا في الخير؛ أي: لا يأتي إلا في سياق الخير، والنصيب قد يكون عادلاً أو جائراً؛ أي: زائداً أو ناقصاً عما يستحقه العبد، وهو الفرض، وسيأتي تفصيله في الآيات (١١ - ١٢) القادمة. ﴿مِمَّا﴾: من: بعضية، ما: اسم موصول؛ أي: الذي ترك الوالدان: الوالد، والوالدة بعد الوفاة. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾: جمع قريب، المتوفون. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: اللام: لام الاستحقاق (الاختصاص). النساء: تشمل الإناث صغاراً كانوا أو كباراً. لو نظرنا إلى شطر هذه الآية نجده نفس الشطر السابق، وكان بالإمكان تبديل كلمة الرجال والنساء بقول واحد، وهو للمؤمنين نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وانتهى الأمر. ولعلَّ الحكمة من وراء ذكر النساء خاصَّة؛ وتشمل: (البنات)؛ لأنهم كانوا

стр. 833

في الجاهلية يحرمون المرأة من الميراث، فدرءاً لهذه الشبهة جاءت هذه الآية موضحة أن ذلك قد انتهى، ومؤكدة نصيبهن. ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾: أيْ: من الميراث، سواء أكان قليلاً، أم كثيراً. فلكل من الذكور، والإناث نصيب من الميراث، ومهما كان المقدار. ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾: قدراً مفروضاً فرضه الله، كما نرى في الآيات القادمة، والمفروض الذي فرضه الله هو أهم من الواجب. سورة النساء [٤: ٨] ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: الخطاب للوارثين ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾: إذا: ظرفية شرطية تفيد الحتمية: الحدوث والكثرة. ﴿الْقِسْمَةَ﴾: قسمة الميراث بعد موت المورث، أو تعني: وصية الميت قبل موته، والقسمة مفعول به، و ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾: فاعل، فقدَّم هنا المفعول به، وهو القسمة؛ لأنها هي الأهم، ولولا القسمة لما حضر أولو القربى، واليتامى، والمساكين. إذا حضرها أولو القربى: أي: المحجوبون الذين لا يرثون من الأقارب. ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، من لا أب له، و ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾: جمع مسكين الذي له مال لا يكفيه. ﴿فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾: أيْ: أعطوهم منه؛ أيْ: مما ترك الوالدان والأقربون. واختلف العلماء في هذه الآية، في إعطاء هؤلاء هل هو واجب، أو غير

стр. 834

واجب، أو مندوب، فالمال هو للورثة أصلاً، وليس لأولي القربى، واليتامى، والمساكين، وإعطاؤهم هو من باب الفضل حين توزيع الإرث. ولعلَّ الحكمة هي تجنب الحسد، والحقد، للوارث، أو الضغن على المورث؛ حتى تشيع الألفة والمحبة بين الجميع. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: يحذِّر الله سبحانه في هذه الآية من دفع، أو صدٍّ؛ أيْ: منع الفقير، أو اليتيم، أو إيذائه بالمن والأذى. والقول المعروف يعني: اختيار الكلام الطيب الرقيق، والإحسان؛ مثل القول: اعذرنا، أو لا تؤاخذنا، وهذا ما يسره الله، بارك الله لك. سورة النساء [٤: ٩] ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: هذه الآية هي وعظ للأوصياء على اليتامى بأن يرعوا ويتواصوا باليتامى الذين في جحورهم، كما لو كان هؤلاء اليتامى هم أولادهم، ويخافون عليهم، كما يخافون على أولادهم. ويتصورون أنهم لو كانوا أولادهم من خلفهم، ويعاملونهم بالمعروف، والإحسان، كما يحبون أن يعامل أولادهم من بعد موتهم؛ لكونهم فقدوا آباءهم فهم ضعفاء. ﴿وَلْيَخْشَ﴾: اللام: لام الأمر، أو الندب. والخشية: هي الخوف مع التعظيم، والعلم بالذي تخشاه؛ أي: ليخشوا الجور في الوصية. ﴿لَوْ﴾: شرطية.

стр. 835

﴿تَرَكُوا﴾: أيْ: شارفوا، أو قاربوا على أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً. ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أي: من بعدهم (بعد موتهم). ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾: من ذكور وإناث؛ ضِعافاً: بكسر الضاد، وأما ضُعفاء: بضم الضاد كما قال تعالى في الآية (٢٦٦) في سورة البقرة: ﴿ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾، وإذا قارنا الآيتين نجد أن ضِعافاً بكسر الضاد تعني: الضعف المادي؛ أي: محتاجين إلى المال، وأما الضُّعفاء في آية البقرة هم ضُعفاء ضعف معنوي بدليل أن أباهم ترك لهم جنة فيها من كل الثمرات فهم بحاجة من يرعاهم ويقوم بأمرهم حتى يكبروا، وكلا الضُّعف والضَّعف يشتركان في ضعاف البنية؛ أي: أطفال صغار منهم من يحتاج إلى المال، ومنهم من يحتاج إلى رعاية فقط وعندهم مال. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾: في أمر اليتامى. اللام: للتوكيد؛ أيْ: يتبعوا ما أمر الله، ونهى عنه وأن يخافوا معصية الله سبحانه. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: اللام: للتوكيد، يقولوا قولاً موافقاً للدِّين؛ هذا حرام، هذا حلال، هذا مستحب، أو مكروه، كلام ليس فيه مجاملة؛ أيْ: قولاً عدلاً، وهناك فرق بين القول السديد والقول الصواب؛ القول السديد: قد يعتريه بعض الخطأ بدون تعمد، أما القول الصواب: لا يعتريه أي خطأ. سورة النساء [٤: ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾: أيْ: يأخذونها ظلماً، والظلم: هو أخذ حق الغير من دون قهر، أو تعسف، وأما إذا أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسف؛

стр. 836

فإن ذلك يسمَّى البغي، ويشبه أخذ أموال اليتامى بالذي يأكل النار، وكأن أموال اليتامى ستنقلب في الآخرة إلى نار تُصهر بها بطونهم وأحشاؤهم. وقال سبحانه: ﴿يَأْكُلُونَ﴾: بصيغة المضارع بدلاً من أكلوا بالماضي (حكاية الحال)؛ لبشاعة أخذهم أموال اليتامى، فجاء به بصيغة المضارع؛ لتراه أمام عينيك، وكأنه يحدث الآن، وترى بشاعته. ارجع إلى الآية (٢) في نفس السورة لمزيد من البيان. والمضارع يدل على استمرار أكلهم، وتجدده كذلك. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التوكيد، والحصر. ﴿يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾: وكأنهم يأكلون النار في بطونهم. وكيف يأكلون النار وهم ما زالوا في الدنيا؛ أي: تصيبهم المصائب أو الأمراض سواء في الأرض أو في أنفسهم. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾: السين للاستقبال القريب والتوكيد. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾: سيحرقون في تلك النار المستعرة. ﴿سَعِيرًا﴾: ناراً مستعرة مشتعلة، وسعر النار؛ أيْ: أوقدها. وفي هذه الآية تهديد ووعيد لمن يأكل أموال اليتامى ظلماً، أو يتلف أموالهم، أو يسرفها، ولا يعطيهم حقهم، وهذا يسمَّى: النهي بلفظ الوعيد. لمقارنة هذه الآية مع الآية (٣٠) من نفس السورة ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ ارجع إلى الآية (٣٠). سورة النساء [٤: ١١] ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ

стр. 837

مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يعهد إليكم ـ يلزمكم ـ يأمركم، وقيل: الوصية من الله فيها معنى الفرض والإلزام، وفيها معنى الإشفاق للموصى لهم واهتمام به. يُوصيكُم: من أوصى، وهناك فرق بين أوصى وكلمة وصَّى، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]، فالقرآن يستعمل وصَّى للأمور المعنوية، وأمور الدين، ولما هو أبلغ وأهم من أوصى التي إذا أطلقت تعني الأمور المادية، وإذا قيدت قد تعني المادية والمعنوية. ﴿فِى أَوْلَادِكُمْ﴾: الولد يقع على الذكر والأنثى، والمولود فعلاً، والجنين في بطن أمه، والولد يقتضي الولادة، والابن لا يقتضي. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ﴾: ولم يقل: بأولادكم (كما قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾). هناك فرق بين استعمال كلمة في، والباء، والباء: تفيد التوكيد. فحينما يوصي الله الآباء بالأولاد يقول: في أولادكم؛ لأن الآباء ليسوا بحاجة إلى من يؤكد لهم العناية ورعاية أولادهم، ولأن هذه الوصية بتوزيع الميراث هي عبارة عن استمرار لرعاية الأولاد، والخوف عليهم من الحاجة والفقر، قبل الموت وبعد الموت، فليس الآباء بحاجة إلى تأكيد باستعمال الباء. وحينما يوصي الأولاد بالآباء يقول: بوالديه، يستعمل الباء، والباء: للإلصاق، والتأكيد؛ لأن من الأولاد من هم بحاجة إلى تذكير وتوكيد برعاية الآباء، والعناية بهم.

стр. 838

أولاً: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾: اللام: لام الاستحقاق أو الاختصاص، والحظ: يعني القسم المعين، والحظ في القرآن قد يأتي في سياق الخير، وأما النصيب قد يأتي في سياق الخير أو الشر؛ لماذا لم يقل: للأنثيين مثل حظ الذكر، أو للأنثى نصف حظ الذكر؟ السبب: ربما هو أنه سبحانه أراد أن يكون المقياس، أو المكيال هو حظ الأنثى، ويكون حظ الذكر منسوباً، ولكنه فضل الأنثى؛ أيْ: حقها، أو نصيبها يعطى، أو يوفى قبل حق أو نصيب الذكر؛ أي: حقها مقدم على حق الذكر وهو الأهم؛ لأن حق المرأة مغبون عادة، ولذلك جعل حظها هو المقياس. ثانياً: لماذا للذكر مثل حظ الأنثيين؛ أيْ: لماذا فرض الله للأنثى نصف نصيب الذكر؟ أليس هذا ظلماً للأنثى، كما يرى البعض؟ الجواب: لأن الأُنثى مسؤوليتها على والدها حتى تتزوج؛ أي: الإنفاق عليها في كل ما تحتاجه يقع على والدها؛ فإذا تزوَّجت؛ فزوجها مطلوب منه أن ينفق عليها شرعاً، ونصفها الذي أخذته من الميراث يبقى لها، وليس عليها أن تنفقه، أو تعطيه إلى زوجها؛ إلا إذا أرادت، ورغبت؛ أيْ: هو نصف خالصٌ لها. وإذا لم تتزوج ومات أبوها عنها، فالنصف يكفي لها؛ لأنها من دون أولاد وعائلة. وأما الذَّكر: فقلما يبقى من دون زواج وأولاد، فهو مسؤول عن نفسه، وعن عائلته، وبغض النظر عن المبررات، والحكمة لماذا فرض الله ذلك، فيكفي أنه أمر من الله سبحانه، والله لا يُسأل عما يفعل، أو يأمر به. ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، أو استئنافية، إن: شرطية تفيد الاحتمال.

стр. 839

﴿كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾: أيْ: مات المورث، ولم ينجب ذكراً، وإنما أنجب ثلاث بنات، أو أكثر. ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: والثلث الباقي يوزع على الآخرين المستحقين من الورثة. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿كَانَتْ وَاحِدَةً﴾: أيْ: مات المورث، وترك بنتاً واحدة، ولم ينجب غيرها فلها نصف ما ترك، والنصف الآخر يوزع على الآخرين المستحقين من الورثة. وأهم نقطة هنا يجب أن نقف عند النصف. انتهت الوصية لهذه البنت. وأما قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: فهذه وصية جديدة؛ أيْ: إن مات المورث، وترك ولداً ذكراً، أو أنثى، وله أبوان أحياء يأخذ كل أب منهما السدس، ويوزع الباقي على الأولاد. ولم يذكر الحق سبحانه: فيما إذا ترك المورث الذي مات بنتين فقط، أجمع العلماء على أنَّ لهنَّ ثلثي ما ترك؛ كل واحدة تأخذ الثلث مما ترك، والباقي يوزع على الآخرين من المستحقِّين من الورثة. إذن نُعيد الشرح، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾: أيْ: أبوي الميت؛ أيْ: إذا كان الميت قد ترك أولاداً ذكوراً،

стр. 840

أو إناثاً، وترك أبويه (تطلق على الأب والأم)، يأخذ الأب السدس، والأم تأخذ السدس، والباقي يوزع على الأولاد. والسبب في تساوي نصيب الوالدين (السدس) مع وجود الأولاد: هو توقيرهما، واحترامهما على السواء. وأما كون نصيب الوالدين أقل من الأولاد؛ فلكبرهما، وعدم حاجتهما، والله أعلم. ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية احتمالية. مات الميت وترك مالاً، ولم يكن له ولد (ذكراً، أو أنثى)، وورثه أبواه؛ فلأمه الثلث، والثلثان الباقيان للأب والزوجة، ولو لم يقل: لأمه الثلث فقد يظن ظانٌّ أن المال يوزع منهما؛ أي: الأم نصف والأب نصف، فلما خصَّها بالثلث؛ دلَّ على أن الأب له ما تبقى. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: أيْ: مات الميت وليس له ولد، وله إخوة وأم. وجود الإخوة (ذكور وإناث) مع الأم يحجب الأم من الثلث إلى السدس؛ أيْ: تعطى الأم السدس، والباقي من التركة يوزع على المستحقين من الورثة: الزوجة، والأب إذا كان حياً، والإخوة (ذكوراً وإناثاً). ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: أيْ: تكون قسمة التركة بعد قضاء دَين الميت، وإخراج ما وصى به المورث الميت (الثلث، أو أقل من الثلث). ولماذا قدَّم الوصية على الدَّين مع أن الدَّين حق عليه، والوصية حق له،

стр. 841

والدَّين واجب، والوصية تطوع؟ فقد تكون الحكمة حثاً على تنفيذ الوصية، والاهتمام والترغيب في فعلها، والدَّين معلوم يجب سدداه، وليست هي أفضل من الدَّين، وكي لا يتغافل عنها الناس في ساعة سدادهم للدَّين. وقوله: ﴿يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: أو: هنا لا تعني الترتيب، وإنما تدل على الاختيار، ويجب ملاحظة أن الوصية قُدِّمت في التلاوة (القراءة)، بينما الدَّيْن يقدَّم عليها في الأداء. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: آباؤكم: تعني الأب، والأم؛ أما الوالدان: هم الوالد والوالدة. ﴿لَا تَدْرُونَ﴾: لا: النافية. ﴿أَيُّهُمْ﴾: أيُّ الاستفهامية. ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا والآخرة؛ أيْ: لأنكم ﴿لَا تَدْرُونَ﴾: أيْ: تعلمون من الدراية من درى. قيل: بمعنى علم، وهل هناك فرق بين درى، وعلم؟ قيل: الدراية: أخص من العلم، وعلم: أعم، وتكون بمنزلة الإخبار. وقيل: إن درى: يكون فيما سبقه شك، والدراية: تكون بعد الجهل بالشيء. أيْ: لكونكم لا تدرون آباءكم وأبناءكم أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة، فعليكم أن تنفذوا هذه الوصية المفروضة، كما علمكم الله، ولا تفضلوا أحداً على أحد؛ لأنكم لا تدرون، فالله هو المشرع وحده، وتشريعه بعلم وحكمة، ولا يعلم الغيب إلا هو، فلا تتلاعبوا، ولا تقسموا الميراث حسب أهوائكم، فتعطي زوجتك التي تحبها أكثر مما فُرض لها، أو تعطي هذا الابن أكثر من ذلك، أو تحرم هذا، وتعطي ذاك، وهكذا.

стр. 842

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: فرض الله ذلك فرضاً عليكم فريضة، وليست على سبيل الاستحباب. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. كان عليماً حكيماً. قبل أن يشرع لكم أي شرع أو حكم وكذلك كان عليماً بأنكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً. ﴿عَلِيمًا﴾: بمصالح خلقه منذ الأزل، ويعلم الأمر قبل وقوعه، ويعلم حقيقة البشر كلهم جميعاً في أيِّ زمانٍ ومكانٍ. ﴿حَكِيمًا﴾: في كل ما فرض وقسم من المواريث. حكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه؛ فهو أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أحكم الحكماء.

стр. 843

سورة النساء [٤: ١٢] ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿وَلَكُمْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿وَلَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾: من الميراث. ﴿إِنْ﴾: شرطية، ﴿لَّمْ﴾: نافية. ﴿لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: منكم، أو من غيركم ولد ذكر أو أنثى (ابن، أو بنت). ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية. ﴿كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: منكم، أو من غيركم. ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:

стр. 844

من بعد سداد الدَّين، ومن بعد إخراج الوصية التي تعادل الثلث، أو أقل إن كان لها وصية. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ﴾ لهنَّ الربع من الميراث. إن: شرطية، لم يكن لكم ولد سواء من الزوجة الوارثة، أو غيرها من الزوجات. ويشترك في هذا الربع الزوجة الواحدة، أو أكثر من زوجة، وبقية الميراث يوزع على الأولاد، والأب، والأم، كما ورد في الفروض. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: انظر إلى الآيات السابقة؛ للبيان. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾: الكلالة: اتفق المفسرون على تعريف الكلالة: الميت الذي لا ولد له (ذكر أو أنثى)، ولا والد (أب أو أم)، واشتقت كلمة الكلالة من الكلال، أو الإكليل؛ أي: التاج، والكلالة صفة للمورث، أو اسمٌ للقرابة. صفة للمورث: الكلال: فهو ذهاب القوة من الإعياء والضعف والتعب؛ لأن من لا ولد له (ذكر أو أنثى)، وليس له أب أو أم؛ كأنه ضعيف من دون هؤلاء الذين عادة هم يرعونه، ويعينونه حين كبره، فهو من دونهم مرهق متعب ضعيف. اسمٌ للقرابة: تشبه الإكليل: وهو التاج الذي يُحيط بالرأس من كل الجوانب، والمقصود بالإكليل: الأقارب المحيطون بالإنسان، وليس لهم به صلة كصلة الأبناء والآباء.

стр. 845

فهم يتكللون الميت من جوانبه ووسط الرأس خال (من الأولاد والآباء)، فإذا لم يكن للميت (ولد ولا بنت) (أب أو أم). ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٥) لمعرفة الفرق بين امرأت بالتاء المفتوحة، وامرأة بالتاء المربوطة. عندها يرثه أخوه، أو أخته، أو إخوته، وأخواته، وأقاربه. وفي هذه الآية اتفق العلماء أن معنى ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾: أيْ: له أخ، أو أخت من نفس الأم؛ (أيْ: يرثه إخوته، أو أخواته لأمه)، فلكل واحد منهما السدس. فهذه الآية خاصَّة بالإخوة والأخوات من نفس الأم فقط، وليس من نفس الأم والأب، فهذا ما تبيِّنه الآية (١٧٦) من نفس السورة، أو من الأب فقط. ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾: وإذا قارنا كيف كتبت ﴿شُرَكَاءُ﴾ في هذه الآية وكيف كتبت ﴿شُرَكَاؤُا﴾ في سورة الأنعام؛ فهذا الاختلاف كما تبين أنه راجع إلى أن شركاء في آية النساء تمثل شراكة حقيقة وليست وهمية، والشراكة في آية الأنعام شراكة وهمية غير حقيقية من زعمهم الباطلة؛ أي: شراكة باطلة .. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: يسدد الدَّين، وتُدفع الوصية، وما تبقى هو الميراث؛ أيْ: غير ضرر بأحد من الورثة، أو الموصي لهم بأن يزيد، أو ينقص عما شرعه الله لهم. غير مضار: بأن يوصي أكثر من الثلث مثلاً، أو يدعي عليه دَين، وليس عليه دَين، أو يحرم أحداً من الورثة؛ لكونه مبغضاً له، أو لا يحبه؛ فإن تبيَّن ذلك فلا تنفذ الوصية الباطلة، ولا يسدد الدَّين الباطل، وتقسم التركة على الوجه السديد الموافق للشريعة، كما أمر الله سبحانه. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: ألا تضروا أحداً بأي وجه من الوجوه؛ لأنها توصية من الله، والوصية فيها معنى إلزام وعهد، وتحمل معنى الفرض عند بعض المفسرين.
следующие страницы →