← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والدَّين واجب، والوصية تطوع؟ فقد تكون الحكمة حثاً على تنفيذ الوصية، والاهتمام والترغيب في فعلها، والدَّين معلوم يجب سدداه، وليست هي أفضل من الدَّين، وكي لا يتغافل عنها الناس في ساعة سدادهم للدَّين. وقوله: ﴿يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: أو: هنا لا تعني الترتيب، وإنما تدل على الاختيار، ويجب ملاحظة أن الوصية قُدِّمت في التلاوة (القراءة)، بينما الدَّيْن يقدَّم عليها في الأداء. ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: آباؤكم: تعني الأب، والأم؛ أما الوالدان: هم الوالد والوالدة. ﴿لَا تَدْرُونَ﴾: لا: النافية. ﴿أَيُّهُمْ﴾: أيُّ الاستفهامية. ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا والآخرة؛ أيْ: لأنكم ﴿لَا تَدْرُونَ﴾: أيْ: تعلمون من الدراية من درى. قيل: بمعنى علم، وهل هناك فرق بين درى، وعلم؟ قيل: الدراية: أخص من العلم، وعلم: أعم، وتكون بمنزلة الإخبار. وقيل: إن درى: يكون فيما سبقه شك، والدراية: تكون بعد الجهل بالشيء. أيْ: لكونكم لا تدرون آباءكم وأبناءكم أيهم أقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة، فعليكم أن تنفذوا هذه الوصية المفروضة، كما علمكم الله، ولا تفضلوا أحداً على أحد؛ لأنكم لا تدرون، فالله هو المشرع وحده، وتشريعه بعلم وحكمة، ولا يعلم الغيب إلا هو، فلا تتلاعبوا، ولا تقسموا الميراث حسب أهوائكم، فتعطي زوجتك التي تحبها أكثر مما فُرض لها، أو تعطي هذا الابن أكثر من ذلك، أو تحرم هذا، وتعطي ذاك، وهكذا.

стр. 842

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: فرض الله ذلك فرضاً عليكم فريضة، وليست على سبيل الاستحباب. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. كان عليماً حكيماً. قبل أن يشرع لكم أي شرع أو حكم وكذلك كان عليماً بأنكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً. ﴿عَلِيمًا﴾: بمصالح خلقه منذ الأزل، ويعلم الأمر قبل وقوعه، ويعلم حقيقة البشر كلهم جميعاً في أيِّ زمانٍ ومكانٍ. ﴿حَكِيمًا﴾: في كل ما فرض وقسم من المواريث. حكيم في تدبير شؤون خلقه وكونه؛ فهو أحكم الحاكمين سبحانه، وهو أحكم الحكماء.

стр. 843

سورة النساء [٤: ١٢] ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿وَلَكُمْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿وَلَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾: من الميراث. ﴿إِنْ﴾: شرطية، ﴿لَّمْ﴾: نافية. ﴿لَّمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: منكم، أو من غيركم ولد ذكر أو أنثى (ابن، أو بنت). ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية. ﴿كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾: منكم، أو من غيركم. ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:

стр. 844

من بعد سداد الدَّين، ومن بعد إخراج الوصية التي تعادل الثلث، أو أقل إن كان لها وصية. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ﴾ لهنَّ الربع من الميراث. إن: شرطية، لم يكن لكم ولد سواء من الزوجة الوارثة، أو غيرها من الزوجات. ويشترك في هذا الربع الزوجة الواحدة، أو أكثر من زوجة، وبقية الميراث يوزع على الأولاد، والأب، والأم، كما ورد في الفروض. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: انظر إلى الآيات السابقة؛ للبيان. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾: الكلالة: اتفق المفسرون على تعريف الكلالة: الميت الذي لا ولد له (ذكر أو أنثى)، ولا والد (أب أو أم)، واشتقت كلمة الكلالة من الكلال، أو الإكليل؛ أي: التاج، والكلالة صفة للمورث، أو اسمٌ للقرابة. صفة للمورث: الكلال: فهو ذهاب القوة من الإعياء والضعف والتعب؛ لأن من لا ولد له (ذكر أو أنثى)، وليس له أب أو أم؛ كأنه ضعيف من دون هؤلاء الذين عادة هم يرعونه، ويعينونه حين كبره، فهو من دونهم مرهق متعب ضعيف. اسمٌ للقرابة: تشبه الإكليل: وهو التاج الذي يُحيط بالرأس من كل الجوانب، والمقصود بالإكليل: الأقارب المحيطون بالإنسان، وليس لهم به صلة كصلة الأبناء والآباء.

стр. 845

فهم يتكللون الميت من جوانبه ووسط الرأس خال (من الأولاد والآباء)، فإذا لم يكن للميت (ولد ولا بنت) (أب أو أم). ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٥) لمعرفة الفرق بين امرأت بالتاء المفتوحة، وامرأة بالتاء المربوطة. عندها يرثه أخوه، أو أخته، أو إخوته، وأخواته، وأقاربه. وفي هذه الآية اتفق العلماء أن معنى ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾: أيْ: له أخ، أو أخت من نفس الأم؛ (أيْ: يرثه إخوته، أو أخواته لأمه)، فلكل واحد منهما السدس. فهذه الآية خاصَّة بالإخوة والأخوات من نفس الأم فقط، وليس من نفس الأم والأب، فهذا ما تبيِّنه الآية (١٧٦) من نفس السورة، أو من الأب فقط. ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ﴾: وإذا قارنا كيف كتبت ﴿شُرَكَاءُ﴾ في هذه الآية وكيف كتبت ﴿شُرَكَاؤُا﴾ في سورة الأنعام؛ فهذا الاختلاف كما تبين أنه راجع إلى أن شركاء في آية النساء تمثل شراكة حقيقة وليست وهمية، والشراكة في آية الأنعام شراكة وهمية غير حقيقية من زعمهم الباطلة؛ أي: شراكة باطلة .. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾: يسدد الدَّين، وتُدفع الوصية، وما تبقى هو الميراث؛ أيْ: غير ضرر بأحد من الورثة، أو الموصي لهم بأن يزيد، أو ينقص عما شرعه الله لهم. غير مضار: بأن يوصي أكثر من الثلث مثلاً، أو يدعي عليه دَين، وليس عليه دَين، أو يحرم أحداً من الورثة؛ لكونه مبغضاً له، أو لا يحبه؛ فإن تبيَّن ذلك فلا تنفذ الوصية الباطلة، ولا يسدد الدَّين الباطل، وتقسم التركة على الوجه السديد الموافق للشريعة، كما أمر الله سبحانه. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: ألا تضروا أحداً بأي وجه من الوجوه؛ لأنها توصية من الله، والوصية فيها معنى إلزام وعهد، وتحمل معنى الفرض عند بعض المفسرين.

стр. 846

وكلمة الوصية فيها معنى: أن الموصِي يحبُّ الموصَى، ولذلك يوصيه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بمَن جار، وظلم، أو عدل في وصيته، عليم بنواياكم وما تكنه صدوركم، وعليم بما وصى به خلقه. ﴿حَلِيمٌ﴾: غير جائر؛ لأنه لا يعاجل المذنب، أو العاصي بالعذاب؛ لعلَّه يتوب، وينيب إلى الله تعالى؛ أي: الصبور الذي يمهل، ولا يهمل، ويستر الذنوب، ويؤخر العقوبة، ويرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ذو الصفح والأناة. سورة النساء [٤: ١٣] ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: إشارة إلى الأحكام التي تقدَّمت في شأن اليتامى والمواريث. ويسميها سبحانه حدوداً، وحين يضع حدوداً؛ فعلينا ألا نتعداها إذا كانت في الأوامر، أو نقرب منها إذا كانت في النواهي. أيْ: يستعمل ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: في الأوامر، مثل: الزواج، والطلاق، واليتامى، والمواريث. ويستعمل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾: في النواهي، مثل: الخمر، والميسر، والأنصاب. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: تدل على الواحد، أو المثنى، أو الجمع. من: الاستغراقية. ﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: في الأحكام، والأوامر، والنواهي، والمواريث وغيرها. ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: ولم يقل: تحتها، وإنما من تحتها الأنهار؛ أيْ: تنبع من تحتها الأنهار؛ أنهار الجنة.

стр. 847

﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ولم يقل: خالداً فيها؟ لأن الوحدة فيها وحشة، وعذاب، وغير مستحبة للنفس. وقيل: إن الإنسان يأنس بأهله في الجنة، ولذلك يذكر: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: بصيغة الجمع حين يذكر الجنة في غالب الأحوال، وخالداً فيها حين يذكر النار؛ لأن الوحدة والعزلة أشد وأقسى على العبد. ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: صيغة مبالغة، والأعظم أشد مبالغة من العظيم، والواو في ذلك تفيد التوكيد. ارجع إلى الآية (٧٣) من نفس السورة للبيان في معنى الفوز وأنواعه. سورة النساء [٤: ١٤] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: ﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾: من: للابتداء، وشرطية. ﴿اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما أمرا به، أو نهيا عنه. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾: تهديد ووعيد لمن يتعدى حدود الله تعالى بتغيير الأحكام بزيادة، أو نقص، أو ترك العمل بها. ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾: ولم يقل: خالدين فيها؛ لأن الإفراد والعزلة لأهل النار فيه نوع من العذاب، والوحشة بالإضافة إلى النار نفسها. ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: فيه خزي وإذلال، وألم؛ أيْ: يجمع الألم والإهانة، والإهانة تعني: العذاب على مرأى الناس، والفضيحة بأن تذكر سيئاته وما كان يفعله.

стр. 848

سورة النساء [٤: ١٥] ﴿وَالَّاتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله الحدود في اليتامى والميراث، وحذَّرنا من تعدي تلك الحدود، يخبرنا عن الحدود الأخرى، ومنها: حد الفاحشة (الزِّنى)، فقال: ﴿وَالَّاتِى﴾: الواو: استئنافية. اللاتي: اسم موصول للجمع المؤنث. ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾: يفعلن الفاحشة؛ (أي: الزِّنى). و ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: هي ما عظم قُبحه من الأقوال والأفعال. وغالباً تعني: الزِّنى واللواطة. ﴿مِنْ نِّسَائِكُمْ﴾: من أزواجكم. ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾: ولم يقل: فأشهدوا، وإنما زاد السين والتاء، ويعني ذلك: الطلب؛ أي: اطلبوا إحضار أربعة شهداء. واستشهدوا: أقوى وأبلغ من فأشهدوا. ﴿مِّنكُمْ﴾: من المسلمين العدول، ولماذا أربعة؟ لأن هناك زانياً وزانية، فكل منهما يحتاج إلى شهيدين؛ فالمجموع أربعة. وتغليظاً على المدَّعي، ولحماية الأعراض، والتأكد من جريمة الزِّنى. ويبيِّن الله سبحانه في سورة النور، آية (٤) عقوبة الذي لا يأتي بأربعة شهداء بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.

стр. 849

﴿فَإِنْ﴾: إن: شرطية. ﴿شَهِدُوا﴾: بأنهم رأوا عملية الزِّنى؛ الزاني والزانية معاً في الفراش، ورأوا الفرج في الفرج. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ﴾: فأمسكوهنَّ في البيوت؛ أي: احبسوهنَّ في البيوت؛ امنعوهنَّ من مخالطة الناس إلى أن يتوفاهنَّ الموت؛ وكان ذلك في بداية الإسلام، ثم نسخ الحكم بحكم آخر، وهو حد الزِّنى الرجم، أو الجلد. ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: أيْ: مخرجاً من هذه العقوبة، وقد جعل الله لهنَّ سبيلاً عندما شرع حد الزِّنى. وكان ذلك هو الحكم في بداية الإسلام إذا زنت المرأة، وثبت زناها بالشهود الأربعة، حبست في بيتها حتى تموت، وظل ذلك الحكم سارياً حتى نسخه الله سبحانه، كما قال بعض المفسرين بالجلد مئة جلدة للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات. سورة النساء [٤: ١٦] ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَئَاذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَاللَّذَانِ﴾: اسم موصول للمثنى المذكر (اللذان لم يُحصنا) بالزواج. ﴿يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾: يفعلان الفاحشة. منكم: (من المسلمين). (قيل: هي الزِّنى، وقال بعضهم أيضاً: اللواطة). فإذا كانت الفاحشة هي الزِّنى تعني الزاني والزانية لم يُحصنا. ﴿فَئَاذُوهُمَا﴾: الفاء: للتوكيد، آذوهما: قيل: بالكلام، والضرب بالنعال والجلد. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية.

стр. 850

﴿تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: تابا من الفاحشة، وأصلحا؛ أيْ: قاما بالعمل الصالح. ﴿فَأَعْرِضُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشر تفيد التوكيد. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: أيْ: عن إيذائهما؛ وقيل: كان هذا كله قبل نزول آية الحد، حد الزِّنى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾: إن: للتوكيد، وكان تشمل كل الأزمنة، كان ولا زال وإلى الأبد، تواباً: صيغة مبالغة كثير التوب؛ أيْ: قبول التوبة كماً ونوعاً، ومهما كثرت، وتعددت، ويغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، والكفر إذا لم يتب العبد قبل موته. ﴿رَحِيمًا﴾: لأنه لا يَردُ توبة التائب، ولا يعجِّل لكم العقوبة. سورة النساء [٤: ١٧] ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والتوكيد. ﴿التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾: أيْ: قبول التوبة مترتب على فضل الله؛ أيْ: إذا تابوا يقبل توبتهم بفضله، وليس وجوباً عليه أن يقبل التوبة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: يعملون: بصيغة المضارع التي تدل حكاية الحال، أو على التجدُّد، والتكرار، ولم يقل: عملوا السوء. ﴿السُّوءَ﴾: الإثم، والذنب، والمعاصي، وسُمِّيَ سوءاً لسوء عاقبته. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: قيل ولم يقل بجهل، وإنما بجهالة: وهي عدم الرؤية؛ الجهالة: السفه، والطيش، وعدم التدبر في النتائج عن ثورة الشهوة، أو لم يقدَّر قيمة ما سيلحقه من إثم، ويفوته من ثواب.

стр. 851

والجهالة: هي حمق يصيب الشخص ساعة الشهوة، وقد تكون مرة واحدة، أو أكثر، ولم يقل: بجهل؛ لأن الجهل هو عدم العلم بالعقوبة، أو عاقبة المعصية. إذن: جهلهم ليس ناتجاً عن عدم العلم، وإنما ناتج عن الجهالة، وهي السفه، والطيش، والحماقة. ﴿ثُمَّ﴾: ليست للتراخي في الزمن؛ لأنه قال بعدها: يتوبون من قريب، وإنما هي تعني: التباين بين عمل السوء، والتوبة من قريب (بالدرجة والفضل). ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: يتوبون بعد وقوع المعصية، أو الذنب، ولا ينتظرون الزمن الطويل، والسؤال: لو أخَّر التوبة ألا تقبل منه؟ نعم تقبل منه، ولكن ماذا يحدث إذا مات؛ لأنه لا يدري أجله، ولا يضمن أن يعيش ثواني قليلة. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد. ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ: يقبل الله توبتهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والمضارع، والحاضر، والمستقبل. ﴿عَلِيمًا﴾: بأحوالهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وتوبتهم. ﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير شؤون خلقه وكونه، وفي أوامره ونواهيه. إذن شروط التوبة في هذه الآية: أولاً: فعل الذنب بجهالة. ثانياً: التوبة من قريب. والتوبة وردت بصيغ مختلفة، منها: التوبة من الله، التوبة على الله، التوبة إلى الله، التوبة عن عباده؛ فما هي أوجه الاختلاف؟ التوبة من الله؛ كقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.

стр. 852

فآدم سأل ربه كيف أتوب؛ فعلمه ﷻ كيف يتوب. إذن التوبة من الله؛ تعني: تشريعاً؛ لأنه هو الذي شرع التوبة. وانتبه إلى أنه لم يأتِ، أو يُذكر في القرآن كله؛ أيُّ آيةٍ تقول: يقبل التوبة من عباده، وإنما فقط ورد التوبة من الله. ﴿التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾: قبولاً بفضله؛ أيْ: يقبل التوبة، وليس وجوباً عليه أن يقبل التوبة. ﴿التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: كما ورد في سورة الشورى، آية (٢٥)؛ لأنه سبحانه علّم آدم التوبة، وهداه إليها، ثم قبلها منه، فيقال: التوبة عن عباده؛ يقصد بها التوبة نفسها (السياق في التوبة). والتوبة من عباده: لم يأتِ في القرآن مثل هذه، وتعني: الجهة الصادرة منها التوبة. سورة النساء [٤: ١٨] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْئَانَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: فأركان التوبة هي: ١ - الإقلاع عن الذنب، والمعصية، وعدم العودة إليها. ٢ - الندم على فعلها. ٣ - إرجاع الحقوق إلى أهلها. ٤ - الإكثار من النوافل، والأعمال الصالحة، مثل: الصلاة، والصدقات. وليست (للنفي نفي الحال)، التوبة للذين (اللام لام الاختصاص). ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: أيْ: مستمرون، ومصرون على عمل السيئات،

стр. 853

والعودة على ارتكابها، أو مستمرون على الشرك، والكفر، والنفاق حتى يحضرهم الموت، وعندها يحاولون التوبة، فلا تقبل منهم. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث، حضر أحدكم الموت، ولم يقل: جاء؛ لأن جاء فيها معنى الفجأة، والشدة، وقبض الروح، وحضر فيها معنى التأني حيث يدخل العبد في مرحلة الوفاة التي تسبق المجيء، ولم تقبض روحه بعد. ﴿حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: قدَّم المفعول على الفاعل؛ للاهتمام. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ للبيان. وحضر تختلف عن جاء أحدَهُمُ الموت؛ حضر: تعني في المستقبل، وتستعمل في الوصايا والأحكام التي تخص الموت، أما المجيء تأتي في سياق الكلام عن الموت، وأحوال الناس حين يدركهم الموت. ﴿قَالَ إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿تُبْتُ الْئَانَ﴾: بحيث يعلم أنه ميت لا محالة، ولم يبق له في الحياة رجاء، فيحاول التوبة؛ لينقذ نفسه كما حدث لفرعون حين أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النافية. ﴿الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: فهؤلاء لا توبة لهم أيضاً بعد موتهم، ولو تابوا قبل موتهم، ربما يقبل الله تعالى توبتهم. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: وهم: ضمير فصل يدل على التوكيد. ﴿كُفَّارٌ﴾: جمع كافر، تشير إلى الحدث أكثر منها إلى عملهم الكفر، وصيغة مبالغة، وتشمل عموم الغافرين (بما فيهم المشركون مثلاً).

стр. 854

﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، اللام: لام البعد. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: هيَّأنا وجهَّزنا لهم عذاب النار، وأعددنا: أعم وأشمل من أعتدنا؛ أعددنا: تعني أشياء كثيرة، وأعتدنا: قد تكون شيئاً واحداً وهو عذاب النار. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: هو عذاب جهنم، شديد الإيلام، والدوام. سورة النساء [٤: ١٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بأمر جدير هو: لا يحل لكم أن ترثوا النساء؛ أيْ: تتوارثوهنَّ كما يتوارث المال، تأخذوهنَّ كالإرث، والخطاب موجَّه خاصَّة لأقارب الميت، وكان هذا من أفعال الجاهلية، فكان عندما يموت الميت؛ وله زوجة، كان أقرباؤه يرثونها عنه، فإن شاؤوا تزوجوها بلا صداق، وإن شاؤوا زوَّجوها لغيرهم، وأخذوا صداقهنَّ. وكانوا يفعلون ذلك قهراً وجبراً من دون حرمة. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التوكيد. ﴿تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: بفتح الكاف؛ تعني: الإجبار والقسر، والكَره، وردت: ﴿كَرْهًا﴾: في خمس آيات: كَرْهاً: ١ - ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. ٢ - ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. ٣ - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ﴾ [الرعد: ١٥].

стр. 855

٤ - ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٣]. ٥ - ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. أما ﴿كُرْهًا﴾: بضم الكاف فوردت في ثلاث آيات، وتشير إلى الكره المستحب؛ أي: الناتج عن تعب، أو مشقة مرغوب فيها، أو محب لها رغم كونها مؤلمة. ـ مثل: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ أي: الحمل والولادة. ـ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ أي: الجهاد في سبيل الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢١٦)، وسورة الأحقاف آية (١٥) لمزيد من البيان، والفرق بين كَرهاً وكُرهاً. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾: من العضل: هو المنع، أو الحبس، أو التضييق، والعضل مأخوذ من عضلت المرأة بولدها؛ أيْ: تعسرت في الولادة، وانقبضت عضلاتها، ولم تبسط حتى يخرج الوليد. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾: الخطاب موجَّه للأزواج، كان الزوج إذا كره صحبة امرأته، ولها عليه مهر يحبسها، ويضربها؛ لتفتدي به، أو كانوا في الجاهلية بعد الطلاق يعضلون المطلقات بقصد الإضرار بهنَّ حتى تفتدي بمهرها، أو مالها، أو الخطاب موجَّه إلى الأولياء، كانوا يمنعون النساء من الزواج؛ ليرثوهنَّ، أو كانوا يمنعون النساء من الزواج إلا بإذنهم حتى يأخذوا صدقاتهنَّ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾: يفعلن فاحشة (كالزِّنى).

стр. 856

﴿مُّبَيِّنَةٍ﴾: واضحة من دون شك، ولا شهود، أو لا تنكرها هي، أو إذا أظهرن نشوزاً وسوء معاملة للعيان؛ عندها يجوز خلعها، ويقبل منها أن تفتدي. ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار. عاشروهنَّ: بما يقره الشرع والعرف، وتألفه الطباع السليمة. عاشروهنَّ بالمعروف: في القول، والنفقة، والمعاملة السمحة، والصبر. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾: فإن: الفاء: استئنافية. إن: شرطية، وتفيد الاحتمال، والندرة في الوقوع، ولم يستعمل (إذا)؛ لأن (إذا): تدل على حتمية الحدوث به. ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾: لأسباب حقيقية، أو عيب خُلقي، أو تقصير في المعاشرة، أو نشوز. ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: ﴿فَعَسَى﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، عسى: من أفعال الرجال أن تستقيم الأمور. ﴿أَنْ﴾: شرطية، ﴿تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾: نكرة؛ أيُّ شيءٍ، ﴿شَيْئًا﴾: مهما كان نوعه. ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: أي: اصبروا، ولا تتعجَّلوا بالطلاق، أو الخلع؛ عسى اللهُ أن يصلح أحوالهنَّ، وتستقيم الأمور، ولا تتمزق الأسرة، ويصاب الأولاد بأمراض نفسية؛ نتيجة الطلاق، والكراهية بين الزوج والزوجة.

стр. 857

سورة النساء [٤: ٢٠] ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث. ﴿اسْتِبْدَالَ﴾: الألف والسين والتاء: للطلب. استبدال: الاستبدال هنا يعني: الطلاق؛ أيْ: طلقتموهنَّ، وأردتم الزواج بزوجة أخرى بداعي الشهوة والرغبة. ﴿زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: تعني: الزواج بزوجة أخرى، ولم يكن هناك سببٌ هي قامت به، مثل: الفاحشة، أو النشوز. ﴿وَآتَيْتُمْ﴾: أعطيتم، وأتيتم: أعطيتم: ﴿إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾: من المهر (ولو كان قنطاراً) من المال الكثير؛ كصداق، أو مهر أو نحلة. وقيل: القنطار: مئة رطل من الذهب؛ لأن المهر إذا كان قنطاراً أو كثيراً قد تسول للإنسان نفسه فلا يحق لكم أن تأخذوا منه شيئاً. ﴿فَلَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. ﴿تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾: لا: الناهية، فلا تأخذوا منه (الصداق، أو المهر) شيئاً مهما قل أو كثر. ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي. أتأخذونه بالبهتان: البهتان: الكذب المتعمد الذي يبهت سامعه، ويدهشه؛ لشناعة الكذب، وأنواع الكذب تشمل: الإفك، والبهتان، والافتراء، والخرص، وغيرها، والإثم: يعني القبيح، ويعني الصغائر والكبائر.

стр. 858

﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: حراماً وظلماً واضحاً، والمبين: هو الظاهر الواضح، ومظهر لنفسه ظاهر للعيان إنه إثم غير مستور، وكل من يعلمه يعتبره إثماً. سورة النساء [٤: ٢١] ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ﴿وَكَيْفَ﴾: الواو: استئنافية، كيف: اسم استفهام، فيه معنى النفي، وهو استفهام إنكاري، وسبقه الهمزة: أتأخذونه وكيف تأخذونه إنكار بعد إنكار، وفيه كذلك تعجب. ﴿وَقَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أفضى من الإفضاء: كناية عن الجماع والخلوة. قيل: من الفضاء المكان الواسع الذي لا حدود له؛ أيْ: دخلت في فضائها، ودخلت في فضائك؛ أيْ: دخولاً واسعاً حين حدث كشف العورة، ولا يوجد إفضاء أكبر من ذلك، ودخلتا معاً في الأنفاس، والمعاشرة، والملامسة. يعني: دخلتم معاً أوسع المداخل، وقمة المداخل، وهي أن يرى كل منكم عورة الآخر، عورتها التي تسترها من كل مخلوق حتى أمها وأختها، وتراها أنت، فلا يوجد فضاء أكثر من ذلك. ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ﴾: من الزوج والزوجة، أو (ولي أمرها) ميثاقاً، الميثاق: هو العهد الموثق بأدلة مثل: الشهود، والعقد، ويوقع عليه الزوج، والزوجة، وعاقد النكاح، والسلطة المختصة من الدولة، ويجب احترامه. ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: أيْ: عهد موثق غليظ عظيم لا ينحل بسهولة. وذكر الميثاق الغليظ في القرآن في ثلاث آيات فقط: الأول: في هذه الآية (٢١) من سورة النساء، وهو ميثاق الزواج.

стр. 859

الثاني: في الآية (١٥٤) من سورة النساء، وهو ميثاق بني إسرائيل. الثالث: في الآية (٧) من سورة الأحزاب، وهو ميثاق النبيين. سورة النساء [٤: ٢٢] ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. لا: الناهية، النهي للحاضر، والمستقبل. ﴿تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾: حيث كانوا في الجاهلية يتزوجون بزوجات آبائهم بعد طلاقهنَّ، أو موت الآباء، فجاءت هذه الآية تنهاهم عن ذلك وتحرمه. ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾: ما هنا: للعاقل؛ أيْ: زوجات الآباء. إلا: أداة حصر. ﴿مَا قَدْ﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الذي. قد: للتحقيق والتوكيد. ﴿سَلَفَ﴾: بمعنى: مضى (للماضي). ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾: قبيحاً (زنى من أقبح الزِّنى، وهو أن ينكح ما نكح الأب). ﴿وَمَقْتًا﴾: المقت: هو أشد البغض بغض الممقوت، ولكل ذي فطرة سليمة. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: ساء طريقاً أن يسلك. سورة النساء [٤: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ الَّاتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ

стр. 860

أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يذكر الحق في هذه الآية محرمات النكاح من النسب والرضاع والمصاهرة. فذكر سابقاً تحريم نكاح امرأة الأب، ثم حرم في هذه الآية الأمهات؛ أي: الوالدات، والأم تعني: الوالدة والمرضعة، وتستعمل كلمة الوالدة في سياق الأحكام الشرعية، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت (سبعة محرمات من النسب). فقال (حرمت عليكم)؛ أي: هذا التحريم كان مقرراً سابقاً، وجاء القرآن ليؤكده فقال (حرمت عليكم)، ولم يقل ولا تنكحوا، كما ورد في الآية السابقة (٢٢)؛ حيث كان سابقاً نكاح زوجات الأب شائعاً عند العرب، ثم حرمه الإسلام، وكذلك الجمع بين الأختين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّاتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾: (أي: المحرمات بالرضاعة). قيل: خمس رضعات، وقيل: أقل من ذلك، وهو في سن الحولين، وقال الإمام مالك: «ولو مصة واحدة»، مع أن الرسول قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان» [رواه مسلم]؛ ارجع إلى كتب الأحكام الشرعية والمذاهب الأربعة لمزيد من البيان. ويلحق بالتحريم بأمهات الرضاعة بناتها وأخواتها، وغيرها. ارجع إلى كتب الفقه. ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾: من المصاهرة، فأم زوجته محرَّمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها؛ أيْ: لا يحل له أن يتزوج الأم. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾: جمع ربيبة؛ أي: الأنثى بنت الزوجة من غيره، إذا حصل الدخول بالزوجة ﴿الَّاتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾: كناية عن الجماع. ﴿فَإِنْ لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: فلا: الفاء:

стр. 861

للتوكيد؛ لا: النافية؛ جناح عليكم: لا إثم عليكم من جنح؛ أي: مال عن القصد، والإثم؛ أي: الميل عن الحق؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٥٨) لمزيد من البيان، والفرق بين: لا جناح عليكم، وليس عليكم جناح. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾: وحلائل: جمع حليلة، وهي زوجة الابن من الصلب؛ أيْ: أولادكم (الذكور)، وليس زوجة الابن من التبني، فهذا أصبح حلاً بعد ظهور الإسلام. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: وأن: حرف مصدري يفيد التوكيد. يحرم زواج الأختين معاً؛ لأن الجمع بين الأختين قد يؤدِّي إلى انقطاع صلة الرحم بين الأختين، والله سبحانه أمر بصلة الرحم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿كَانَ غَفُورًا﴾: لما سلف منكم، ولمن تاب وأصلح. ﴿رَحِيمًا﴾: لا يعاقبكم على سيئاتكم إذا تبتم، وأصلحتم، وتعني: كثير المغفرة والرحمة.

стр. 862

سورة النساء [٤: ٢٤] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: معطوفة على أمهاتكم؛ أيْ: حرمت عليكم أمهاتكم، والمحصنات من النساء. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: الواو: عاطفة. المحصنات: جمع محصنة، والمحصنة المراد بها المتزوجة العفيفة. والإحصان: أصله الحصن، وهو المكان المنيع، وهو العفة، ويعني: تحصين النفس من الوقوع في الزِّنى، والبنت: إذا تزوجت أحصنها زوجها (أيْ: أعفها زوجها فهي محصن). والمرأة إذا أعفت فهي حاصن. والإحصان في القرآن له معانٍ أربع: ١ - الزواج: يقال: أحصن الرجل؛ أيْ: إذا تزوج. ٢ - العفة: يقال: أحصن؛ أيْ: أعف. ٣ - الإسلام: أحصن الرجل؛ أيْ: أسلم. ٤ - الحرية: أحصن صار حراً.

стр. 863

﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: إلا: أداة استثناء. ما: للعاقل، وغير العاقل، اسم موصول تعني: التي. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: بالأسر والسبي من أرض المعركة؛ لأنه لا يجوز قتال النساء إلا إذا حاربت مع الكفار، هذه الآية حكمها معطل في وقتنا الحاضر، ولا بُدَّ من إسلام المشركة، واستبراء الرحم، ولا تريد المكاتبة أو الزواج، واختلف الفقهاء في شروط ما ملكت اليمين؛ يجب الرجوع إليها لمزيد من البيان. ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: هذا ما فرضه الله عليكم، أو حرمه عليكم، ولا ننسى أن هناك تحريمات أقرها رسول الله ﷺ مثل: زواج المرأة على عمتها، أو خالتها. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ : «نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة خالتها». ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: أيْ: أحل ما سوى المحرمات المذكورات في الآيات السابقة. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التعليل. ﴿تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾: أيْ: أبيح لكم أن تتزوَّجوا (تطلبوا الزواج). ﴿بِأَمْوَالِكُم﴾: الباء: للإلصاق (السببية)؛ أيْ: بدفع الصداق، أو المهر، والأموال هنا تعني: المهور. ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: ﴿مُّحْصِنِينَ﴾: من الإحصان: هو الزواج، والعفة؛ أيْ: متزوِّجين متعفِّفين.

стр. 864

﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: غير تفيد المغايرة بالذات، أو الصفة، وهنا المغايرة بالصفة. ﴿مُسَافِحِينَ﴾: السفاح قيل: هو الزنى، ومشتقة من السفح، وهو هطول الماء وسيلانه من سفح الجبل، ولم يذكر ولا متخذي أخدان؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق المسلمين فلا داعي؛ لأنهم حرم عليهم أن يقربوا من الزنى. وسُمِّي به الزِّنى؛ لأن الزاني يصب نطفته فقط من دون إرادة النسل في فروج الكثير من النساء. أما تعريف الزِّنى، والسفاح، والبغاء فهو التالي: الزِّنى: الجماع من غير عقد شرعي، أو الوطء من غير عقد شرعي. السفاح: هو تكرار فعل الزِّنى، مع الإقامة والعيش معاً من غير زواج شرعي، وهو أشد من الزِّنى والفجور. والفجور: هو البغاء، والبغاء وصف للمرأة إذا فجرت وزنت عدة مرات. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية. ما: شرطية. ﴿اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ﴾: الاستمتاع المباح الذي يحصل بالزواج الشرعي المستوفي شروطه، أو الاستمتاع المباح الذي يحصل بعد العقد، أو الخطبة وقبل الدخول، فلا بُدَّ من دفع المهر كاملاً حين طلب الزواج، أو دفع نصف ما فرضتم إذا لم يتم. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: فيه استعارة: استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر يكون بعد العمل، ولا يأتي في القرآن إلا في سياق الخير.

стр. 865

﴿فَرِيضَةً﴾: فرض من الله تعالى عليكم بدفع المهور. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا: النافية، لا جناح؛ أيْ: لا إثم. ارجع إلى الآية (١٥٨) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ﴾: من بعد الفريضة من زيادة، أو نقضان في المهر إذا اتفقتم أنتم وهنَّ على ذلك، أو حدث فسخ لعقد القران، أو فرقة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أيْ: كان، ولا زال، وسيظل عليماً حكيماً. ﴿عَلِيمًا﴾: بأقوالكم، وأفعالكم، ونواياكم، وما يصلح أموركم. ﴿حَكِيمًا﴾: فيما يفرضه عليكم، ويوصيكم به؛ لتصلح أموركم، حكيماً في حكمه؛ فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ٢٥] ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ

стр. 866

مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية. ﴿لَّمْ﴾: للنفي. ﴿يَسْتَطِعْ﴾: يقدر (القدرة المالية). ﴿مِنكُمْ طَوْلًا﴾: الطول: هو الغنى والسعة؛ أيْ: ليس عنده القدرة (المالية على دفع المهر) للزواج بالمحصنات المؤمنات؛ أي: الحرائر المؤمنات (الإحصان هنا يعني: الحرية). ﴿فَمِنْ﴾: من: ابتدائية للعاقل، والفاء: رابطة لجواب الشرط. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾: من فتياتكم المؤمنات؛ أي: الإماء، جمع أمة، وهي المملوكة الرقيقة، وكان ذلك في القديم حين كان الرِّقُّ قائماً. وأطلق عليهنَّ اسم ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (كلمة فتاة هنا تطلق على الأمة في القرآن) بدلاً من الإماء. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم﴾: أعلم بدرجة إيمانكم، ويعلم ما تخفي الصدور من العقائد والسرائر. ﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾: وكلكم ولد آدم، ومن نسل آدم وحواء، من أصل واحد، الذكور من الإناث، والإناث من المذكور، والناس سواسية إلا بالتقوى. ارجع إلى الآية (١٩٨) من سورة آل عمران. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أعطوهنَّ مهورهنَّ.

стр. 867

﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالمتعارف عليه بين الناس، وما يقرُّه العرف من مقدار المهر من دون نقص أو تلاعب، والباء: للإلصاق، والتوكيد. ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: عفائف. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: زانيات جهراً، ومقيمات مع أخدانهنَّ من دون زواج. ﴿وَلَا﴾: الناهية، ﴿مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: ولا متخذات أخدان أصحاب يقمن معهم في مسكن واحد، والأخدان: جمع خدن: وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى، المقيمات معاً من دون عقد زواج. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: استئنافية. ﴿فَإِذَا﴾: شرطية تدل على حتمية الحدوث وكثرته. ﴿أُحْصِنَّ﴾: أسلمنَ، وتزوجنَ. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تدل على الندرة، واحتمال الحدوث. ﴿أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: بفاحشة الزِّنى. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: العذاب لم يُبيَّن في هذه الآية، وإنما بيَّنه في سورة النور، آية (٢): ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: إذن العذاب يساوي خمسين جلدة. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾:

стр. 868

﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى إباحة النكاح بالفتيات المؤمنات لمن لم يجد طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات؛ أي: القدرة المالية. ﴿لِمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿خَشِىَ﴾: خاف من الوقوع في العنت؛ أي: المشقة، والجهد؛ أي: الزِّنى. ﴿الْعَنَتَ﴾: وهو المشقة، والأمراض النفسية، وما يترتب عليها من عواقب. ﴿مِنكُمْ﴾: خاصَّة من المسلمين. إذن كانت شروط الفقهاء لصحة نكاح الأمة هي: أن تكون مسلمة، وأن يخاف الوقوع في الإثم والزِّنى، وعدم الاستطاعة (أي: القدرة المالية). ﴿وَأَنْ﴾: أن: مصدرية تفيد التوكيد. ﴿تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: عن نكاح الإماء خير لكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: يغفر الذنوب إذا تبتم مما قد يبدر منكم من الآثام والذنوب. ﴿رَحِيمٌ﴾: لا يعجِّل لكم العقوبة، دائم الرحمة على صيغة مبالغة على وزن فعيل. رحيم بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة، الآية (٢)؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: اللام: للتوكيد.

стр. 869

﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: بإنزال هذه الآيات والتكاليف، والأحكام الشرعية، والحلال والحرام، والحسن والقبيح، والحق والباطل، وما يجب فعله، وما لا يجب فعله. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: أيْ: يبيِّن لكم طريق الرشد؛ لتسلكوه، وتصلوا إلى الغاية، ولم يقل: وليهديكم، كما قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: إضافة اللام في ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: لتدل على التوكيد؛ يعني: أن البيان أهم من الهداية، فلو كانا بنفس الأهمية لأضاف اللام لكليهما؛ لأن البيان هو إظهار المعنى للنفس بحيث لم يعد هناك شك، أو حُجَّة لها، ثم بعد البيان تصبح الهداية أسهل، وأهون على النفس، يهديها إلى صراطها فتسير عليه إلى الغاية. ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: سنن جمع سُنَّة؛ أيْ: طريقة، فهناك السُّنن الكونية، وسُنن الله في خلقه، وسُنن الأنبياء والصالحين الذين جاؤوا من قبلكم؛ لتقتدوا بها، وتسلكوها. وإنما وضعت هذه السُّنن؛ لتحقق مصالح الإنسان، كما أرادها الله له. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٧)؛ لمزيد من البيان في معنى السُّنن. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: يتقبل توبتكم بفضله إذا تبتم إليه من ذنوبكم، ورجعتم إليه، ولكي يسود الحق والثبات في الكون. وأركان التوبة: ١ - الإقلاع عن الذنب، والمعصية، وعدم العودة إليها. ٢ - الندم على فعلها. ٣ - إرجاع الحقوق إلى أهلها. ٤ - الإكثار من النوافل والأعمال الصالحة.

стр. 870

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أحاط علمه بكل شيء بجمع خلقه، وكونه، والأشياء ظاهرها وباطنها، العليم بما شرع لكم، وما هي مصلحتكم، وما ينفعكم، وما يضركم، علم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، لا تخفى عليه خافية، العليم بالغيب، ومفاتحه. ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما شرعه لكم، وقدره، وأفعاله، وأقواله، وكونه، فهو أحكم الحاكمين. ﴿حَكِيمٌ﴾: مشتقة من الحكمة، وحكيم: بمعنى الحاكم. وانتبه إلى هذا الترتيب: البيان ليبين لكم، ثم الهداية ويهديكم بالتوبة (ويتوب عليكم)، فالتوبة تكون لما حدث من التقصير في الاتِّباع، أو خلل في الهداية، وقدم العليم على الحكيم؛ لأن السياق في العلم (لبيان الهداية والتوبة) كلها تحتاج إلى علم بينه العليم الحكيم.

стр. 871

سورة النساء [٤: ٢٧] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: لكي نفهم هذه الآية يجب أن نعلم مراحل التوبة: ـ التوبة شرعت أولاً من الله (مرحلة التشريع): فقد علَّمنا الله سبحانه على يدي آدم كيف نتوب من المعصية، كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. ـ ثم تأتي مرحلة إقامة التوبة، أو الأداء؛ أيْ: كيف تتوب إلى الله كعبادة (نطبق أركان التوبة). الإقلاع عن الذنب، والكف عن المعصية، والرجوع إلى الله، والندم، والإكثار من العمل الصالح، والنوافل. ـ ثم تأتي مرحلة القبول: وهي إما أن يتقبل الله سبحانه بفضله ورحمته توبة عبده، أو لا يقبل توبته. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: قدَّم لفظ الجلالة على الفعل يريد للاهتمام والتوكيد والمبالغة في قبول الله تعالى توبة عبده، ويفيد الحصر، فإن التوبة مختصة بالله حصراً، فلا يتوب العبد إلا لله ﷻ ، ولا أحد يقبل التوبة إلا الله . ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾: وهم الفسقة، والمنهمكون في الآثام،

стр. 872

والفواحش، والمعاصي، والكفار، والمشركون، وغيرهم أن تتبعوا أهواءكم، ونزعاتكم، وتنحرفوا عن شرع الله، وتميلوا عن الحق إلى الباطل. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿تَمِيلُوا﴾: تنحرفوا وتضلوا. ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾: عن طاعة الله إلى المعصية، وطاعة الشيطان، فتكثروا من الذنوب والمعاصي، ولا يكفيهم أن تميلوا ميلاً خفيفاً، فهذا لا يُعجبهم، ولا يكفيهم، بل الميل العظيم فقط هو الذي يريدونه ويطمعون فيه. سورة النساء [٤: ٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾: يريد الله أن: حرف مصدري يفيد التوكيد. ﴿أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾: أيْ: يُيسر عليكم، ويسهل عليكم التكاليف، والأحكام، ولا يجعل عليكم من حرج. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾: بالتوبة، والتكاليف الشرعية. ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾: ضعيفاً: من الضَّعف: بفتح الضاد: وهو الضعف المعنوي الذي يكون عادة في الرأي والعقل، بينما الضُّعف: بضم الضاد: هو الضعف المادي الذي يكون في الجسم بسبب المرض أو الجوع أو الهزال، ونقص الغذاء؛ فالله سبحانه لم يخلقه ضعيفاً من الأصل، كما يظن البعض، وإنما الإنسان نفسه حين أعطاه الله حرية الاختيار اختار الضعف، اختار شهواته العاجلة بدلاً من الفوز برضا الله وطاعته؛ فهو ضعيف لا يصبر، ولا يقاوم شهواته الجنسية، وحب المال، والنسل، والربا، وشرب الخمر، وكسب الحرام، ومن رحمة الله بهذا الإنسان أن شرع له التوبة، والتوبة نوع من التخفيف.

стр. 873

والتوبة: نوعان: توبة إنابة؛ توبة من المعصية، أو الذنب، وتوبة استجابة: توبة من دون معصية؛ للتقرب من الله، توبة حب، توبة خوف، فالله سبحانه يريد ليبين لكم، ويهديكم، ويتوب عليكم، ويغفر لكم، ويخفف عنكم، وييسر عليكم رحمةً بكم. سورة النساء [٤: ٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: نداء إلى الذين آمنوا جديد، والهاء: للتنبيه. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾: تأخذوا، وعبر بالأكل عن الأخذ؛ لكثرة حدوث الأخذ، كما تكون الحاجة إلى الأكل المتكرر في كل يوم. والأخذ قد يأخذه ثم يعيده إلى صاحبه، أما الأكل فقد تم هضمه وقرر عدم إرجاعه إلى أهله. وقال: ﴿أَمْوَالَكُم﴾: ولم يقل: أموالهم كيف يأكل الإنسان ماله؟ إشارة إلى أن مال الفرد فيه حق الزكاة، وفيه حقوق أخرى للآخرين؛ كالصدقات، والضرائب، ولأن الكل عُرضة للأكل، فمرة يكون الإنسان آكلاً لمال غيره، ومرة أخرى يكون غيره آكلاً لماله؛ أيْ: أنا آكل مال غيري، وغيري يأكل مالي. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: الباء: للإلصاق. الباطل: الحرام؛ أيْ: تأخذ، أو تأكل مال الغير بغير حق، مثل: الربا، والغش، والسرقة، والرشوة، والميسر، واحتكار السلع وغيرها. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾: إلا: أداة استثناء.

стр. 874

﴿أَنْ تَكُونَ﴾: أن: للتوكيد. ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾: التجارة: هي البيع والشراء بقصد الاسترباح؛ أيْ: إعطاء شيء في مقابل شيء، والبيع: هو إخراج السلعة من ملك البائع، والشراء: هو إدخال السلعة في ملك المشتري مقابل ثمن متفق عليه. ﴿تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾: إذن التراضي هو: شرط، ولم يوجب الشرع لفظاً معيناً، والتراضي قد يقوم على الفعل، لا القول، مثل: بيع المعاطاة؛ أيْ: يعطي البائع السلعة للمشتري، والمشتري يعطي البائع الثمن من غير صيغة، وذكر التجارة خاصَّة للترغيب فيها. وذكر الباطل: ليدل على أن كثيراً من التجارات مشتملة على التعامل بالباطل، ولذلك جاء التحذير من ذلك. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. لا: الناهية. ﴿تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: بعد التوصية، والنهي عن أكل المال بالباطل؛ جاءت التوصية الثانية بالحفاظ على النفس، فقد تؤدِّي بعض المعاملات المادية إلى الغضب، والقتل، والسرقة، والانتحار؛ بسبب الطمع، والجشع، وغيرها. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: أيْ: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ لأن قتل النفس من دون حق، أو عدل: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ويدخل في الانتحار والتدخين، واستعمال المخدرات. وقيل: من يقتل أخاه كأنه قتل نفسه وذلك لأن المؤمنين كالجسد الواحد، وكذلك حكم على نفسه بالقتل قصاصاً. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].

стр. 875

وكما قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]: بارتكاب المعاصي، والإدمان، والميسر، والجرائم الأخلاقية، والمخدرات، والتدخين وغيرها. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: لأن المؤمنين إخوة، وأنهم نفس واحد، مبالغة في النهي والزجر. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿بِكُمْ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿رَحِيمًا﴾: بأن منعكم، ونهاكم، وحذركم من فعل تلك الأفعال السيئة، ونهاكم عن قتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل. سورة النساء [٤: ٣٠] ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. الخطاب للرسول، والمقصود به المؤمنين. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية (ابتدائية)، من: للمفرد، والمثنى، أو الجمع، ومن: للعاقل. ﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد. ﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: تعود إلى قتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل. ﴿عُدْوَانًا﴾: بالتعدِّي على الغير عمداً، وظلماً بالقتل، أو أكل الأموال (والتعدِّي قد يكون من دون عمد ونسياناً). ﴿وَظُلْمًا﴾: الظلم: هو أخذ حق الغير عمداً، أو نقصان حقهم في الأجر،

стр. 876

أو الحقوق؛ فالظلم، والاعتداء على المال يورث العداوة، والعداوة قد تؤدِّي إلى القتل. ومن يفعل ذلك متعدِّياً، وظالماً؛ فسوف نصليه ناراً. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد، وفيها تهديد، وإنذار قوي أقوى من السين؛ كقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]؛ فقد جاء بسوف، ونسب الإصلاء إلى نفسه فقال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ في عقوبة قتل النفس عدواناً وظلماً، بينما جاء بالسين: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ في عقوبة أكل أموال اليتامى، ونسب الإصلاء إلى غيره (الملائكة). ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾: ندخله ونحرقه بها. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: الإدخال والإحراق هو هينٌ على الله سبحانه، وجاء بلفظ الجلالة سبحانه؛ لأنه كان يكفي أن يقول: وكان ذلك يسيراً. والمجيء بلفظ الجلالة؛ للدلالة على شدة الإنذار، والوعيد والعقوبة، وقدَّم كلمة الله للحصر، والقصر. سورة النساء [٤: ٣١] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿تَجْتَنِبُوا﴾: الاجتناب: هو الميل عن الشيء المحرم جانباً، ومعناه: تركه والابتعاد عنه. والاجتناب: أشد، وأبلغ من النهي والتحريم، وتعني: إياكم أن تكونوا مع المنهي عنه في مكان واحد، مثل: اجتناب الخمر، لا يعني فقط شربها، بل إياك أن تكون في مكان تُشرب فيه الخمر.

стр. 877

﴿كَبَائِرَ﴾: جمع كبيرة، وقيل: الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، وزاد بعضهم إلى ذلك، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حد، أو وعيد، أو لعن، أو تبرُّؤ، أو ليس منا، أو نفي إيمان، غضب، أو تهديد، واختلفوا في عدد الكبائر، فمنهم من قال: سبع، ومنهم من قال: أكثر من سبع، ومنهم من قال: إنها السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات. ﴿مَا﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الذي. ﴿تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: أيْ: ما نهى عنه الله سبحانه ورسوله في الكتاب والسنة. ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: نكِّفر: نستر، والكفر: وهو الستر؛ أيْ: نمحوها؛ أيْ: لا نعاقبكم عليها. والسيئات، قيل: الصغائر، جمع سيئة؛ أيْ: تسوء إلى صاحبها. وندخلكم مُدخلاً كريماً: المُدخل الكريم: هو الجنة، أو الصدق. ﴿كَرِيمًا﴾: طيباً شريفاً مباركاً. سورة النساء [٤: ٣٢] ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: سبب نزول هذه الآية: ثلاثة أقوال: أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: «يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث» [رواه الحاكم والترمذي]، فنزلت هذه الآية.

стр. 878

الثاني: عن عكرمة: أن النساء قلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية. والثالث: قال قتادة والسدي: لما نزلت آية ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾: قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهنَّ في الميراث. وقال النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا. وقيل التمني: هو طلب الحصول على شيء أقرب ما يكون من المستحيل أو النادر ونهى الله عن مثل هذا التمني؛ كأن يتمنى الرجل مال غيره، أو تتمنى النساء أن يكنَّ رجالاً. والتمني أنواع: أولاً: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير؛ فهذا هو الحسد. ثانياً: أن يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زوال المال عن الغير؛ فهذا هو الغبطة. والحقيقة: أن الله يعلم ما يصلح العبد، وهو أعلم بمصالح عباده، فليرضَ كلٌّ بما قدَّر اللهُ له وقسم؛ فهو صادر عن حكمة وتدبر. ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية. ﴿مَا﴾: ما: اسم موصول تعني الذي؛ أيْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾: الذي فضل الله به بعضكم على بعض. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: سواء أكان في الرزق، أو المال، أو

стр. 879

العافية، أو الجاه، أو الدِّين؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة، وتدبر، وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح العبد. كمثال قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وفي ذلك نهي عن الحسد إلا في اثنتين، كما ورد في حديث البخاري: «لا حسد إلّا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: ﴿لِلرِّجَالِ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق. ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: حظ، النصيب: يكون في الشيء المحبوب، أو المكروه. نصيب من النعيم، أو العذاب، ويمكن أن يكون عادلاً، أو جائراً، بينما الحظ يكون إجمالاً في سياق الخير. ﴿مِمَّا﴾: أصلها: من + ما، من: ابتدائية. ﴿مِمَّا﴾: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿اكْتَسَبُوا﴾: تعني: الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية. وقيل: الميراث. واكتسبوا من الاكتساب على وزن افتعل، أي: اكتساب خالطه جهد ومشقة. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: نفس تفسير للرجال نصيب. ﴿وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: التمني: نهى الله سبحانه عنه، وأباح الله

стр. 880

سبحانه السؤال أو الطلب من فضله؛ الفضل: الزيادة عما يستحق العبد من كرمه وإحسانه، سواء في الرزق، أو العلم، أو الفقه في أمور الدِّين والجنة، والدرجات العلى. واسألوا الله وحده، ولا تسألوا غيره، اسألوه ما تتمونه من النعم والأماني. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: إن للتوكيد كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٢٦). سورة النساء [٤: ٣٣] ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾: ﴿وَلِكُلٍّ﴾: ولكل إنسان متوفى ورثه (موالٍ)، وموالٍ: جمع مولى، وهم الورثة، أو يقصد بها التركة (الميراث)، ويكون التقدير: لكل تركة (ميراث) مما ترك الوالدان والأقربون، ومما ترك الوالدان والأقربون: هنا نحن أمام احتمالين: الاحتمال الأول: الوالدان والأقربون: هم الورثة؛ الوالدان والأقارب هم الذين يرثون الإنسان المتوفى؛ أي: الوارثون. الاحتمال الثاني: الوالدان، والأقربون هم المورثون، هم الذين ماتوا. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أي: التوارث بالحلف، والمؤاخاة؛ حيث كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، أو كان المهاجر يرث الأنصاري
следующие страницы →