Полный текст (5 934 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أو الحقوق؛ فالظلم، والاعتداء على المال يورث العداوة، والعداوة قد تؤدِّي إلى القتل.
ومن يفعل ذلك متعدِّياً، وظالماً؛ فسوف نصليه ناراً.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد، وفيها تهديد، وإنذار قوي أقوى من السين؛ كقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]؛ فقد جاء بسوف، ونسب الإصلاء إلى نفسه فقال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ في عقوبة قتل النفس عدواناً وظلماً، بينما جاء بالسين: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ في عقوبة أكل أموال اليتامى، ونسب الإصلاء إلى غيره (الملائكة).
﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾: ندخله ونحرقه بها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: الإدخال والإحراق هو هينٌ على الله سبحانه، وجاء بلفظ الجلالة سبحانه؛ لأنه كان يكفي أن يقول: وكان ذلك يسيراً. والمجيء بلفظ الجلالة؛ للدلالة على شدة الإنذار، والوعيد والعقوبة، وقدَّم كلمة الله للحصر، والقصر.
سورة النساء [٤: ٣١]
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والندرة.
﴿تَجْتَنِبُوا﴾: الاجتناب: هو الميل عن الشيء المحرم جانباً، ومعناه: تركه والابتعاد عنه.
والاجتناب: أشد، وأبلغ من النهي والتحريم، وتعني: إياكم أن تكونوا مع المنهي عنه في مكان واحد، مثل: اجتناب الخمر، لا يعني فقط شربها، بل إياك أن تكون في مكان تُشرب فيه الخمر.
стр. 877
﴿كَبَائِرَ﴾: جمع كبيرة، وقيل: الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، وزاد بعضهم إلى ذلك، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حد، أو وعيد، أو لعن، أو تبرُّؤ، أو ليس منا، أو نفي إيمان، غضب، أو تهديد، واختلفوا في عدد الكبائر، فمنهم من قال: سبع، ومنهم من قال: أكثر من سبع، ومنهم من قال: إنها السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات.
﴿مَا﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الذي.
﴿تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: أيْ: ما نهى عنه الله سبحانه ورسوله في الكتاب والسنة.
﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: نكِّفر: نستر، والكفر: وهو الستر؛ أيْ: نمحوها؛ أيْ: لا نعاقبكم عليها.
والسيئات، قيل: الصغائر، جمع سيئة؛ أيْ: تسوء إلى صاحبها.
وندخلكم مُدخلاً كريماً: المُدخل الكريم: هو الجنة، أو الصدق.
﴿كَرِيمًا﴾: طيباً شريفاً مباركاً.
سورة النساء [٤: ٣٢]
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾:
سبب نزول هذه الآية: ثلاثة أقوال: أحدها: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله: «يغزو الرجال، ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث» [رواه الحاكم والترمذي]، فنزلت هذه الآية.
стр. 878
الثاني: عن عكرمة: أن النساء قلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت هذه الآية.
والثالث: قال قتادة والسدي: لما نزلت آية ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾: قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا، كما فضلنا عليهنَّ في الميراث.
وقال النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا.
وقيل التمني: هو طلب الحصول على شيء أقرب ما يكون من المستحيل أو النادر ونهى الله عن مثل هذا التمني؛ كأن يتمنى الرجل مال غيره، أو تتمنى النساء أن يكنَّ رجالاً.
والتمني أنواع: أولاً: أن يتمنى الإنسان أن يحصل له مال غيره، ويزول عن الغير؛ فهذا هو الحسد.
ثانياً: أن يتمنى مثل ما لغيره، ولا يحب زوال المال عن الغير؛ فهذا هو الغبطة.
والحقيقة: أن الله يعلم ما يصلح العبد، وهو أعلم بمصالح عباده، فليرضَ كلٌّ بما قدَّر اللهُ له وقسم؛ فهو صادر عن حكمة وتدبر.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية.
﴿مَا﴾: ما: اسم موصول تعني الذي؛ أيْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾: الذي فضل الله به بعضكم على بعض.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: سواء أكان في الرزق، أو المال، أو
стр. 879
العافية، أو الجاه، أو الدِّين؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة، وتدبر، وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح العبد.
كمثال قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧].
وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢].
وفي ذلك نهي عن الحسد إلا في اثنتين، كما ورد في حديث البخاري: «لا حسد إلّا في اثنين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار».
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾:
﴿لِلرِّجَالِ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: حظ، النصيب: يكون في الشيء المحبوب، أو المكروه. نصيب من النعيم، أو العذاب، ويمكن أن يكون عادلاً، أو جائراً، بينما الحظ يكون إجمالاً في سياق الخير.
﴿مِمَّا﴾: أصلها: من + ما، من: ابتدائية.
﴿مِمَّا﴾: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿اكْتَسَبُوا﴾: تعني: الثواب والعقاب بحسب الطاعة والمعصية. وقيل: الميراث. واكتسبوا من الاكتساب على وزن افتعل، أي: اكتساب خالطه جهد ومشقة.
﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: نفس تفسير للرجال نصيب.
﴿وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: التمني: نهى الله سبحانه عنه، وأباح الله
стр. 880
سبحانه السؤال أو الطلب من فضله؛ الفضل: الزيادة عما يستحق العبد من كرمه وإحسانه، سواء في الرزق، أو العلم، أو الفقه في أمور الدِّين والجنة، والدرجات العلى.
واسألوا الله وحده، ولا تسألوا غيره، اسألوه ما تتمونه من النعم والأماني.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: إن للتوكيد كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٢٦).
سورة النساء [٤: ٣٣]
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾:
﴿وَلِكُلٍّ﴾: ولكل إنسان متوفى ورثه (موالٍ)، وموالٍ: جمع مولى، وهم الورثة، أو يقصد بها التركة (الميراث)، ويكون التقدير: لكل تركة (ميراث) مما ترك الوالدان والأقربون، ومما ترك الوالدان والأقربون: هنا نحن أمام احتمالين:
الاحتمال الأول: الوالدان والأقربون: هم الورثة؛ الوالدان والأقارب هم الذين يرثون الإنسان المتوفى؛ أي: الوارثون.
الاحتمال الثاني: الوالدان، والأقربون هم المورثون، هم الذين ماتوا.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾:
﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: أي: التوارث بالحلف، والمؤاخاة؛ حيث كان الرجل يحالف الرجل، فأيهما مات ورثه الآخر، أو كان المهاجر يرث الأنصاري
стр. 881
دون قرابة بينهما بعد أن آخى بينهم رسول الله ﷺ ، أو الرجل يورث تابعه الرجل، أو أبناء الذين يتبنونهم (التبني).
﴿فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: من الوصية إذا كانوا من الذين لا حق لهم في الميراث.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾: مطلقاً، رقيباً، لا يخفى عليه شيء، حفيظاً، فهو المطلع، والمحيط علمه بكل شيء من سرٍّ، ونجوى، وجهر، وما تخفي الصدور، وما تقوله الألسن، ويعلم كل عمل من قول، أو فعل، ويعلم ما يجري في كونه، وما يقوم به خلقه.
﴿شَهِيدًا﴾: صيغة مبالغة من شاهد على أعمالكم، ونواياكم في الميراث.
والشهيد يعلم كل الخفايا الباطنة، ويعلم ظواهر الأمور المختصة بما يشهد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ لمزيد من البيان في معنى الشهيد.
стр. 882
سورة النساء [٤: ٣٤]
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾:
﴿الرِّجَالُ﴾: ولم يقل: الأزواج؛ لأن الرجال تعني: الأزواج، وتعني الأب، والأخ؛ فالزوج قوَّام على زوجته، والأب قوَّام على بناته، والأخ قوَّام على أخواته، والنساء: تعني الزوجات، والبنات، والأمهات، والأخوات.
﴿قَوَّامُونَ﴾: مشتقة من القيام، وتعني: الرعاية، والحماية، والإصلاح.
والقوامة تحتاج إلى تعب، وجهد، وسعي، وهذه هي مهمة الرجل.
وقوَّام صيغة مبالغة للقيام؛ تعني: الكثرة، والتعب، فالقائم قد يؤدِّي مهمة لمرة واحدة، أو عدة مرات، أما القوّام؛ فتعني: الاستمرار، والديمومة على القيام، وليس القوامة كما يظنها البعض السيطرة، وكتم الأنفاس، والأفضلية، وهذه القوامة لها سببان، كما قال :
الأولى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
انتبه إلى قوله سبحانه: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
وهذا يعني: أن الرجل له أوجه تفضل تفوق المرأة في الكدح، والجهد، والتعب، وتحمل المشقة والطاقة، فهو المكلف بالسعي، وكسب الرزق، والمرأة لها أوجه تفضل تفوق الرجل في الرعاية، والحنان، والأمومة، والتربية.
стр. 883
هذا التفضيل عائد إلى المقومات الخلقية والجسدية، التي يختلف فيها بناء الرجل عن بناء المرأة.
والثاني: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: مثل: إعطاء المهر، والنفقة عليهنَّ، وعلى المسكن، والعيال. كل ذلك من واجبات الرجل للزوجة، والأب للبنت والأخت.
ثم بيَّن الله تعالى: فالصالحات قانتات، حفظ الله، فالصالحات: جمع صالحة، وهي المؤدِّية لحقوق الله ، وحقوق زوجها وغيره.
قانتات: من القنوت: الطاعة، طائعات لله وأزواجهنَّ؛ أيْ: قائمات بواجبهنَّ تجاه الله تعالى؛ أيْ: حقوق الله تعالى، وحقوق أزواجهنَّ.
﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾: حافظات لفروجهنَّ؛ أيْ: لغيب أزواجهنَّ؛ أيْ: صيانة أنفسهنَّ من الفاحشة، أو المنكر، وأموال أزواجهنَّ، وغيرها.
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: أيْ: بالمنهج الذي وضعه الله للحفظ، والالتزام به، ويشمل غض البصر، وعدم الخضوع بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾، وعدم التبرّج، والإسراف، والتبذير.
كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣٠ - ٣١].
﴿وَالَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾:
﴿وَالَّاتِى﴾: اسم موصول.
﴿تَخَافُونَ﴾: أيْ: لا زلتم في مرحلة الخوف، فلا تتركوا المسألة حتى يحدث النشوز، أو النشوز أمر متوقع.
﴿نُشُوزَهُنَّ﴾: يعني: التكبر على الزوج، والترفع عنه، وعدم طاعته، وعصيانه، والخروج متبرجة عارية مثلاً.
стр. 884
وأصل النشوز في اللغة: الارتفاع. النشز: المكان المرتفع.
واصطلاحاً: هو الخروج عن طاعة الزوج، وقد يحدث كذلك من الرجل هو الذي ينشز.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: من الوعظ: وهو التذكير بالخير، والنصيحة، والإرشاد برفق، وحكمة باللسان، والتحذير من عواقب الأمور، والموعظة تكون بالقول والفعل.
﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾: والهجر في المضجع؛ يعني: ترك الجماع، أو ترك الكلام، أو فقط هجر الفراش، أو استعمال كل ذلك معاً، والهجر يكون عند ظهور النشوز، ولا يعني ذلك ترك منزل الزوج، والذهاب إلى بيت أهلها.
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: هذه هي المرحلة الثالثة، ويعني الضرب غير المبرح الذي لا يؤدِّي إلى الإيذاء، والنفور، وزيادة العداوة، وتدخل الشرطة والأهل.
وبعض أهل العلم قالوا: الوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند تكرر النشوز والحاجة إليه.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾: وتركن النشوز؛ فإن: الفاء عاطفة. إن: الشرطية، وفيها معنى الاحتمال والشك، أو القلة بعكس لو قال: فإذا أطعتكم التي تعني: الكثرة والحتمية؛ لأنه سبحانه يعلم أحوال عباده.
﴿فَلَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط.
﴿تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: تبغوا: من البغي؛ عليهن: على تعني: العلو والمشقة؛ أي: بعد انتهاء النشوز، فلا تؤذيها وتتعالى عليها بأي طريقة، أو سبيل، والبغي: هو الظلم باستعمال القهر، والقوة، والتعسف.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾: إن: للتوكيد، كان: تشمل كل الأزمنة.
العلي: هو الأعلى، لا يعلوه أحد بصفاته، وذاته عن مشابهة خلقه، ولا
стр. 885
يحيط به وصف، علو الشأن، والقدر، والذات، والصفات، والمنزلة. اسم العلي ذكر في القرآن ثماني مرات: العلي العظيم، العلي الكبير، علي حكيم …
﴿كَبِيرًا﴾: العظيم الشأن، الجليل ذو الكبرياء في ذاته، وصفاته، وأفعاله. الكبير في عظمته، وكل شيء يصغر أمام عظمته، وأكبر وأعظم من خلقه، ومن كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه، وذكر اسمه الكبير خمس مرات في القرآن.
في هذه الآية تهديد من الله للرجل بعدم التعالي على الزوجة، والتكبّر، والرأفة، والرحمة بها، وليعلم أن الله أعلى منه، وأكبر منه إذا بغى واعتدى.
سورة النساء [٤: ٣٥]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
﴿خِفْتُمْ﴾: خفتم: من الخوف: وهو توقع الضرر المحتمل وقوعه؛ أي: إن علمتم أن الشقاق على وشك الحدوث، أو حدث الشقاق فعلاً، والشقاق؛ أي: الخلاف، وكأن كلاً منهما في شق وجانب بعد أن التحما بالزواج، وصارا شيئاً واحداً.
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾: تختار كل أسرة حكماً من أهل الزوج، وحكماً من أهل الزوجة، ويفوَّض إليهما الأمر؛ أمر الشقاق؛ للنظر فيه، والحكم، والمصالحة تنتقل إلى هذين الحكمين اللذين ليس في صدرهما أيُّ حكمٍ مسبق؛ فإذا صدر منهما حكمٌ يجب أن ينفَّذ ويطبَّق من كلا الزوجين، سواء بالإصلاح، أو الطلاق.
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: إن يريد الحكمان إصلاحاً بين الزوجين، يوفِّق الله بينهما؛ أيْ: بين الزوجين.
стр. 886
انتبه إلى كون الله سبحانه احتفظ لنفسه بالتوفيق، فهو له الحكم والأمر، والفعل، وليس للحكمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة؛ أيْ: كان، ولا يزال، وسيظل عليماً خبيراً.
﴿عَلِيمًا﴾: صيغة مبالغة من عالم: المحيط علمه بكل شيء، العليم بأحوال الزوجين، وما يحدث بينهما، وعليم بأحوال الحكام، وأفراد الأسرتين، وهو عليم بذوات الصدور، وما تخفي الأعين.
﴿خَبِيرًا﴾: وهو عليم ببواطن الأمور، ولا تخفى عليه خافية.
سورة النساء [٤: ٣٦]
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: والعبادة تشمل العبادات: العبادات الحسية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والعبادات القلبية: مثل الشكر، والذكر، والتفكر في خلق السموات والأرض وغيرها؛ التي هي أركان الإسلام من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج.
وتشمل العبادة كلَّ عمل يؤدِّي إلى الإصلاح، وكذلك التفكُّر في خلق السموات والأرض، والمعاملات، والتوحيد.
والعبادة: هي طاعة العابد للمعبود، والخضوع له، والاستسلام له، والإخلاص له في كل حال وزمان، وفيما شرع.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: من ولد، أو شريك، أو ولي، أو صنم، أو ند، أو مثيل.
стр. 887
والشرك الخفي: هو الرياء، ويشمل: توحيد الإلوهية، والربوبية، والصفات، والأسماء.
﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: أيْ: لا تشركوا بالله شيئاً، ولو كان مقدار ذرة من الشرك ﴿شَيْئًا﴾، الشيء: هو أقل القليل، و (شيئاً) نكرة تشمل كل شرك مهما كان نوعه وشكله.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أي: البر بهما من خدمة، والإنفاق عليهما، وطاعتهما، وتنفيذ أوامرهما بلين ورحمة، وخفض جناح، وأصل الجملة (وأحسنوا إحساناً بالوالدين)، والإحسان قد يتعدى بـ (إلى)؛ أي: أحسن إلى الوالدين أو بالباء وفي هذه الآية وغيرها من الآيات تعدى بالباء التي تفيد الإلصاق؛ أي: الدوام على الإحسان، والإحسان يجب أن يكون مباشراً لذاتهما خاصاً بهما وليس كالإحسان العام إلى الآخرين كما ورد في سورة القصص آية (٧٧) ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، ولكن كالإحسان الذي ورد على لسان يوسف ﵇ حين قال: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِى﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقرن الإحسان بالوالدين بعبادته سبحانه، وجعله كأنه ميثاقاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لمزيد من البيان في معنى الإحسان، ويوسع الله سبحانه دائرة الإحسان؛ لتشمل ثمانية أصناف أخرى هي:
﴿وَبِذِى الْقُرْبَى﴾: أي: الإحسان إلى ذي القربى إضافة الباء: للتوكيد، والاهتمام بالقربى.
وقيل: إضافة الباء، وقوله بذي القربى، ولم يقل: وذي القربى كما في الآية (٨٣) في سورة البقرة وبالوالدين إحساناً وذي القربى وبذي القربى تعني: الإحسان إلى أقرب الأقرباء؛ أيْ: ذريته؛ كالولد، والبنت، والأخ، والأخت، والعم، والعمة، والخال، والخالة …
стр. 888
﴿وَالْيَتَامَى﴾: أي: الإحسان إلى اليتامى جمع يتيم: وهو من فقد أباه ولم يبلغ الحلم، وذلك بالكفالة، والملاطفة، والتواضع معهم.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: والإحسان إلى المساكين جمع مسكين: وهو المحتاج الذي له مال لا يكفيه؛ بالعطاء، والقول المعروف، والإحسان إليه، والمسكين أحسن حالاً من الفقير.
﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى﴾: وكذلك الإحسان للجار القريب، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الجار البعيد؛ فإذا كان مشركاً؛ فله حق الجوار، وإن كان مسلماً فله حق الجوار، وحق الإسلام.
﴿الْجُنُبِ﴾: البعيد في النسب؛ أي: الذي لا قرابة بينه وبين جاره.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾: أي: المرافق، أو المرافقة، قالوا: هي الزوجة، أو رفيق السفر، أو التجارة، ويدخل في ذلك الخادم، وقد تعني: الصديق، أو كل أولئك.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: أيْ: ابن الطريق؛ أي: الغريب الذي انقطعت به الأسباب، ونسب إلى كونه ابن الطريق؛ لأنه ليس له أب، ولا أم، ولا قبيلة حين تنقطع به السبل في بلاد غريبة، وقيل: هو الضيف. وقيل: من لا مأوى له ويفترش الطرقات.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: مثل: الأسرى، والعبيد، والإماء، أو العمال، وفك أسرهم، أو السجناء المظلومين.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 889
﴿لَا﴾: النافية. ﴿يُحِبُّ﴾: من كان ﴿مُخْتَالًا﴾: الخال: هو الكبر، مختال: متكبر.
﴿فَخُورًا﴾: هو الذي يتفاخر على الناس، ويعدد محاسنه ومناقبه تعالياً، وسمعة على الناس؛ أي: المعجب بنفسه، أو ينكر ما كان عليه حاله قبل غناه مختال على أهله، وقومه، وعشيرته، وأهله.
﴿مَنْ كَانَ﴾: تعني: قليلون من يتصفون بذلك.
سورة النساء [٤: ٣٧]
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾:
بعد أن ذكر الإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والتصدق عليهم؛ يذم الله سبحانه في هذه الآية الذين يبخلون، أو يأمرون الناس بالبخل، فالبخيل: هو الذي يضيق صدراً بالإعطاء، ويجد فيه مشقة، وهو يبخل على نفسه أولاً قبل أن يبخل على الناس، والشح هو البخل مع الحرص.
وجاء بالفعل المضارع؛ ليدل على استمرار البخل فيهم، ولم يقل: الذين بخلوا.
﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: كأن يقولوا للآخرين: لا تنفقوا، نخشى عليكم الفقر، أو الدوائر، أو لا تنفقوا على من عند رسول الله؛ حتى ينفضوا عنه، أو يصدون الناس عن التبرعات بالصدقات بإثارة الشبهات والتحذير وغيرها من وسائل تثبيط عزائم الناس عن الإنفاق في سبيل الله وطرق الخير.
﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾: الكتمان: هو ستر النعمة، وجحود النعمة، فلا يتصدق، ولا تظهر عليه آثار نعم الله عليه في المأكل، والملبس، أو العطاء.
стр. 890
ما هو الفرق بين البخل، والشح؟
الشح: البخل مع الحرص، وهو أسوأ من البخل.
والبخل منع الحق: أيْ: لا يؤدِّي حقوق الله الواجبة.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾:
بما أن البخل هو ستر النعمة، أو الجحود بها، فالبخل قد يجعل صاحبه كافراً؛ أيْ: ساتراً لنعم الله عليه، وبدل من أن يقول: وأعتدنا للذين يبخلون عذاباً مهيناً، قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾: أي: الذين يسترون نعم الله، أو يجحدونها هم من الكافرين.
﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: أيْ: هيأنا، وأعددنا. وأعتدنا: حالة خاصة من أعددنا؛ أي: أعددنا عامة تشمل الكثير من طرق وسائل الإعداد، وأعتدنا تعني: طريقة أو وسيلة واحدة هي العذاب المهين.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿عَذَابًا مُّهِينًا﴾: العذاب المخزي الذي يتم بمرأى من الناس، ويحمل في طياته الذل والإهانة، بالإضافة إلى الألم، والديمومة، والخلد.
стр. 891
سورة النساء [٤: ٣٨]
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾:
بعد ذكر الذين يبخلون في الآية السابقة، يذكر بعدهم الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس؛ للمدح والسمعة، لا ابتغاء وجه الله، وينفقون المرات العديدة بتجدد وتكرار. وقيل: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر.
كما جاء في سورة التوبة، آية (٥٣ - ٥٤): ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.
﴿يُنْفِقُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد، وتكرار إنفاقهم؛ للمراءاة، والخُيلاء، وليس لوجه الله تعالى.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية.
﴿يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾: القرين: الملازم للإنسان، ولا يقال له الصاحب؛ لأن الصحبة تعني: انتفاع الصاحبين كل بالآخر، أما القرين فتطلق على صاحب السوء.
ولكل إنسان قرين: وهو عادة قرين سوء، وقرين جمعها: قرناء.
стр. 892
﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: ساء: من أفعال الذم؛ أيْ: بئس القرين، ساء قريناً؛ حيث حملهم على الرياء، أو البخل.
سورة النساء [٤: ٣٩]
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾:
﴿وَمَاذَا﴾: الواو: استئنافية، ما: اسم: استفهام إنكاري، وفيه توبيخ، وتعجب، وذم، وذا اسم موصول، أو ماذا كلمة واحدة استفهام.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: على المنافقين، أو الكافرين، والمرائين.
﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: لو: مصدرية، ومعناها: وأي ضرر، أو أذى يلحقهم لو آمنوا بالله؛ أيْ: صدقوا بالله، ورسوله حقيقة، وأخلصوا إيمانهم، وأنفقوا مما (من + ما) من بعض ما رزقهم الله، أو من (اسم موصول)؛ أيْ: من الذي رزقهم الله تعالى، فالله يصفهم بالجهل، والغفلة بما ينفعهم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾: بنياتهم، سواء كانت صالحة، أو فاسدة.
﴿عَلِيمًا﴾: بما يقولون، ويفعلون، وهذا تهديد لهم، إذا استمروا على ما هم عليه. ارجع إلى الآية (٣٥) من نفس السورة؛ كمزيد من البيان.
سورة النساء [٤: ٤٠]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿لَا﴾: النافية، نافية للجنس، وتنفي كل الأزمنة؛ أيْ: ما كان ظالماً في الماضي، والحاضر، أو المستقبل.
стр. 893
﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: الذرة: هي أصغر جزء من العنصر الكيميائي، وهي مركبة من الإلكترون، والبروتون، والنيوترون، والنيوترونات: تتكون بدورها من الكواركات التي تعد أصغر جزء من الذرة، فهناك ما هو أصغر من الذرة: (وهي الإلكترونات، والبروتونات، والنترونات).
وهناك ما هو أصغر من الذرة: وهي الكواركات (جمع الكوارك).
فالله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة (وهي أصغر جزء متعارف عليه).
والله سبحانه ذكر الذرة، وذكر ما هو أصغر من الذرة في سورة سبأ، آية (٢٢) قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
وقد وردت كلمة ذرة في ست آيات في القرآن.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية. ﴿تَكُ﴾: أصلها تكون (أي: وإن تكون الحسنة بمقدار ذرة، وحذفت الواو من تكون)؛ لالتقاء الساكنين، فأصبحت (تكن)، ثم حذفت النون؛ للتخفيف، فأصبحت تك. وتك: إذن كلمة أصغر من تكن. وجاء بكلمة تك؛ لتناسب حجم الذرة التي هي أصغر جزء من المادة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لبيان معنى الحسنة.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾: لم يُبيِّن الكم المضاعف، ولكن بيَّن ذلك في آيات أخرى، فقال في سورة الأنعام، آية (١٦٠): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
стр. 894
أَمْثَالِهَا﴾: أو أكثر من ذلك قد تصل إلى (٧٠٠) ضعف، أو أكثر؛ كقوله: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وانتبه إلى قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ أيْ: أضعافاً كثيرة، ولم يقل: يضعفها بالتشديد؛ لكانت تعني: ضعفين.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: أيْ: ثواباً عظيماً من فضله، وإحسانه.
﴿مِنْ لَّدُنْهُ﴾: من عنده، وتقديم من لدنه يدل على الحصر، ومن لدنه، ولم يقل: من عنده. من عنده: تدل على شيء عام، ومن لدنه تدل على إيتاء شيء خاص لنبي، أو عبد صالح، أو مُقرب إلى الله. والأجر يعطى مقابل، أو جزاء العمل.
وهناك ما هو أعظم من الأجر العظيم هو الفضل العظيم.
سورة النساء [٤: ٤١]
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: استئنافية، كيف: اسم استفهام تحمل معنى التعجب والحال، وتقديره فكيف تكون حالهم (حال الكافرين والعصاة) في يوم الحساب.
إذا: ظرف للزمن المستقبل، وتحمل معنى الحتمية، والكثرة لحدوث ذلك الأمر؛ أي: المجيء من كل أمة بشهيد.
﴿جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾: أيْ: برسولها الذي بلغ ما أرسل به؛ ليشهد على أمته أنه بلغهم الرسالة.
﴿مِنْ﴾: تعني الشمولية، أو الاستغراق؛ كل الأمم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾: وجئنا بك يا محمد على هؤلاء على أمة
стр. 895
محمد ﷺ شهيداً، على أقوالهم، وأفعالهم، شهادة حضور، ولم يقل: شاهداً، وإنما شهيد؛ صيغة مبالغة، وأبلغ من الشاهد.
انتبه إلى تقديم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ على ﴿شَهِيدًا﴾، بينما في سورة النحل، آية (٨٩) قال سبحانه فيها: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾.
والسبب في تقديم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ في آية النساء؛ ليدل على مدى كفر هؤلاء وإجرامهم، بينما في سورة النحل، آية (٨٩) قدَّم ﴿شَهِيدًا﴾ على ﴿هَؤُلَاءِ﴾: لبيان عظمة النبي ﷺ ، ومكانته، وشفاعته يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ لبيان معنى الشهيد.
سورة النساء [٤: ٤٢]
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يومئذٍ: أصلها: يوم + إذ: ظرف أضيف إلى ظرف، إذ: هنا للاستقبال؛ إشارة إلى يوم القيامة يوم الحساب يوم يؤتى من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، في ذلك اليوم يودُّ (يتمنَّى) الذين كفروا، وعصوا الرسول ﷺ في الدنيا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لمعرفة معنى الكفر.
﴿لَوْ﴾: حرف مصدري؛ للتمني، أو حرف امتناع لامتناع، وجوابه محذوف؛ أيْ: تصوره كما تشاء.
﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: تسوى أصلها تتسوى بهم الأرض، أدغمت التاء في السين؛ لقرب مخارجهما؛ أيْ: ودوا لو كانوا هم والأرض سواء؛ أيْ: ودوا لو
стр. 896
جعلوا تراباً؛ فهم لا يتمنون الموت، بل أشد من ذلك تسوى بهم الأرض مما يدل على شعورهم النفسي باليأس والحزن والخزي.
وهذا ما أشارت إليه الآية (٤٠) من سورة النبأ.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنْتُ تُرَابًا﴾.
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
الواو: عاطفة، ﴿وَلَا﴾: النافية. ﴿يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾: يكتمون من الكتمان: وهو السكوت عن ذكر شيء كأنه على وشك الخروج من الفم، فيحاول لجمه، وعدم الإخبار به، والكتمان يختصُّ بالمعاني والأسرار، أما الإخفاء فيهتمُّ بالأشياء المادية، فهم لا يستطيعون أن يكتموا، أو يخفوا؛ أيْ: حديث من الله، أو قولاً مما قالوه، أو أخفوه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم يوم القيامة بعد أن يختم على أفواههم، أو يودون أن لا يطلب منهم أن يتفَّوهوا بأي حديث، ويبقوا صامتين على الإطلاق.
﴿حَدِيثًا﴾: نكرة؛ تعني: أيَّ حديثٍ، أو قول مهما كان نوعه وزمنه: تشمل كل أنواع الحديث.
سورة النساء [٤: ٤٣]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:
نداء جديد من الله سبحانه إلى الذين آمنوا بعدم الاقتراب من الصلاة، أو
стр. 897
المجيء إلى الصلاة، أو الإتيان إلى المساجد، وهم في حالة السكر، سكارى: جمع سكران، والسكران مَنْ شرب مسكراً فستر عقله وغطَّاه، ونزلت هذه الآية في مرحلة من مراحل التدرج في تحريم الخمر. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٩١)؛ للبيان.
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿تَقْرَبُوا﴾: أيْ: لا تأتوا الصلاة، وأنتم سكارى، عبر عن الصلاة كأنها مكان يقصد إليه، ولم يقل لا تصلوا للإشارة إلى الابتعاد عن المسجد ناهيكم عن عدم جواز صلاتكم، أو لا تدخلوا في الصلاة.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية، تعلموا ما تقولون، فلا تخطئوا في الترتيل.
﴿مَا﴾: إما اسم موصول؛ أيْ: حتى تعلموا الذي تقولون. أو: مصدرية؛ أيْ: تعلموا ما قلتم.
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: الناهية.
﴿جُنُبًا﴾: معطوفة على جملة حتى تعلموا؛ أيْ: لا تصلوا، وأنتم جنب، أو لا تأتوا إلى الصلاة، وأنتم جنب، وكلمة جُنب لا تُثنى، ولا تؤنث، ولا تجمع؛ فيقال: هو جنب، وهي جُنب، وهم جنب، وهنَّ جنب.
والجنب: من به جنابة، وللجنابة سببان: الجماع، أو الاحتلام.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، أو حصر ﴿عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾: ولا تقربوا الصلاة، أو مكان الصلاة، وهو المسجد، أو المساجد، وأنتم جنب.
стр. 898
إلا عابري سبيل؛ أيْ: مجتازين غير قاعدين في المسجد؛ أيْ: غير ماكثين فيه.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية (نهاية الغاية).
﴿تَغْتَسِلُوا﴾: من الجنابة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال، أو ندرة الحدوث.
﴿مَّرْضَى﴾: غير قادرين على الحركة، أو الوصول إلى الماء، أو لا تستطيعون استعمال الماء بسبب الجروح.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: ولم تجدوا الماء لبعده.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾: الحدث الأصغر.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: كناية عن الجماع، كما قال ابن عباس، أو قيل: ملامسة فيها شهوة مثل التقبيل، عليكم بالوضوء أو التيمم لعدم وجود الماء.
﴿فَلَمْ﴾: الفاء: للتأكيد، لم نافية تنفي المضارع. ﴿تَجِدُوا﴾: ماءً للغسل، أو الوضوء.
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: أيْ: امسحوا وجوهكم وأيديكم بالصعيد (وجه الأرض أيْ: تراب) ارجع إلى كتب الفقه لمعرفة آراء الفقهاء في التيمم. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٦) لمعرفة الحكمة من التيمم بالتراب، كما ورد في الإعجاز العلمي.
стр. 899
﴿طَيِّبًا﴾: طاهراً، فالماء والتراب يجعل المرء صالحاً لاستقبال ربه، والطهارة تصلح بالماء والتراب.
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾: ولم يقل: منه، كما في المائدة، آية (٦) وهي قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ حيث أضاف منه وحذفها في آية النساء؛ لأن آية المائدة آية عامة تشمل الوضوء والتيمم، وتشمل ذوي الأعذار والجنب وغيرهم، أما آية النساء جاءت في سياق ذوي الأعذار فقط، وشاربي الخمر، وجاءت في سياق مرحلة من مراحل تحريم الخمر؛ ارجع إلى المائدة؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة، الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أيْ: بأن الله كان، ولا يزال، وسيظل عفواً غفوراً.
﴿عَفُوًّا﴾: يعفو عن الخطائين الذين شربوا الخمر قبل العلم بهذا الحكم، وعن الذين خالفوا إذا تابوا إليه، وأنابوا إليه بعد التبليغ.
﴿غَفُورًا﴾: ويغفر ذنوبهم غفوراً (صيغة مبالغة) يغفر لهم ذنوبهم مهما كثرت، أو عظمت. ارجع إلى سورة المائدة؛ آية (٩١)؛ لبيان كيف تدرج، تحريم الخمر على أربع مراحل.
стр. 900
سورة النساء [٤: ٤٤]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة همزة استفهام، وإنكار، وتعجب، ألم تر: الرؤية هنا رؤية قلبية؛ أيْ: ألم ينته علمك إليهم، أو يصل خبرهم، أو قصتهم، أو العلم بهم، أو ألم تنظر إليهم.
﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: الذين أوتوا: من الإيتاء: وهو أعم من العطاء، والإيتاء يشمل الأشياء المادية والمعنوية، ويمكن استرداده، وليس فيه تملك بعكس العطاء الذي فيه تملك؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للبيان المفصل والفرق بين الإيتاء والعطاء.
﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: ولم يقل: آتيناهم الكتاب، أو أهل الكتاب التي فيها معنى المدح، أما الذين أوتوا نصيباً من الكتاب تدل على الذم؛ أيْ: حظاً، قسطاً من الكتاب، وهو التوراة، أو علم بنبوة محمد ﷺ ، أو تعني التعجب والتوبيخ على قلة علمهم، أو علمهم المحدود، أو تعني قلة تأثير التوراة في أنفسهم والعمل به.
وهم جماعة من اليهود أعطوا حظاً من القراءة، فعرفوا صحة الدِّين الإسلامي وصدق النبي ﷺ . ارجع إلى الآية، (٣٢) من نفس السورة لمزيد في معنى نصيباً من الكتاب.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: يشترون الضلالة بالهدى: وهي البقاء على اليهودية بعد وضوح الحُجَّة على نبوة محمد ﷺ .
стр. 901
ـ أو تعني: جحدوا بصفات محمد ﷺ ، ونعوته في التوراة؛ للإبقاء على مركزهم بين قومهم ورياستهم.
ـ أو أعطوا رشاوى، وأموالاً كي يكذبوا بمحمد، وما جاءت به كتبهم بالإيمان به.
ـ كذبوا بالنبي ﷺ بعد ظهوره بإيمانهم به قبل ظهوره:
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: يريدون منكم أن تكفروا بما أنزل إليكم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: أي: الصراط المستقيم، وهو الإسلام.
والضلال: يعني: الابتعاد، وعدم الاهتداء، كما ضلوا عنه أنفسهم، فآمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، وحرفوا كتابهم، واشتروا به ثمناً قليلاً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾: أن: حرف مصدري يفيد التوكيد.
وقوله: ﴿يَشْتَرُونَ﴾: أو يريدون أفعال جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل: اشتروا، أو أرادوا، وانتهى الأمر، بل جاء بصيغة المضارع؛ للدلالة على التكرار، والتجدد، والاستمرار في أفعالهم هذه التي هي ناجمة عن حسدهم لكم من بعد ما تبيَّن لهم الحق، أو تدل على بشاعة أفعالهم؛ كأنها تحدث الآن (بصيغة المضارع)، وهذا ما يسمَّى حكاية الحال.
стр. 902
سورة النساء [٤: ٤٥]
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾:
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾: أي: الله أعلم منكم بأعدائكم، فهو العليم الخبير عالم الغيب، وها هو يخبركم بعداوة هؤلاء لكم، ويطلعكم على أحوالهم؛ فاحذروهم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾: ولم يقل: عدوكم؛ لأن الأعداء عدة أعداء، وليس عدواً واحداً، أو لأن أسباب عداوتهم لكم أسباب عدة، ومختلفة، فلو كان عدوكم واحداً، أو أسباب العداء واحدة لقال: عدوكم، بدلاً من أعدائكم.
﴿وَكَفَى﴾: أيْ: يكفيك وحسبك.
﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿وَلِيًّا﴾: الولي هو الذي يليك من الأقارب، ويرعاك ويُعينك، ويُكِنُّ لك المحبة، والمودة.
﴿نَصِيرًا﴾: النصير هو القادر على نصرتك بقوته وعدته.
وتكرار: ﴿وَكَفَى﴾: مرتين: للتوكيد، وللتفريق بين الولاية والنصرة؛ فقد يكون هناك من يواليك، وليس له القدرة على نصرتك، أو بالعكس ينصرك، ولا يواليك، ولذلك فرق بين الأمرين، أو كليهما معاً.
стр. 903
سورة النساء [٤: ٤٦]
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
هذه الآية: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: إما متصلة بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾: من الذين هادوا، وإما ابتدائية من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه:
﴿مِنَ﴾: وليس كل الذين هادوا، ومن: للعاقل، وقد تكون للمفرد، والجمع.
﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾: ارجع إلى الآية (٦٢) من سورة البقرة.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: الكلم: هو كلام الله تعالى للذكور فقط في التوراة. جمع: كلمة، وهو جمع كثرة مقارنة بكلمات الله كما في الآية (١٠٩) من سورة الكهف: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، وكلمات: جمع قلة، والعلم: جمع كثرة، فالبحر ينفد، وكلمات الله لا تنفد، فما بالك بالكلم؟!
﴿يُحَرِّفُونَ﴾: التحريف: الميل بالكلام عن معناه الحقيقي إلى معناه الباطل للتضليل، أو يبدلونه بكلام آخر، أو يضعون هذا مكان هذا، أو يعدلون عن النطق به والعمل به؛ بحمل الألفاظ على غير ما وصفت له مثل حطة؛ حنطة من أجل السخرية والاستهزاء، ولا بد من مقارنة هذه الآية مع الآية (٤١) في سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ نجد التحريف الأول كان بعد موت موسى قام به اليهود الأوائل (يحرفون الكلم عن مواضعه)، وحدث تحريف ثانٍ في زمن الرسول ﷺ حين علموا به كرسول فقال تعالى:
стр. 904
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ من: تدل على القرب؛ أي: حرفوه مباشرة بعد سماعهم برسول الله ﷺ ؛ (بعد): تدل على الزمن بين التحريف الأول، والتحريف الثاني.
﴿عَنْ﴾: تفيد المجاوزة.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: يقولون بأفواههم وألسنتهم سمعنا، أو قولاً مسموعاً، سماع الأذان، وعصينا، وفي أنفسهم نية العصيان، أو يضمرون العصيان.
﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: اسمع لا سمعت، أو لا أسمعك الله.
﴿وَرَاعِنَا﴾: وهي كلمة ظاهرها المراعاة، وباطنها الطعن في رسول الله ﷺ ؛ إذ اليهود يعدونها من الرعونة، يقولونها لرسول الله سباً وشتماً، والرعونة تعني: الشر، والطيش، والحمق، وأصلها: أرقبنا وانتظرنا.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ﴾: لياً: فتلاً، وتحريفاً؛ كأن يقول: السأم عليكم بدلاً من السلام عليكم، وطعناً في الدِّين: ذمّاً بالإسلام، وتعني: الشتم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع.
﴿أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك. واسمع: ما نقول.
﴿وَانظُرْنَا﴾: بدلاً من قولهم راعنا، أو تمهل علينا حتى نفهم ما تقول، أو انتظرنا.
стр. 905
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: لكان أكثر أدباً وأصوب، لكان خيراً لهم مما قالوه، وأقوم، وأعدل.
﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾:
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك.
واللعن: هو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ بسبب كفرهم. الباء: باء السببية، أو البدلية.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد. لا: النافية.
﴿يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: أيْ: لا يؤمن منهم إلا القليل؛ أي: العدد القليل، أو أكثرهم يؤمنون الإيمان الناقص.
سورة النساء [٤: ٤٧]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا﴾: نداء استعمل فيها يا النداء؛ للبعد. والهاء: للتنبيه.
﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: المقصود بهم اليهود هنا، وأوتوا الكتاب عادة هم اليهود والنصارى، وناداهم بالذين أوتوا الكتاب للترغيب أو إثارة اهتمامهم أو همهم، ولم ينادهم بأهل الكتاب؛ لأن النداء بأهل الكتاب فيه تكريم أكثر من الذين أوتوا الكتاب، فهم لا يستحقون النداء بأهل الكتاب، وفيه تهديد وذم أيضاً لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾:
﴿آمِنُوا﴾: أيْ: صدقوا.
стр. 906
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ تعني: الذي.
﴿نَزَّلْنَا﴾: وهو القرآن، نزلنا: تعني: منجماً على دفعات على زمن (٢٣) عاماً، ولم يقل: أنزلنا؛ التي تعني: جملة واحدة؛ أيْ: دفعة واحدة.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: أي: القرآن مصدقاً للتوراة الذي أنزل عليكم، أو للتوراة والإنجيل.
﴿مُصَدِّقًا﴾: أيْ: موافقاً ومطابقاً. ﴿قَبْلِ أَنْ نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾: الطمس قد يعني: المحو التام، أو التحويل والتشويه.
﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: لها معانٍ عدة؛ منها: نزيل العين والأنف، وحجاب العين، وهذا مسخ للوجه، أو نذهب الحدقة العينية، أو نغلق الأفواه، أو نجعل الوجه في الخلف بدلاً من الأمام، أو نطمس عليها ونردها؛ تعني: نصرفها عن الهدى بعدما تبيَّن لها؛ أيْ: نردها على أدبارها في الضلال، كما كانت سابقاً. ارجع إلى سورة ياسين آية (٦٦)؛ لمزيد من البيان.
﴿فَنَرُدَّهَا﴾: الفاء: في فنردها تفيد التعقيب والمباشرة؛ أيْ: بعد الطمس نقوم بالرد على الأدبار.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾:
﴿أَوْ﴾: للتخيير، ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾: من اللعن، واللعن لغة: هو الطرد والإبعاد، ورجل لعين: منبوذ مطرود من قومه، واللعن قد يعني: الإهلاك، أو المسخ، ويعني: عامة الطرد، والإبعاد عن رحمة الله تعالى، أو نمسخهم قردة وخنازير، أو
стр. 907
نهلكم كما فعلنا بأصحاب السبت. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٦٣ - ١٦٦)؛ لمزيد من البيان في أصحاب السبت.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾: نافذ لا محالة، ولا راد لحكمه. انظر كيف تغيرت صيغة الكلام من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب حين قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ بدلاً: وكان أمرنا مفعولاً؛ التغيير يحدث لإثارة التفات السامع، ويدل على الوحدانية بعد ذكر الآيات السابقة التي تدل على الجمع والتعظيم.
والله سبحانه يملك الزمن، والقدرة على الفعل والفاعل، وكل مقومات الحدث بكلمة: كن فيكون.
سورة النساء [٤: ٤٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾:
سبب النزول: قيل: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: والشرك بالله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، ثم أعاد الرجل سؤاله مرتين، أو ثلاثة، فنزلت هذه الآية، كما أخرج ابن المنذر.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: تفيد التوكيد بأن الله لا يغفر الشرك.
﴿لَا﴾: النافية؛ تنفي كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، وأوسع في النفي من (لن). لا: تفيد الإطلاق والعموم في النفي.
﴿يَغْفِرُ﴾: المغفرة: هو ستر الذنب؛ أيْ: محوه.
﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾: أن: حرف مصدري. الشرك: هو الشرك في الألوهية:
стр. 908
يشركون معه غيره في العبادة، أو الربوبية، يشركون بأنه هو النافع الضار، والمعطي المانع، وأنه هو الخالق وحده، أو الصفات والأسماء بالتشبيه والتعطيل، والتحريف والتكييف؛ أيْ: لا يغفر لمن أشرك وكفر ومات على كفره وشركه، ولم يتب منه، وأما من مات وهو غير كافر، أو مشرك فأمره إلى الله؛ إما يغفر له، وإما أن يعذبه.
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ: ما دون الشرك، والكفر من سائر الذنوب.
﴿ذَلِكَ﴾: تشير إلى الشرك، والكفر.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿وَمَنْ﴾: استغراقية: يشاء من عباده.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. من: شرطية.
﴿يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته.
﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق: الأوثان، والأصنام، والجبت، والطاغوت، وعيسى وعزير.
﴿فَقَدِ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿افْتَرَى﴾: الافتراء: هو اختلاق الكذب المتعمد، وللكذاب أنواع؛ منها: الافتراء، والإفك، والبهتان، والظن، والخرص …
стр. 909
﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾: ذنباً عظيماً قبيحاً يُعد من الكبائر (والإثم قد يعني الصغائر والكبائر).
لنقارن هذه الآية (٤٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، مع الآية (١١٦) في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:
الآية (٤٨): جاءت في سياق الذين أوتوا الكتاب، الذين أشركوا بالله، وحرفوا الكتاب، وافتروا على الله الكذب، فهؤلاء عندهم علم، ورفضوا اتباع الحق، فقد افتروا إثماً عظيماً.
بينما الآية (١١٦): جاءت في سياق كفار قريش الغافلين الضالين، فهؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً عن اتباع الحق.
فهؤلاء إثمهم أقل من الذين افتروا إثماً عظيماً.
سورة النساء [٤: ٤٩]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري وتعجب، سؤال فيه إعلام.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: رؤية قلبية؛ تعني: ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم، أو ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين يزكون أنفسهم.
﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: قيل: رجال من اليهود. وقيل: اليهود، والنصارى الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
стр. 910
أو الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، أو: تعود على كل من يزكي نفسه؛ فيدخل في زمرة هؤلاء.
﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: من التزكية، وهي تبرئة النفس من الذنوب، والآثام، والعيوب، وادعاء الفضيلة، والصلاح، والطهارة من المعاصي.
﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ﴾: بل إضراب إبطالي، إضراب عن تزكيتهم أنفسهم بأنه باطل.
﴿اللَّهُ يُزَكِّى مَنْ يَشَاءُ﴾: الله سبحانه وحده من يُطهر ويبرئ من الذنوب تزكية ناشئة عن علم ودراية، ومن الحمق أن يزكي الإنسان نفسه، فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: الفتيل: هنا يقصد به الخيط في شق نواة التمرة.
وأما النقرة: فهي في ظهر النواة. وأما القطمير: فهي القشرة تلف النواة. إذن ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: النافية.
﴿يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: ولن ينقص من أجورهم مقدار الفتيل (الخيط في شق نواة الثمرة)؛ أيْ: أقل القليل.
سورة النساء [٤: ٥٠]
﴿انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾:
﴿انظُرْ﴾: يا محمد ﷺ ، وكل خطاب إلى الرسول ﷺ هو خطاب لأمته. انظر كيف، ولم يقل: اسمع؛ جعل الله سبحانه الافتراء والكذب الذي تسمعه الأذن كأنه أمر مرئي يراه الناس بأعينهم؛ للدلالة والتوكيد على ما سمعتهم أذانهم من الكذب والافتراء.
стр. 911
﴿كَيْفَ﴾: استفهام للتعجب، والاستنكار.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق الذي لا أصل له.
﴿الْكَذِبَ﴾: جاء معرف بأل التعريف، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
أو: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
أو: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤].
أو: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾: وكفى بالكذب والافتراء والتزكية إثماً، ذنباً ظاهراً من بين سائر آثامهم، مبيناً: أيْ: إثماً ظاهراً لكل إنسان، وإثماً: مظهر لنفسه لا يحتاج إلى أحد ليظهره.
سورة النساء [٤: ٥١]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٩)؛ للبيان لمعرفة ألم تر.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى الذي أعطوا نصيباً من الكتاب (وصف فيه معنى الذم)؛ أي: الذين لم يأخذوا بكل الكتاب (التوراة، أو الإنجيل)؛ لأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به، أو حرفوه، أو كتموه. والنصيب يعني: قسماً مُعيَّناً قد يكون في الخير أو الشر.
أو: لم يؤمنوا بكل الكتاب (نؤمن ببعض ونكفر ببعض).
стр. 912
أو: ليس عندهم العلم الكامل بالتوراة، والإنجيل.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾: الجبت: الأصنام. وقيل: السحر.
﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٦) للبيان المفصل في معنى الطاغوت.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: أيْ: أحبار اليهود ورؤساؤهم الذين كفروا من مشركي قريش أمثال أبي سفيان وأصحابه؛ أيْ: يقول اليهود للذين كفروا (من قريش) هؤلاء: أبو سفيان وأصحابه أهدى من الذين آمنوا (أتباع محمد ﷺ .
﴿سَبِيلًا﴾: أرشد، وأهدى في الدِّين من المسلمين. سبيلاً: السبيل: الطريق المستقيم الواسع الموصل إلى الغاية.
стр. 913
سورة النساء [٤: ٥٢]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد. وتشير إلى كل من اليهود ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، ومشركي مكة، والكفار عامة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذم.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أيْ: طردهم وأبعدهم من رحمته، ومنعهم من الخير، وتعني الهلاك أيضاً. ارجع إلى الآية (٤٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة؛ من: شرطية للعاقل، وقد تعني: المفرد والمثنى والجمع.
﴿يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد (جواب الشرط). لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد؛ أيْ: لن تجد له نصيراً في المستقبل القريب، أو البعيد؛ أيْ: في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة البقرة الآيات (١٥٩ - ١٦٢) لمقارنة آيات اللعن وأنواعه.
﴿تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾: من ينصره من عذاب الله، أو يمنع عنه العذاب، فقد جاء هؤلاء الذين لعنهم الله (اليهود) ليتآمروا مع قريش على رسول الله ﷺ .
سورة النساء [٤: ٥٣]
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾:
﴿أَمْ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام، والإنكار، والنفي، والإنكار: أيْ: رغم أن لهم نصيب من الملك، ورغم كونهم أصحاب أموال
стр. 914
وبساتين وقصور مشيدة، ومع ذلك لا يؤتون الناس نقيراً؛ أيْ: بخلاء، فهم لا ينتفعون بملكهم، ومالهم؛ لكونهم لا يتصدقون، أو يزكون أموالهم.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: للاختصاص، أو الاستحقاق.
إذن: حرف جواب، ولو كان لهم الملك لا يؤتون؛ أيْ: لا يعطون أحداً مقدار النقير؛ لفرط بخلهم، وشحهم. انظر إلى الآية (٤٩) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النقير.
سورة النساء [٤: ٥٤]
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجب.
وقيل: ﴿أَمْ﴾: تعني: بل؛ أيْ: بل يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: من الحسد: هو تمني زوال النعمة عن أحدٍ ما، والحصول عليها.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: أي: النبي ﷺ ، ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: مثل النبوَّة، والعلم، والكرامة في الدِّين والدنيا.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ﴾: التوراة، والإنجيل، والزبور، كل هذه الكتب كانت لآل إبراهيم.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي: النبوَّة، أو الفقه في الأحكام، والدِّين.
﴿وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾: مثل ملك سليمان، وداود، ويوسف.
стр. 915
فلماذا الحسد؟ أو هم يظنون أن فضل الله سبحانه ورحمته يجب أن يكون مقصوراً عليهم فقط؟
سورة النساء [٤: ٥٥]
﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾:
﴿فَمِنْهُم﴾: الفاء عاطفة. منهم: قد تعود لليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، أو لآل إبراهيم.
﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾: تعود إلى إبراهيم، أو إلى النبي ﷺ ، أو كليهما، أو: به تعود إلى الكتاب، أو الكل معاً.
﴿وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾: صد عنه: تركه وابتعد عنه، أو صرف غيره عنه، أو منعه، وتعني: كفر به، وأعرض عنه (عن النبي، أو إبراهيم، أو الكتاب)، أو الكل، وقدم الإيمان على الكفر (الصد)؛ لأن السياق في إبراهيم ﵇ ومن آمن به.
الصد: هو المنع مع القصد، والنية؛ أي: الإعراض الشديد بقصد وتعمد.
﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾:
﴿وَكَفَى﴾: أيْ: يكفي، وحسبهم جهنم.
﴿بِجَهَنَّمَ﴾: الباء للإلصاق والتوكيد. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿سَعِيرًا﴾: نار مستعرة مشتعلة.
سورة النساء [٤: ٥٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: جحدوا، ولم يؤمنوا بآياتنا (الآيات تشمل الآيات
следующие страницы →