Полный текст (5 934 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
﴿كَيْفَ﴾: استفهام للتعجب، والاستنكار.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق الذي لا أصل له.
﴿الْكَذِبَ﴾: جاء معرف بأل التعريف، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
أو: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
أو: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤].
أو: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾: وكفى بالكذب والافتراء والتزكية إثماً، ذنباً ظاهراً من بين سائر آثامهم، مبيناً: أيْ: إثماً ظاهراً لكل إنسان، وإثماً: مظهر لنفسه لا يحتاج إلى أحد ليظهره.
سورة النساء [٤: ٥١]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٩)؛ للبيان لمعرفة ألم تر.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى الذي أعطوا نصيباً من الكتاب (وصف فيه معنى الذم)؛ أي: الذين لم يأخذوا بكل الكتاب (التوراة، أو الإنجيل)؛ لأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به، أو حرفوه، أو كتموه. والنصيب يعني: قسماً مُعيَّناً قد يكون في الخير أو الشر.
أو: لم يؤمنوا بكل الكتاب (نؤمن ببعض ونكفر ببعض).
стр. 912
أو: ليس عندهم العلم الكامل بالتوراة، والإنجيل.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾: الجبت: الأصنام. وقيل: السحر.
﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٦) للبيان المفصل في معنى الطاغوت.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: أيْ: أحبار اليهود ورؤساؤهم الذين كفروا من مشركي قريش أمثال أبي سفيان وأصحابه؛ أيْ: يقول اليهود للذين كفروا (من قريش) هؤلاء: أبو سفيان وأصحابه أهدى من الذين آمنوا (أتباع محمد ﷺ .
﴿سَبِيلًا﴾: أرشد، وأهدى في الدِّين من المسلمين. سبيلاً: السبيل: الطريق المستقيم الواسع الموصل إلى الغاية.
стр. 913
سورة النساء [٤: ٥٢]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد. وتشير إلى كل من اليهود ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، ومشركي مكة، والكفار عامة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذم.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أيْ: طردهم وأبعدهم من رحمته، ومنعهم من الخير، وتعني الهلاك أيضاً. ارجع إلى الآية (٤٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة؛ من: شرطية للعاقل، وقد تعني: المفرد والمثنى والجمع.
﴿يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد (جواب الشرط). لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد؛ أيْ: لن تجد له نصيراً في المستقبل القريب، أو البعيد؛ أيْ: في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة البقرة الآيات (١٥٩ - ١٦٢) لمقارنة آيات اللعن وأنواعه.
﴿تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾: من ينصره من عذاب الله، أو يمنع عنه العذاب، فقد جاء هؤلاء الذين لعنهم الله (اليهود) ليتآمروا مع قريش على رسول الله ﷺ .
سورة النساء [٤: ٥٣]
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾:
﴿أَمْ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام، والإنكار، والنفي، والإنكار: أيْ: رغم أن لهم نصيب من الملك، ورغم كونهم أصحاب أموال
стр. 914
وبساتين وقصور مشيدة، ومع ذلك لا يؤتون الناس نقيراً؛ أيْ: بخلاء، فهم لا ينتفعون بملكهم، ومالهم؛ لكونهم لا يتصدقون، أو يزكون أموالهم.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: للاختصاص، أو الاستحقاق.
إذن: حرف جواب، ولو كان لهم الملك لا يؤتون؛ أيْ: لا يعطون أحداً مقدار النقير؛ لفرط بخلهم، وشحهم. انظر إلى الآية (٤٩) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النقير.
سورة النساء [٤: ٥٤]
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجب.
وقيل: ﴿أَمْ﴾: تعني: بل؛ أيْ: بل يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: من الحسد: هو تمني زوال النعمة عن أحدٍ ما، والحصول عليها.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: أي: النبي ﷺ ، ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: مثل النبوَّة، والعلم، والكرامة في الدِّين والدنيا.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ﴾: التوراة، والإنجيل، والزبور، كل هذه الكتب كانت لآل إبراهيم.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: أي: النبوَّة، أو الفقه في الأحكام، والدِّين.
﴿وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾: مثل ملك سليمان، وداود، ويوسف.
стр. 915
فلماذا الحسد؟ أو هم يظنون أن فضل الله سبحانه ورحمته يجب أن يكون مقصوراً عليهم فقط؟
سورة النساء [٤: ٥٥]
﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾:
﴿فَمِنْهُم﴾: الفاء عاطفة. منهم: قد تعود لليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، أو لآل إبراهيم.
﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾: تعود إلى إبراهيم، أو إلى النبي ﷺ ، أو كليهما، أو: به تعود إلى الكتاب، أو الكل معاً.
﴿وَمِنْهُم مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾: صد عنه: تركه وابتعد عنه، أو صرف غيره عنه، أو منعه، وتعني: كفر به، وأعرض عنه (عن النبي، أو إبراهيم، أو الكتاب)، أو الكل، وقدم الإيمان على الكفر (الصد)؛ لأن السياق في إبراهيم ﵇ ومن آمن به.
الصد: هو المنع مع القصد، والنية؛ أي: الإعراض الشديد بقصد وتعمد.
﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾:
﴿وَكَفَى﴾: أيْ: يكفي، وحسبهم جهنم.
﴿بِجَهَنَّمَ﴾: الباء للإلصاق والتوكيد. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿سَعِيرًا﴾: نار مستعرة مشتعلة.
سورة النساء [٤: ٥٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: جحدوا، ولم يؤمنوا بآياتنا (الآيات تشمل الآيات
стр. 916
القرآنية، أو ما جاء في الكتب المنزلة)، وكذلك الآيات الكونية، والمعجزات. وقوله سبحانه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: تدل على شرف هذه الآيات؛ حيث أضافها إليه سبحانه.
﴿سَوْفَ﴾: للاستقبال البعيد؛ (أيْ: فيها تراخٍ زمني)، وفيها معنى التوكيد.
﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: نصليهم: ندخلهم ناراً، ونحرقهم بها؛ مما يؤدي إلى حرق جلودهم؛ كلما: بدلاً من إذا؛ لأن كلما: تدل على التكرار والتجدد، وإذا: تدل على الحتمية بدون التكرار. تحرق جلودهم حتى تصل إلى الدرجة الثالثة؛ أي: تصبح متفحمة نبدلها بجلود جديدة حية فيها الأعصاب التي تؤدي إلى الشعور بالألم.
ولقد تبيَّن من الأبحاث العلمية: أن الألم الناتج عن الحروق هو نتيجة إصابة نهايات الأعصاب التي تحمل الإحساس بالألم، والتي تمتد إلى طبقات الجلد السطحية، وأن الحروق التي تمتد إلى الطبقات العميقة من الجلد لا تسبب أيَّ ألمٍ؛ لأنها لا تحتوي على نهايات الأعصاب، فالحروق من الدرجة الأولى، والثانية تسبب آلاماً شديدة لا تطاق، أما الحروق من الدرجة الثالثة فلا تسبب آلاماً؛ لأن الحرق أمات، أو قضى على النهايات العصبية كاملاً.
وفي هذه الآية شرح لآلية الألم الناتج عن الحروق التي سيعاني منها هؤلاء الكفرة في نار جهنم، وما إن تصل الحروق إلى الدرجة الثالثة من الجلد؛ تعني نضجت جلودهم، عندها تبدل هذه الجلود بجلود أخرى جديدة تحتوي على نهايات الأعصاب التي تسبب الآلام.
﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 917
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿عَزِيزًا﴾: القوي الذي لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع بعزة المنع على عباده لا يضره أحد.
﴿حَكِيمًا﴾: الحكيم في تدبير شأنه، وكونه، وخلقه، وشرعه، حكيماً مشتقة من الحكمة، فهو أحكم الحكماء، أو مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين.
سورة النساء [٤: ٥٧]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾:
في مقابل الذين كفروا بآياتنا هناك الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فهؤلاء: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾: السين: للاستقبال، وتدل على القرب (الحدوث).
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع الأنهار من تحتها، أنهار الجنة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: استمرار البقاء من وقت مبتدأ (من بداية) إلى ما لا نهاية له.
﴿لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: ولم يقل: أزواج مطهرات؛ أيْ: كل واحدة لها صورتها وطهارتها التي تختلف عن الأخرى.
بل قال: ﴿أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: أيْ: كلهنَّ سيكنَّ أزواجاً على صورة واحدة من الطهر، مطهرة من البول، والغائط، ودم الحيض وغيره.
﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: وندخلهم ظلاً ظليلاً؛ أي: الظل الظليل: الظل الكثيف الذي يقيهم الحر، والبرد، صيغة مبالغة، وتأكيد مثل ليل وأليل.
وفي آية أخرى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
وفي آية أخرى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥].
стр. 918
﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: أيْ: ممدود لقوله: وظل ممدود ليس ظلاً واحداً فحسب، بل ظلال؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١].
إذن الظل الظليل: الممدود، والدائم، والعديد المتنوع.
أما ظل النار؛ فقد وصف بأنه ظل ذو ثلاث شعب: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١].
وفي آية أخرى وصفه: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]. ارجع إلى سورة يس آية (٥٦) لمزيد من البيان في معنى الظل.
سورة النساء [٤: ٥٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾:
سبب النزول: عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن أبي طلحة، وكان سادناً للكعبة (خادم للبيت)، فطلب منه مفتاح الكعبة، فدخل البيت فصلى ركعتين، ثم خرج، فقال العباس ﵁: أعطني المفتاح يا رسول الله؛ لنجمع بين السقاية والسدانة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية إلى رسوله، فقرأها، ثم دعا عثمان بن أبي طلحة، وأعطاه المفتاح، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ﴾: الاسم الدال على ذاته والجامع لجميع صفات الكمال الإلهية، والذي تفرد به سبحانه.
﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: يأمركم: لفظ دال على الإلزام والوجوب.
﴿إِنَّ﴾: حرف مصدري يفيد التوكيد.
стр. 919
﴿تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: من التأدية؛ أيْ: إيصال الشيء إلى صاحبه.
﴿الْأَمَانَاتِ﴾: جمع أمانة؛ أي: جميع الأمانات، والأمانة لغةً: هي ما يكون لغيرك عندك من مال، أو متاع، أو حق، أو وديعة إلى أهلها، سواء كانوا مؤمنين، أو كفاراً من أيِّ ملَّةٍ.
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾: إذا: ظرفية شرطية تدل على الحكم بالعدل، وتشمل هذه الآية كل الناس مسلمين، أو غير مسلمين، وهذا يدل على عدالة الرب.
﴿بِالْعَدْلِ﴾: هو الإنصاف والقسط، وإعطاء كل ذي حق حقه.
﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿نِعِمَّا﴾: من نِعْمَ فعل لإنشاء المدح أصلها نِعْمَ مَا أدغمت الميمان، فأصبحت ميماً مشددة، وما هنا قد تكون اسماً موصولاً؛ بمعنى: الذي يعظكم به، وإما أن تكون معرفة تامة بمعنى الشيء؛ أيْ: نِعْمَ الشيء يعظكم به، وإما أن تكون نكرة؛ تقديرها نِعْمَ شيئاً يعظكم به؛ أيْ: أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.
﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: يعظكم من الوعظ؛ أي: الأمر والنهي بأسلوب الترغيب والترهيب، والوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب، والوعظ يحمل معنى التخويف، والترغيب، والتحذير، والنهي. والموعظة حين تسمعها إما أن تقوم بها، أو ترفضها. ارجع إلى الآية (٣٤) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾: إن: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تستغرق الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿سَمِيعًا﴾: لمن حكم بالعدل، أو بغير العدل، فيحاسبكم ويجازيكم عليه.
стр. 920
﴿بَصِيرًا﴾: يبصر إذا أديتم الأمانات إلى أهلها، أم خنتم الأمانة. سميعاً لما تقولون، وبصيراً بما تعملون في الحكم بالعدل، وأداء الأمانات وغيرها.
سورة النساء [٤: ٥٩]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:
بعد أن أمر الله بأداء الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل يأمر الله سبحانه بطاعة الله سبحانه وطاعة رسوله ﷺ ، فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين هم على درب الإيمان بأمر، أو حكم جديد، وهو: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، والهاء: للتنبيه.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فيما أمر به، ونهى عنه، وفيما شرع لكم.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فيما أمر به ونهى عنه، وما فصل لكم من الأحكام والشرائع؛ فقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾: انتبه إلى قوله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما حذف كلمة وأطيعوا، وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الله وطاعة الرسول، فطاعة أولي الأمر ليست مستقلة، أو منفصلة عن طاعة الله، وطاعة الرسول، وما يأمركم به أولي الأمر منكم يجب أن لا يخالف ما أمركم الله ورسوله، أو نهاكم الله ورسوله؛ فإذا كان الأمر كذلك أطيعوا أولي الأمر منكم؛ مثل: القادة، والحكام، والمتولِّين أموركم، وإذا أمروكم بشيء مخالف لله، وللرسول فلا طاعة لهم أبداً؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، حديث صحيح رواه البخاري. ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة آل عمران؛ للمزيد.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:
стр. 921
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية تدل على الاحتمال، أو الندرة.
﴿تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ﴾: أيْ: حدث خلاف بينكم في أمر من أمور الدِّين، أو الدنيا؛ فإن تنازعتم بعضكم مع بعض، أو مع ولاة الأمور، والتنازع يكون بين طرفين.
﴿فِى شَىْءٍ﴾: في: ظرفية. شيء: نكرة؛ أيِّ شيءٍ سواء أكان حكماً، أم فتوى، أم سؤالاً.
﴿فَرُدُّوهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. ردوه: ارجعوه إلى الله تعالى ورسوله، وانظروا إلى ما جاء في الكتاب والسنة، وما قاله أولو العلم، والفقهاء، والصحابة، ومصادر التشريع، والفقه، والقياس، وغيرها.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والقلة.
﴿كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أيْ: إن كنتم تصدقون بالله، وبيوم القيامة، ومن يؤمن بالله واليوم الآخر يؤمن كذلك بالملائكة، والنبيين، والكتاب، وهذا وعيد لمن حاد عن طاعة الله ورسوله.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى طاعة الله ورسوله، والرد إليهما عند التنازع.
﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: مآلاً وعاقبة، أحسن: على وزن أفعل؛ أيْ: أفضل، والتأويل: ما يؤول إليه الشيء في آخر الأمر، ويقال: آل الأمر إلى كذا؛ أيْ: صار إليه، والتأويل: قد يعني التفسير والبيان.
стр. 922
سورة النساء [٤: ٦٠]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة استفهام إنكاري، وفيه تعجب.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم ينته علمك إلى الذين يزعمون.
﴿تَرَ﴾: هنا رؤية قلبية، وليس بصرية، وتعني: ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين يزعمون.
﴿يَزْعُمُونَ﴾: من الزعم: وهو القول الأقرب إلى الباطل؛ أي: ادعوا كذباً، والزعم: قد يكون حقاً أحياناً، ولكن كثر استعماله في الباطل، والكذب.
﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أنهم للتوكيد. والباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى الذي. أنزل إليك: أي: القرآن الكريم.
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: التوراة والإنجيل؛ أنزل: تعني جملة واحدة، أما نزل: تعني منجماً أو على دفعات.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: الطاغوت: كلمة الطاغوت مشتقة من الطغيان، وتستعمل كلمة الطاغوت للمذكر والمؤنث، وللمفرد والجمع، وتطلق كلمة الطاغوت على كل معبود من دون الله وكل متعد، وكل من يصرف عن الحق، وسمي الساحر والكاهن والمارد من الجن طاغوتاً؛ ارجع إلى سورة البقرة
стр. 923
آية (٢٥٦) لمزيد من البيان، والطاغوت في هذه هو كعب بن الأشرف، سماه الله طاغوتاً؛ لإفراطه في الطغيان، وعداوة رسول الله ﷺ .
أسباب النزول: عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت، فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله ﷺ ، فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي، فلما خرجا من عنده؛ لزمه المنافق، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد، فقضى عليه، فلم يرضَ بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك، وتعلَّق بي، فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويداً حتى أخرج إليكما، فدخل عمر وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما، وضرب به المنافق حتى برد (مات)، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية.
﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: وقد: للتحقيق والتوكيد.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ لزيادة التوكيد.
﴿أُمِرُوا﴾: في كتبهم السماوية؛ مثل: التوراة، أن يكفروا بكل طاغوت، وبكل من لا يحكم بما أنزل الله، وقد أمروا ذلك أيضاً في القرآن الكريم.
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فهم أرادوا أن يذهبوا إلى كعب بن الأشرف، وجاءت الآية لتحذرهم من الذهاب؛ لأنهم لو ذهبوا وتحاكموا عنده لقضى لهم بالباطل؛ مما يؤدِّي إلى انتشار الظلم والفساد.
стр. 924
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: يريد الشيطان أن يغويهم، ويوسوس لهم حتى يضلهم، ويبعدهم عن الحق.
وكان المفروض أن يقول: ويريد الشيطان أن يضلهم إضلالاً بعيداً، ولكن قال ضلالاً بدل إضلالاً؛ لأن مصدر أضل الإضلال، أما الضلال فهو مصدر ضل، فقد جمع بهذا القول الإضلال والضلال في آن واحد، والمعنى: أن الشيطان يريد أن يضلهم، ثم يريد بعد ذلك أن يضلوا بأنفسهم، فهو يبدأ بالإضلال، ثم يريد منهم المشاركة في العملية، وإضلال الغير، ويصبحون أنفسهم شياطين، أو أولياء له، وهم يقومون بعمله، وعندها يصبح لا أمل في عودتهم إلى الهدى، وطريق الحق، أو تصبح العودة غير مرجوَّة.
سورة النساء [٤: ٦١]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني.
﴿قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول، لهم خاصَّة: تعالوا مأخوذة من العلو؛ أي: ارتفعوا عن الشك والنفاق وعن معتقداتكم الباطلة، وتحكيم الطاغوت، تعالوا نتحاكم لما أنزل الله في القرآن، أو إلى الرسول فيما شرع لكم، أو كليهما.
رأيت المنافقين معرضين عنك يا محمد، ويرغبون عن حكمك.
وهذه الآية تؤيد ما قبلها من لجوئهم إلى التحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن رسول الله ﷺ .
﴿يَصُدُّونَ﴾: يعرضون إعراضاً متعمَّداً، وقصداً، ويمنعون الناس عن القدوم إليك؛ لتحكم بينهم، ويهربون منك غير راضين بالتحاكم إليك.
стр. 925
سورة النساء [٤: ٦٢]
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: عاطفة للتعقيب والسرعة.
﴿فَكَيْفَ﴾: للتعجب، فكيف يكون حالهم، وكيف يصنعون.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني يدل على حتمية الوقوع وبكثرة.
﴿أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾: المصيبة: أيُّ أمرٍ طارئ يسبب الضرر لهم، أو عقوبة كفقر، أو وباء، أو صاعقة.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: بسبب إعراضهم عنك، والذهاب إلى الطاغوت، والتحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك بالحكم بالباطل، أو بسبب ذنوبهم.
والباء في بما: باء السببية.
﴿ثُمَّ﴾: تدل على التعقيب والتراخي في الزمن، وأخيراً سيأتون إليك، يحلفون بالله؛ لأنهم يعلمون ما يقولونه كذباً، فيريدون أن يؤكدوا قولهم فيحلفون بالله لك.
﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك.
﴿إِلَّا﴾: إلا حصراً وقصراً.
﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾: أيْ: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان، لا الإساءة إليك، والتوفيق بين الخصمين، والصلح بينهم، وليس القصد مخالفة أمرك.
стр. 926
سورة النساء [٤: ٦٣]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد.
﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي في قلوبهم من النفاق من الكفر والزيغ والحقد.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: لا تقبل اعتذارهم، واهجرهم هجراً جميلاً؛ أيْ: تجنبهم إلى حدٍّ ما، ولكن اترك لهم نافذة تطل عليهم؛ كي تعظهم في المستقبل.
﴿وَعِظْهُمْ﴾: في خلوة؛ لأن ذلك له أثر طيب، وذكرهم بالخير؛ لترقَّ قلوبهم، وحذِّرهم وانصحهم في الوقت المناسب، والمكان المناسب. ارجع إلى الآية (٣٤) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿وَقُلْ لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾: أيْ: لا تفضحهم على مرأى من الناس، بل بشكل سري، والقول البليغ: القول المؤثر في القلوب، فيحركها ويذهب عنها غفلتها.
سورة النساء [٤: ٦٤]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، وما: نافية.
﴿أَرْسَلْنَا﴾: بمعنى الإرسال برسالة، وليس فيه مشقة وشدة، كما في البعث، وهناك فرق بين الإرسال والبعث، البعث: يكون لإحياء منهج ثانٍ كان موجوداً، ولم يعد يُذكر، فالله سبحانه يبعث رسولاً لإحياء من جاء قبله من
стр. 927
الرسل، ولا يأتي بشيء جديد، والبعث فيه إثارة وتهييج، وفيه مشقة وصعوبة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لمعرفة الفرق بين الإرسال والبعث.
﴿مِنْ رَسُولٍ﴾: من: الاستغراقية، والتقدير: وما أرسلنا رسولاً إلا ليطاع.
﴿مِنْ﴾: تستعمل للمفرد والجمع.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿لِيُطَاعَ﴾: اللام: لام التعليل والتوكيد؛ لأن طاعة الرسول هي طاعة لله، ومعصية الرسول هي معصية لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، (ومن يعص الرسول فقد عصى الله)، فالله سبحانه سيهيِّئ لهذا الرسول من يصدِّقه من البشر، ويتبعه، ولا يحدث ذلك إلا بإذن الله، بأمر من الله، والإذن: يبدأ، أو يُعلم بإنزال الوحي.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة. لو: شرطية تحمل معنى التمني.
﴿أَنَّهُمْ﴾: للتوكيد، وتشير إلى المتحاكمين الذين سبق ذكرهما، أو تعني: كل من يظلم نفسه، وظلم النفس يأتي من اتباع الهوى، والرغبة في الشهوة العاجلة.
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي بمعنى: حين.
﴿ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالخروج عن المنهج الرباني.
١ - بالتحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ .
٢ - أو رفضهم لما قضى الرسول ﷺ به وترك طاعتك.
стр. 928
٣ - أو اتباع الهوى، وارتكاب المعاصي، أو الفاحشة، والرغبة في تحقيق الشهرة العاجلة، وظلم النفس من أشقى أنواع الظلم.
﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾:
﴿جَاءُوكَ﴾: (المرحلة الأولى) كلمة ﴿جَاءُوكَ﴾: تحمل معنى المشقة والصعوبة؛ لأنهم يرغمون أنفسهم على المجيء، لم يقل: أتوك؛ لأنها تحمل معنى الارتياح للمجيء.
﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾: (هذه هي المرحلة الثانية)، الفاء: تدل على السرعة والمباشرة، بأن يقولوا: اللهم اغفر لنا، أو نستغفر الله، والاستغفار يدل على وقوع الذنب ويطلب من الله أن يغفره، ويمحوه، فلا عقاب عليه؛ أيْ: يستغفرون الله عند رسول الله؛ أيْ: أمامه، ثم يسألون رسول الله ﷺ أن يستغفر لهم.
﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾: (هذه هي المرحلة الثالثة)، عندها تقبل توبتهم، والاستغفار يكون قبل التوبة، أو يسبق التوبة.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: أيْ: لتاب الله عليهم.
﴿تَوَّابًا﴾: صيغة مبالغة، كثير التوبة؛ أيْ: يقبل التوبة عن عباده بشكل مستمر ودائم، ومهما كانت ذنوبهم، أو عددها، أو عدد المستغفرين.
﴿رَحِيمًا﴾: لا يعذبهم ويعفو عنهم، أو يعجل بهم العذاب.
وهذه الآية تشير لمن عاصر رسول الله ﷺ ، فما بال الذين لم يعاصروه، والرسول ﷺ جاء للناس جميعاً، فقد قال رسول الله ﷺ : «تُعرَض عليَّ أعمالُكم فإن رأَيْتُ خيراً حمِدْتُ اللهَ عليه، وإن رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم» [الراوي عبد الله بن مسعود، المحدث: الهيثمي، المصدر: مجمع الزوائد: ٩/ ٢٧].
стр. 929
إذن: فاستغفار رسول الله ﷺ لنا الآن موجود، ودائم، فما علينا إلا أن نستغفر الله دائماً، وكيف نفسر كلمة جاؤوك لمن جاء من بعد موته ﷺ ؟
هؤلاء يجيئون لسُنَّتك، والعمل بها، فإنها تعادل المجيء إلى رسول الله ﷺ آنذاك، وما علينا إلا أن نتقبَّل ما جاء به نبيُّنا محمد ﷺ ، ونتَّبع هداه آنذاك.
سورة النساء [٤: ٦٥]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾:
سبب النزول: قيل: نزلت هذه الآية في خصومة الزبير مع رجل من الأنصار في قضية السقي (سقي أرضهما)، فحين اختلفا أتيا رسول الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاءَ إلى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَرَاكَ تُحابِي ابْنَ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يا زُبَيْرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ» [الحديث في صحيح البخاري ومسلم].
﴿فَلَا﴾: الفاء: استئنافية. لا:
١ - نافية لكلام سبق تقديره، ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وأنزل من قبلك.
٢ - للتوكيد (تقديره: وربك لا يؤمنون).
٣ - تقدم لا على القسم. ارجع إلى الآية (١) من سورة القيامة.
﴿وَرَبِّكَ﴾: الواو: واو القسم، يقسم الحق سبحانه برب رسول الله ﷺ ؛ أيْ: يقسم بربوبيته لرسوله، وهذا من أعظم أنواع القسم.
﴿لَا﴾: نافية: مطلقة تشمل كل الأزمنة.
﴿يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: لا يؤمنون إيماناً كاملاً
стр. 930
حقاً، حتى: تعني انتهاء الغاية؛ أيْ: حتى يحققوا ثلاثة أمور، (أو ثلاث صفات) هي:
١ - ﴿يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (من نزاع، أو خلاف، أو التباس)، وشجر مأخوذة من التداخل، والاختلاط، كما يحدث للشجر من اختلاط، وتداخل.
٢ - ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾: أيْ: لا يشعرون بأي ضيق، أو شكوى لقضائك؛ أيْ: حكمك؛ أيْ: يرضون الرضا التام، والقبول المطلق من دون إضمار في أنفسهم خلاف ذلك.
﴿حَرَجًا﴾: ضيقاً، والحرج: قد يعني الشك والريبة.
﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: ويسلموا: من التسليم: وهو الانقياد، والإذعان، والرضا بحكم الله، ورد الأمر إلى الله؛ أي: من دون معارضة، أو لا مخالفة في باطنهم، وظاهرهم.
﴿تَسْلِيمًا﴾: توكيد للتسليم.
وهذا الحكم ليس مخصوصاً بخصوص السبب، فالحكم باق إلى يوم القيامة.
стр. 931
سورة النساء [٤: ٦٦]
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة. لو: حرف امتناع لامتناع؛ إذ امتنع القتل لامتناع الكتب.
﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾: فرضنا عليهم؛ أيْ: على قريش.
﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾: كما كتبنا على بني إسرائيل.
أن اقتلوا أنفسكم، كما حدث حين قال موسى لقومه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
أن: تفيد التوكيد.
﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: كما فعلنا بقوم موسى يوم أخرجوا، وذهبوا إلى التيه؛ فكانت محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض.
كان هذان الحكمان قد سبقا في قوم موسى، فجاء الحق سبحانه بهما هنا؛ ليُذَكِّر قريش أنه سبحانه لو فرض عليهم كما فرض على بني إسرائيل القتل، أو الإخراج من الديار، (وهما من أصعب، أو أشق التكاليف الربانية، والتي تسمى إصراً).
стр. 932
﴿مَا فَعَلُوهُ﴾: ما: نافية للاستقبال (في المستقبل).
﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾: إلا: أداة استثناء وحصر، لو كتبنا عليهم ذلك لم يفعله إلا قلة منهم، وهذا من لطف الله بهم، لم نكلفهم بذلك.
فالإسلام لم يأتِ بمثل هذه الشرائع الثقيلة التي حدثت زمن موسى، كما تبيِّن هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة. لو: شرطية.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾: من الأوامر، والنواهي، أو اتباع الرسول ﷺ ، والانقياد إلى حكمه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، وهي تكاليف لا تضاهي تكاليف بني إسرائيل.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾: في دنياهم وآخرتهم.
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: أشد تثبيتاً للإنسان في قلوبهم وتصديقاً.
سورة النساء [٤: ٦٧]
﴿وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
﴿وَإِذًا﴾: حرف جواب.
الأجر العظيم: هو الجنة للذين استشهدوا، والذين آمنوا وعملوا الصالحات واتبعوا الرسول ﷺ وما أنزل إليهم من ربهم.
стр. 933
سورة النساء [٤: ٦٨]
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾:
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾: الواو: عاطفة. لهديناهم: اللام: للتأكيد، والاستحقاق.
﴿صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: هو الإسلام الموصل إلى الغاية العظمى.
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾: انتبه! هم هنا؛ تعني: الذين لم يقتلوا، وإنما الذين أخرجوا من ديارهم؛ لأنهم ما زالوا على قيد الحياة، فأما الذين استشهدوا؛ فقد آتيناهم أجراً عظيماً.
سورة النساء [٤: ٦٩]
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾:
سبب النزول: روى ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول، نزلت هذه الآية عندما سأل بعض الصحابة الذي يحبون رسول الله ﷺ حباً شديداً؛ ومنهم: ثوبان كيف سيرون رسول الله ﷺ في الآخرة؟ فنزلت هذه الآية، والتي هي: بشرى لكل مؤمن يحب الله ورسوله.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية.
﴿يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: فطاعة الرسول من طاعة الله، وطاعتهما واحدة، والطاعة تعني: العمل بما أمر الله سبحانه به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ .
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط تفيد التوكيد.
стр. 934
أولئك: اسم إشارة للبعد تحمل معنى التعظيم والعلو.
﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾: من: ابتدائية.
الذين أنعم الله عليهم: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
﴿النَّبِيِّنَ﴾: جمع نبي.
﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾: جمع صديق أمثال: أبي بكر ﵁ وغيره، وتعني: الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا بكل ما جاء به الوحي، والذين يقولون الصدق والحق ﵃.
﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: جمع شهيد؛ وهم الذين قتلوا في سبيل الله.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾: جمع صالح؛ وهو المؤهل لحمل الخلافة الإيمانية في الأرض، والإصلاح في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾: ثناء من الله سبحانه على هؤلاء الأصناف الأربعة، وحسن يعني: الحسن على وجه الدوام، والاستمرار الذي لا ينقطع.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد تدل على علو مكانتهم وتعظيمهم.
والرفيق: هو المرافق المصاحب لك، خاصَّة في السفر؛ ومأخوذة من الرفق، وهو اليُسر والأنس، فهم رفقاء في الجنة يزور بعضهم بعضاً، وإن اختلفت درجاتهم.
стр. 935
سورة النساء [٤: ٧٠]
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد. ذلك: أيْ: يكون المطيع لله، ورسوله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هو من فضل الله وليست حسناته هي السبب، وتفسير ذلك:
الحقيقة الأولى: هم درجات عند ربهم.
والحقيقة الثانية: لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
ولكن الفضل الإلهي: الحسنة بعشرة أمثالها، والسيئة تبقى بمثلها.
فالعدل الإلهي: الحسنة بمثلها، والسيئة بمثلها، والفضل الزيادة التي تعطى إليك من الله سبحانه زيادة على حقك أو أجرك.
الحقيقة الثالثة: فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، هذا من الكرم الإلهي؛ حين يضاعف الحسنة بـ (٧٠، أو ٧٠٠) ضعف، أو أكثر ضعفاً.
والعدل الإلهي: أن أعمالنا مهما كانت لا توصلنا إلى الجنة، ولكن الفضل الإلهي هو الذي يوصلنا إلى ذلك، وطاعة المؤمن لله ورسوله لا يقابلها ربنا بالعدل فقط، بل بالفضل والإحسان.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾: فهو يعلم من يستحق أو لا يستحق فضله، وهو أعلم بمن اتقى، عليماً بالمقاصد والنيات، وعليماً: صيغة مبالغة عالم، وعليم يعلم الأمر قبل أن يقع.
стр. 936
سورة النساء [٤: ٧١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للسائرين على درب الإيمان بالحذر من العدو.
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: ولم يقل: احذروا، والحذر: هو اليقظة، والحذر من العدو: هو توقي الضرر، سواء كان المحذور منه؛ أي: الضرر ظناً (مظنوناً)، أم متيقن حدوثه، القول خذوا حذركم: يدل على شدة الحذر وملازمته، وعدم النسيان والغفلة.
﴿فَانْفِرُوا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب بعد الحذر.
والنفر: الفزع؛ أي: الخروج إلى قتال العدو، أو الجهاد بسرعة، وشجاعة، وحماس. والسؤال: لماذا قال: بينكم وبينه مودة، ولم يقل عداوة؟ لأن المخاطب في هذه الآية المؤمنين، وليس المتخلفين عن الجهاد، فلا يصح أو يصلح أن تكون بين المؤمنين عداوة في أي وقت، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله وحده.
﴿ثُبَاتٍ﴾: متفرقين واحدها ثُبَةٌ؛ وهي الجماعة؛ أي: اخرجوا جماعة تلو جماعة، أو سَرية بعد سَرية.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: كل السرايا، أو الجيش كاملاً.
سورة النساء [٤: ٧٢]
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: الواو: استئنافية. إن: للتوكيد.
стр. 937
﴿مِنكُمْ﴾: أي: من المنافقين، أو المسلمين من هو ضعيف الإيمان، أو منافق، أو لا يقدر على الخروج.
﴿لَمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، يبطئن: من أبطأ؛ أيْ: يتأخر، ويتخاذل، يتثاقل لا يريد الخروج للجهاد في سبيل الله هو نفسه، أو يبطئن غيره، أو كلاهما.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتفصيل. إن: شرطية تحمل معنى الاحتمال.
﴿مُّصِيبَةٌ﴾: من قتل، أو هزيمة، أو جراحات يقول لنفسه، أو يحدث نفسه.
﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتوكيد.
﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ﴾: بالقعود.
﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾: أيْ: حاضراً معهم في تلك الغزوة، وشهيداً: لا يعني موت الشهادة في سبيل الله؛ لأنه لم يخرج في سبيل الله تعالى ليقاتل ونيته صادقة، إنما حاضراً معهم كما قلنا.
سورة النساء [٤: ٧٣]
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: عاطفة، اللام: للتوكيد. إن: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾: فتح، أو نصر، أو غنيمة.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون في يقولَنَّ: لزيادة التوكيد.
стр. 938
﴿كَأَنْ لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾:
يتمنى المنافق إذا انتصر المؤمنون لو كان معهم في القتال، ويأسف لتخلفه عنهم لا لمودة حقيقية؛ أي: حب حقيقي دائم للجهاد، والخروج في سبيل الله، وأنه تخلف هذه المرة، بل لمجرد حرمانه من حظه من الغنيمة.
﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: الفوز: هو الخلاص من المكروه، وقيل: المرغوب؛ أي: النجاة من النار، ونيل الجنة.
والفوز: أعم من النجاة (النجاة الخلاص من المكروه فقط).
والفوز في القرآن ثلاثة أنوع، أو درجات:
١ - الفوز العظيم: وهو أعلى درجات الفوز (الدرجة الأولى).
٢ - الفوز الكبير: وهو درجة أقل من الفوز العظيم (الدرجة الثانية).
٣ - الفوز المبين: الدرجة الثالثة.
وقد ورد الفوز الكبير في آية واحدة (سورة البروج آية: ١١)، والفوز المبين في آيتين (سورة الأنعام آية: ١٦، وسورة الجاثية آية: ١٣٠)، وجاء الفوز العظيم في بقية الآيات.
٧٤ - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الفاء: استئنافية؛ ليقاتل: اللام: لام الأمر والتوكيد؛ يقاتل في سبيل الله (الجهاد أعم وأوسع من القتال)، فالجهاد له أكثر
стр. 939
من (١٣) مرتبة؛ منها واحدة تتعلق بقتال الكفار والمشركين؛ ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦) لمزيد في معنى الجهاد.
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾: شرى في القرآن تعني: باع، ويشتري تعني: الشراء الحقيقي يدفع الثمن مقابل السلعة.
﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: أي: يبيعون الدنيا ليفوزوا بالآخرة، والباء: تدخل على الأهم.
سورة النساء [٤: ٧٤]
﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: من: شرطية، وتشمل المفرد والمثنى والجمع؛ في سبيل الله: أي: مخلصاً لوجه الله، وطلب الآخرة.
﴿فَيُقْتَلْ﴾: أي: يستشهد في سبيل الله.
﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾: أي: ينتصر على العدو، أو بمعنى التقسيم وليس التسوية.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتأكيد؛ سوف: للاستقبال البعيد، وأما السين: للاستقبال القريب.
﴿نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: نؤتيه: من الإيتاء؛ أي: العطاء، والإيتاء: أعم من العطاء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمعرفة الفرق بينهما؛ أجراً عظيماً: هو النجاة من النار، والفوز بالجنة؛ ونؤتيه: للتعظيم والوعد الصدق.
стр. 940
سورة النساء [٤: ٧٥]
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾: الواو: عاطفة. ما: اسم استفهام إنكاري ينكر عليهم قعودهم عن الجهاد، ويحثهم عليه؛ لإنقاذ المستضعفين من الرجال، والولدان، والنساء من الكفر.
﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: لا: النافية لنفي الأعذار على عدم القتال في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، وإنقاذ المستضعفين.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية بعضية؛ تعني: بعض الرجال.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾: الذين يعذَّبون من أجل دِينهم، ويُمنعُون من الهجرة، والحركة.
ولماذا وصفهم بالرجال المستضعفين، وقال: من الرجال؛ أيْ: بعض الرجال، وليس كل الرجال، والرجال مفروض فيهم القوة، ولكن وصفهم بالضعف؛ لأنهم في ظرف خاص (كونهم محاصرين، وقلة، وفقراء، ولا يسمح لهم بالهجرة)، أو الشيوخ.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾: أيْ: يجأرون بالدعاء: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ
стр. 941
أَهْلُهَا﴾: أيْ: لكونهم عاجزين عن الهجرة، وفقدوا الناصر والمعين، والذين يقولون من شدة العذاب والحصار: ربنا أخرجنا من هذه القرية (أيْ: مكة).
﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: أي: التي أشرك أهلها وظلموا العباد.
﴿وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: اجعل لنا من يتولى أمورنا، ويقدم لنا المساعدة المادية والمعنوية، واجعل لنا من لدنك نصيراً؛ يحمينا وينصرنا على هؤلاء المشركين، وتكرار: ﴿وَاجْعَل لَنَا﴾: للتوكيد، وفصل الولاية عن النصرة، أو كليهما معاً.
وهذه الآية تشير إلى وجوب تخليص الأسرى من المؤمنين بالقتال، أو الفدية؛ أي: الفداء، والدفاع عنهم ونصرتهم.
سورة النساء [٤: ٧٦]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾:
يخبر الله سبحانه المؤمنين: أن يستمروا في القتال في سبيل الله وحده، والله سبحانه سيبقى وليهم وناصراً لهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الطاغوت (الشيطان، أو غيره من الجن والإنس الكفرة الظلمة في الأرض).
والطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ويطلق على كل من دعا إلى غير عبادة الله؛ كالشيطان، أو غيره من الجن والإنس؛ من الكفرة الظلمة المستكبرين في الأرض.
﴿فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: تشمل قتال طاغوت الطائفة، والأحزاب، والباطل، أو الإفساد في الأرض، وتدمير البيوت، وترويع الأولاد والنساء. ارجع إلى الآية (٢٥٧) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾: أولياء: أتباع، وأعوان، وأنصار الشيطان، أولياء:
стр. 942
جمع ولي، والولي: هو الذي يليك أول ما تلجأ إليه عند الفزع؛ للمساعدة، والعون.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. والكيد: هو إيقاع المكروه، أو المشقة بالغير قهراً، سواء أعلم، أم لم يعلم، والكيد: أقوى وأشد من المكر، وكيد الشيطان: يتم من خلال وساوسه، وتزيينه، وإغوائه.
وكيد الشيطان للمؤمنين مقارنة بكيد الله للكافرين ضعيف، ولا يقارن، والشيطان نفسه يقول يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى﴾ [إبراهيم: ٢٢].
سورة النساء [٤: ٧٧]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة: استفهام تعجبي.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أيْ: ألم تعلم وتنظر في أمر الذين قيل لهم: كفوا أيديكم، وهم جماعة من الصحابة كانوا من مكة، وفي بداية الإسلام، والرؤية هنا: رؤية قلبية، فكرية.
﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: أيْ: لا تقاتلوا، وكانوا يودون القتال في سبيل الله، وإعلاء كلمته، ولكنهم كانوا قلة وضعفاء، فأمرهم الله تعالى بعدم القتال، والالتزام بالعبادات.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أدّوا الصلاة بأركانها وخشوعها، والزكاة؛
стр. 943
أي: انشغلوا بإقامة شعائر الدِّين أولاً، وتعلموا دِينكم والتزموا بالسلم، وعدم الحرب.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، ولما: ظرفية زمانية (أيْ: بعد الهجرة إلى المدينة)، و ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾: أيْ: فرض عليهم الجهاد، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
﴿إِذَا﴾: الفجائية.
﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾: من: هنا ابتدائية (منهم: من المسلمين ضعاف الإيمان، والمنافقين). هذا يدلنا على أنهم كانوا فريقين: فريقاً يريد الجهاد في سبيل الله، وفريق أصابهم لخوف، والخور، والضعف. وقيل: هذا الفريق هو فريق المنافقين، أو ضعاف الإيمان، أو كلاهما.
﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾: يخشون الكفار، والمشركين، ويعظمونهم، ويخافونهم (كفار مكة)، والخشية مركبة من ثلاث أمور: الخوف + التعظيم لمن تخشاه + العلم بالذي تخشاه؛ فهو ليس مجهول، أو ظني.
﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾: الكاف: للتشبيه، (يخشون الكفار، ويخافونهم كما يخشون الله ويخافونه).
﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾: أيْ: يخشون الناس أكثر مما يخشون الله، وهذا يدل على شركهم، وضعف إيمانهم.
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾:
стр. 944
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ﴾: اللام: حرف جر، وما: الاستفهامية التعجبية.
﴿كَتَبْتَ﴾: فرضت علينا القتال، أو ابتليتنا بالقتال.
﴿لَوْلَا﴾: للطلب، والتمني.
﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: أيْ: زد في مدة الكف عن القتال، وأخِّر القتال عنا الآن.
لماذا طلبوا التمديد؟ لكي يعيشوا فترة أطول، ويستمتعوا بالحياة الدنيا، ويموتوا موت البعير، ولا يلقوا عدواً (خوراً، وخوفاً).
فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: قل لهم يا محمد ﷺ : ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: غير دائم، وزائل، وقيل: مهما كثر مقارنة بنعيم الآخرة.
والمتاع تعريفه: ارجع إلى الآية (١٩٧) من سورة آل عمران؛ للبيان.
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾: الجنة خير. لمن: اللام: لام الاختصاص، والتوكيد. من: بمعنى الذي.
﴿اتَّقَى﴾: أطاع الله سبحانه فيما أمر به ونهى عنه، خيرٌ من متاع الدنيا.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: ولا: النافية، لا بنقص حسنة، ولا زيادة سيئة.
﴿فَتِيلًا﴾: الفتيل: هو الخيط في شق نواة التمرة.
هذه الآية تشمل زمنين:
الزمن الأول: الزمن المكي: (بداية الإسلام)؛ حيث أمر الله الصحابة بالتزام السلم، وعدم القتال، حيث أراد بعض الصحابة القتال، فجاء الأمر الإلهي بالرفض.
стр. 945
الزمن الثاني: الزمن المدني بعد الهجرة إلى المدينة، وحين حان الزمن للتصدي للمشركين والكفار جاء الأمر الإلهي بالإذن لهم بالجهاد.
سورة النساء [٤: ٧٨]
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
﴿أَيْنَمَا﴾: مركبة من أين + ما، وأين: ظرف مكان مبهم، وإضافة ما: لتزيدها إبهاماً، وغموضاً، وشمولاً.
وأينما: أكثر إبهاماً، وغموضاً، وشمولاً من حيثما.
﴿تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾: يدرككم الموت: يلحق بكم الموت؛ أيْ: كأن الموت يركض وراءكم ليدرككم، ومتى أدرككم الموت سلبت أرواحكم، وانتهى أجلكم.
﴿وَلَوْ﴾: شرطية.
﴿كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾: البروج: جمع برج، وقيل: هو الحصن، أو القلعة.
﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ﴾: ليس برجاً واحداً، بل عدد كبير من البروج، وكل برج داخل برج، حصن داخل حصن.
مشيدة: تم بناؤها بإحكام؛ أيْ: لو كنتم في بروج مشيدة تتوارون عن الموت، فالموت لا بُدَّ أن يخترق كل تلك البروج، ويصل إليكم، ولو كان عن طريق جرثومة، أو فيروس، أو بعوضة، وبسبب أو بلا سبب سيصل إليكم، فلِمَ الخوف من الجهاد في سبيل الله، والموت في سبيله بدلاً من الموت، كما يموت البعير.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
стр. 946
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية فيها معنى الاحتمال.
﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: أيْ: تصيب المنافقين، أو ضعاف الإيمان، أو غيرهم من اليهود.
الحسنة: النعمة، والحسنة؛ أيْ: غنيمة، أو خير، أو خصب، أو رزق.
والحسنة لغوياً: هي كل ما يسر النفس، ويستحسنه الإنسان. وشرعاً: الحسنة هي كل عمل من قول، أو فعل خير يورث ثواباً.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ﴾: اسم إشارة للقريب، هذه الحسنة من عند الله، وليس من عندك يا محمد، لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئاً من خير، أو بركة، أو فضل.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: من فقر، وهزيمة، أو مرض، أو بلاء، يقولوا: هذه المصيبة، أو السيئة.
﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾: من عندك يا محمد ﷺ ، فهم ينسبون ذلك إلى محمد، أو أنت السبب، أما الحسنة، أو الخير فينسبونه إلى الله تعالى، وكل هذا بسبب التطيُّر والتشاؤم، واتهام رسول الله ﷺ بما يلحق بهم من شر، وهو بريء من ذلك؛ حتى يفرِّقوا بين الله ورسوله ﷺ . والسيئة هنا لا تعني المعصية أو الإثم أو الذنب، وإنما المصيبة، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ إذن ما يصيب الإنسان من السوء أو الشر بسبب ذنوبه أو تقصير منه أو هو ابتلاء من الله تعالى فما عليه إلا الصبر.
﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
стр. 947
﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: الحسنة، أو السيئة التي تصبكم كل من عند الله، وما يحدث من حسنة، أو سيئة هو بقضاء الله وقدره، وكل ما يصيب المؤمن من حسنة، أو سيئة هو خير، وهو ابتلاء من عند الله تعالى أيصبر، أم يشكر.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
فما: الفاء: استئنافية، ما: اسم استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه؛ تنبيه المستمع، أو الهاء: اسم إشارة.
﴿الْقَوْمِ﴾: كفار مكة؛ أي: المشركون.
﴿لَا﴾: النافية المطلقة.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾: أيْ: ماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، فهم لا يكادون يفقهون حقيقة ما يقال لهم من حديث، أو كلام، أو قرآن.
لا يفقهون حديثاً: الفقه في اللغة: الفهم، والفقه اصطلاحاً أو في الشريعة: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، مثل العلم بأفعال المكلفين، وتشمل التحليل والتحريم والإباحة والصحة والفساد والإطلاق والنهي والإيجاب وغيرها، والقول لا يكاد يفقه حديثاً هو أسوأ من القول إنه لا يفهم، ولا هو قريب من الفهم.
والحديث قد يعني القرآن، فهم لا يفقهون معانيه، وآياته، ولا هم قريبون من فهمه، أو الأحكام الشرعية أو ليس عندهم أي علم.
سورة النساء [٤: ٧٩]
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾:
﴿مَا﴾: نكرة لغير العاقل وشرطية.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾:
стр. 948
أولاً: قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت.
﴿مَا أَصَابَكَ﴾: أيْ: ما يأتي به الله لك من الابتلاء بالحسنات، ويوفقك على فعله، والصبر عليه، وشكره كله من فضل الله تعالى. ارجع إلى الآية السابقة (٧٨)؛ لمعرفة معنى الحسنة.
وما أصابك من الابتلاء بالسيئات: فهو من عند الله تعالى، وكذلك بسبب ما قدَّمت يداك، وهو كذلك خير إن صبرت واحتسبت لله، وتكرار ما أصابك مرتين للفصل بين الإصابة بالحسنات، والإصابة بالسيئات، أو كلاهما معاً.
فما يصيبنا من سيئة: قحط، أو مرض، أو مكروه، أو فقر، أو ألم، أو هزيمة؛ فذلك بما قدَّمت أيدينا، وهو بإذن من الله، وهو قضاء وقدر؛ ليرفع به درجاتنا في الآخرة، ويمحو عنا سيئاتنا، أو هو ابتلاء، واختبار؛ لرفع الدرجات.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾: يا محمد للناس: اللام: لام الاختصاص.
﴿رَسُولًا﴾: أيْ: لتبلغهم رسالات ربك، وبشيراً، ونذيراً لهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: يكفي بالله: الباء: للإلصاق والتوكيد؛ أن يكون شهيداً لك بأنك رسوله، وأن ما يصبهم من سيئة لست لك بها دخل، ولست أنت السبب، كما يظن بعضهم ظناً باطلاً، ولمعرفة معنى (شهيداً): ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣).
стр. 949
سورة النساء [٤: ٨٠]
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾: لأنه ﷺ لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، والله سبحانه هو الآمر والناهي، والرسول ﷺ هو المبلغ عما أرسله به، فطاعة الرسول ﷺ هي امتثال لطاعة الله.
وقد: للتحقيق، والتوكيد، قد أطاع الله.
﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾: ومن: شرطية؛ تولى؛ أي: ترك وابتعد، والتولي: أشد من الإعراض؛ أي: ورفض طاعة الرسول ﷺ ، فدعه وأعرض عنه، ولا يهمُّك أمره.
﴿فَمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وما: النافية.
﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: فما أرسلناك لتحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها؛ إن أنت إلا نذير.
﴿حَفِيظًا﴾: تعني كذلك: وما أرسلناك لتمنعهم، وتعصمهم من التولِّي، ومن مكائد الشيطان، أو تصرف عنهم وتحفظهم من المكاره والشدائد، فلا يهلكوا.
стр. 950
سورة النساء [٤: ٨١]
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾: أيْ: إذا كانوا عندك يقول المنافقون: سمعاً وطاعة، أو أمرك مطاع.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد والتكرار، وحكاية الحال بدلاً من قالوا.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أيْ: مجرد خروجهم من عندك. إذا ظرفية زمانية تعني: وحين يخرجون.
﴿بَرَزُوا﴾: خرجوا من عندك، ويقال للمقاتل: برز للقتال؛ أيْ: خرج.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ﴾: الطائفة: جماعة من الناس تطوف على حول عقيدة، أو آراء حقَّة، أو باطلة.
قال: بيَّت بدل من بيتت طائفة، ذكر الفعل، ولم يؤنثه، ويجوز تذكير، أو تأنيث الفعل من الناحية اللغوية، وأما من الناحية البيانية: فالتذكير يدل على القلة؛ أي: الطائفة التي بيتت هي عدد قليل. وبيت: قيل مشتق من البيت، والبيتوتة ليلاً، ويعني: الاستخفاء عن أعين الناس. إذن بيت جمعت معنيين: هم قلة، وقاموا بذلك ليلاً.
قاموا بالتدبير ليلاً؛ أيْ: غيروا، وبدلوا ليلاً، وتشاوروا على العصيان، وغيروا الذي قالوه لك.
следующие страницы →