Полный текст (5 934 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية فيها معنى الاحتمال.
﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: أيْ: تصيب المنافقين، أو ضعاف الإيمان، أو غيرهم من اليهود.
الحسنة: النعمة، والحسنة؛ أيْ: غنيمة، أو خير، أو خصب، أو رزق.
والحسنة لغوياً: هي كل ما يسر النفس، ويستحسنه الإنسان. وشرعاً: الحسنة هي كل عمل من قول، أو فعل خير يورث ثواباً.
﴿يَقُولُوا هَذِهِ﴾: اسم إشارة للقريب، هذه الحسنة من عند الله، وليس من عندك يا محمد، لا يريدون أن ينسبوا إلى رسول الله شيئاً من خير، أو بركة، أو فضل.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: من فقر، وهزيمة، أو مرض، أو بلاء، يقولوا: هذه المصيبة، أو السيئة.
﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾: من عندك يا محمد ﷺ ، فهم ينسبون ذلك إلى محمد، أو أنت السبب، أما الحسنة، أو الخير فينسبونه إلى الله تعالى، وكل هذا بسبب التطيُّر والتشاؤم، واتهام رسول الله ﷺ بما يلحق بهم من شر، وهو بريء من ذلك؛ حتى يفرِّقوا بين الله ورسوله ﷺ . والسيئة هنا لا تعني المعصية أو الإثم أو الذنب، وإنما المصيبة، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ إذن ما يصيب الإنسان من السوء أو الشر بسبب ذنوبه أو تقصير منه أو هو ابتلاء من الله تعالى فما عليه إلا الصبر.
﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
стр. 947
﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: الحسنة، أو السيئة التي تصبكم كل من عند الله، وما يحدث من حسنة، أو سيئة هو بقضاء الله وقدره، وكل ما يصيب المؤمن من حسنة، أو سيئة هو خير، وهو ابتلاء من عند الله تعالى أيصبر، أم يشكر.
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:
فما: الفاء: استئنافية، ما: اسم استفهام يراد به التعجب من فرط جهلهم.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه؛ تنبيه المستمع، أو الهاء: اسم إشارة.
﴿الْقَوْمِ﴾: كفار مكة؛ أي: المشركون.
﴿لَا﴾: النافية المطلقة.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾: أيْ: ماذا أصاب هؤلاء القوم في عقولهم، فهم لا يكادون يفقهون حقيقة ما يقال لهم من حديث، أو كلام، أو قرآن.
لا يفقهون حديثاً: الفقه في اللغة: الفهم، والفقه اصطلاحاً أو في الشريعة: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، مثل العلم بأفعال المكلفين، وتشمل التحليل والتحريم والإباحة والصحة والفساد والإطلاق والنهي والإيجاب وغيرها، والقول لا يكاد يفقه حديثاً هو أسوأ من القول إنه لا يفهم، ولا هو قريب من الفهم.
والحديث قد يعني القرآن، فهم لا يفقهون معانيه، وآياته، ولا هم قريبون من فهمه، أو الأحكام الشرعية أو ليس عندهم أي علم.
سورة النساء [٤: ٧٩]
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾:
﴿مَا﴾: نكرة لغير العاقل وشرطية.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَّفْسِكَ﴾:
стр. 948
أولاً: قال: ما أصابك، ولم يقل: ما أصبت.
﴿مَا أَصَابَكَ﴾: أيْ: ما يأتي به الله لك من الابتلاء بالحسنات، ويوفقك على فعله، والصبر عليه، وشكره كله من فضل الله تعالى. ارجع إلى الآية السابقة (٧٨)؛ لمعرفة معنى الحسنة.
وما أصابك من الابتلاء بالسيئات: فهو من عند الله تعالى، وكذلك بسبب ما قدَّمت يداك، وهو كذلك خير إن صبرت واحتسبت لله، وتكرار ما أصابك مرتين للفصل بين الإصابة بالحسنات، والإصابة بالسيئات، أو كلاهما معاً.
فما يصيبنا من سيئة: قحط، أو مرض، أو مكروه، أو فقر، أو ألم، أو هزيمة؛ فذلك بما قدَّمت أيدينا، وهو بإذن من الله، وهو قضاء وقدر؛ ليرفع به درجاتنا في الآخرة، ويمحو عنا سيئاتنا، أو هو ابتلاء، واختبار؛ لرفع الدرجات.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾: يا محمد للناس: اللام: لام الاختصاص.
﴿رَسُولًا﴾: أيْ: لتبلغهم رسالات ربك، وبشيراً، ونذيراً لهم.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: يكفي بالله: الباء: للإلصاق والتوكيد؛ أن يكون شهيداً لك بأنك رسوله، وأن ما يصبهم من سيئة لست لك بها دخل، ولست أنت السبب، كما يظن بعضهم ظناً باطلاً، ولمعرفة معنى (شهيداً): ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣).
стр. 949
سورة النساء [٤: ٨٠]
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾: لأنه ﷺ لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، والله سبحانه هو الآمر والناهي، والرسول ﷺ هو المبلغ عما أرسله به، فطاعة الرسول ﷺ هي امتثال لطاعة الله.
وقد: للتحقيق، والتوكيد، قد أطاع الله.
﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾: ومن: شرطية؛ تولى؛ أي: ترك وابتعد، والتولي: أشد من الإعراض؛ أي: ورفض طاعة الرسول ﷺ ، فدعه وأعرض عنه، ولا يهمُّك أمره.
﴿فَمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وما: النافية.
﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: فما أرسلناك لتحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها؛ إن أنت إلا نذير.
﴿حَفِيظًا﴾: تعني كذلك: وما أرسلناك لتمنعهم، وتعصمهم من التولِّي، ومن مكائد الشيطان، أو تصرف عنهم وتحفظهم من المكاره والشدائد، فلا يهلكوا.
стр. 950
سورة النساء [٤: ٨١]
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾: أيْ: إذا كانوا عندك يقول المنافقون: سمعاً وطاعة، أو أمرك مطاع.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ للدلالة على التجدد والتكرار، وحكاية الحال بدلاً من قالوا.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أيْ: مجرد خروجهم من عندك. إذا ظرفية زمانية تعني: وحين يخرجون.
﴿بَرَزُوا﴾: خرجوا من عندك، ويقال للمقاتل: برز للقتال؛ أيْ: خرج.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ﴾: الطائفة: جماعة من الناس تطوف على حول عقيدة، أو آراء حقَّة، أو باطلة.
قال: بيَّت بدل من بيتت طائفة، ذكر الفعل، ولم يؤنثه، ويجوز تذكير، أو تأنيث الفعل من الناحية اللغوية، وأما من الناحية البيانية: فالتذكير يدل على القلة؛ أي: الطائفة التي بيتت هي عدد قليل. وبيت: قيل مشتق من البيت، والبيتوتة ليلاً، ويعني: الاستخفاء عن أعين الناس. إذن بيت جمعت معنيين: هم قلة، وقاموا بذلك ليلاً.
قاموا بالتدبير ليلاً؛ أيْ: غيروا، وبدلوا ليلاً، وتشاوروا على العصيان، وغيروا الذي قالوه لك.
стр. 951
﴿طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾: من المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، والمنافقون طائفتان: قسم بيت، وقسم لم يُبيت.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾: والله يعلم ما يبيتون، ويتآمرون عليه، ويأمر حفظته الموكلين بالعباد بكتابة ما يقولون، وفي هذا تهديد ووعيد لهم بما يسرونه، ويتفقون عليه بالخفاء؛ لمخالفة الرسول ﷺ وعصيانه.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: دعهم وشأنهم، والإعراض يعني: ابتعد عنهم واتركهم، وهذا الإعراض ليس فيه معنى السوء.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: فوِّض أمرك إلى الله؛ أي: اطلب منه العون، والنصر بعد أن اتخذت الأسباب؛ أي: أسباب الحيطة والحذر.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: التوكل: يعني: رد الأمر إلى الله فهو حسبك، يكفيك مما يبيِّتونه من المنكر والشر، ولا تحتاج إلى أحد غيره سبحانه القوي العزيز. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان عن التوكل.
سورة النساء [٤: ٨٢]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾:
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار.
﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: يتدبرون من التدبر، وهو طول النظر في عاقبة الأمر، أو الأمور، والتدبر: هو التدبر العقلي والقلبي والفهم، والتفكر، والتأمل في المعاني، والآيات. ارجع إلى سورة محمد آية (٢٤) للمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين يتدبرون ويدبروا.
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية.
стр. 952
﴿كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾: أيْ: لو افترضوا على سبيل الشك أن القرآن كان من عند غير الله سبحانه؛ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً؛ أيْ: فيه الكثير من التناقض، والاختلاف، والشبهات في آياته، ونظمه، وأخباره، وعجزه.
وقد يظن القارئ، أو المستمع لهذه الآية الظن الباطل: أن في القرآن اختلافاً قليلاً مقارنة فيما إذا كان من عند غير الله تعالى؛ لوجد ما فيه اختلافاً كثيراً، والجواب على التساؤل: لا أصلاً، ولا حتى افتراضاً أن يكون هناك قرآن غير القرآن المنزل على محمد ﷺ .
ولا أصلاً، ولا حتى افتراضاً أن يكون في القرآن الكريم اختلافاً كثيراً، ولا حتى قليلاً، أو يسيراً.
سورة النساء [٤: ٨٣]
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
سبب النزول: كان المنافقون، وضعاف الإيمان في زمن رسول الله ﷺ إذا جاءهم خبر، أو نبأ أن النبي ﷺ سيخرج في سرية إلى مكان كذا، أو في زمن كذا، أو هناك من يريد أن ينظم إلى حلف النبي ﷺ ، أو يأتيهم خبر صادق، أو كذب؛ كهزيمة، أو قتل أحد المسلمين، أو حتى ما يتعلق بما يحدث في بيت النبي ﷺ من شائعات يسارع هؤلاء الناس إلى إفشاء الخبر، وإشاعته من دون التريث، والصبر، والاطلاع على حقيقة الأمر، وترك الأمر إلى الرسول ﷺ ، وأولي الأمر حتى يدرسوه، وينظروا فيه، ويتخذوا القرار الإعلامي المناسب الذي يحفظ
стр. 953
أسرار المؤمنين ووحدتهم، ويتجنب بذلك تسرب أخبار المسلمين إلى أعدائهم، فنزلت هذه الآية تبيِّن لهم السبيل الأفضل لاتخاذ القرار.
﴿وَإِذَا﴾: ظرف للزمان فيه معنى حتمية الحدوث وكثرته.
جاءهم أي: المنافقون أو ضعاف المسلمين أو غيرهم.
﴿جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾: خبر يتعلَّق بالأمن؛ الأمن يعني: الاستقرار والطمأنينة مثل خروج النبي والصحابة إلى غزوة ما، ومكان كذا، أو أمر يعزم عليه النبي ﷺ ، أو بنتيجة الغزوة، أو المعركة من نصر وغنيمة، وفتح، وما حدث من نكبة، وهزيمة، وجراح، أو أيُّ شيءٍ غيره.
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: أيْ: أفشوه، وأعلموا به الناس.
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾: أيْ: ارجعوا الخبر إلى الرسول، وأولي الأمر منهم، وانتظروا ولم يذيعوا الخبر حتى يُعرض على الرسول، وأولياء الأمر منهم، والسلطة، ويدرسوه.
﴿إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾: أيْ: لنظروا في الخبر ودرسوه، وعرفوا سرَّه، وما يترتب عليه؛ فإن كانت هناك فائدة في إذاعته قاموا بذلك، وإن كان ضاراً بهم وبمصلحتهم أخفوه، ولم يذيعوه.
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: اللام: لام الابتداء، وتفيد التوكيد، والاستنباط: من النبط؛ وهو ظهور الشيء بعد خفائه، وقيل: النبط هو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفره. وقيل: الاستنباط: الاستخراج؛ أيْ: ما يستخرجه أولو الأمر والقادة للجيش والسرايا بفضل علمهم وتفكيرهم في الأمر، وخبرتهم،
стр. 954
والوصول إلى إصدار الحكم بإذاعة الخبر أم لا، حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، والمفوض إليهم الأمر لكي يستنبطونه، وليس لكل فرد الحق في الإدلاء بدلوه.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود شرط.
﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: وهو إرسال الرسول ﷺ ، وأن هداكم للهدى، وهو الإسلام والإيمان.
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: القرآن: جاءت رحمته وفضله بصيغة النكرة؛ لتشمل كل فضل ورحمة؛ لأن رحمته لا تُعد، ولا تحصى.
﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: اللام: لام التوكيد؛ أي: اتبعتم الشيطان:
١ - في قبول تلك الإشاعات، ونشر الفساد والكذب.
٢ - وفيما يأمركم به من الفواحش إلا قليلاً منكم.
٣ - ولضللتم إلا قليلاً منكم.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا: أداة استثناء، منكم: من ذوي العقول النيرة، وأولي الألباب الذين لم يذيعوا، ولم يفشوا تلك الأخبار، أو الأسرار، ولم يتبعوا الشيطان، ولم يضلوا بفضل الله ورحمته، ولم يتأثروا بالإشاعات، والدعايات الكاذبة.
стр. 955
سورة النساء [٤: ٨٤]
﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾:
﴿فَقَاتِلْ﴾: الفاء: للتوكيد، أو فاء السببية ما قبلها سبب ما بعدها:
١ - قيل: نزلت لما دعا رسول الله ﷺ الناس للخروج إلى أبي سفيان إلى بدر الصغرى بعد غزوة أُحُدٍ، كما روى ابن عباس.
٢ - أو متصلة بقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فقاتل في سبيل الله.
٣ - أو: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾: فقاتل في سبيل الله.
﴿فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾: أيْ: لا يكلفك ربك إلا نفسك وحدها؛ فلا تهتم بتخلفهم عنك، وقاتل ولو وحدك، وابتغاء وجه الله وحده.
﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾: أداة حصر، وقصر.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: حثهم على الجهاد، ورغبهم في الثواب.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾:
﴿عَسَى اللَّهُ﴾: فعل لرجاء حصول الفعل في المستقبل.
﴿أَنْ﴾: للدلالة على الاستقبال.
﴿يَكُفَّ﴾: يمنع أو يصد.
стр. 956
﴿بَأْسَ﴾: البأس هو: الشدة، والقوة في الحرب والمكيدة، ويطلق على العدة والسلاح أيضاً.
أن يكف بأس قتال الذين كفروا وشرهم وكيدهم.
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾:
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾: قوة من قريش.
﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾: أشد عقوبة وعذاباً؛ ليكونوا عبرة لغيرهم.
والتنكيل: التعذيب بالنكل، وهو القيد، ثم استعمل في كل تعذيب، وجمعه أنكال.
سورة النساء [٤: ٨٥]
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية للعاقل:
﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾: الشفاعة: هي التوسط بالقول، أو الفعل (شفاعة إنسان لإنسان) في الوصول إلى منفعة دنيوية، أو أُخروية، أو إلى الخلاص من مضرة ومن دون أجر، أو عوض على القيام بالشفاعة، وسُمِّيَت شفاعة؛ لأن الشفيع يصير مع المشفوع له شفعاً؛ أيْ: زوجاً.
﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: الوساطة في الخير، والإصلاح، والدعاء له، والحسنة: كل ما يسرُّ النفس، أو تستحسنه النفس. ارجع إلى الآية السابقة (٧٨)؛ لمزيد من البيان.
стр. 957
﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾: يكون للشافع نصيبٌ (قسطٌ)، أو حظٌّ جيدٌ من الأجر والثواب.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾:
شفاعة سيئة وساطة في فعل الشر أو بأن يؤيد باطلاً، أو يترك معروفاً، أو تكن في معصية الله، أو ظلم وجور، أو الوقوع في حدٍّ من حدود الله.
﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾: أيْ: أن يكون للشافع شفاعة سيئة كفلاً منها؛ أيْ: يكن له جزءٌ من جزء المشفع له على شفاعته السيئة.
ما هو الفرق بين النصيب والكفل؟
النصيب: هو الحظ الجيد من الأجر، ويستعمل النصيب مع الشفاعة الحسنة للترغيب، وهو يضاعف، بينما الكفل: لا يزيد، ولا ينقص، وإنما هو مساوٍ لها، والشفاعة الحسنة لا تكفيك للوصول إلى الغاية، فلا بُدَّ من القيام بنفسك بالأعمال الصالحة الأخرى بالإضافة إلى تلك الشفاعة الحسنة.
وهناك أنصبة (جمع نصيب) في العبادات القلبية، واللسانية، والبدنية، فكل عبادة تعطيك نصيب من الأجر.
الكفل: أكثر ما يستعمل في الشر، وقد يستعمل في الخير؛ كقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، فإذا استعمل في الشر: كفل الشيء؛ أيْ: مثله تماماً، لا يزيد ولا ينقص، وجزاء السيئة سيئة مثلها، ولا نقول بعشر أمثالها مثلاً.
وهذه الشفاعة السيئة وحدها تكفي، وتكفل للشافع دخول جهنم، ولا يحتاج إلى شيء آخر، وهذا هو الفرق.
стр. 958
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾: كان تشمل كل الأزمنة، مقيتاً: مشتقة من قاته؛ أعطاه القوت، وهو الطعام، ولماذا أعطاه القوت؟ لكي يحافظ على حياته، إذن الله سبحانه يعطيهم ما يحفظ لهم حياتهم (فهو الحفيظ).
وإذا كان يعطي القوت؛ فهو (الرزاق)، والمطعم لمخلوقاته جميعاً.
إذن: مقيتاً قد تعني: الرزاق، والحفيظ.
سورة النساء [٤: ٨٦]
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية. إذا: شرطية تدل على حتمية الحدوث وبكثرة.
﴿حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: التحية: السلام؛ كأن يقول أحد لكم: السلام عليكم.
﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾: نفسها؛ كأن تقولوا مثل الذي قال لكم: السلام عليكم، وعليكم السلام.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿كُلِّ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
الحسيب: الكافي للعباد، كان، ولا يزال، وسيظل من الأزل إلى أبد الأبد حسيباً، الذي يحاسب عباده على أعمالهم؛ أيْ: يجازيهم عليها، وهو سريع الحساب.
стр. 959
ولنعلم: أن ابتداء السلام (التحية) سنة؛ لقوله ﷺ : «أفشوا السلام بينكم» رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة.
وردُّ السلام فرض عين، ومنهم من قال: فرض كفاية بناءً على هذه الآية: وإذا حييتم بتحية …
стр. 960
سورة النساء [٤: ٨٧]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥).
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون في يجمعنَّكم للتوكيد.
الجمع: يجمع الأولين والآخرين، والجمع: في مكان واحد.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى: حرف غاية، تستعمل لعموم الغايات؛ أيْ: لكل الأوقات بدء الوقت، منتصفه، آخره.
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: سُمِّيَ بيوم القيامة لقيام الناس لرب العالمين، ولما يقوم فيه من أمور عظام، والتأنيث للمبالغة، مصدر قام.
﴿لَا رَيْبَ﴾: لا: النافية للجنس، الريب: الشك زائد التهمة.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه، ولا اتهام.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: ابتدائية استفهامية.
﴿أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: الحديث: يعني هناك محدث ومستمع وجهاً لوجه (متكلم وسامع).
стр. 961
والحديث قد يعني الأخبار كما هو الحال هنا، فالله سبحانه يخبر عما سيحدث للناس يوم الجمع.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: الجواب محذوف، تقديره: لا أحد أصدق من الله سبحانه حديثاً، أما الفرق بين قوله: ومن أصدق من الله قيلاً، وقوله تعالى: ومن أصدق من الله حديثاً الآية (١٢٢) من نفس السورة.
١ - فقد تقول شيئاً، ولا يوجد مستمع، أو يوجد مستمع، ولا يشترط عليه الإجابة، بينما الحديث هناك محدث ومستمع.
٢ - والقول أوسع وأعم من الحديث، والحديث أكثر من خبر واحد.
سورة النساء [٤: ٨٨]
﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾:
سبب النزول: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ﴾: روى الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحُدٍ، فرجع ناس من المنافقين، خرجوا معه، فانقسم أصحاب رسول الله ﷺ إلى فئتين: فئة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
وقيل: إنها نزلت في قوم أظهروا الإسلام، وكانوا يُعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأن قتالهم، أو عدمه، والمهم هو عموم اللفظ، وليس خصوص السبب.
فما: الفاء: استئنافية، ما: اسم استفهام، فيه معنى الإنكار، والتوبيخ.
стр. 962
﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: لماذا انقسمتم أيها المؤمنون في شأن أمر المنافقين إلى فئتين، ولا داعي لهذا الانقسام، ولا مبرر له.
فئة تدعوا إلى قتالهم ودفعَهم إلى ذلك الشعور بحمية الإيمان.
وفئة تدعو إلى عدم قتالهم ودفعَهُم إلى ذلك قرابتهم وصلتهم العائلية.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم﴾: أيْ: ردَّهم، أو نكسهم.
الركس: هو قيء الطعام المختزن في المعدة بعد هضمه.
فالله يصف المنافقين الذين ارتدوا، أو رجعوا إلى الكفر، أو لم يقاتلوا مع رسول الله ﷺ كالقيء الذي يخرج من المعدة، وارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، ولم يجبرهم أحد على الدخول في الإسلام، وهم اختاروا ذلك.
﴿أَتُرِيدُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
﴿أَنْ تَهْدُوا﴾: أن: للتوكيد، تهدوا من أضل الله: تهدوا هؤلاء الذين انحرفوا، وتركوا سبل الهداية، وضلوا، وارتدوا إلى الكفر.
فالله لم يضلَّهم إلا من بعد ما أرادوا هم أنفسهم الضلال، واختاروه طريقاً لهم، فهؤلاء لن تهدوهم، أو حتى تستطيعوا هدايتهم إلى الإسلام مرة أخرى.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: ومن يريد أن يكون ضالاً عن طريق الحق، وبعيداً عنه، ولا يريد الهداية نفسه.
стр. 963
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد.
لن: تفيد نفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: طريقاً، أو وسيلة، فلن تجد أيَّ سبيلٍ لهدايته. سبيلاً: نكرة تعني؛ أيَّ وسيلةٍ، أو طريقة لهدايته.
سورة النساء [٤: ٨٩]
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿وَدُّوا﴾: تمنوا لو تكفرون: ولم يقل: تكفروا، بل قال تكفرون جاء بنون التوكيد.
﴿لَوْ﴾: حرف مصدري للتمني، لو تكفرون كما كفروا، لو تضلون كما ضلوا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لبيان معنى الكفر.
﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾: أيْ: متساوون معهم في الكفر، والضلال بسبب حسدهم وغيضهم، ولذلك فاحذروهم، فلا تتخذوا منهم أولياء.
﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد.
لا: الناهية. ﴿تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، ونصير.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يُهَاجِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يهاجروا إلى المدينة، ويقطعوا صلتهم بالكفار،
стр. 964
وليس الأمر مجرد الهجرة، فلا بُدَّ من الإخلاص في إيمانهم، وهجرتهم، ولا يهاجروا لأغراض دنيوية.
والهجرة في سبيل الله تدل على صدق إيمانهم.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: فإن أعرضوا عن الهجرة، أو هاجروا، ثم ارتدوا عن الإيمان إلى النفاق، والكفر، أو استمروا على كفرهم ونفاقهم.
﴿فَخُذُوهُمْ﴾: من الأخذ، ويعني: الأسر.
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾: أينما وجدتموهم، سواء في الحرب أو غير الحرب، أو من حالة الأمن أو غير الأمن، أو السلم أو غير السلم؛ لأنكم قادرون عليهم، وأقوى منهم.
﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾: أيْ: في أية فرصة تجدونهم فيها، وفي أيِّ مكانٍ وزمانٍ في الحل والحرم.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: لا: الناهية؛ أيْ: لا تطلبوا من أيِّ واحدٍ منهم، (من هنا استغراقية)؛ أيْ: تشمل كل واحد أن يكون لكم ولي؛ أيْ: معين ومساعدٌ، ولا نصير. ولا تسألوا أياً منهم أن يقاتلوا معكم، أو ينصروكم بالقوة ما داموا على ذلك، ثم استثنى من أخذهم أسرى، وقتلهم بعض الأشخاص، كما ورد في الآية (٩٠).
سورة النساء [٤: ٩٠]
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ
стр. 965
يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ أيْ: لا تأسروا، ولا تقتلوا منهم: الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو الذين حصرت صدورهم.
الصنف الأول: الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق: هو العهد الموثق بالأيمان، أو القسم، وهو أشد من العقد والعهد؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٧) لمزيد من البيان، هم:
الذين التحقوا، أو انضموا إلى صف القوم الذين بينكم وبينهم ميثاق، أو عهد، أو صلح مثل صلح الحديبية، كما ورد في صحيح البخاري، فهؤلاء أصبحوا معهم على عهدهم، من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه، وعهدهم دخل فيه بحكم استجارتهم بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق وطلبهم الأمان منهم، فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم معهم.
الصنف الثاني: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾:
الصنف الثاني هم المحايدون الذي حصرت صدورهم؛ أيْ: ضاقت صدورهم، ولا يرغبون في قتالكم، ولا يرغبون أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم، ولا عليكم.
فاصبروا عليهم، ولا تأسروهم، أو تقتلوهم.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ولكن من رحمته ورأفته بكم أن
стр. 966
اعتزلوكم، وكيف بأس هذين الفريقين عنكم، ولذلك: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
﴿فَإِنِ﴾: الفاء: عاطفة. إن: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: أيْ: الصلح والهدنة، اعتزلوكم بمعنى: كفوا أيديهم عنكم، ولم يتعرضوا لكم، ولم يقتلوكم، وألقوا إليكم السلم؛ أيْ: الصلح، والهدنة، ولمعرفة الفرق بين السِّلْم، والسَّلْم، والسَّلَم؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠٨) للبيان المفصل.
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، ما: النافية.
أيْ: ما ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: أيْ: أن تأسروهم، أو تقتلوهم (كما شاء الله لم يسلطهم عليكم).
سورة النساء [٤: ٩١]
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾:
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾: ستعثرون على قوم آخرين صنف ثالث من المنافقين والمشركين، كانوا يأتون إلى المدينة المنورة، فإذا دخلوها أظهروا إسلامهم وولاءهم للمسلمين كي يأمنوا بطش المسلمين، وأذاهم، وأموالهم، وذراريهم (النساء والصبيان).
وإذا عادوا إلى مكة أظهروا ولاءهم ومودتهم وشركهم للمشركين؛ كي يأمنوا شر المشركين، وبطشهم، كذلك كلما ردوا؛ أيْ: دعوا إلى الفتنة، إلى
стр. 967
الشرك والكفر؛ أيْ: عادوا إلى مكة، فدخلوا في الشرك والكفر، وإذا كانوا معكم عبدوا الله، وإذا كانوا مع قومهم عبدوا الأصنام، فهؤلاء يعتبرون مع الكفار، فالحكم في هؤلاء هو كالتالي: إن لم يعتزلوكم؛ أيْ: يتركوا قتالكم، ولا يحالفوا عليكم، أو يلقوا إليكم السلم (الصلح والهدنة)؛ أيْ: الانقياد بالاستسلام.
﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: ثقفتموهم من الثقف: ثقف الرجلُ؛ أيْ: تمكن منه وظفر به؛ أي: في سياق الحرب، وليس مجرد أن وجده حاول أسره، أو قتله، بل لا بُدَّ من أن تكون له قدرة واستطاعة على فعل ذلك؛ مثلاً: أن يصبر حتى يعود إلى المدينة، فلا يلاحقه في مكة، أو ينتظر الزمن، والمكان المناسب للقيام بذلك، وهناك فرق بين ثقفتموهم، ووجدتموهم كما سيلي.
﴿وَأُولَئِكُمْ﴾: الواو: عاطفة. أولاء: اسم إشارة، والكف: للخطاب.
﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: جعلنا لكم: اللام في لكم لام الاستحقاق، أو الاختصاص.
﴿سُلْطَانًا﴾: السلطان نوعان: سلطان القوة القتالية، وسلطان الحُجَّة والمنطق والأداء الذي يقنع الآخرين.
﴿مُبِينًا﴾: سلطاناً واضحاً، وحجته على قتلهم وسبيهم.
ما هو الفرق بين: حيث وجدتموهم، وحيث ثقفتموهم.
﴿حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾: أيْ: أنتم في موقف القوة، والسلطة لكم، والحكم، فعندها خذوهم أينما وجدتموهم، واؤْسروهم، واقتلوهم.
стр. 968
حيث ثقفتموهم: أيْ: إذا جاؤوا إليكم، وتمكنتم منهم في الحرب هذا هو الشرط؛ عندها خذوهم وأسروهم واقتلوهم.
وإذا وجدتموهم في أيِّ مكانٍ، أو زمانٍ، وأنتم غير قادرين، ليس عندكم القوة والعدة لأسرهم، أو قتلهم؛ فلا تقتربوا منهم، وانتظروا الفرصة، ولو قال: حيث وجدتموهم بدلاً من حيث ثقفتموهم؛ لكان على المسلمين أن يذهبوا، ويبحثوا عنهم في مكة، أو أينما كانوا، وهذا أمر صعب إذا لم يكن المسلمون في حالة القوة، ومن الصعب القيام بذلك، فلا يجوز تفسير: ثقفتموهم: وجدتموهم، كما في كثير من كتب التفسير.
стр. 969
سورة النساء [٤: ٩٢]
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية.
﴿لِمُؤْمِنٍ﴾: لمؤمن: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾: أن: حرف مصدري يفيد التعليل.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿خَطَئًا﴾: الخطأ: هو الفعل غير الاختياري يكون بغير عمد، أو قصد.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا﴾: جاء بالفعل الماضي؛ لأن قتل الخطأ لا يتكرر يحصل مرة وانتهى، أم القتل العمد فقد يتكرر، ولذلك جاء بصيغة المضارع، حين قال:
стр. 970
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فكفارة القتل الخطأ: تحرير رقبة مؤمنة+ دية مسلّمة إلى أهله إلا أن يصَّدَّقوا.
﴿فَتَحْرِيرُ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط.
لماذا تحرير رقبة مؤمنة، ولماذا الدية؟
قالوا: حين يُقتل مؤمنٌ خَطَأً يحدث اختلال في توازن المجتمع؛ لأن المجتمع خسر فرداً من أفراده، وأصبح اختلال في عائلة المقتول، وبالتالي في المجتمع؛ لأن المجتمع مكون من عائلات، فلكي نعيد التوازن الاجتماعي يجب تحرير رقبة مؤمنة تقوم مقام المؤمن الذي قُتل؛ أي: من تسبب في موت نفس مؤمنة عليه بإحياء نفس ميتة وأين يجد هذه النفس؟ يجدها بين النفوس الكثيرة المستعبدة فالرق والعبودية قتل للنفوس.
ولكي نعيد التوازن في عائلة المقتول لا بُدَّ من دفع دية مسلمة إلى أهله، جبراً لخاطرهم حتى لا تقع عداوة بعدها، إلا أن يعفو عنها ولي وأهل المقتول، وسمَّى الله تعالى العفو عن أخذ الدية تصدقاً، أو صدقة؛ للترغيب بالقيام بذلك، فقال: إلا أن يصَّدَّقوا، أو يمكن أخذ الدية والتصدُّق بها، وهذا أفضل.
ما هو الفرق بين تحرير رقبة، وفك رقبة؟
تحرير رقبة جاء في (٦) آيات، وفك رقبة ذكر في آية واحدة في سورة البلد، الآية (١٣).
تحرير رقبة: التحرير يكون من الرق، وهذا لم نعُد نراه في عصرنا هذا، والتحرير بالعتق، أو التخليص، ويقوم بها الذي عليه الكفارة.
стр. 971
فك رقبة: فكها من الأسر، وهذه باقية إلى يوم القيامة، أو فكها من السجن، وفك رقبة تعني أن تعين على تخليصها من الأسر، أو السجن، وإما أن يقوم بها واحد، أو يشترك معه آخرون.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾:
﴿فَإِنْ﴾ الفاء: للتفصيل.
إن: شرطية تفيد الندرة، أو الاحتمال.
هو: ضمير منفصل يفدي الحصر والتوكيد.
فإن كان المقتول من قوم عدو لكم، والمقتول هو مؤمن؛ أيْ: هو مؤمن، ولكن من قوم كفار، فالكفارة هنا تحرير رقبة مؤمنة فقط.
وليس عليه دية لأهل المقتول؛ لأنهم كفار. والدية غايتها جبر لخاطر أولياء المقتول، ولما كان هؤلاء كفار سقط هذا الحق.
وقال سبحانه: عدو لكم، ولم يقل: أعداء لكم: لأن عداوتهم متشابهة، فهي كعداوة الواحد، وليس لها أشكال مختلفة عداوة لها سبب واحد، وهو الدِّين، وعندما يتحد مصدر العداء، فهم عدو واحد.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة.
إن: شرطية تفيد الاحتمال.
стр. 972
كان: المقتول مؤمناً من أهل الذِّمَّة، أو من قوم غير مسلمين، وبينكم وبينهم ميثاق على السلم، أو معاهدة: فكفارة قتله الدِّيَة، وتحرير رقبة مؤمنة؛ لأن هؤلاء لهم ما للمسلمين من حقوق، فلا بُدَّ من الوفاء بالميثاق.
والدِّيَة تؤخذ من مال القاتل الجاني، وإذا لم يكن له مال تؤخذ من العاقلة (عائلة الجاني).
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة. من: شرطية.
﴿لَّمْ يَجِدْ﴾: الرقبة، أو لم يتسع ماله لشرائها؛ أيْ: تحريرها، فصيام شهرين متتابعين بكل أيامها من دون فاصل؛ إلّا بعذر كالمرض، أو السفر، وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر؛ عليه استكمال ذلك، والتتابع هو شرط في هذه الحالة إلّا بعذر.
﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾: لماذا قال سبحانه: توبة من الله، ولم يقل: توبة من القاتل الجاني، توبة من الله؛ أيْ: تشريعاً من الله للعبد، توبة من الله تعني: توبة شرعها الله للقاتل غير العمد، والتوبة هي الدِّيَة، وتحرير رقبة توبة ماحية للذنب.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بما يصلح خلقه من تكاليف، وعليم بأعمالهم (أقوالهم وأفعالهم) ونواياهم.
﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير خلقه، وفيما يقضي بينهم، أو يشرعه لهم من الأحكام، وحكيماً مشتقة من الحكمة، أو الحكم، أو كليهما معاً.
стр. 973
وهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة النساء [٤: ٩٣]
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. من: شرطية.
﴿يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾: وقتل العمد يجب أن تتوافر فيه الشروط التالية:
١ - كون القاتل، أو الجاني عاقلاً غيرَ مجنون، بالغاً (سن البلوغ).
٢ - متعمداً قاصداً القتل مع سبق إصرار وتخطيط.
٣ - استعمل أداة القتل مما يقتل بها غالباً.
ويجب تفريق القتل العمد من شبه العمد؛ مثل: وكزه بيده؛ فقضى عليه، وعقوبة القتل العمد الدنيوية: أن يُقتل القاتل، ويسمَّى هذا القصاص، ولا يرث القاتل، لا هو، ولا ورثته من المقتول إذا كان قريباً له.
أما العقوبة الأخروية: فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه (طرد من رحمة الله وإبعاد)، وله عذاب عظيم مهيأ له، وينتظره.
هل للقاتل عمداً توبة؟ الجمهور قالوا: إن له توبةً إذا حدث القتل وانتهى، وأما من جاء يسأل عن فتوى، وهو يريد الإقدام على القتل؛ فقالوا: نقول له لا توبة له.
كما قال ابن عباس ﵄، وجماعة من العلماء، والصحابة، والتابعين: أنه لا توبة له، والجمهور: يرى أن تقبل توبته إذا حدث القتل وانتهى وتاب؛ لقوله
стр. 974
سبحانه: ﴿يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
﴿فَجَزَاؤُهُ﴾: الجزاء مقابل العمل، ويعني: العقاب، أو الثواب، وفيه معنى المماثلة.
﴿جَهَنَّمُ﴾: ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: البقاء الدائم المستمر يبدأ من زمن دخولها.
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾: الغضب يقتضي العقاب، ويعني: السخط، والغضب الذي توجبه الحكمة.
﴿وَلَعَنَهُ﴾: اللعن: الطرد من رحمة الله تعالى والإبعاد.
﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾: هيأ له أشد أنواع العذاب؛ العذاب العظيم، وهو أشد من العذاب المهين، والعذاب الأليم، والعذاب الكبير.
سورة النساء [٤: ٩٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
سبب النزول: روى البزار، عن ابن عباس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلم أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فعمد إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرنَّ ذلك للنبي ﷺ ، فلما قدِموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله: إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؛ فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد، فدعوه، فقال ﷺ : يا مقداد
стр. 975
أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، و ﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾: يعني: جاءكم مستسلماً، أو قال الشهادة، أو كلمة التوحيد، فليس من حق أحد أن يلقي إليه الاتهام بعدم الإيمان، والإسلام، ويقول له: لست مؤمناً.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا؛ أيْ: الذين هم على درب الإيمان بأمر جديد، أو حكم، أو وصية، أو موعظة.
والهاء: للتنبيه.
﴿إِذَا﴾: شرطية، ظرفية للزمن المستقبل، وتدل على حتمية الحدوث.
ضربتم في سبيل الله: أيْ: خرجتم للجهاد، أو إعلاء كلمة الله، ونشر الدِّين، أما الضرب في الأرض، فيكون للتجارة، أو العلم، أو غيره.
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط (إذا). تبيَّنوا: تثبتوا، وتحققوا، ولا تتسرعوا، والتبيُّن: هو التثبت، والتبيُّن يحتاج إلى ذكاء وفطنة، تأكدوا من صحة الأمر بكل الوسائل.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً.
﴿لِمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
стр. 976
﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾: أيْ: قال: السلام عليكم، أو أسلم، وأعلن إسلامه، أو استسلم، أو نطق بالشهادة.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾: ترفضوا شهادته، أو تكذبونه بما في قلبه، ويكفيكم الظاهر، والله أعلم بما في القلوب.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾:
﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: العرض: كل ما يعرض، ويزول، وليس له دوام، أو ثبات، من منفعة، أو لذة عاجلة، أو مال، أو جاه، وغيره.
ويسمى متاع الدنيا عرضاً: لأنه عرض زائل، وقيل: العرَض بفتح الراء: هو المال، والعرْض بإسكان الراء: يدل على المتاع من أثاث، وما ينتفع به، ولذلك كل عرْض بإسكان الراء عرَض بفتحها، وهناك معنى آخر: هو العرض على الله تعالى.
أيْ: إياكم أن يكون سبب إيذائه، أو قتله هو ابتغاء أخذ الغنيمة منه، أو المال، أو الانتقام، أو الحمية، أو أيُّ عرضٍ من الأعراض الدنيوية الفانية، فلا بُدَّ من إخلاص النية والتبيُّن.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾: أرزاق، ونعم كثيرة لا تعد، ولا تحصى تغنيكم عما في أيدي الناس.
﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: هكذا كانت حالتكم قبل دخولكم الإسلام؛ إذ كنتم تخفون إسلامكم، وإيمانكم خوفاً من أذى المشركين والقتل إلى أن مَنَّ الله عليكم سبحانه، وأيدكم بنصره، فدخلتم الإسلام فصرتم آمنين، لا تخافون، وتظهرون إسلامكم، وتدعون الآخرين للدخول فيه، فتبيَّنوا أيها الدعاة، ويا من تحملون راية الإسلام، فتثبَّتوا، وتأكدوا
стр. 977
من استباحة دماء إخوانكم من المسلمين، أو ممن ألقوا إليكم السلام، وكفوا أيديهم عنكم.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتأكيد؛ أيْ: تأكدوا أن الله يعلم بواطن الأمور، ونياتكم، وذوات الصدور، وما تفعلون من صغيرة وكبيرة في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ومن يعلم بواطن الأمور يعلم ظواهرها، ولا داعي لذكر ذلك.
كان سبحانه منذ الأزل، ولا يزال، وسيبقى مطلعاً، ويدرك أحوالكم.
وقدَّم كلمة تعملون على خبير؛ لأن سياق الآيات في الجهاد، والقتل.
و ﴿بِمَا﴾: الباء: فيها للإلصاق.
انتبه إلى قوله ﷻ : ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: ذكرت مرتين؛ للتوكيد على التثبت من صحة الأخبار، والأدلة، وعدم التسرع في الحكم، والإقدام على أيِّ فعلٍ من دون تمحيصه، والتأكد منه.
стр. 978
سورة النساء [٤: ٩٥]
﴿لَا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
﴿لَا﴾: النافية المطلقة تنفي كل الأزمنة، وأوسع في النفي من (لن).
﴿يَسْتَوِى﴾: في المنزلة، والأجر عند الله في الدنيا والآخرة.
﴿الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾: القاعدون: جمع قاعد؛ أي: لم يخرج للجهاد، والقاعد: قد تجمع على قعود، فالقعود: تدل على الاسم، أو المعنى، والقاعدون: تدل على الحدث، والضرر: يعني: فيهم علة مزمنة؛ أي: مرض مزمن كالسكر، أو أمراض الكلاوي والكبد … وغيرها؛ أي: غير الأصحاء عن الجهاد مع المؤمنين، وهم قسمان:
القسم الأول: غير أولي الضرر، وهم الأصحاء غير المصابين بأي مرض، وليس لهم عذر، أو عجز للخروج للجهاد بأموالهم وبأنفسهم.
والقسم الثاني: أولو الضرر: وهم المرضى والمصابون بعلل مثل: العمى، والعرج، والأمراض المزمنة، مثل: السكري، وبعض الأمراض الدموية، وغيرها.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾:
стр. 979
هنا أضاف الله سبحانه القسم الثالث من المؤمنين: وهم المجاهدون بأموالهم، وأنفسهم، فأصبحت ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المؤمنون القاعدون عن الجهاد من دون عذر، أو عجز.
القسم الثاني: المؤمنون القاعدون عن الجهاد بعذر، أو عجز؛ مثل: العمى، والعرج، أو مرض مزمن، هؤلاء هم أولو الضرر، هؤلاء أجرهم قد يكون كأجر المجاهدين.
القسم الثالث: المؤمنون المجاهدون بأموالهم وأنفسهم.
إذن فضَّل الله القسم الثالث، وهم المجاهدون (بأموالهم وأنفسهم) على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر؛ أيْ: القسم الأول درجة في الفضل، والفضل: يعني الزيادة في الخير والأجر، وفضل: تعني رفع، وقدم الأعلى الأكثر درجة على الأدنى الأقل درجة.
﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: وكلاً: تعني: المجاهدين بأموالهم وأنفسهم (القسم الثالث)، والقاعدين عن الجهاد بعذر، أو عجز (أولي الضرر)، والقسم الثاني، وقد تعني: المؤمنين بشكل عام (الأصناف الثلاثة)، ولكن درجاتهم في الجنة مختلفة، والحسنى: الجنة، والحسنى: اسم مشتق، مؤنث الأحسن.
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾: بأموالهم وأنفسهم (القسم الثالث) على القاعدين من دون عذر، أو عجز (القسم الأول) أجراً عظيماً.
وما هو الأجر العظيم؟
стр. 980
فسرته الآية (٩٦): ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. الأجر العظيم: هو الدرجات العالية، والمنازل الرفيعة في الجنان العالية؛ كالفردوس الأعلى، والأجر يتضمن مغفرة الذنوب والسيئات، ورحمة، وتعريفها: هي جلب كل ما يسر، ودفع ما يضر، وتعني: الإنعام على المؤمن بشتى أنواع النِّعم.
سورة النساء [٤: ٩٦]
﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
أي: الدرجات العالية في الجنة، والجنة كما نعلم (١٠٠ درجة)، كل درجة وأخرى كما بين السماء والأرض. والسؤال هنا: كيف نفسر منزلة المجاهدين درجات بعد أن ذكره الله تعالى (درجة) في الآية السابقة (٩٥) ذكر درجات ليبين معنى درجة ليس درجة واحدة، وإنما هي درجات حتى لا يظن أحد أنهم كغيرهم، وهذا يسمى التفصيل بعد الإجمال، وهناك تفسيرات أخرى:
تفسير أول: أعطى لأولي الضرر (القسم الثاني) درجة واحدة منزلة واحدة، وأعطى الله المجاهدين في سبيل الله بأموالهم، أو أنفسهم (القسم الثالث) درجات: منازل ومراتب في الآخرة.
تفسير ثانٍ: عندما قال سبحانه: درجة، فقد أجمل القول، ثم عاد وفسر ذلك بقوله: درجات منه ومغفرة.
تفسير ثالث: الدرجة تدل على درجة في الدنيا، وتعني: المدح، والتعظيم، والثناء، والذكر الحسن، ودرجات منه ومغفرة في الآخرة (تعني: درجات الجنة).
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: كان تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كان، وما زال، وسيظل سبحانه.
стр. 981
﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة كمَّاً، ونوعاً، وأصل المغفرة الستر، فهو يغفر الذنوب العظام، ويغفر الذنوب، ولا يعاقب عليها.
﴿رَحِيمًا﴾: صيغة مبالغة رحيم كثير الرحمة لعباده المؤمنين في الدارين.
سورة النساء [٤: ٩٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾:
سبب النزول: كما روى ابن عباس؛ قيل: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة، وادعوا أنهم مستضعفون، عاجزون عن الهجرة، وعاجزون عن إقامة شعائر الدِّين، وإذا هاجروا تسلب أموالهم، وحين خرج المشركون إلى بدر، خرج هؤلاء معهم، وقاتلوا مع المشركين، فقتلوا وهم كفار، فبذلك أصبحوا ظالمين لأنفسهم.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أيْ: توفتهم الملائكة بعد أن قتلوا في بدر.
توفاهم الملائكة، وفي آيات أخرى، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فالوفاة قد تنسب إلى الله، وإلى ملك الموت، وإلى الملائكة، فالأمر من الله ينزل إلى ملك الموت، ثم ملك الموت يأمر الملائكة الموكلين بوفاة العبد بالحضور لاستلام روحه بعد أن يقبضها ملك الموت؛ كي يصعدوا بها إلى عليين، أو سجين.
стр. 982
قال سبحانه: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾: الوفاة: قد تعني الموت؛ أي: خروج الروح من الجسم، وقد تعني: المرحلة التي تسبق نزع الروح من الجسم، ولم يقل: تتوفاهم الملائكة، كما ورد في سورة النحل، آية (٢٨): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.
توفاهم في سورة النساء؛ تعني: قسماً من الظالمين الذين ادعوا بأنهم مستضعفون؛ فلما كان عددهم قليل قال تعالى: (توفاهم الملائكة).
أما تتوفاهم في سورة النحل تشمل كل الظالمين، وبما فيهم الظالمون المذكورون في سورة النساء.
فعدد الظالمين في آية النحل أكبر بكثير من عدد الظالمين في آية النساء، ولذلك زاد التاء التي تدل على الكثرة في آية النحل.
﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾: بسبب عدم الهجرة في سبيل الله رغم أنهم كانوا قادرين على الهجرة، وعدم طاعة الرسول ﷺ .
﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾: أيْ: سألتهم ملائكة الموت قبيل نزع أرواحهم فيما كنتم.
فيمَ: في ظرفية، وما: للاستفهام التوبيخي.
﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾: أيْ: في أيِّ الفريقين كنتم، أفي المسلمين، أم في المشركين، أو ما فعلتم بدينكم، وظلمتم أنفسكم بعدم الطاعة والهجرة.
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: كنا مستذَلِّين، ومقهورين في مكة، أو عاجزين في الأرض، ولم نتمكن من إقامة الدِّين.
﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا﴾:
стр. 983
﴿قَالُوا﴾: أيْ: الملائكة قالوا لهم.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخي.
﴿تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾: أيْ: ألم تكن أرض الله واسعة، وكنتم قادرين على الخروج من مكة إلى مكان آخر؛ مثل المدينة المنورة؛ لممارسة دِينكم.
﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾: وليس عليها؛ لأن الأرض تشمل الطبقة الغازية المحيطة بالأرض.
﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾:
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد.
أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتفيد التحقير.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: المأوى: اسم مكان، ويعني: منزلهم، أو المكان من آوى يأوي؛ أيْ: مكان إقامتهم واستقرارهم.
﴿جَهَنَّمُ﴾: مشتقة من الجهومة: الشيء المخوف، أو الكريه المنظر، والباعث على الكراهية، وجهنم تعني: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان.
﴿وَسَاءَتْ﴾: من ساء؛ أيْ: قبح؛ أيْ: قبحت.
﴿مَصِيرًا﴾: المرجع، أو المآل، والمنتهى.
سورة النساء [٤: ٩٨]
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء للقعود عن الهجرة.
стр. 984
﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾: بالعلل، والأمراض المزمنة، والعجز، والفقر، وغيرها من الأسباب.
﴿وَالْوِلْدَانِ﴾: غير مكلفين، ولا يستطيعون حماية أنفسهم.
﴿وَالنِّسَاءِ﴾: لا تستطيع أن تحمي نفسها، وتحتاج إلى زوج، أو محرم.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: لا قوة لهم على الهجرة، ولا النفقة، أو حماية أنفسهم إذا هاجروا.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: السبيل: هو الطريق الموصل إلى الغاية.
لا يعرفون طريقاً يسلكونه، أو السبل المؤدية إلى المدينة المنورة للهجرة، أو غيرها من المدن.
سورة النساء [٤: ٩٩]
﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾:
﴿فَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة إلى من جاء ذكرهم في الآية السابقة من المستضعفين، أو الوالدين، والنساء.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾: ولم يقل: فأولئك عفا الله عنهم؛ لأن عسى: تحمل معنى الترجي والطمع؛ أيْ: ليحثهم على الرجاء، والطمع في عفو الله سبحانه، ويدل كذلك على أن أمر الهجرة أمر لا توسعة فيه، ولا بُدَّ منه.
﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التوكيد؛ أيْ: لا يؤاخذهم، ويغفر لهم ما قصروا فيه لضعفهم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾: كان أزلاً وأبداً، كان: للماضي، والحاضر، والمستقبل.
العفو: ترك العقاب على الذنب ومحوه، وهو أبلغ من الستر، وقيل: هو إسقاط اللوم، والذم.
стр. 985
الغفران: يعبر عن الستر.
الغفور: من الغفر؛ أيْ: غفر الذنب ستره، وقيل: الغفران: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب. ارجع إلى الآية (٩٦) من نفس السورة.
سورة النساء [٤: ١٠٠]
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية.
﴿يُهَاجِرْ﴾: من الهجرة، وهي الانتقال من بلد إلى بلد.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: لإعلاء كلمة، أو دِين الله، أو لطلب العلم.
﴿يَجِدْ﴾: جواب للشرط.
﴿فِى الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾: أماكن للهجرة، أو أمكنة يُهاجَر إليها، وتسمى مهاجر.
وسُمِّيَت مراغم: من الرغام، وأصله: هو التراب.
أو سُمِّيَت مراغم؛ لأن المُهاجر الذي يفارق قومه الذين يعذبونه، ويضطهدونه، وهم يودون لو بقي تحت سيطرتهم، وعذابهم، ولم يهاجر؛ كأنه ألصق أنوفهم بالتراب وأذلهم حين تركهم، وهاجر، ولم يقدروا على منعه من الهجرة.
ويقال: راغمت الرجل: إذا فارقته؛ وهو كاره، وهو يكره مفارقتك؛ لمذلة تلحقه بعد تركك له.
ومراغم: اسم مفعول، وتعني: مكاناً متى ما وصلت إليه أرغمت أنف خصمك الذي كان يذلك؛ لكونك خرجت من تحت سيطرته، فكأنك جعلت أنفه ملتصق بالتراب.
следующие страницы →