← Акыда

Акыда · id 911

الإبانة عن أصول الديانة - ت العصيمي

أبو الحسن الأشعري

Полный текст (674 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قرنت الكلام بأمر مستحيل، فقالت. وَلَا أصَالِحُ قوْماً كُنْتَ حَرْبَهُمُ حَتى يعودَ بَيَاضاً حُلَكَةُ القَارِ (١) (٢) والله إنما خاطب العرب بلغتها، وما نجده مفهوماً في كلامها، ومعقولاً في خطابها. فلما قرن الرؤية بأمر مقدور جائز، علمنا أن رؤية الله بالأبصار جائزة غير مستحيلة. ١٠ - ودليل آخر: قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٣). قال أهل التأويل: النظر إلى الله تعالى ولم يُنْعم الله على أهل جنانه (٤) بأفضل من نظرهم إليه ورؤيتهم له. وقال : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٥) قيل: النظر إلى الله . وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ (٦) وإذا لقيه المؤمنون رأوه. وقال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٧)

стр. 282

فحجبهم عن رؤيته ولا يحجب عنها المؤمنون. ١١ - سؤال: فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟ (١). أ- قيل له: يحتمل أن يكون: لا تدركه في الدنيا وتدركه في الآخرة، لأن رؤية الله تعالى أفضل اللذات، [وأفضل اللذات] (٢) يكون في أفضل الدارين. ب- ويحتمل أن يكون الله أراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لا تدركه أبصار الكافرين المكذبين، وذلك أن الكتاب (٣) يُصَدِّق بعضه بعضاً، فلما قال في آية: إن الوجوه تنظر (٤) إليه يوم القيامة وقال في آية أخرى: إن الأبصار لا تدركه علمنا أنه إنما أراد أبصار الكفار لا تدركه (٥).

стр. 283

١٢ - [مسألة] (١) والجواب عنها: فإن قال قائل: قد استكبر (٢) الله سؤال السائلين له أن يُرى بالأبصار، فقال: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٣). فيقال [لهم] (٤) إن بني إسرائيل سألوا رؤية الله على طريق الإنكار لنبوة موسى وترك الإيمان [به] (٥) حتى يروا (٦) الله، لأنهم قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٧). فلما سألوه الرؤية عن طريق ترك الإيمان بموسى ﵇ حتى يريهم الله نفسه؛ استعظم الله سؤالهم من غير أن تكون الرؤية مستحيلة عليه، كما استعظم الله سؤال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتاباً من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلاً. ولكن لأنهم أبوا أن يؤمنوا بنبي الله حتى ينزل عليهم كتاباً من السماء (٨).

стр. 284

١٣ - دليل آخر: وما يدل على رؤية الله بالأبصار. ما روته الجماعات من الجهات المختلفات عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته» (١). والرؤية إذا أطلقت إطلاقاً ومُثِّلتْ برؤية العيان، لم يكن معناها إلا رؤية العيان. ١٤ - ورويت الرؤية عن رسول الله (٢) ﷺ من طرق مختلفة، [عديدة] (٣) رواتها أكثر من عدة خبر الرجم (٤)، ومن عدة من روى أن النبي ﵌ قال: «لا وصية لوارث (٥)»، .......................................... ومن عدة رواة

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 286

المسح على الخفين (١) ومن عدة رواة قول رسول الله ﷺ : «لاتنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (٢). وإذا كان الرجم وما ذكرناه سُنة عند المعتزلة، كانت الرؤية أولى أن تكون (٣) سنة لكثرة رواتها ونقلتها. [يرويها خلف عن سلف] (٤).

стр. 287

وحديث «أنى (١) أَرَاهُ» (٢) لا حجة فيه، لأنه إنما سأل النبي ﷺ عن رؤية الله في الدنيا وقال له: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنّى أراه»؟ (٣)؛ لأن العين لا تدرك في الدنيا الأنوار المخلوقة على حقائقها؛

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 290

لأن الإنسان لو حدق بنظره إلى عين الشمس فأدام النظر إلى عينها لذهب أكثر نور بصره، فإذا كان الله حكم في الدنيا بأن لا تقوم (١) العين بالنظر إلى عين الشمس، فأحرى ألا يّثْبتَ (٢) البصر للنظر إلى الله في الدنيا إلا أن يقويه الله . فرؤية الله سبحانه في الدنيا قد اختلف فيها (٣). وقد روي عن أصحاب رسول الله ﷺ أن الله

стр. 291

تراه العيون في الآخرة. وما روي عن أحد منهم أن الله لا تراه العيون في الآخرة. ١٥ - فلما كانوا على هذا مجمعين وبه قائلين، وإن [كانوا] (١) في رؤيته في الدنيا مختلفين، ثبتت الرؤية في الآخرة إجماعاً. وإن كانت في الدنيا مختلفاً فيها، ونحن إنما قصدنا إلى إثبات رؤية الله في الآخرة. على أن هذه الرواية على المعتزلة لا لهم، لأنهم ينكرون أن الله نور في الحقيقة. فإذا احتجوا بخبرٍ هم له تاركون، وعنه (٢) منحرفون، كانوا محجوجين (٣). ١٦ - دليل آخر (٤) ومما يدل على رؤية الله بالأبصار،

стр. 292

[أنه] (١) ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله (٢)، وإنما لا يجوز

стр. 293

أن يُرى المعدوم، فلما كان الله موجوداً ثابتاً كان غير مستحيل أن يرينا نفسه . وإنما أراد مَنْ نفى رؤية الله بالأبصار التعطيل، فلما لم يمكنهم أن يُظهروا التعطيل صراحاً أظهروا ما يؤول بهم إلى التعطيل والجحود، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. ١٧ - دليل آخر: ومما يدل على رؤية الله سبحانه بالأبصار: أن الله يرى الأشياء (١)، وإذا كان للأشياء رائيًا [فلا يرى الأشياء من لا يرى نفسه] (٢). وإذا كان لنفسه رائيًا فجائز أن يرينا نفسه. وذلك أن من لا يعلم نفسه لا يعلم شيئاً، فلما كان الله عالماً بالأشياء كان عالماً بنفسه، فكذلك (٣) من لا يرى نفسه لا يرى الأشياء. فلما (٤) كان الله

стр. 294

رائيًا للأشياء كان رائياً لنفسه. فإذا (١) كان رائياً لها فجائز أن يرينا نفسه. كما أنه لما كان عالماً بنفسه جاز أن يعلمناها. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (٢) فأخبر أنه سمع كلامهما ويراهما. ومن زعم أن الله لا يجوز أن يُرى بالأبصار يلزمه أنْ لا يجوز أن يكون الله رائياً، ولا عالماً، ولا قادراً، لأن العالم القادر الرائي جائز أن يرى. ١٨ - فإن قال قائل: قول النبي ﷺ : «ترون ربكم» يعني تعلمون ربكم اضطراراً. قيل له: إن النبي ﷺ قال لأصحابه هذا على سبيل البشارة، فقال: فَكَيْفَ بكم إذا رأيتم الله . ولا يجوز أن يبشرهم بأمر بشر فيه (٣) الكفار، على أن النبي ﷺ قال: «ترون ربكم» وليس يعني رؤية دون رؤية بل ذلك عام في رؤية العين ورؤية القلب. ١٩ - دليل آخر: إن المسلمين اتفقوا على أن الجنة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (٤) من العيش السليم والنعيم المقيم. وليس نعيم في الجنة أفضل من رؤية الله

стр. 295

بالأبصار، وأكثر من عَبَدَ الله عبده للنظر إلى وجهه [الكريم أرانا الله أياه بفضله] (١). فإذا لم يكن بعد رؤية الله أفضل من رؤية نبيه ﷺ ، وكانت رؤية نبي الله أفضل لذات الجنة، كانت رؤية الله أفضل من رؤية نبيه ﵇. وإذا كان ذلك كذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعة المؤمنين والصديقين النظرَ إلى وجهه . وذلك أن الرؤية لا تؤثر في المرئي لأن رؤية الرائي تقوم به، فإذا كان هذا هكذا، وكانت الرؤية (٢) غير مؤثرة في المرئي لم توجب تشبيهاً ولا انقلاباً عن حقيقة، ولم يستحل على الله أن يُري عباده المؤمنين نفسه في جناته (٣). ٢٠ - مسألة في الرؤية: احتجت المعتزلة أن الله لا يُرى بالأبصار بقوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٤). وقالوا: فلما عطف الله قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ على قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وكان قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ على العموم أنه يدركها في الدنيا والآخرة وأنه يراها في الدنيا والآخرة

стр. 296

كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دليلاً على أنه لا تراه الأبصار في الدنيا والآخرة، وكان في العموم لقوله (١): ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر. قيل لهم: فيجب إذا كان عموم القولين واحداً، وكانت الأبصار أبصار العيون وأبصار القلوب، لأن الله قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ (٣) أي فهي بالأبصار (٤) فأراد أبصار القلوب، وهي التي يقصد بها المؤمنون والكافرون. ٢١ - ويقول أهل اللغة: فلان بصير بصناعته، يريدون بصر العلم، ويقولون: قد أبصرته بقلبي، كما يقولون قد أبصرته بعيني. فإذا كان البصر بصر العيون (٥) وبصر القلوب ثم أوجبوا علينا أن يكون قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر، وجب عليهم بحجتهم أن الله لا يُدرك بأبصار العيون ولا بأبصار القلوب، لأن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ

стр. 297

الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ وإذا لم يكن عندهم هكذا، فقد وجب أن يكون قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أخص من قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وأنقض (١) احتجاجهم. ٢٢ - وقيل لهم: إنكم زعمتم أنه لو كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصاً في وقت دون وقت لكان قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ خاصاً في وقت دون وقت، وكان قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (٤) في وقت دون وقت. ٢٣ - فإن جعلتم قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصاً رجع احتجاجكم عليكم. وقيل لكم: إذا كان قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ خاصاً ولم يجب خصوص هذه الآيات، فما أنكرتم أن يكون قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إنما أراد في الدنيا دون الآخرة. ٢٤ - وكما أن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أراد بعض الأبصار دون بعض، ولا يوجب ذلك تخصيص هذه الآيات التي عارضتمونا بها. ٢٥ - فإن قالوا: قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يوجب أنه لا يدرك

стр. 298

بها في الدنيا والآخرة، وليس ينفي ذلك أن نراه بقلوبنا ونبصره بها ولا ندركه بها. قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون لا ندركه بأبصار العيون، لا يوجب إذا لم ندركه بها ألا نراه [ونبصره بها] (١)، فرؤيتنا له بالعيون وإبصارنا له بأنها ليس بإدراك له بها، كما أن إبصارنا له بالقلوب ورؤيتنا له بها ليس بإدراك له (٢). ٢٦ - فإن قالوا: رؤية البصر هي إدراك البصر. قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن رؤية القلب وإبصاره هو إدراكه وإحاطته. فإذا كان علم القلب بالله وإبصار القلب له ورؤيته إياه ليس بإحاطة ولا إدراك. (فما أنكرتم أن تكون رؤية العيون وإبصارها لله ليس بإحاطة ولا إدراك) (٣). ٢٧ - جواب: … ويقال لهم: إذا كان قول الله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ في العموم كقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لأن أحد الكلامين معطوف على الآخر. فخبِّرونا أليست الأبصار والعيون لا تدركه رؤيةً ولا لمساً ولا ذوقاً ولا على وجه من الوجوه؟ فمن قولهم: نعم. فيقال

стр. 299

لهم: أخبرونا عن قوله : ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أتزعمون أنه يدركها لمساً وذوقاً بأن يلمسها. فمن قولهم: لا فيقال لهم: فقد انتقض (١) قولكم: إنَّ قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ في العموم كقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. ٢٨ - سؤال: إن قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب قيل له: ولم زعمت هذا. وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصراً، كما سموا بصر العين بصراً؟ وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين، وإذا لم يجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب. ٢٩ - جواب (٢): ويقال لهم: حدِّثونا عن قول الله : ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ما معناه؟! فإن قالوا: معنى يدرك الأبصار وأنه (٣) يعلمها. قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفاً على الآخر، وكان قوله (٤): ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون

стр. 300

قوله [تعالى] (١): ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا نعلمه (٢)، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار. ٣٠ - فإن قالوا: معنى قوله [تعالى] (٣) وهو يُدرك الأبصار، [معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله لا تدركه الأبصار] (٤) أنه يراها رؤية ليس معناها العلم. قيل [لهم] (٥): فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى؟ فإن قالوا: نعم، نقضوا (٦) قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما ترى الساعة. فإن جاز أن يرى الله وكل (٧) ما ليس من جنس المرئيات [وهو الإبصار التي في العين، فلم لايجوز أن يرى نفسه، وإن لم يكن من جنس المرئيات؟] (٨) (ولم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات؟) (٩). ٣١ - ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئًا فبصرُناه وإنما يراه الرائي

стр. 301

دون البصر؟ فمنه (١) قولهم: إنه مُحال أن يرى البصر الذي في العين. فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، [و] (٢) لا تنفي (٣) أن يبصره (٤) المبصرون، وإنما [قال] (٥) الله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فهذا لا يدل (٦) على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية [الشريفة] (٧).

стр. 302

[باب] (١) الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق (٢) ١ - إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. قيل له: الدليل على ذلك قول الله (٣) : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤) وأمر الله هو كلامه وقوله، فلما [أمرهما] (٥) بالقيام فقامتا لا تهويان (٦)؟ كان قيامهما بأمره (٧). ٢ - [و] (٨) قال : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٩)، فالخلق جميع ما

стр. 303

خلق داخل فيه. لأن الكلام إذا كان عاماً لفظه بحقيقته (١) أنه عام، ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان. فلما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ كان هذا في جميع الخلق. ولما قال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾ ذكر أمراً غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق. ٣ - فإن قال قائل: أليس قد قال الله (٢) تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣). قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فيما (٤) ذكر الله نفسه وملائكته ولم يدخل في [ذكر] (٥) الملائكة جبريل وميكال. [وإن كانا من الملائكة] (٦) [ذكرهما بعد ذلك، كأنه قال: الملائكة إلاجبريل وميكال] (٧)، (ثم ذكرهما بعد ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكال) (٨). ولما قال:: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ولم يخص قول (٩): ﴿الْخَلْقُ﴾ دليل كان قوله،: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ في جميع الخلق،

стр. 304

ثم قال بعد ذكره الخلق والأمر، فأبان الأمر من الخلق، وأمر الله كلامه، وهذا يوجب (١) أن كلام الله غير مخلوق. وقال : ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢) يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق. ٤ - (دليل آخر: ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق، قوله : ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) فلو كان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكون مقولاً له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولو كان الله قائلاً للقول ﴿كن﴾ كان (٤) للقول قولاً، وهذا يوجب أحد أمرين: أ - إما أن يؤول الأمر إلى أن قول الله غير مخلوق. ب- أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية. وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله قولاً غير مخلوق. ٥ - سؤال فإن قال قائل: معنى قول الله ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

стр. 305

إنما [يكوّنه] (١) فيكون: قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو الأشياء، لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلام الله ، ومن قال ذلك أعظم الفرية، لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام [الله] (٢)، وفي هذا ما فيه. فلما استحال ذلك صح أن قول الله للأشياء كون (٣) غيرها، وإذا كان غير مخلوق فقد خرج كلام الله عن أن يكون مخلوقًا. ٦ - ويلزم من يثبت [أن] (٤) كلام الله مخلوقًا أن يثبت أن الله غير متكلم (٥) ولا قائل، وذلك فاسد. كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقًا وأن يكون الملك (٦) غير عالم.

стр. 306

٧ - فلما كان الله لم يزل عالماً، إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفاً، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً، لأن خلاف الكلام الذي لا يكونُ معه كلام سكوت (١)

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 308

وآفة (١)، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم، جهل، أو شك، أو آفة. ويستحيل أن يُوصف ربنا بخلاف العلم. وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات. فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلماً، كما وجب أن يكون لم يزل عالماً) (٢). ٨ - دليل آخر: وقال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٣) فلو كانت البحار مدادًا لكتبه (٤) لنفدت البحار وتكسرت الأقلام، ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله . ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا صح (٥) أنه لم يزل متكلماً، لأنه لو لم يكن متلكماً، وجب (٦) [عليه] (٧) السكوت والآفات، وتعالى ربنا عن قول الجهمية علواً كبيراً.

стр. 309

٩ - فصل: وزعمت الجهمية كما زعمت النصارى؛ لأن النصارى زعمت أن كلمة الله حواها بطن مريم. وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة، كانت الشجرة حاوية له. فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام [متكلمة] (١)، ووجب عليهم أن مخلوقاً من [المخلوقين] (٢) كلم موسى، وأن الشجرة قالت: يا موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٣). فلو كان كلام الله مخلوقاً في شجرة، لكان المخلوق قال: يا موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾. (وقد قال الله : ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٤)﴾) (٥) [وكلام الله من الله (٦) فلا يجوز (٧) أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقاً في شجرة مخلوقة، كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقًا في غيره، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ١٠ - جواب: ويقال لهم: كما لا يجوز أن يخلق الله [عز

стр. 310

وجل] (١) إرادته في بعض المخلوقات، كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات، ولو كانت إرادة الله مخلوقةً في بعض المخلوقات، لكان ذلك المخلوق لله (٢) [هو] (٣) المريد لها، وذلك يستحيل. وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق؛ لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم [له] (٤) ويستحيل أن يكون كلام الله كلاماً للمخلوق. ١١ - دليل آخر: ومما يبطل قولهم أن الله قال مخبراً عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ (٥)، يعني ا لقرآن. فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين. وأيضاً فلو لم يكن الله متكلماً حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك، لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره، ولا عن قوله، ولم يكن قائلاً لها كوني. وهذا رد القرآن (٦) [والخروج عما] (٧) عليه جميع (٨) أهل الإسلام.

стр. 311

١٢ - فصل: واعلموا -رحمكم الله - أن قول الجهمية: إن كلام الله مخلوق، يلزمهم به أن يكون الله لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم لو كان لم يزل غير متكلم، لأن الله يخبر عن إبراهيم ﵇؛ أنه قال لقومه لما قالوا [له] (١): ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ (٢) فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة (٣) لم تكن آلهة، وأن الله (٤) لا يكون غير ناطق ولا متكلم. فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لاتكون آلهة، فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلهاً، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق، فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلماً (٥).

стр. 312

١٣ - دليل آخر: وقد قال الله تعالى مخبرًا عن نفسه [أنه] (١) يقول (٢): ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (٣) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول فلا يَرُدُ عليه أحد شيئًا فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤). فإذا كان

стр. 313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 314

قائلاً مع فناء الأشياء إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا حجر [ولا شجر] (١) ولامدر (٢)، فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق، لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجودة (٣). ١٤ - دليل آخر: وقد قال الله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى

стр. 315

تَكْلِيمًا﴾ (١) والتكليم هو المشافهة بالكلام (٢)، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالاً في غيره، مخلوقاً في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم. ١٥ - دليل آخر: وقال الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣) فكيف يكون القرآن مخلوقاً واسم الله في القرآن، وهذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه مخلوقة، لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه، وقدرته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ١٦ - دليل آخر: وقد قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ (٤) ولا يقال للمخلوق: تبارك، فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة. [و] (٥) قال:

стр. 316

﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (١) فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقاً، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة. ١٧ - دليل آخر: وقد قال الله تعالى (٢) ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (٣) ولابد أن يكون شهد بهذه الشهادة وسمعها من نفسه (٤)، لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست بشهادة له (٥)، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا تخلو (٦) أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات، أو بعد كون المخلوقات. فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات، فلم تكن (٧) شهادة لنفسه بالإلهية قبل (٨) الخلق

стр. 317

وكيف يكون ذلك كذلك؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن شهد (١) به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحداً قبل الخلق، (لأن ما تستحيل الشهادة عليه لمستحيل (٢). وإن كانت شهادته لنفسه بالتوحيد قبل الخلق) (٣) فقد بطل أن يكون كلام الله مخلوقاً [لأن كلام الله شهادته] (٤). ١٨ - دليل آخر: ومما يدل على بطلان [قول] (٥) فرق (٦) الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن، وقد قال : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ (٧) ولا يجوز أن يكون اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى مخلوقاً. [كما لا يجوز أن يكون جد ربنا (٨) مخلوقاً، قال الله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى

стр. 318

جَدُّ رَبِّنَا (١)﴾ (٢). وكما لا يجوز أن يكون عظمته مخلوقة، كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقاً. ١٩ - دليل آخر: وقد قال الله : ﴿* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٣) فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقاً في شيء مخلوق. لم يكن لاشتراط

стр. 319

هذه الوجوه معنى، لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق [ووجدوه] (١) بزعم الجهمية أله (٢) مخلوقاً في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة [النبيين] (٣) صلوات الله وسلامه عليهم. ٢٠ - ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة، أن يكون من سمع كلام الله من مَلَك أو نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى، لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله ، وإنما سمعه من شجرة. وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من نبي (٤) ﵇ (٥) أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى بن عمران لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقاً في شجرة. [ولو كان مخلوقًا في شجرة] (٦) لم يكن مُكَلِّماً لموسى ﵇ (٧) من وراء حجاب، لأن من حضر الشجرة

стр. 320

من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام [الله له] (١) من وراء حجاب (٢). ٢١ - جواب: ثم يقال لهم: إذا زعمتم أن معنى أن الله كلم موسى أنه خلق كلاماً كَلّمه به. وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاماً، لأن الذراع قالت لرسول الله ﷺ لا تأكلني فإني مسمومة (٣).
следующие страницы →