الشرح: أخذ بقول طاووس المتقدم برقم ١٢٠٩.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢١٦ - (٥) أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: بِشَهْرٍ (١).
سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ: بِأَيِّهِمَا تَقُولُ؟، قَالَ: " ثَلَاثَةُ (٢) أَشْهُرٍ أَوْثَقُ، وَشَهْرٌ يَكْفي ".
رجال السند:
الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، هو أبو سهل البغدادي، إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبد الله، ويَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، هو أحد راويين عن الوليد، يحيى بن بشر الحرير أو يحيى بن بشر الفلاس البلخي، وهما ثقتان، وعِكْرِمَةُ، إمام.
الشرح:
القول في الاستبراء بحيضة أو شهر أعدل، وذلك يكفي كما قال الدارمي وغيره.
ومن كتَابُ الصَّلَاةِ
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٧٨ - بابٌ فِي فَضْلِ الصَّلَوَاتِ
١٢١٧ - (١) أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، كَمَثَلِ نَهَرٍ جَارٍ عَذْبٍ عَلَى باب أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» (٣).
رجال السند: يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، والأَعْمَشُ، وأَبو سُفْيَانَ (٤) هو طلحة بن نافع الواسطي، من صغار التابعين لا بأس به تقدم، وجَابِرٌ، ﵂.
стр. 1087
الشرح:
هذا مثل عظيم فالصلوات الخمس تكفر الذنوب وتمحوها، كما أن الماء العذب النقي يزيل كل ما يعلق بالبدن واللباس من الملوثات والأوساخ، فلا يبقى من درن المغتسل كل يوم شيء، وهذا في المحسوس؛ لأن الماء كل ما كان عذبا كان أقوى في الإنقاء، وكل ما كان كثيرا كان أقوى في الإزالة، والصلاة في المعنوي تزيل كل ما يقترف العبد من الذنوب، فكل ما أديت أركانها وشروطها وواجباتها وسننها كان أثر ذلك أقوى في محو الذنوب، فالإنسان يحترق باقتراف الذنوب، والصلوات تطفئ ذلك قال عبد الله بن مسعود ﵁: " تحترقون حتى إذا صلوا الفجر غسلت، ثم تحترقون حتى إذا صلوا الظهر غسلت، ثم تحترقون حتى إذا صلوا العصر غسلت، حتى عد الصلوات كلها هكذا " (١).
ما يستفاد:
* ضرب الأمثلة من أهم وسائل الدعوة والتعليم.
* أهمية الماء العذب في تنقية وتطير الأبدان والملابس.
* الماء الكثير أقوى في التنقية والتطهير.
* أهمية المحافظة على الصلوات الخمس.
* إقامة الصلاة على الحقيقة هي الاهتمام بأوقاتها والمحافظة على أركانها، وشروطها، وواجباتها والسنن فيها.
* أهمية الصلاة في تكفير الذنوب ومحوها.
* قل من يسلم من اقتراف الذنوب والخطايا وهي محرقة لمن يقع فيها.
* الصلوات تطفئ احتراق المسلم بالذوب، وانظر التالي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢١٨ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
رجال السند:
هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، هو أبو النضر الكناني، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج، وسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁، ومُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، هو حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، ثقة روى له الشيخان، وجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ﵁.
الشرح:
المراد أنه ﷺ كان يصلي الصلوات في أول وقتها ما عدا العشاء فكان يراعي أحوال الناس فإذا حضروا أول وقتها صلى، وإن تأخروا أخر؛ لأن العشاء موسع وقتها، وتأخيرها أفضل لولا المشقة على الناس.
ما يستفاد:
* فضل أداء الصلوات في أول وقتها.
* جواز تأخير صلاة العشاء.
* استحباب مراعاة حصور المصلين، ولاسيما في صلاة العشاء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢٠ - (٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتَ؟ قَالَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ
стр. 1090
يَا عُرْوَةَ، أَوَ إِنَّ (١) جِبْرِيلَ أَقَامَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟، قَالَ: كَذَاكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ " (٢).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، هو أبو علي ثقة تقدم، وهو أخو عبد الكبير، كلاهما من شيوخ الدارمي، ومَالِكٌ، هو الإمام تقدم، وابْنُ شِهَابٍ، هو محمد ابن مسلم الزهري، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، الخليفة تقدم، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، هو ابن العوام، ومُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، هو أمير الكوفة ﵁، وأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، هو عقبة بن عمرو، صحابي نزل الكوفة ﵁.
وبشير بن أبي مسعود، هو تابعي رأى رسول الله ﷺ ، ولذلك ذكره بعضهم في الصحابة، وأبو مسعود، هو عقبة بن عمرو، الآنف الذكر ﵁.
الشرح:
المراد أنهم أخروها عن وقتها المستحب، وهو ما علّم جبريل ﵇ رسول الله ﷺ ، ولم يؤخروها حتى خرج الوقت الاختياري، وقد روى أبو مسعود قال: " أتى جبريل ﵇ النبي ﷺ فقال: قم فصل، وذلك لدلوك الشمس حين مالت الشمس، فقام فصلى الظهر أربعا، ثم ذكر سائر الصلوات بأعدادهن هكذا في أول الوقت وفي آخره، إلا المغرب، فإنه قال في اليوم الأول: ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: قم فصل المغرب ثلاثا" (٣).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢١ - (٣) قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا،
стр. 1091
قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ" (١).
رجال السند: عُرْوَةُ، هو ابن الزبير إمام ثقة، وعَائِشَةُ، ﵂.
الشرح:
المراد أنه صلى العصر في أول وقتها والشمس مرتفعة لم تمل إلى الغروب، وهو ما يعبر عنه في بعض الروايات " والشمس حية " كما في حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: " كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية، والمغرب قال سيار: نسيتها، والعشاء لا يبالي بعض تأخيرها إلى ثلث الليل، وكان لا يحب النوم قبلها والحديث بعدها، وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه، وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة " قال سيار: لا أدري أفي إحدى الركعتين، أو في كلتيهما " (٢).
قلت: قد لا تكون القراءة في الركعة الثانية مثل الأولى؛ لأن السنة الاطالة في الأولى، والثانية دونها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٠ - بابٌ فِي بدْءِ الأَذَانِ
١٢٢٢ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا سَلَمَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: "وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَهَا - قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَعْنِى الْمَدِينَةَ - إِنَّمَا يُجْتَمَعُ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ (٣) لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ بُوقاً كَبُوقِ الْيَهُودِ، الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ ثُمَّ كَرِهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ فَنُحِتَ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَى الصَّلَاة، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ رَأَى (٤) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ - أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ
ضعيف، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، إمام المغازي صدوق تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢٣ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنِيهِ سَلَمَةُ قَالَ: حَدَّثَنِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِيهِ: بِهَذَا الْحَدِيثِ (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وسَلَمَةُ وابْنُ إِسْحَاقَ، تقدموا آنفا، ومُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، هو ثقة له أفراد تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، هو تابعي ثقة روى له الستة عدا البخاري، وأَبو، هو الصحابي الجليل عبد الله بن زيد ﵁.
الشرح:
لا ريب أن ما رأى عبد الله بن زيد ﵁، حق لا مرية فيه، وأن الذي علمه الأذان طائف من الملائكة، والأذان المراد منه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وقد كان لليهود بوق يصوتون فيه للإعلام بوقت صلاتهم، فكره رسول الله ﷺ مسايرتهم في ذلك، ومال إلى اتخاذ ناقوسا كالنصارى، لكونهم أقرب من اليهود، وهو ما يقرعونه للإعلام بوقت صلاتهم، ولكن الله هدى رسوله ﷺ إلى ما هو خير، فأرى ذلك العبد الصالح ﵁ في نومه أن طائفا ولا ريب أنه من الملائكة ساومه عبد الله على ناقوس رآه يحمله، ولما سأله عن حاجته به، أخبره ليكون سببا لجمع المسلمين وحضورهم الصلاة، فدله على ما هو خير، وعلّمه صيغة الأذان، فأقر رسول الله ﷺ عبد الله ﵁ على ما ذكر، وعلمه بلالا ﵁، وأصبح الأذان من شعائر الإسلام، لا يجوز تركه، ولولي الأمر معاقبة من تركه، وكان سماعه أيام الفتح الإسلامي عاصما لأهله من القتال، لضمنه الشهادتين، والحمد لله الذي من على الأمة بالفضل والتيسير.
стр. 1094
ما يستفاد:
* مخالفة اليهود والنصارى في شعائرهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية.
* أن الخير لهذه الأمة فيما أمر الله به ورسوله ﷺ .
* أن الرؤيا الصالحة علامة للرجل الصالح.
* أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى ما رأى عبد الله ﵄، إذا قال: يَجُرُّ إِزَارَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، وصدقه رسول الله ﷺ إذا قال: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَذَاكَ أَثْبَتُ» وفي هذا رد على من ادعى ذلك ليحظى بفضله، وعبد الله بن زيد صادق أمين وعمر كذلك ﵄، زاد خبر عمر الأمر ثبوتا، وخبر الإثنين أقوى من خبر الواحد.
* المحافظة على صيغتي الأذان والإقامة بالألفاظ المذكورة، فهي سنة تقريرية، وقولية أيضا في حديث أبي محذورة ﵁، علمه ألفاظها رسول الله ﷺ ، لما أختاره مؤذنا.
* في الأذان إشهار بتوحيد الله في العبادة، والخلوص من الشرك وذلك في قول المؤذن: أشهد ألا إله إلا الله.
* في الأذان إشهار بعظمة الله وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، وذلك في قول المؤذن: الله أكبر.
* في الأذان إشهار لتوحيد الاتباع لنبينا محمد ﷺ ، وذلك في قول المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله.
* في الأذان إشهار للصّلاة وأنها أحب الأعمال إلى الله .
* في الأذان إشهار بتسمية الصلاة الفلاح؛ والمراد بالفلاح النجاة في الدنيا
والفوز في الآخرة.
стр. 1095
وفي ختام الأذان عود لتوكيد ما بدأ به من عظمة الله وتوحيده ﷻ ، وانظر التالي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢٤ - (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: " حَدَّثَنِي أَبِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، هو الذهلي شيخ البخاري، إمام ثقة جليل، ويَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، هو أبو يوسف من ذرية عبد الرحمن بن عوف ﵁، ثقة فاضل نزل بغداد، قَالَ: وأَبوه، هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ثقة كثير الحديث، سكن بغداد هو وولده وكان على بيت المال، وابْنُ إِسْحَاقَ، هو محمد صدوق تقدم، ومُحَمَّدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، وأَبوه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ﵁، تقدموا قريبا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨١ - بابٌ فِي وَقْتِ أَذَانِ الْفَجْرِ
١٢٢٥ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ قَالَ: «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (٢).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وابْنُ عُيَيْنَةَ، هو سفيان، والزُّهْرِيُّ، هو محمد بن مسلم، وسَالِمٌ، هو ابن عبد الله بن عمر، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبوه، هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
стр. 1096
الشرح:
هذا في أذان الفجر في رمضان، كان بلال ﵁ يؤذن قبل الوقت، وعلل هذا قول الرسول ﷺ : «لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال - أو قال نداء بلال - من سحوره، فإنه يؤذن- أو قال ينادي - بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم» (١)، المراد ليعلم بقرب طلوع الفجر، ويرد المتعبد بقيام الليل، ليتزود براحة أو سحور أو ماء، أو لوتر إن لم يكن أوتر أو يتأهب الساع للصبح ويصلح بعض شأنه كطهارة من حدث أصغر أو أكبر أو نحو ذلك مما يترتب على علمه بقرب طلوع الفجر.
أما أذان ابن أم مكتوم فلقطع الشك في عدم طلوع الفجر، وبسماعه يجب
الإمساك عن كل ما يحرم فعله بعد سماع الأذان.
ما يستفاد:
* جواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، لتذكير الراغب في قيام أو وتر آخر الليل، أو لتنبيه من يصوم تطوعا بقرب طلوع الفجر، ولراغي في مناجاة ربه في وقت النزول وغير ذلك، ولا زالت هذه السنة قائمة في الحرمين المكي والمدني، فيؤذن قبل الوقت بساعة، لا يقال في الأذان الأول: الصلاة خير من النوم، وإنما يقال في الأذان الثاني للإعلام بدخول وقت صلاة الفجر، وهذه من نعم الله على عباده الصالحين، ولا حجة لمن منعه أو أنكره.
* جواز أن يكون في المسجد أكثر من مؤذن، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: " كان للنبي ﷺ ثلاثة مؤذنين؛ بلال، وأبو محذورة، وابن أم مكتوم " (٢)، ذكرت أبا محذورة، وليس هو في المدينة كان يؤذن بمكة، والرابع هو سعد القرظ، وهو الثالث بالمدينة يأتي في التثويب.
стр. 1097
* جواز الاقتصار على مؤذن واحد في المسجد، فقد كان أبو محذورة ﵁ يؤذن في المسجد الحرام بمكة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢٦ - (٢) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا عَبْدَةُ، أنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١).
رجال السند:
إِسْحَاقُ، هو ابن إبراهيم الفراهيدي، وعَبْدَةُ، هو ابن سليمان الكلابي، وعُبَيْدُ اللَّهِ، هو ابن عمر العمري، ونَافِعٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ عُمَر، ﵄.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢٧ - (٣) وَعَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» (٢). قَالَ الْقَاسِمُ: " وَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا ".
رجال السند: الْقَاسِمُ، هو ابن محمد، إمام تقدم وعَائِشَةُ، ﵂.
الشرح:
هذا الحديث لعبيد الله بن عمر طريقان: طريقٌ عن نافع عن ابن عمر، ﵄، وهو المتقدم آنفا، وهو بنص الحديث في صحيح مسلم ﵀ (٣)، وطريقٌ عن القاسم عن عائشة ﵂، وهو هذا الذي تلاه المتن.
ما يستفاد:
* جواز أذان الأعمى واستعانته بمن يعلّمه.
стр. 1098
* في هذا العصر يجوز أن يستغني المؤذن الأعمى بساعته، وكذلك بالصوت عبر برامج أوقات الصلاة.
* جواز الاقتداء في أوقات الصلاة بالثقات من المؤذين، وإعلامهم بدخول
وقت الصلاة.
* جواز قبول خبر الواحد في العبادات كالمؤذن في قبول إعلامه بوقت الصلاة.
* عدم جواز الأكل والشرب وسائر المفطرات إذا أذن المؤمن لصلاة الفجر، إلا من كان شاكا، فله أن يتحقق من طلوع الفجر الصادق، والامتناع أحوط.
* من سمع البدء في الأذان وهو على طعام أو شراب فله اللقمة في يده والشربة التي شرع فيها.
* من كان في حال جماع فإنه ينزع فورا ولا شيء عليه، ومن تباطأ ولو شيئا يسيرا أتم صوم يومه وقضى.
* في قوله ﷺ : «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» أن ما بين أذان بلال وابن أم مكتوم ﵄ متسع للأكل والشرب، ولو على عجل، ولو كان الوقت لا يسمح بشيء من الأكل والشرب، لما أمر به ﷺ .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٢ - بابٌ التثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ
١٢٢٨ - (١) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنِ: " أَنَّ سَعْداً كَانَ يُؤَذِّنُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (١). قَالَ: حَفْصٌ حَدَّثَنِي أَهْلِي: أَنَّ بِلَالاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَالُوا: إِنَّهُ نَائِمٌ، فَنَادَى بِلَالٌ بَأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. فَأُقِرَّتْ فِي أَذَانِ صَلَاةِ الْفَجْرِ (٢).
стр. 1099
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُقَالَ سَعْدٌ الْقَرَظُ.
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو بن فارس، ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن يزيد الأيلي، القرشي، ثقة حافظ، وقيل: ثقة في غير الزهري، روى له الستة، وحَفْصِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنِ، هو حفيد سعد القرض المؤذن، وثقه، وسَعْدٌ، هو الصحابي مؤذن رسول الله ﷺ ، وهو المعروف بسعد القُرَظ ﵁.
الشرح:
التثويب: هو قول المؤذن " الصلاة خير من النوم "، ولا يكون إلا في الأذان لصلاة الفجر، وهو سنة تقريرية إذ ورد في القصة السابقة أن بلالا قال ذلك لما أراد أن يخبر رسول الله بصلاة الفجر، فقيل له: إنه نائم، فوفق الله بلالا ﵁ ليقول هذه العبارة، والمراد بها هنا الدعوة إلى ثواب الصلاة لما فيها من الخير، وإن كان في النوم خير راحة البدن، ولكن الصلاة خيرها عظيم، ونفعها عميم في الدنيا والآخرة، وجميع الصلوات فيها تلك الخيرية، ولكنها في صلاة الفجر آكد، وأقوى على محاربة الشيطان قال رسول الله ﷺ : إنه «يعقد على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل، فارقد فإن استيقظ فذكر الله، انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (١).
ما يستفاد:
* التثويب سنة مؤكدة في أذا ن الفجر، ومن التثويب الإقامة لكل صلاة؛ لأنها دعوة إلى عمل عظيم يترتب على فعله ثواب عظيم.
стр. 1100
* لما وفق الله بلالا ﵁ إلى هذا القول أراد به الخير له وللأمة إلى يوم القيامة، فلبلال ﵁ من الأجر في التثويب مثل أجور المؤذنين المثوّبين بذلك إلى يوم القيامة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
* في التثويب محاربة للشيطان؛ لأنه «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» (١)، والمراد بالنداء الأذان، والتثويب الإقامة.
* أن من كره التثويب في صلاة الفجر لا حجة له في قصة الأذان التي رواها عبد الله بن زيد ﵁، وخالفوا بهذه الكراهة جماهير المسلمين، وهو معلوم في نداء مؤذني رسول الله في مكة والمدينة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٣ - بابٌ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى وَالإِقَامَةُ مَرَّةً
١٢٢٩ - (١) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي الْمُثَنَّى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَثْنَى مَثْنَى، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، فَإِذَا سَمِعْنَا الإِقَامَةَ تَوَضَّأَ أَحَدُنَا وَخَرَجَ " (٢).
رجال السند: سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو العنقزي، لابأس به تقدم، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ (٣)، هو محمَّد بن إبراهيم بن مسلم بن المثنى القرشي لا بأس به، ومُسْلِمٍ أَبِي الْمُثَنَّى، هو كوفي تابعي ثقة، وتلميذه أبو جعفر هو حفيده، وكل منهما مؤذن، وابْنُ عُمَرَ، رضي
стр. 1101
الله عنهما.
الشرح:
المراد أنه بالصيغة المعروفة عند أهل السنة والجماعة، إلا قد قامة الصلاة فتثنى، وقال مالك رحمه بالإفراد مستدلا بالحديث التالي، ورد بأن حديث أنس جاء في بعض رواياته " إلا الإقامة " يعني " قد قامة الصلاة " تثنى، وقال آخرون ومنهم الكوفيون: يُرَبّع التكبير في أول الأذان، وأول الإقامة، وثنى بقية ألفاظ الإقامة، الإقامة ثنى، مستدلين بحديث مكحول الآتي في باب الترجيع، وكل ذلك جائز إن شاء الله .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣٠ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَفَّانُ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ ".
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَفَّانُ، هو ابن مسلم، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج، وخَالِدٌ الْحَذَّاء، هو ابن عبد الله، وأَبو قِلَابَةٌ هو عبد الله بن زيد، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، ﵁.
الشرح:
استدل به الإمام مالك على إفراد قوله: " قد قامة الصلاة "، وانظر السابق، والحديث رجاله ثقات، أخرجه البخاري حديث (٦٠٣) ومسلم حديث (٣٧٨) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٢١٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣١ - (٣) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
стр. 1102
" أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ، الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ " (١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وسِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ، هو المربدي من أهل البصرة ثقة، روى له الشيخان وأبو داود، وأَيُّوبُ، هو السختياني، وأَبو قِلَابَةٌ هو عبد الله ابن زيد، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، ﵁.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣٢ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ: نَحْوَهُ (٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، عَنْ سُفْيَانَ، هو الثوري، وخَالِد، هوٌ الْحَذَّاء، وأَبو قِلَابَةٌ، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، ﵁.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٤ - بابٌ التَّرْجِيعِ فِي الأَذَانِ
١٢٣٣ - (١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ عَامِرٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ نَحْواً مِنْ عِشْرِينَ رَجُلاً فَأَذَّنُوا، فَأَعْجَبَهُ صَوْتُ أَبِي مَحْذُورَةَ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى
стр. 1103
الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَالإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى ئ» (١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي، وهِمامٌ، هو ابن يحيى، وعَامِرُ الأَحْوَلُ، هو ابن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطئ تقدم، ومَكْحُولٌ، هو الشامي، وابْنُ مُحَيْرِيزٍ، هو يتيم أبي محذورة، واسمه عبد الله، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو مَحْذُورَةَ، ﵁.
الشرح: تقدم البيان برقم ١١١٩، وما بعده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣٤ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَا: ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا عَامِرٌ الأَحْوَلُ، قَالَ: " حَجَّاجٌ فِي حَدِيثِهِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، أَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً " (٢).
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، وهَمَّامٌ، وعَامِرٌ الأَحْوَلُ، ومَكْحُولٌ، وابْنُ مُحَيْرِيزٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، وانظر السابق، وأبو مَحْذُورَةَ، ﵁.
الشرح:
هذا معارض برواية الإفراد، ومخالف لأذان بلال، وقد ألقاه عليه عبد الله بن زيد رضي
стр. 1104
الله عنهما.
أما قول أبي محذورة واسمه سمرة بن معين، وقيل غير ذلك: " الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، علمه بذلك رسول الله ﵁ " وليس المراد كلمة واحدة مفردة، بل جملة كلمات سماها كلمة، وصورة ذلك في الأذان أن يقول: التكبير أولاً أربع كلمات، والشهادتان ثماني كلمات؛ أربع يقولها في نفسه، وأربع يقولها جهرًا، والحيعلة أربع كلمات، والتكبير الآخر كلمتان، والتهليل كلمة واحدة، فهذه تسع عشرة كلمة؛ ويزيد في أذان الصبح التثويب مرتين، فيصير إحدى وعشرين كلمة.
وصورة الإقامة أن يقول: الله أكبر الله أكبر أربع كلمات، أشهد أن لا إله إلا الله مرتان جهرا، وكذا أشهد أن محمدًا رسول الله مرتان جهرا، حيَّ على الصلاة مرتان، حي على الفلاح مرتان، قد قامت الصلاة مرتان، وهذا معارض بما تقدم من الروايات، وروي عن أبي محذورة أنه كان يفرد الإقامة. وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة، فأسقط من التكبير الأول مرتين.
وقال أبو حنيفة: الأذان خمسة عشرة كلمة، فأسقط الترجيع، وهو الأذان المعروف في قصة عبد الله بن زيد ﵁.
والترجيع وعدمه سنة ولا ينكر على من فعله، ولا على من تركه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٥ - بابٌ الاِستِدَارَةِ فِي الأَذَانِ
١٢٣٥ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّهُ رَأَى بِلَالاً أَذَّنَ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأَذَانِ " (١).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو الثوري، وعَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، هو السوائي كوفي تابعي ثقة، وأَبوه، مشهور بكنيته، واسمه وهب بن
стр. 1105
عبد الله السواني، ويلقب بوهب الخير، صحابي صحب عليا ﵄.
الشرح:
هذا الالتفات لا يكون إلا عندما يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح، يلتفت بوجهه يمينا ثم شمالا من غير أن يحول قدميه عن القبلة، والقصد من ذلك توجيه النداء ذات اليمين، وذات الشمال، لتوجيه الصوت يمينا وشمالا. أما مع وجود مكبرات الصوت فإن فعل المؤذن هذا فقد درج عليه المؤذنون من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ومن لم يفعله اكتفاء بالمكبر فلا حرج لتحقق المقصود من الالتفات، والأحب إليّ فعل ذلك ليعرف من يجهل هذا في الأذان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣٦ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ بِلَالاً رَكَزَ الْعَنَزَةَ، ثُمَّ أَذَّنَ وَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ يَدُورُ فِي أَذَانِهِ " (١). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدِيثُ الثَّوْرِىِّ أَصَحُّ.
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وعَبَّادٌ، هو ابن منصور، ضعيف تقدم، وحَجَّاجٍ، هو ابن أرطاة ضعيف، وعَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، تقدم آنفا، وأَبوه، أبو جحيفة ﵁.
الشرح: انظر السابق.
أما قول الدارمي: " حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ أَصَحُّ " فالثوري هو سفيان ﵀ الله، وهو أصح؛ لأن في سند هذه الرواية ضعيفان هما عباد وشيخة حجاج، ويعتبر بهما في الشواهد.
وروى تفصيل هذا الإمام مسلم ﵀ بسنده من طريق سفيان قال أبو جحيفة ﵁:
стр. 1106
" أتيت النبي ﷺ بمكة، وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن نائل وناضح، قال: فخرج النبي ﷺ عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ، وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا، يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة حي على الفلاح، قال: ثم رُكزت له عنزة، فتقدم فصلى الظهر ركعتين، … " (١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٦ - بابٌ الدُّعَاءِ عِنْدَ الأَذَانِ
١٢٣٧ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا مُوسَى ابْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضاً» (٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، هو الذهلي، وسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، هو سعيد بن الحكم ابن محمَّد ابن أبي مريم الجمحي، مصري، إمام ثقة ثبت، ومُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، هو أبو محمد المطلبي، مدني مختلف في توثيقه، ويستشهد به، وأَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، هو سلمة بن دينار المخزومي، تابعي ثقة تقدم، قَالَ: وسَهْلُ بْنُ سَعْد، ﵁.
الشرح:
هذا منة من الله على عبادة أن جعل لهم فرصة قبول الدعاء عند النداء للصلاة، وقبوله عند ملاقاة العدو في الدفع عن الحرمات والمقدسات، وإعلاء كلمة الله .
стр. 1107
ما يستفاد:
* الحرص على الدعاء عند سماع النداء للصلاة، وعند مواجهة الأعداء، ولاسيما في العقيدة.
* سعة فضل الله أن سهل لعباده ما يحقق لهم القبول والرحمة والرضى.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٧ - بابٌ مَا يُقَالُ عَنْدَ الأَذَانِ
١٢٣٨ - (١) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» (١).
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس، أَنَا يُونُسُ، هو ابن يزيد تقدم، والزُّهْرِيُّ، وعَطَاءُ ابْنُ يَزِيدَ، هو الليثي، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو سَعِيدٍ، هو الخدري ﵁.
الشرح:
المراد عموم السماع عند الصلاة، وفي غير وقت الصلاة كأن تكون في المدينة وتسمع الأذان في الرياض أو غيرها عبر وسائل النقل المذاعة فتقول مثل ما يقول المؤذن ثم تدعو بالدعاء المأثور فيكون لك الأجر بفضل الله ورحمته.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣٩ - (٢) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: " دَخَلْنَا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَنَادَى الْمُنَادِي فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ مُعَاوِيةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ [أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ] (٢)، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ.
стр. 1108
قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ [أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ "] (١).
قَالَ يَحْيَى: " وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: [هَكَذَا] (٢) سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ هَذَا " (٣).
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى، هو ابن أبي كثير، ومُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، هو التيمي، وعِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، هو ابن عبيد الله التيمي، أبو محمد تابعي ثقة، هم أئمة ثقات تقدموا ومُعَاوِيَةَ، ﵁.
الشرح:
في هذا حكاية المتابعة وقول السامع مثل ما يقول المؤذن، إلا في قوله: حي على الصلاة، فلا يحكي قول المؤذن، بل يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك عند قول حي على الصلاة، ومنعى هذا لا حول لنا على الاستجابة ولا قوة إلا بالله، أي بعونه لنا وتوفيقة.
ثم أسند معاوية هذا إلى رسول الله هذه المتابعة وذكر يحيى بن أبي كثير وهو إمام ثقة أن معاوية ﵁ قال: " هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ هَذَا ".
والمستحب للمؤذن والمتابع أن يقول كل منهم الدعاء المأثور قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له
стр. 1109
الشفاعة» (٤)، وقال رسول الله ﷺ : «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٥)، والوسيلة: أخبر رسول الله ﷺ فيما تقدم: أنها منزلة في الجنة، والدعوة التامة: دعوة الأذان، سميت بذلك لكمالها وعظيم أجرها، والصلاة القائمة: المراد التي نودي لها، وأنها ستقام ويحضر السامعون الدعوة لها، والمقام المحمود هو مقام الشفاعة، ذكر في الدعاء منكرا، هكذا " مقامًا محمودًا " اتباعا للفظ القرآن، قال الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٦).
المستفاد:
* الحرص على متابعة المؤذن عند سماع الأذان، على نحو ما ورد آنفا.
* الحرص على الصلاة على النبي ﷺ ، لما في ذلك من الأجر، وأن الله يصلي على قائلها عشرا.
* الحرص على الدعاء للنبي ﷺ بأن تكون له منزلة في الجنة خاصة به ﷺ ، وهذا معنى الفضيلة، أنه يفضل بها.
* الحرص على الدعاء للنبي ﷺ بأن يبعث مقاما محمودا، والمعنى تحمد الخلائق له ذلك المقام وهو مقام الشفاعة.
* والحرص على الثناء على الله ﷻ بأنه لا يخلف الميعاد، وقد قال : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٧)، وانظر التالي.
رجال السند:
وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، هو أبو العباس الجهضمي، وهِشَامٌ، ويَحْيَى، وأَبو سَلَمَةَ، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ، ﵁.
الشرح:
الحديث رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٦٠٨) ومسلم حديث (٣٨٩) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٢١٦، ٣٣٤).
وقوله: " يخطر " أي: يوسوس، والشيطان عدو الله ورسوله والمؤمنين فهو لا يقوى على ما يرضي الله ورسوله والمؤمنين، فيدبر عند النداء للصلوات، وعند ذكر الله ومن ذلك التسمية، قال رسول الله ﷺ : «من قال في أول يومه، أو في أول ليلته: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء في ذلك اليوم، أو في تلك الليل» (١)، لا شيطان ولا غيره، ومن تلاوة القرآن، قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه البقرة» (٢)، وقد علم الشيطان أبا هريرة ﵁ آية الكرسي، وهذه قصته قال أبو هريرة ﵁: قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة»، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك، وسيعود»، فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك»، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة،
стр. 1112
وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود»، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١)، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة»، قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: «ما هي»، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة»، قال: لا، قال: «ذاك شيطان»، وصدق الله القائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الآية (٢٨) من سورة الرعد.
ما يستفاد:
* محاصرة الشيطان بكل ما يرضي الله ورسوله ﷺ .
* التحصن من كيد الشيطان بالسور والآيات والأذكار.
* تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به من عند الله ، وما نطق به أو فعله أو أقر صحابيا على فعله، فإنه لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). التحذير من عدم يأس الشيطان من الاضرار بالمؤمن وإيذائه في طاعته لله رسوله، فهو إذا
стр. 1113
سمع الذكر هرب وابتعد، وإذا انتهى عاد للكيد كما هو الحال سماعه الأذان، وعودته بعده، وهروبه عند سماعه الإقامة وعودته بعدها، وكذلك يفعل إذا سمع الأذكار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٨٩ - بابٌ كَرَاهِيَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ
١٢٤٢ - (١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ: " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَأَى رَجُلاً خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ " (١).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، وشُعْبَةُ، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ، أنكر عليه بعض ما روى، وعامة حديثه مستقيم، وأَبو الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، هو سليم بن أسود، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ، ﵁.
الشرح:
هذا القول من أبي هريرة ﵁ يحمل على عدم العذر المبيح للخروج، ولا يشمل من كان معذورا، فالحاقن مثلا له أن يخرج من المسجد وقت الأذان، وكذلك المحدث، وكذلك من أصابه رعاف، ومن له حاجة وأراد أن يصلي في مسجد قريب من موقع حاجته، وعلى العموم كل من كان له عذر يبيح خروجه وقت الأذان فلا يعد عاصيا.
ويكره الخروج لمن لا عذر له؛ لأن في خروجه مشابهة لفعل الشيطان، وهروبه عند سماع النداء.
أما وجه عصيانه لأبي القاسم ﷺ فلأنه ليس في الشرع الخروج من المسجد بعد النداء، ولأن أبا هريرة ﵁ لا يجازف بهذا القول من عند نفسه فلا بد أن يكون سمع من رسول الله نهيا عن الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق على الفاعل المعصية، ومن
стр. 1114
محاذير الخروج بغير عذر أن تفوت الصلاة في مسجد آخر، أو يمنع ما نع من العودة إلى المسجد الذي خرج منه، فيفوته فضل صلاة الجماعة.
ما يستفاد:
* كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان.
* جواز الخرج من المسجد بعد الأذان لمن كان له عذر يبيح ذلك.
* أن قول أبي هريرة ﵁ له حكم الرفع لذكره معصية من خرج بغير عذر.
* أن الخروج بغير عذر قد يفوت إدراك الصلاة في مسجد آخر فيُحرم فضل صلاة الجماعة
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٠ - بابٌ فِي وَقتِ الظُّهْرِ
١٢٤٣ - (١) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النبي ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ".
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، هو البهراني، وشعيبٌ، هو ابنُ أبي حمزة دينار الحمصي، والزُّهْرِيُّ، هو محمد بن مسلم، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، ﵁.
الشرح:
رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٥٤٠) ومسلم حديث (٢٣٥٩) وهذا طرف منه، ولم أقف عليه في (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) إلا في الارتحال حديث (٤١٠). والمراد أنه ﷺ صلى الظهر في أول وقتها، وذلك عندما تميل إلى جهة الغرب، وهو الزوال، ويقال: زالت الشمس، أي تحركت عن كبد السماء إلى جهة الغرب، وقد فصل رسول الله ﷺ الصلوات الخمس بداية ونهاية فقال: «إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر
стр. 1115
الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإن أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس» (١)، وروى مسلم ﵀ أن رسول الله ﷺ " أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر، حين زالت الشمس، والقائل يقول قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول قد طلعت الشمس، أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل، فقال: «الوقت بين هذين» (٢)، فالحمد لله على كرمه وما يسر على عباده، وعلى سماحة هذا الدين، والتوسعة على العباد، ولكن الصلاة في أول وقتها أفضل، إلا الظهر في الصيف فيؤخر للإبراد، والعشاء السنة فيه التأخير.
ما يستفاد:
* فضل الصلاة في أول وقتها.
* أن من أخر الصلاة عن أول وقتها فلا حرج.
* من السنة الابراد بصلاة الظهر في شدة الحرارة.
* أن السنة في صلاة العشاء التأخير.
стр. 1116
* أن من أدرك ركعة من الصلاة في آخر الوقت فقد أدرك الصلاة.
* أن من صلى الصلاة في آخر وقتها، ثم صلى التي تليها في أول وقتها فصلاته صحيحة، وهو الجمع الصوري.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩١ - بابٌ الابْرَادِ بِالظُّهْرِ
١٢٤٤ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قال: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ (١) جَهَنَّمَ».
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: " هَذَا عِنْدِي على التَّأْخِيرِ إِذَا تَأَذَّوْا بِالْحَرِّ ".
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، كاتب الليث صدوق تقدم، واللَّيْثُ، هو ابن سعد، وابْنُ شِهَابٍ، هو الزهري، وسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ، ﵁.
الشرح:
في سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث: أرجح أنه حسن الحديث، وليس هذا مما غلط فيه، أخرجه البخاري حديث (٥٣٣) ومسلم حديث (٦١٥) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٣٥٧).
والمراد الانتظار بصلاة الظهر حتى تخف شدة الحر، ولم يرد بالإبراد التأخير حتى يقترب برد العشي، وفيح جنهم: غليانها وشدة حرها نعوذ الله من جنهم، ولا يكون الإبراد إلا في الأماكن التي يشتد حرها صيفا،
فالإبراد بالظهر فيها سنة، وليس في شتائها ولا الأماكن المعتدلة صيفا.
стр. 1117
ما يستفاد:
* أن الابراد بصلاة الظهر سنة شرعها رسول الله ﷺ لكسر حرارة الشمس، ولو مع وجود المكيفات في المساجد، لأن الماشي يتأذى من سموم الحر.
* إن الابراد في الصيف دون الشتاء.
* أن الأماكن المعتدلة صيفا لا يبرد بالظهر فيها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٢ - بابٌ وَقتِ الْعَصْرِ
١٢٤٥ - (١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، " فَيَأْتِيهَا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ".
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، هو العبسي، وابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، هو محمد، والزُّهْرِيُّ، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، ﵁.
الشرح:
الحديث (١)، والمراد أنه ﷺ صلاها في أول وقتها، وهو الأفضل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٣ - بابٌ وَقْتِ الْمَغْرِبِ
١٢٤٦ - (١) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - أَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إِذَا غَابَ حَاجِبُهَا ".
стр. 1118
رجال السند:
إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن راهوية إمام ثقة تقدم، وصَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، هو أبو محمد القسام، بصري ثقة، روى له الستة عدا البخاري تعليقا، ويَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، هو مولى سلمة، تابعي ثقة وسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ، ﵁.
الشرح:
الحديث رجاله ثقات، وأخرجه البخاري حديث (٥٦١) ومسلم حديث (٦٣٦) وانظر: (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان حديث ٣٧٠). والمراد أنه ﷺ صلاها في أول وقتها، وهو الأفضل، ووقتها يمتد إلى غروب الشفق الأحمر، أول وقت العشاء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٤ - بابٌ كَرَاهِيَةِ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ
١٢٤٧ - (١) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
«لَا تَزَالَ أُمَّتِي بِخَيْرٍ، مَا لَمْ يَنْتَظِرُوا بِالْمَغْرِبِ اشْتِبَاكَ النُّجُومِ» (١).
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو الرازي، وعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، هو أبو سهل البصري، وعُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو العبدي بصري لا بأس به، وانتقد في حديث عن قتادة، وقَتَادَةُ، هو ابن دعامة، والْحَسَنُ، هو البصري، والأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، هو السعدي تابعي، هم أئمة ثقات تقدموا، والْعَبَّاسُ، ﵁.
стр. 1119
الشرح:
وقت المغرب أضيق الأوقات، والأفضل أداء الصلاة في أول وقتها ولا يجوز تأخيرها حتى تظهر النجوم كثيرة مختلطة، وفي هذا مخالفة للغلاة والمبتدعة، والخير فيما أمر به رسول الله ﷺ ، وفي البعد عما حذر منه ونهى عنه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٥ - بابٌ وَقْتِ الْعِشَاءِ
١٢٤٨ - (١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: " وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ - يَعْنِى صَلَاةَ الْعِشَاءِ - كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ (١). قَالَ يَحْيَى: أَمَلَّهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ ".
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، هو صهر أبي عوانة وراويته، وأَبُو عَوَانَةَ، هو الوضاح، وأَبو بِشْرٍ، هو جعفر بن إياس، وبَشِيرُ بْنُ ثَابِتٍ، هو الأنصاري بصري ثقة، وحَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ، هو الأنصاري كاتب النعمان ومولاه، تابعي لا بأس به، روى له مسلم، والنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، ﵁.
الشرح:
المراد أنه ﷺ صلاها في أول وقتها، وسقوط القمر في ليلته الثالثة من أوله يوافق أول وقت العشاء، وهذه نظرة دقيقة من النعمان ﵁، وإن كان تأخيرها أفضل إذا اجتمع الناس لذلك ولم تكن مشقة، قالت عائشة: أعتم رسول الله ﷺ بالعشاء حتى ناداه عمر: الصلاة نام النساء والصبيان، فخرج، فقال: «ما ينتظرها أحد من أهل
стр. 1120
الأرض غيركم»، قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول (١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٩٦ - بابٌ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ
١٢٤٩ - (١) أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَا: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَادَ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ قَرِيبُهُ، فَجَاءَ وَفِي (٢) النَّاسُ رُقُودٌ، وَهُمْ عِزُونَ (٣)، وَهُمْ (٤) حِلَقٌ فَغَضِبَ" فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلاً نَادَى النَّاسَ».
وَقَالَ عَمْرٌو: «نَدَبَ النَّاسَ إِلَى عَرْقٍ (٥)، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ (٦)، لأَجَابُوا إِلَيْهِ، وَهُمْ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ، لَهَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَتَخَلَّفَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدُّورِ، الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ، فَأُضْرِمَهَا عَلَيْهِمْ بِالنِّيرَانِ» (٧).
رجال السند:
حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، هو القيسي أبو عثمان البصري، صالح تقدم، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، وأَبو صَالِحٍ، هو ذكوان السمان، هم أئمة تقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ، ﵁.
стр. 1121
الشرح:
في هذا خلاف هل المراد صلاة الجمعة أو العشاء أو الفجر، أو جميع الصلوات، رجح البيهقي ﵀ رواية الجماعة على رواية الجمعة يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة (١)، وقال النووي ﵀: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح (٢).
وهذا يدل على أهمية صلاة الجماعة والجمعة منها، وإنما خصت لمزيد فضل في شهودها والمحافظة عليها، والصلاة أهم العبادات؛ لأن الصلاة من تركها عمدا يكفر، ومن تركها تساهلا يعزر، وهي أول شيء من العبادات، يحاسب عليه العبد، قَالَ أبو هريرة ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، يَقُولُ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا إِلَى صَلَاةِ عَبْدِي، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً، قَالَ اللَّهُ بِحِلْمِهِ وفضلِ وُدِّهِ عَلَى عَبْدِهِ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ تَطَوُّعٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ».
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكُمْ» (٣)، لهذا كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، فهو يناجي ربه في اليوم والليلة على الأقل سبعا وعشرين مرة ما بين فريضة ونافلة، «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل» (٤).
والصلاة تضمنت العديد من العبادات، البدنية كالطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجّه إلى القبلة.
والنفسية، كإخلاص النية لله وهي عمل قلبي، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والعكوف في المسجد لأدائها، وإظهار خشوع الجوارح المنبعث من القلب، ومجاهدة
стр. 1122
الشيطان ووساوسه، ومناجاة الرب ﷻ بالدعاء وقراءة القرآن، وتوحيده ﷻ بالنطق بالشهادتين: شهادة توحيد الألوهية، وشهادة توحيد الاتباع، وشرع الله في الصلاة المناجاة سرًّا وجهرًا، وجمع للعبد فيها ذكر السر وذكر العلانية، فالمصلّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السامعين وهو ما يجهر به من القراءة فيها، وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات وتخف عنه الشرور فتقل، وقد تنعدم بفضل الله ورحمته، والصلوات متفاوتة في الأجر، فأفضل الصلوات في ذلك العشاء والفجر، قال رسول الله: «ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» (١)، وقال ﷺ : «أن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، … » (٢)، وقال ﷺ : «من صلى العشاء في جماعة فهو كقيام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة فهو كقيام ليلة» (٣).
وقد أفاد أبو عبد الله الحليمي ﵀، وبين ما يجني المحافظ على صلاة الجماعة من الأجر، والسلوك الإسلامي بين المصلين فقال ﵀: جاء عنه ﷺ ما يبين أنها فرض وليست بفرض، وهو قوله «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٤)، وهذا يحتمل أن يكون، على أن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة.
قال ابن عمر ﵄: " حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات لم يدعهن: ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء "، فإذا ضممت بالعشر ركعات إلى السبع عشرة كانت صلاة
стр. 1123
اليوم والليل، فرضها ونفلها سبعًا وعشرين ركعة، فإذا أراد النبي ﷺ أن كل صلاة أقيمت جماعة تعدل صلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا في جماعة (١).
ويحتمل ذلك وجهًا آخر وهو أن يكون إشارة إلى الفوائد التي تعود على المصلي في الجماعة، لأجل اجتماعه مع الناس على الصلاة.
ما يستفاد:
* الأمن من السهو عن بعض أركان الصلاة، والشك في أنه ركع أو لم يركع، وسجد سجدة أو سجدتين وصلى ركعة أو ركعتين.
* أن الصلاة في الجماعة إظهار للدين وليس إظهاره كإخفائه.
* أن الشغل في صلاة الجماعة أكثر منه في الانفراد، ولولا ذلك لم يجد المتخلف عن الجماعة بتخلفه تخفيفًا عن نفسه، والشغل بالعبادة عبادة.
* أن من يلزم المسجد منتظرًا الصلاة فذلك في حكم الصلاة وهو له عبادة.
قال النبي ﷺ : «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي» (٢).
وأما أن يتردد إلى المسجد في الظلمة مرة وفي الضياء أخرى والحر الشديد والبرد الشديد، ومقاساة العناء في العبادة عبادة، قال رسول الله ﵁: «بشر المشائين في الظلام بالنور التام» (٣).
* أن المسلمين إذا التقوا كل يوم وليلة خمس مرات للاجتماع على الصلاة عاد ذلك عليهم بالألفة والمودة، ولم يتقاطعوا ولم يستوحش بعضهم من بعض بأدنى بلاغ وأقل سبب.
стр. 1124
ويلتحق بهذا أن بعضهم يسأل عن بعض إذا لم يره، وإن كان وجب له حق قضاء، وإذا لم يجتمعوا ولم يتلاقوا جهلوا حال بعضهم، ولم يصل إلى قضاء حق إن كان قد وجب له.
* أنهم إذا قصدوا أن يصلوا جماعة احتاجوا إلى مكان يضمهم، فبنوا المساجد وعمروا ما قد بني منها، وكل واحد من البناء والعمارة عبادة، قال النبي ﷺ : «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ: بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّة» (١). أنهم إذا أرادوا ذلك احتاجوا إلى مؤذن يحفظ عليهم الأوقات، ويعلمهم بها، فإذا نصبوه فالأذان للمؤذن عبادة.
* أنهم يحتاجون إلى إمام يكون لهم بمنزلة القائد والوالي، فإمامته لهم عبادة، واقتداؤهم به عبادة.
* أن الصلاة في الجماعة تقع لأوقاتها؛ لأن كل واحد يفزع نفسه لشهورها وإقامتها، وصلاة المنفرد تقع مرة لأول الوقت ومرة لآخره، وربما تنتهي عن الوقت، وليس المحاسب نفسه كالمتساهل.
* أن التدرب على الجماعة عصمة من ترك الصلاة؛ لأن المنفرد قد ينام عن الصلاة وقد ينساها، وقد يغفل منها وقد يكسل عنها ويتركها.
* أن في ذلك غيظًا على الكفار إن شاهدوا من المسلمين جموعهم ومساجدهم واجتماعهم بأمر دينهم ومواظبتهم على عبادتهم.
* أن فيها تشبهًا بالملائكة حيث يقولون: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (٢).
* أن الصلاة من بعضهم على عين بعض أجزى وأخضع، ومن التجبر والتعظم أبعد.
стр. 1125
* أنه قد يدخل مع القوم من لا يحسن الصلاة فيصلي بصلاتهم ويأخذ عنهم فيكون أقام الصلاة بجماعة وهي من هذا الوجه إعانة على البر وهداية إلى الخير.
* أن الإمام يدعو لنفسه وللقوم، وكل واحد من القوم يدعو لنفسه وللجماعة، وذلك أرجى من دعاء المنفرد وحده.
فكيف يجرؤ بعد هذا البيان إنسان على القول بأن صلاة الجماعة سنة بإطلاق، ويجوز التخلف عنها وأداؤها في المنازل مع القدرة على شهودها في المساجد، ولو صح هذا القول فكم هي خسارة المصلي في البيت بدون عذر، نعم قد تصح صلاة المتخلف عن الصلاة ويتأول قوله ﷺ : «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» على فرض صحة الحديث، وفي رواية: «لا صلاة لمن سمع النداء ثم لم يأت إلا من علة» (١)، على فرض الصحة، يتأول بأن المراد نفي الكمال وليس نفي الصحة، وقد يكون هذا التأويل سائغا على غرار ما تقدم ن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، ولكن من يرضي بالنقص في دنياه، لا أحد، ألا ترى أن الرسول ﷺ مثل للحريص على ذلك بقوله المتقدم: «لَوْ أَنَّ رَجُلاً نَادَى النَّاسَ»، وَقَالَ عَمْرٌو: أو: «نَدَبَ النَّاسَ إِلَى عَرْقٍ (٢)، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ (٣)، لأَجَابُوا إِلَيْهِ، وَهُمْ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ» ولا ريب أن ما دعوا له أمر حقير وتافه، فضلوه على حضور الصلاة جماعة، وقد حدث أكبر من هذا فقد خرج أناس لتلقي قافلة التجارة وتركوا رسول الله ﷺ قائما يخطب، نعم يقدم على هذا من لم يوازن بين ما يجد من الفضل والفوائد في شهود صلاة الجماعة وما يصرف عنها من أمور الدنيا، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٢٥٠ - (٢) أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: