← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قوله: «قَالَ: مَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ قَدْ سُئلْتُ عَنْهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أُنْ أَحِلَّ حَرَاماً أَوْ أُحَرِّمَ حَلَالاً». أجاب سعيد ﵀ وبيّن أنه لا يخفي عليه شيء من مسائل الطلاق، وأنه سئل عنها، ولكن منعه الورع من القول؛ لأن الطلاق أحكامة متعلقة بما يحل وما يحرم، وهو متعلق بأنساب الناس، وأعراضهم فتورع عن القول في ذلك أو الاكثار من القول فيه، ولاسيما والناس من الزمن القديم أحدثون من الطلاق ما يستدعي التورع، ومعلوم أن عمر ﵁ قال: " إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" (١). ما يستفاد * جواز سؤال العالم عما يظن أنه مقصر فيه. * التورع عن الفتيا، وتوخي الخذر فيما يترتب عليها. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٨ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ (٢)، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ [وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ] (٣) أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ".

стр. 282

رجال السند: أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري، إمام ثقة تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، صدوق اختلط، سمع منه سفيان الثوري قبل ذلك تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، من كبار التابعين ثقة تقدم. الشرح: قوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: " لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ». المراد أن كل واحد منهم يطلب السلامة من الفتيا، ومن القول على الله ، وعلى رسوله ﷺ بغير علم، فقل من يسلم من خطر الفتيا، فلا يجرؤون عليها، ولا يتسارعون إليها، مع أنهم عاصروا رسول الله ﷺ وسمعوا منه، وحصل لهم من العلم والفضل ما لم يحصل لغيرهم ﵃، ومع ذلك تواضعوا وخاف كل منهم على نفسه ﵃ وأرضاهم، والخبر رجاله ثقات، وسماع عطاء من سفيان كان قبل الاختلاط، وانظر: القطوف رقم (٨١/ ١٣٧). ما يستفاد: * الحرص على النجاة من تحمل أعباء الفتيا. * التواضع وعدم التظاهر بالعلم. * علو المكانة لابن أبي ليلى بإدراكه مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٣٩ - (٧) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ دَاوُدَ قَالَ: "سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ إِذَا سُئِلْتُمْ؟ قَالَ:

стр. 283

عَلَى الْخَبِيرِ وَقَعْتَ، كَانَ إِذَا سُئِلَ الرَّجُلُ قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَفْتِهِمْ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الأَوَّلِ " (١). رجال السند: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، هو أبو يعقوب إمام ثقة، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش، إمام ثقة، ودَاوُدُ، هو ابن أبي هند، إمام ثقة تقدم. الشرح: فيه التوكيد على ما تقدم من كراهتهم للفتيا، وتدافعهم لها، كل يريد الخلاص من تبعتها، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٠ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ (٢). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، هو البكري أبو العباس المروزي، أحد أفراد البخاري إمام ثقة، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْمُنْكَدِرِ، هو محمد إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «إِنَّ الْعَالِمَ يَدْخُلُ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَلْيَطْلُبْ لِنَفْسِهِ الْمَخْرَجَ». هذا يدل على خطورة التصدر للفتيا، فمن أحال على غيره كما فعل الصحابة ﵃ يحيل بعضهم على بعض فقد طلب لنفسه السلامة من تبعة الفتيا، ومن

стр. 284

أفتى بما يتفق مع الكتاب والسنة، فقد خرج من العهدة، ومن يجشم عناءها وأفتي بالرأي فقد هلك وأهلك، وفي هذا جرأة على الله وعلى رسوله، وقد لا يسلم من العذاب، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤١ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، أنْبَأَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: " أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَاباً فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ، فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ، وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ ﵁ كَانَ أَشَدَّ خَوْفاً عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ " (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، هو الجوهري، ضعيف روى عنه البخاري في خلق أفعال العباد، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة إمام ثقة حافظ، ومِسْعَرٌ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «أَخْرَجَ إِلَيَّ مَعْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَاباً فَحَلَفَ لِي بِاللَّهِ إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ». معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، جده ابن مسعود الصحابي ﵁، كنيته أبو القاسم قاضي الكوفة، إمام ثقة.

стр. 285

هذا الإمام ﵀ وثق أن الكتاب خط أبيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. قوله: «فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُو، مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». لأن رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، وليس في التنطع والغلو رحمة، «هلك المتنطعون» (١). قوله: «وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَبِي بَكْر رضوان الله عليهٍ». لأنه المتبع لرسول الله ﷺ في كل صغيرة وكبيرة. «وَإِنِّي لأَرَى عُمَرَ ﵁ كَانَ أَشَدَّ خَوْفاً عَلَيْهِمْ أَوْ لَهُمْ». المراد أنه كان أشد خوفا على المتنطعين من الهلاك الذي أخبر به رسول الله ﷺ . ما يستفاد: * أن الإسلام دين رحمة ويسر وسهوله. * التحذير من الغلو التنطع فهو الهلاك. * أهمية اتباع الكتاب والسنة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٢ - (١٠) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَنْبَأَ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ

стр. 286

الأَزْدِيِّ قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالاِسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ " (١). رجال السند: أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين إمام ثقة تقدم، وزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، ضعفه الجمهور، وحديثه عند مسلم مقرون تقدم، وعُثْمَانَ بْنُ حَاضِرٍ الأَزْدِيِّ، هو أبو حاضر يماني ثقة. الشرح: قوله: «دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالاِسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ». عبد الله بن عباس ﵄، سأله الأزدي أن يوصه، فأمره بتقوى الله ؛ لأنها جماع كل خير، وبالاستقامة في الأمور كلها ومن فعل ذلك فهو موعود من الله بالأمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢)، ثم أمره بالاتباع؛ لأن التقوى والاستقامة على الطاعات والبعد عن المعاصي كل ذلك لا يتم إلا بالاقتداء والاتباع، فالتقوى والاستقامة والاتباع هي جماع النجاة والفوز بوعد الله .

стр. 287

ما يستفاد: * جواز أن يطلب المسلم من الرجل الصالح الوصية في عمل الخير. * أن أفضل ما يوصى به ثلاث: تقوى الله والاستقامة والاتباع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٣ - (١١) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا كَانَ عَلَى الأَثَرِ " (١). رجال السند: مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو الجمال، إمام ثقة تقدم، والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، هو البصري أبو الحسن، راوية شعبة، مصنف لم يسبق فيما صنف، ولي قضاء مرو، إمام قدوة ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد من سادات التابعين. الشرح: «قوله: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ مَا كَانَ عَلَى الأَثَرِ». المراد أن الصحابة ﵃، والتابعين ﵏ كانوا يرون المسلم على طريق الحق ما كان ملتزما بالأثر من الكتاب والسنة. ما يستفاد: * أن الالتزام بالأثر هو طريق الاستقامة، والنجاة من الغلو والبدع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٤ - (١٢) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ،

стр. 288

عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " مَا دَامَ عَلَى الأَثَرِ فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ" (١). رجال السند: يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو اليشكري، أبو غسان التستري، من أفراد الدارمي، صدوق، وأَزْهَرُ، هو الباهلي، أبو بكر السمان، راوية ابن عون، ثقة، وابْنُ عَوْنٍ، وابْنُ سِيرِينَ إمامان تقدما آنفا. الشرح: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٥ - (١٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَهْلُهُ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَالتَّعَمُّقَ، وَالتَّبَدُّعَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ ". رجال السند: أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس الحمصي، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو، هما إما مان ثقتان تقدما، ويَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، هو الطائي، أبو نصر اليماني، إمام ثقة ربما دلس، وأَبو قِلَابَةَ، هو عبد الله بن زيد الجرمي، إمام ثقة تقدم. الشرح: رجاله ثقات، وأبو قلابة عبد الله بن زيد لم يرك ابن مسعود ﵁، ولروايته شواهد كثيرة غير خافية، وانظر: القطوف رقم (٨٨/ ١٤٤).

стр. 289

والمراد بالعتيق ما كان عليه النبي ﷺ ، والصحابة من بعده ﵃. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٦ - (١٤) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ - أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ - وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَاماً يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَان، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، وأَبو قِلَابَةَ، جميعهم أئمة ثقات تقدموا. الشرح: قوله: «قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ». ابن مسعود، هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁. وتقدم الكلام على هذا عند الحديث ٩٧، وما بعده فأغنى عن الإعادة. قوله: «وَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ، أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ». فيه الحث على طلب العلم فإن الإنسان لا يعلم متى العلم في بعض المسائل لذات نفسه، ولا يعلم متى يحتاج الناس ما عنده من العلم فيطلبونه.

стр. 290

قوله: «وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَاماً يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ». تقدم بيان نحو هذا عند الحديث ١٢١، فأغنى عن الإعادة. قوله: «وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ». تقدم البيان عند الحديث ١٤٠، فأغنى عن الإعادة. والمراد «بِالْعَتِيقِ» القديم من العلم في زمن النبي ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٧ - (١٥) (١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: " أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ (٢) قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُوناً مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَجَعَلَ لَهُ ضَرْباً حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي " (٣). رجال السند: أَبُو النُّعْمَانِ، الفضل بن دكين، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، هما إمامان ثقتان تقدما، ويَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، هو الأزدي، أبو بكر الجهضمي، أخو جرير الجهضمي،

стр. 291

من أفراد الدارمي، إمام ثقة، وسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار، هو الهلالي من فقهاء المدينة السبة، مدني تابعي إمام ثقة. الشرح: قوله: «أَنَّ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ صَبِيغٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُوناً مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَجَعَلَ لَهُ ضَرْباً حَتَّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِى كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي». صبيغ هو ابن عِسْل اليربوعي، من بني تميم، وسيأتي عند المصنف أن عمرو بن العاص ﵁ والي عمر ﵁ على مصر شكا أمر صبيغ إلى عمر ﵁ وقد ذكر له أنه يسأل عن تأويل القرآن. ولقله أثار نوعا من المتشابه لا سبيل إلى تأويل، كمعرف وقت خروج الدابة وقيام الساعة، وما شابه ذلك، وإلا لما أدبه عمر ﵁ وقسا عليه، ولو كان سؤاله عن المتشابه من نحو العام والخاص، والواجب والنفل وغير ذلك، لما عاقبه عمر على ذلك، وهذا يجب عقاب من تتبع المتشابه لإثارة الشبهات، وتقدم قول أبي قلابة ﵀: " ما ابتدع أحد بدعة إلا استحل السيف ". قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٨ - (١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا

стр. 292

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (٢). رجال السند: أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، إمامان ثقتان تقدما، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو التستري، أبو سعيد البصري، إمام ثقة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، هو التيمي ولي القضاء لابن الزبير، تابعي فقيه أدرك عددا من الصحابة، إمام ثقة، والْقَاسِمُ، هو ابن محمد إمام ثقة، ثبت سماعه من عائشة، ومن القاسم عن عائشة تقدم. الشرح: قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ». لأن الله أخبر عنهم فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فبين أنهم زائغون عن الحق، لذلك حذر منهم رسول الله ﷺ ، وانظر ما تقدم.

стр. 293

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٤٩ - (١٧) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا حَفْصٌ (١)، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: " سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئاً حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ " (٢). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وحَفْصٌ، هو ابن غياث والأَعْمَشُ، وشَقِيقٌ، هو ابن سلمة، الجميع أئمة ثقات تقدموا. الشرح: قوله: «سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: إِنِّي لأَكْرَهُ أَنْ أُحِلَّ لَكَ شَيْئاً حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَوْ أُحَرِّمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكَ». عبد الله هو ابن مسعود ﵁، كره أن يدلي برأيه في مسألة ليس لها في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ما يدل على تحريمها أو تحليلها، أجاب السائل بهذا. وقد سبق مثل هذا عن إبراهيم النخعي ﵀، وغيره فانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٠ - (١٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:

стр. 294

لأَنْ أَرُدَّهُ بِعِيِّهِ (١) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّفَ لَهُ مَا لَا أَعْلَمُ (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري، أبو عبد الله الثغري، لابأس به، وأَبو إِسْحَاق الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، مصنف شديد على أهل البدع، إمام ثقة، وابْنُ عَوْن، هو عبد الله، وابْنُ سِيرِينَ، إمامان ثقتان تقدما، وحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو الحميري فقيه البصرة، تابعي ثقة، أثنى عليه ابن سيرين. الشرح: قوله: «لأَنْ أَرُدَّهُ بِعِيِّهِ (٣) أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّفَ لَهُ مَا لَا أَعْلَمُ». المراد أنه يرد السائل عما ليس في كتاب الله ، ولا في سنة رسول الله ﷺ بجهله، خير من يتجشم الإجابة بما لا يعلم، وهذا من التقوى والورع. وانظر ما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥١ - (١٩) (٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَبِيغاً الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ

стр. 295

مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فِي الرَّحْلِ. قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ (١). أَنْ يَكُونُ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنْه (٢) الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ. فَأَتَاهُ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ (٣) مِنْ جَرِيدٍ فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً (٤)، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ، قَالَ فَقَالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ. فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ (٥).

стр. 296

رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق، واللَّيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَجْلَانَ، هو محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، كان يفتي في مسجد الرسول ﷺ ، إمام ثقة شبهه ابن المبارك بالياقوتة بين العلماء، ونَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ، إمام ثقة، وعبد الله هو ابن عمر ﵄. الشرح: تقدم بعض هذه القصة برقم ١٠١، ١٤٧، وهكذا يجب أن يعامل أهل الشبهات، حتى يطيح ما برؤوسهم، فيتوبون ويكفي الناس شرهم، فأين عمر في هذا الزمان، والله المستعان. قوله: «أَنَّ صَبِيغاً الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ». صبيغ تقدم أنه ابن عِسْل التميمي، العراقي: هذا يبين أنه بدأ إثارة الشبهات بين الجند في العراق. قوله: «حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ». المراد أنه استمر فيما أثار حتى قدم مصر، وكان واليها من قبل عمر ﵁ عمرو بن العاص ﵁ وهو أبو عبد الله السهمي، كان مرفقا لخالد بن الوليد في هجرته إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، وفي ولايته على مصر بعث بصبيغ إلى عمر بالمدينة، وكتب عمرو بأمره.

стр. 297

قوله: «فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فِي الرَّحْلِ. قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ أَيَكُونُ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنْه الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ». قرأ عمر الكتاب وسأل عن الرجل، وحرز عليه المرسَل عليه، وتوعده بالعقوبة إن هرب صبيغ. قوله: «فَأَتَاهُ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ مِنْ جَرِيدٍ فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً». وجاء الحارس بصبيغ، فأنكر عليه ﵁ أن يثير المحدثات، ولو ترك هذا الأمر لفسد الدين، وتفرق الناس حسب الأهواء والمحدثات، لذلك عمر ﵁ شدد عقوبة صبيغ؛ لأنه ممن أحدث وسأل عن الشبهات، فضربه عمر ضربا مبرحا بجريد نخل أخضر، فضربه حتى أدمي ظهره. قوله: «ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ، قَالَ فَقَالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ». المراد أن هذه هي الجرعة الأولى من العقوبة، ولكن رحمة من عمر ﵁ ترك صبيغا ليبرأ جرحه، فلما برأ استدعاه للجرعة الثانية، ولكن تبين أن الجرعة الأولى كانت علاجا ناجعا، لذلك تساءل صبيغ عن مراد عمر ﵁ من استدعائه مرة أخرى فإن المراد القتل فالرحمة طلب، وإن كان الدواء فالجرعة الأولى قد أزالت البلاء، والحمد لله. قوله: «فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

стр. 298

أدن عمر ﵁ أن يعود إلى أرضه العراق، وكتب إلى واليه على الكوفة أبي موسى الأشعري ﵁، وهو عبد الله بن قيس الصحابي الجليل، دعا له النبي ﷺ ، كتب إليه عمر ﵁ لينفذ الجرعة الثالثة من العقوبة، ألا يجالسه أحد من المسلمين، ليشعره بفداحة ما أقدم عليه، وليكون للناس فيه عبرة. قوله: «فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ». وفي الحقيقة هذه عقوبة ليست سهلة فقد تكون أشد من ضرب الجريد، فرق له أبو موسى ﵁ وكتب لعمر ﵁ بصلاح أمر صبيغ، فرد عمر ﵁ بأن يسمح للناس بمجالسته، هذه هي الحكمة والجزم في دفع الشبهات عن الفرد والجماعة، فنعوذ بالله من البدع ومحدثات الأمور. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٢ - (٢٠) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِراً يَقُولُ: " اسْتَفْتَى رَجُلٌ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ مَا تَقُولُ في كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ يَا بُنَيَّ أَكَانَ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَّا لَا فَأَجِّلْنِي حَتَّى يَكُونَ فَنُعَالِجَ أَنْفُسَنَا حَتَّى نُخْبِرَكَ " (١). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، هو أبو عبد الله الكوفي ثقة متقن تقدم، وزُهَيْرٌ، هو ابن معاوية، أبو خيثمة، ثقة إمام تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ هو

стр. 299

البجلي أبو عبد الله، سمع من بعض الصحابة ﵃، كان محدث الكوفة في زمانه، إمام ثقة. الشرح: قوله: سَمِعْتُ عَامِراً يَقُولُ: " اسْتَفْتَى رَجُلٌ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ مَا تَقُولُ في كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ يَا بُنَيَّ أَكَانَ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ؟ قَالَ: لَا. عامر هو الشعبي، إمام ثقة تقدم، أبي بن كعب ﵁ من فضلاء الصحابة ﵃ ولعل الرجل الذي استفتى أبيا ﵁ يكون مسروق بن سعيد، كما توضحه الرواية التالية، ولم يجب أبي ﵁ وسأل الرجل عن كينونة ما سأل عنه، فإن كان أجاب وإلا فهو محدث يجتنب الإجابة عنه. قوله: «قَالَ: أَمَّا لَا فَأَجِّلْنِي حَتَّى يَكُونَ فَنُعَالِجَ أَنْفُسَنَا حَتَّى نُخْبِرَكَ». لم يجب أبي ﵁ وطلب تأجيل هذا حتى يحدث فيعالج القول فيه؛ لأن القول فيما لم يحدث استعجال لا مبرر له، وهو من الترف العلمي الذي لا مائدة منه، بل فيه ضرر ضياع الوقت، وإهدار الطاقة الفكرية، وهذا خاض بما يتعلق بالدين، أما ما يتعلق بأمور الدنيا فلا حرج في الإبداع والتطوير، وهو أمر محمود، لا يمنع منه الإسلام. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٣ - (٢١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنْبَأَ أَبُو عَوَانَةَ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ فَتًى: يَا

стр. 300

عَمَّاهُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَانَ هَذَا؟، قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَعْفِنَا حَتَّى يَكُونَ " (١). رجال السند: يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، هو ابن أبي زياد، أبو محمد الشيباني، صهر أبي عوانة وراويته، إمام ثقة، وأَبُو عَوَانَةَ، هو الوضاح إمام ثقة تقدم، وفِرَاسٍ، هو ابن يحيى الهمداني، أبو يحيى الخارفي، من أصحاب عامر الشعبي، إمام ثقة، عَامِرٍ، هو الشعبي، ومَسْرُوقُ بن سعيد الأجدع الوادعي، من كبار التابعين، إمام ثقة. الشرح: قول: «أَبُو عَوَانَةَ، فَأَخْبَرَنَا عَنْ فِرَاسٍ». فيه لفت نظر إلى أن أبا عوانة لم يسمع هذا الحديث من فراس، مع أن سماع أبي عوانة من فراس ثابت، وروايته في الصحيحين. وأنظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٤ - (٢٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: " كَانَ إِبْرَاهِيمُ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْ فِيهِ إِلاَّ جَوَابَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ " (٢). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج، وأَبُو أُسَامَةَ، حماد بن أسامة، والأَعْمَشِ، أئمة ثقات تقدموا.

стр. 301

الشرح: قوله: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ، إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْ فِيهِ إِلاَّ جَوَابَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ». إبراهيم هو النخعي إمام ثقة، تقدم، كان ﵀ لا يزد في الإجابة على ما سأل عنه، يجيب على قدر السؤال، ولا يسترسل، وهذا أسلم وأحوط عن الخطأ؛ من كثر كلامه كثر سقطه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٥ - (٢٣) أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْتِي في الْفَرْجِ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ ". رجال السند: الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، هو ابن جعفر بن عبد الله بن رزين السلمي أبو علي النيسابوري، لابأس به، والْحُسَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ، هو النيسابوري، أبو عبد الله وثَّقه الدار قطني، كان من أسخى الناس وأورعهم وأتقاهم وأغزاهم، ووُهَيْبٌ، هو ابن خالد بن عجلان، إمام ثقة، يملي من حفظه تقدم، وهِشَامٌ، هو ابن حسان أبو عبد الله البصري، ثبت في ابن سيرين، إمام ثقة، ومُحَمَّدُ ابْنُ سِيرِينَ، من سادات التابعين تقدم. الشرح: قول: «أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْتِي في الْفَرْجِ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ». يعني مسائل الطلاق؛ لأن الاحتياط فيما أصله التحريم واجب، تعظيما لشأن الفروج والأنساب. وانظر رقم (١٣٦)، وهذا ورع من ابن سيرين رحمه

стр. 302

الله؛ لأن قضايا الطلاق، والخلع، والإيلاء متعلقة بحل الفروج وتحريمها، ومتعلقة بالأنساب، فالعالم يخشى من الزلل فيحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله ، والخبر رجاله ثقات، وهنا تصرّف صاحب فتح المنان في إنهاء باب (١٩) بالأثر رقم (١٥٣) المقابل عنده باب (٤) أثر (١٥٨) ونقل الآثار (١٥٤ - ١٥٨) التي تليه إلى باب (٥) عنده الآثار (١٦٣ - ١٦٧) المقابل باب (٢٠) عندنا، وانظر: القطوف رقم (٩٧/ ١٥٤). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٦ - (٢٤) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ: " سَأَلْتُ طَاوُساً، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لِى: كَانَ هَذَا؟، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: آللَّهِ؟، قُلْتُ: آللَّهِ. قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيُذْهَبَ بِكُمْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ سُدَّدَ، وَإِذَا قَالَ وُفِّقَ " (١). رجال السند: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، إمامان ثقتان تقدما، والصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ، من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان يروي عن طاوس ومجاهد، وثقه ابن معين. الشرح: انظر ما سبق.

стр. 303

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٧ - (٢٥) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ، فَقَالَ: أَكَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟، قَالَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، قَالَ: اتْرُكْ بَلِيَّتَهً حَتَّى تَنْزِلَ، قَالَ: فَدَلَّسْنَا لَهُ رَجُلاً فَقَالَ: قَدْ كَانَ. فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ " (١). رجال السند: بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو بشر بن الحكم بن حبيب بن مهران العبدي أبو عبد الرحمن النيسابوري الفقيه الزاهد، والد عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وابن عم محمد بن عبد الوهاب بن حبيب الفراء، إمام ثقة، وعَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، هو الدراوردي، لابأس به، أخذ عليه إذا حدث من حفظه تقدم، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي إمام ثقة، أحد تلاميذ معاذ، وابن مسعود ﵄، ومن شيوخ الشعبي، وسعيد بن جبير وطبقتهما، قال: " صحبت معاذاً باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة " وأَبِوه، هو ميمون بن مهران أبو أيوب الجزري، الكوفي ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، توفي سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة.

стр. 304

الشرح: قوله: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ، فَقَالَ: أَكَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟، قَالَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، قَالَ: اتْرُكْ بَلِيَّتَهً حَتَّى تَنْزِلَ، قَالَ: فَدَلَّسْنَا لَهُ رَجُلاً فَقَالَ: قَدْ كَانَ. فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ». عبد الله بن عباس ﵄، متبع للصحابة قبله في عدم الإجابة عما لم يكن، ولكن الناس يلجؤون إلى الحيل، إذ دسوا عليه من يزعم أن ما سألوا عنه كان، فأجابهم ﵁ على ما أظهروا، ولعل هذا كان منهم حرصا على سماع رأيه ﵁ فيما زعموا أنه وقع. قوله: «فَقَالَ: يُطْعِمُ عَنِ الأَوَّلِ فِيهِمَا ثَلَاثِينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ». هذا لا يحمل إلا على أن الذي لم يصم رمضان الأول حتى دخل رمضان الذي بعده، أنه كان مريضا في رمضان الأول ولم يقدر على الصيام البتة، فهذا حاله ينطبق عليه وقول ابن عباس هذا. أما من لم يصم رمضان لسفر أو مرض يرجى برؤه، فإن عليه القضاء قال الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، ولا يجوز له الإطعام. وأما لم يصم رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه وإنما تركه أشرا وبطرا تعمد ذلك ثم تاب عنه ونقل كافة من العلماء أن عليه القضاء؛ لأن الله أوجب

стр. 305

على المسافر والمريض في رمضان القضاء وهما معذوران، فإذا أوجب الله القضاء على المعذور فغيره من باب أولى. ومنهم من قال: من لم يصم رمضان عمداً بغير عذر حتى خرج وقته مع علمه بوجوبه لا ينفعه قضاؤه ولا يقبل منه ولو صام الدهر؛ لأن العبادات المؤقتة بوقت محدود بداية ونهاية لا يصح أن تقع إلا في وقتها المحدود. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٨ - (٢٦) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: " كُنْتُ أَجْلِسُ بِمَكَّةَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَوْماً وَإِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْماً، فَمَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا سُئِلَ لَا عِلْمَ لِي أَكْثَرُ مِمَّا يُفْتِي بِهِ " (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو أبو محمد الأصبهاني، ثقة تقدم، وإِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، هو الرازي ثقة، الْعُمَرِيُّ، عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، وعُبَيْدُ ابْنُ جُرَيْجٍ، هو مولى بني تيم، وقيل: التميمي المدني، يعد في التابعين، عزيز الحديث، وثقه العجلي. الشرح: قزله: فَمَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ فِيمَا سُئِلَ لَا عِلْمَ لِي أَكْثَرُ مِمَّا يُفْتِي بِهِ».

стр. 306

تقدم كثيرا عن بعض الصحابة ﵃، وبعض التابعين ﵏ أنهم لا يكثرون القول، صيانة للدين، وبعدا عن الزلل، وانظر ما سبق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٥٩ - (٢٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " تَعَلَّمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُخْتَل (١) إِلَيْهِ " (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، والأَعْمَشُ، هو سليمان، وأَبو وَائِلٍ، هو شقيق، جميعهم أئمة ثقات تقدموا. الشرح: قوله: «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " تَعَلَّمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُخْتَل إِلَيْهِ». قوله: " يُخْتَل" في (ف) وفي (و) يختلف، وفي بقية الأصول الخطية (يختل) وهي متقاربة المعني، فيها معنى الذهاب خفية. انظر الفائق ١/ ٣٥٤ والنهاية ٢/ ٩) فأبقيت على ما في الأصل. وعبد الله هو ابن مسعود ﵁، وهذه وصية بطلب العلم لحاجت الطالب أولا، ثم إنه قد يحتاج الناس إلى علمه، فيترددون عليه لطلب ما عنده من العلم.

стр. 307

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٠ - بابٌ الْفتْيَا وَمَا فِيهِ مِنَ الشّدَّة ١٦٠ - (١) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي (١) جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ» (٢). رجال السند: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو الرازي، أبو إسحاق التميمي، كبير في العلم والجلالة، إمام ثقة، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، شيخ الإسلام، تناقل فضائله العلماء، إمام فقيه ثقة، وسَعِيدُ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، هو الخزاعي أبو يحيى المصري، إمام ثقة، وعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، هو الأموي فقيه محدث جليل، أبو بكر إمام ثقة. الشرح: هذا مرسل تفرد به الدارمي، وعبيد الله هذا من صغار التابعين، ولم يذكر الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ ، ومعناه صحيح، فإن من يتساهل في الفتوى قد يوقعه ذلك في القول على الله بغير علم، وهذا طريق إلى النار والعياذ بالله من ذلك. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦١ - (٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِى لُبابةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْ أَحْدَثَ

стр. 308

رَأْياً لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ " (١). رجال السند: أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس بن الحجاج، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبابةَ، هو الأسدي، أبو القاسم تابعي فقيه، ثقة إمام. الشرح: قوله: «مَنْ أَحْدَثَ رَأْياً لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يَدْرِ عَلَى مَا هُوَ مِنْهُ إِذَا لَقِيَ اللَّهَ ». هذا كلام نفيس مستنده قول رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد» (٢)، والمراد أنه عمل فاسد مردود على صاحبه غير مقبول، ومن لا يقبل عمله مصيره النار؛ لأنه أحدث أمرا ليس عليه حكم الله ورسوله ﷺ ، وكذلك قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، صريحة في رد كل محدثة أيا كان فاعلها. ما يستفاد: * هذان الحديثان من أعظم قواعد الدين. * وجوب محاربة البدع والمحدثات. * أن كل قول لا يتفق مع الكتاب والسنة فهو باطل مردود.

стр. 309

* أن كل عمل لا يتفق مع الكتاب والسنة فهو فاسد مردود. * أن من خالف الكتاب والسنة بارتكاب البدع والمحدثات مصيره النار. * دعوة أهل البدع إلى التوبة وعدم تجاوز ما شرع الله ورسوله ﷺ . * وجوب إشاعة السنة وإبطال البدع. * أن ما يقوم به العلماء والفقها من تفريع المسائل، واستنباطها من الكتاب والسنة ليس من المحدثات. * جواز الاجتهاد من ذي القدرة العلمية فيما لا نص فيه، وليس هو من المحدثات. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٢ - (٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، حَدَّثَنِى بَكْرُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ» (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ، هوالخزاعي إمام ثقة تقدم، وبَكْرُ بْنُ عُمَرَ الْمُعَافِرِيُّ، هو إمام جامع الفسطاط بمصر، إمام ثقة، وأَبِو عُثْمَانَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، هو الطنبذي، رضع مع الخليفة عبد الملك بن مروان، قليل الحديث، من رجال مسلم، يعتبر به. الشرح:

стр. 310

قوله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ». أبو هريرة ﵁، هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الزهراني، أعلى المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ ، قدم مع من قدم من قومه في السنة السابعة من الهجرة، ورسول الله ﷺ في خيبر، فلحقو به هناك، وقسم لهم رسول الله ﷺ ، من غنائم خيبر ولم يدركوا قتالا معه. قوله: «مَنْ أُفْتِيَ بِفُتْيَا مِنْ غَيْرِ ثَبْتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ». لأنه أضل من أفتى بجهله، فعليه وزر من أفتى، إذ قاده إلى عمل غير صحيح. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٣ - (٤) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْ أَفْتَي بِفُتْيَا يُعَمَّى عَنْهَا فَإِثْمُهَا عَلَيْهِ (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف ثقة تقدم، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، ثقة إمام تقدم، وأَبِو سِنَانٍ، هو ضرار بن مرة الكوفي، روى عن التابعين، ثقة إمام، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، هو شهيد الحجاج. الشرح: انظر السابق.

стр. 311

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٤ - (٥) (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، ثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: " كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ نَظَرَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ قَضَى بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ في الْكِتَابِ، وَعَلِمَ مِنْ (٢) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ الأَمْرِ (٣) سُنَّةً قَضَى بِهِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَتَانِي كَذَا وَكَذَا، فَهَلْ عَلِمْتُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى في ذَلِكَ بِقَضَاءٍ؟ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ قَضَاءً، فَيَقُولُ أَبُو بَكْر رِضْوَانْ الله عَلَيْهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَنْ (٤) نَبِيِّنَا ﷺ ، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنَ النبي ﷺ جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِنْ أَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَمْرٍ قَضَى بِهِ " (٥). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو ابن الحجاج أبو جعفر الكوفي، لقبه الأصم، إمام ثقة من رجال البخاري، وزُهَيْرٌ، هو ابن معاوية إمام ثقة تقدم، وجَعْفَرُ ابْنُ بُرْقَانَ، هو أبو عبد الله الجزري الرقي، إمام ثقة في غير الزهري، ومَيْمُونُ ابْنُ مِهْرَانَ، هو الجزري ثقة فقيه تقدم.

стр. 312

الشرح: هذا هو المنهج الرصين، والصراط المستقيم، أن يبدأ بالنظر في حكم المسألة بكتاب الله المصدر الأول للتشريع، ثم السنة النبوية المصدر الثاني، ثم سؤال من عنده علم فقد يكون عند غيره من علم الكتاب والسنة ما ليس عنده، ثم اجهاد وجوه العلماء والفقهاء لبحث ما لم يدل عليه كتاب ولاسنة، فما أجمعوا عليه فهو المصدر الثالث من التشريع، وما لم يجمع عليه، فالقياس مصيره، بالنظر في الأشباه والنظائر واستنتاج الحكم المناسب، صلى الله على نبينا محمد وآله، ورضي الله عن أبي بكر والصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٥ - (٦) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ قَالَ: " كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْهَا صِيَامٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلاَّ بِصِيَامٍ (١)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النبي ﷺ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ ﵁؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ ﵁؟ قَالَ: لَا، قَالَ عُمَرُ ﵀: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَاماً، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُساً، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي

стр. 313

الله عنهما لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَاماً إِلاَّ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي" (١). رجال السند: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو أبو إسحاق التميمي إمام ثقة تقدم، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، هو الكلابي أبو محمد النيسابوري، إمام مجاب الدعوة ثقة، وعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الدراوردي، إمام ثقة تقدم، وأَبِو سُهَيْلٍ، هو مالك ابن نافع الأصبحي، عم الإمام مالك، إمام ثقة. الشرح: قول: «كَانَ عَلَى امْرَأَتِي اعْتِكَافُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَسَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْهَا صِيَامٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَكُونُ اعْتِكَافٌ إِلاَّ بِصِيَامٍ». هذا رأي الزهري ﵀، والصحيح أن الاعتكاف جائز بغير صيام، إلا أن يطوع المعتكف فيصوم من غير وجوب، قال: طاوس ﵀: " كان ابن عباس لا يرى على المعتكف صياما إلا أن يجعله على نفسه "، وقال عطاء ﵀: " وذلك رأيي فكان من حجتنا عليه - يعني الزهري- أن ابن عباس قد روينا عنه في هذا خلاف ذلك مما يحدثه عنه عطاء، ثم وجدنا عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: " الاعتكاف لا يكون إلا بصيام"، والصحيح عدم وجوب الصوم مع الاعتكاف يؤيد هذا ما يلي:

стр. 314

قوله: «فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَعَنِ النبي ﷺ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رِضْوَانَ الله عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ ﵁؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ عُثْمَانَ ﵁؟ قَالَ: لَا، قَالَ». هذا القول من عمر بن عبد العزيز رحمه فيه اتباع للمنهج الصحيح الذي تقدم ذكره عن أبي بكر، فسأل عمر ﵀ الزهري ﵀ عن مستنده فيما قال، أهو عن رسوا الله ﷺ فقال الزهري: لا، ثم سأله أهو قول عن عمر ﵁ الله عنه، فيؤخذ به؛ لأنه الخليفة الراشد المهدي، عملا بقول رسول الله ﷺ : «فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ» (١)، وكذلك أبو بكر وعثمان ﵄. قوله: «قَالَ عُمَرُ ﵀: مَا أَرَى عَلَيْهَا صِيَاماً». هذا هو الصحيح مادامت المسألة ليس فيها شيء عن النبي ﷺ ، ولا عن الخلفاء الراشدين فمن أين هذا للزهري ﵀، ومن أين هو لابن عباس ﵄، في رواية عنه، إذن المسألة اجتهادية، تبقى على البراءة الأصلية إلا من اعتكف وتطوع بصوم فلا حرج. قوله: «فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ طَاوُساً، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَسَأَلْتُهُمَا، فَقَالَ طَاوُسٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَاماً إِلاَّ أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَ: وَقَالَ عَطَاءٌ: ذَلِكَ رَأْيِي».

стр. 315

هذا قول أبي سهيل ليستدل به على الصحيح، وللرد على الزهري ﵀ فيما ذكر. ما يستفاد: * عدم جواز الاجتهاد مع النص، ولذلك سأل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن ذلك. * جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، ولذلك اجتهد الزهري رأيه، وخالفه طاوس وعطاء رحمهما الله برواية عن ابن عباس ﵄. * الصحيح عدم ربط الاعتكاف بالصيام، وأنه يجوز بدونه. * جواز التطوع بالصيام مع الاعتكاف. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٦ - (٧) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِى نَضْرَةَ قَالَ: " لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟، مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ لِقَاءً مِنْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي بِرَأْيِكَ، فَلَا تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ " (١). رجال السند: مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الفراهيدي، إمام ثقة تقدم، أَبُو عَقِيلٍ، هو بشير ابن عقبة الناجي، إمام ثقة من رجال الصحيحين، وسَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، هو ابن

стр. 316

إياس محدث البصرة، إمام ثقة، تغير قبل موته، وأَبِو نَضْرَةَ، هو المنذر ابن مالك البصري، تابعي ثقة، ولا حجة لمن ضعفه. الشرح: قوله: «لَمَّا قَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرَةَ أَتَيْتُهُ أَنَا وَالْحَسَنُ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ: أَنْتَ الْحَسَنُ؟، مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْبَصْرَةِ أَحَبَّ إِلَيَّ لِقَاءً مِنْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُفْتِي بِرَأْيِكَ، فَلَا تُفْتِ بِرَأْيِكَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ». القائل أبو نضرة، وأبو سلمة، هو ابن عبد الرحمن بن عوف الصحابي، وهو إمام ثقة تقدم، هو البصري من سادات التابعين ﵀، قال له أبو سلمة، لكونه من الفقهاء المقصودين من الناس، مع أن الحسن ﵀ صاحب سنة والتزام، فوجهه إلى الاعتماد على الكتاب والسنة في الفتيا، ومعلوم أنه لا محيد عنهما لصاحب سنة كالحسن، ولكن إذا لم يكن في المسألة كتاب ولا سنة، فباب الاجتهاد مفتوح لمن تأهل كالحسن وأضرابه من التابعين ﵏ ، وانظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٧ - (٨) أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُباب، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ

стр. 317

فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلَا تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ " (١). رجال السند: عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، هو النميري، أبو الفضل النيسابوري، لا يروي إلا عن ثقة، وهو إمام ثقة، وزَيْدُ بْنُ الْحُباب، هو العكلي الكوفي، وثقه العجلي وابن حبان وقال مرة: يخطئ ويعتبر بحديثه تقدم، ويَزِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، هو أبو محمد العتكي، من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، وثقة ابن حبان، فلابأس به، والضَّحَّاكُ، هو الضبي، من أفراد الدارمي، سكت عنه البخاري، وجهّله أبو حاتم، وجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، هو الأزدي اليحمدي الزهراني، أبو الشعثاء مفتي البصرة، من تلاميذ ابن عباس الكبار، أثني عليه ابن عباس ﵄ فقال: " لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علما". الشرح: قوله: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ فِي الطَّوَافِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ إِنَّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ فَلَا تُفْتِ إِلاَّ بِقُرْآنٍ نَاطِقٍ أَوْ سُنَّةٍ مَاضِيَةٍ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ». ابن عمر، هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أسدى نصيحة لجابر بن زيد أبي الشعثاء ألا يفتي إلا معتمدا على

стр. 318

الدليل من الكتاب أو السنة، ونها عن الرأي، خوفا من الزلل وهذا غاية في الورع مع جواز الاجتهاد فيما لا نص فيه، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، وخطأه مغفور، والاحتياط أولى، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٨ - (٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي وَلَسْنَا هُنَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأَمْرِ أَنْ قَدْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلْيَقْضِ فِيهِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، وَلَا يَقُلْ: إِنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أُرَى، فَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَالْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ " (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُف، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، والأَعْمَشُ، أئمة ثقات تقدموا، وعُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، هو التيمي من صغار التابعين، ثقة، أخرج له الستة، وحُرَيْثُ بْنُ ظُهَيْرٍ، هو كوفي تابعي، تفرد عمارة بالرواية عنه، تابعه عبد الرحمن بن يزيد عند الدارمي حديث ١٧٣ الآتي، وعبد الله ابن مسعود ﵁.

стр. 319

الشرح: قوله: «أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ لَسْنَا نَقْضِي وَلَسْنَا هُنَالِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّرَ مِنَ الأَمْرِ أَنْ قَدْ بَلَغْنَا مَا تَرَوْنَ». المراد أنه في زمن الرسول ﷺ لم يكن أحد من الصحابة ﵃ يفتي غيره ﷺ لارتباط ذلك بالوحي، فلما توفي رسول الله ﷺ احتاج الناس الفتيا فكانت مقصورة على الكتاب والسنة، وبحذر شديد من القول بالرأي، فلما كثر الناس وجدت أمور طلب فيها القول بما يتمشى من الشرع. قوله: «فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلْيَقْضِ فِيهِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، وَلَا يَقُلْ: إِنِّي أَخَافُ وَإِنِّي أُرَى، فَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَالْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». قال هذا ابن مسعود ﵁، وهو المنهج الذي تقدم ذكره عن أبي بكر ﵁، على الترتيب الكتاب أولا، ثم السنة ثانيا، ثم ما رأى الصالحون وهو الإجماع، ثم حث على عدم التهيب مما كان في أول الأمر من التحذير من القول بالرأي، ففتح باب الاجتهاد، والنظر في المسائل، من ذوي العلم والتقوى، ثم اقتبس من قول رسول الله ﷺ " أن الحلال بين والحرام بين" لا يلتبس على الفهم العاقل، " وبينهما مشتبهات" قد تلتبس على الناظر، فإذا حصل الشك: " فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك" المراد أترك ما تشك فيه واعمل بما لا تشك فيه، والحمد لله على اليسر، تقدم برقم ١٦٣ - (٥)، وانظر ما سبق.

стр. 320

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٦٩ - (١٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ " (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة، وابْنُ عُيَيْنَةَ، هو سفيان، هما إمامان ثقتان تقدما، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، هو مكي تابعي ثقة، خرج حديثه أصحاب الستة. الشرح: قوله: «كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الأَمْرِ فَكَانَ فِي الْقُرْآنِ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ وَكَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ». ابن عباس، هو عبد الله ﵄، وتقدم البيان أكثر من مرة أن هذا هو المنهج الصحيح، وعليه أهل السنة قاطبة، وانظر ما تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ١٧٠ - (١١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ جَاءَكَ شَيْءٌ في كِتَابِ اللَّهِ فَاقْضِ بِهِ وَلَا تَلْتَفِتْكَ عَنْهُ الرِّجَالُ، فَإِنْ جَاءَكَ مَا
следующие страницы →