← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٤ - (٧) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ (١) أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: " مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟ فَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ " (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو الأصم، إمام ثقة تقدم، ومَنْصُورُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، هو شيعي كبير، قال ابن معين لابأس به، وحُصَيْنٌ، هو أبو الهذيل إمام ثقة تقدم، وسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، الكوفي، ثقة يدلس تقدم، وأَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر بن زيد ﵁. الشرح: قوله: «مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ؟!» هذا حث على اغتنام وجود العلماء وأخذ العلم عنهم. قوله: «فَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ». لأن العلم يرفع بقبض العلماء، ثم لا يبقى إلا الجهال فيضل الناس، وانظر ما تقدم برقم ٩٧، ٢٤٦،.

стр. 422

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٥ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: " النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ " (١). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ هو البجلي، جده لأمه مالك بن مغول، من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس به، وعَبْثَرٌ، هو ابن القاسم الزبيدي، أبو زبيد الكوفي، إمام ثقة روى له الستة، وبُرْدٌ، هو ابن سنان الدمشقي، أبو العلاء ثقة رمي بالقدر، وسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى، هو الأشدق مفتي دمشق، فقيه محله الصدق، وأَبو الدَّرْدَاءِ ﵁. الشرح: قوله: «النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ». المراد أن أحوال الناس ثلاث أناس تحملوا العلم الشرعي، فعلِموا وعلّموا، وأناس توجهوا لطلب العلم على يدي العلماء وتفقهوا في الدين، وأناس رعاع اتخذوا الجهل مطية فلا خير فيهم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٦ - (٩) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء ﵁ قَالَ:

стр. 423

" مُعَلِّمُ الْخَيْرِ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ بَعْدُ خَيْرٌ " (١). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، وعَبْثَرٌ، تقدما آنفا، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، وسَالِمٌ، هو ابن أبي الجعد ثقة يدلس، وأَبو الدَّرْدَاء ﵁. الشرح: قوله: «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ». المراد أن للمعلم أجر تعليم الخير، والمراد مطلق الخير، وكل ما ينفع الناس، في الدين والدنيا، وكذلك المتعلم له أجر طلب تعلم الخير ولاسيما العلم الشرعي، وكل ما فيه منفعة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٢). قوله: «وَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ بَعْدُ خَيْرٌ». المراد ليس وراء العلم والمتعلم من الناس إلا الهالك من الناس بسبب الجهل.

стр. 424

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٧ - (١٠) أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً، وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ " (١). رجال السند: قَبِيصَةُ، هو أبو عامر إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ هو الثوري إمام ثقة تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، صدوق تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁. الشرح: لأن الثلاثة في طريق مستقيم والرابع من سلك طريق الجهل وذلك نهايته الهلاك. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٨ - (١١) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَبأَ خَالِدٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ ﵁: " لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ الأَوَّلُ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الآخِرُ، فَإِذَا هَلَكَ الأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الآخِرُ هَلَكَ النَّاسُ" (٢).

стр. 425

رجال السند: عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، هو أبو عثمان البزاز إمام ثقة، راوية خالد تقدم، وخَالِدٌ، هو ابن عبد الله أبو الهيثم إمام ثقة تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، صدوق تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، هو السلمي خال عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي، ثقة قليل الحديث، وسَلْمَانُ، هو الفارسي ﵁. الشرح: قوله: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ الأَوَّلُ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الآخِرُ، فَإِذَا هَلَكَ الأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الآخِرُ هَلَكَ النَّاسُ». تقدم نحو هذا عن سلما نفسه برقم ٢٤٩، فأغنى عن الإعادة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٥٩ - (١٢) أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ الأَحْنَفِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: " تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا " (١). رجال لسند: وهب بن جرير، هو ابن حازم أبو العباس الجهضمي الأزدي، إمام حافظ، بصري أكثر عنه أحمد في المسند، وكان صاحب سنة، روى له الستة، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس، إمام ثقة، تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة، تقدم، ومُحَمَّدٌ، هو ابن سيرين من سادات التابعين، والأَحْنَفُ، هو ابن قيس، ثقة مخضرم تقدم، وعُمَرُ، هو ابن الخطاب ﵁.

стр. 426

الشرح: هذا أمر من عمر ﵁ بأن يطلب الرجل الفقه في الدين قبل أن يطلب السيادة؛ لأن ذلك يكسبه حكمة ورأيا حسنا، فيكون في السيادة ذا مكانة كريمة، وخلق حسن وتواضع وحلم وأناه، ومن فرط في العلم في الصغر استحيا من طلبه في الكبر. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٠ - (١٣) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَبأ بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ رُسْتُمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: " تَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبِنَاءِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا مَعْشَرَ الْعُرَيْبِ، الأَرْضَ الأَرْضَ، إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلاَّ بِإِمَارَةٍ، وَلَا إِمَارَةَ إِلاَّ بِطَاعَةٍ، فَمَنْ سَوَّدَهُ قَوْمُهُ عَلَى الْفَقْهِ كَانَ حَيَاةً لَهُ وَلَهُمْ، وَمَنْ سَوَّدَهُ قَوْمُهُ عَلَى غَيْرِ فِقْهٍ كَانَ هَلَاكاً لَهُ وَلَهُمْ " (١). رجال السند: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، إمام ثقة تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، ثقة إذا حدث عن الثقات تقدم، وصَفْوَانُ ابْنُ رُسْتُمُ، من أفراد الدارمي ليس له غير هذا عنده، سكت عنه الأئمة وجرحه الأزدي، وجرحه غير معتمد، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، هو الحضرمي، تابعي مقبول، وتَمِيمُ الدَّارِيِّ ﵁.

стр. 427

الشرح: قوله: «تَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبِنَاءِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا مَعْشَرَ الْعُرَيْبِ، الأَرْضَ الأَرْضَ». هذا في عهد عمر ﵁ وهو في القرن الأول خير القرون على الإطلاق، ولأن ذلك من علامات الساعة، قال للناس: «الأرض الأرض». أي: تساووا في البنيان والزموا القرب من الأرض، وعدم التسابق في الارتفاع؛ لأن التطاول تفاعل وتسابق في علو البناء، فلو رأى عمر ما نحن فيه اليوم من التطاول الذي لم يخطر على قلب عمر ﵁ أنه بهذه الصورة، وليس هذا حرام ولكنه من علامات الساعة، قال رسول الله ﷺ : «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» (١)، المراد العرب؛ لأن هذا الوصف ينطبق عليهم فغالب ما يملكون الغنم، والإبل، وعبر عن ذلك بالشاء لكثرتها، ولأنها ملك الغالب منهم، وسبحان الله مَنْ مِنْ العرب اليوم ولاسيما في الجزيرة لا يملك من البنيان الدورين والثلاثة وما فوق، وقد خرجت في نزهة قبل أربعين سنة إلى بير يهوب، وهو يبعد عن المدينة في ذلك الوقت ما يقارب (٢٠ كم) وهو اليوم حي من أحياء المدينة الحديثة، وقد كان بنيان المدينة على عهد رسول الله ﷺ لا يجاوز المسجد النبوي اليوم على أكثر تقدير، وكان إلى جنوب غرب المسجد النبوي، يوجد مصلى العيد، وهو المعروف اليوم بمسجد الغمامة، فانظر إلى أي مدى وصل البنيان في المدينة، وليس هذا ممنوع ولكن فيه صدق التوسع والتطاول في البنيان.

стр. 428

قوله: «إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ». لأن الله قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : «يد الله مع الجماعة» (٢). لأن الله قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣)؛ لأنه لا إسلام بدون جماعة، ولا جماعة بدون طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ، فإذا تنازعوا في ذلك فشلوا، ولذلك حذرهم من الخلاف والتنازع فإن ذلك سبب الفشل، وذهاب الهيبة وضعف القوة، وهذا جالب للهزيمة، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، وأمرهم بالصبر؛ لأنه تعالى عون الصابرين. قوله: «وَلَا جَمَاعَةَ إِلاَّ بِإِمَارَةٍ» لأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٤). وأولي الأمر هم العلماء والأمراء. قوله: «وَلَا إِمَارَةَ إِلاَّ بِطَاعَةٍ». لأن الله قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥)، لأنه لا إمارة مسلمة بدون طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ؛ لأنهم إذا تنازعوا في ذلك فشلوا، ولذلك حذرهم

стр. 429

من الخلاف والتنازع فإن ذلك سبب الفشل، وذهاب الهيبة وضعف القوة، وهذا جالب للهزيمة، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، وأمرهم بالصبر؛ لأنه تعالى عون الصابرين؛ ولأن رسول الله ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني» (١)، وشدد في طاعة الأمير، قال أبو ذر ﵁: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدع الأطراف» (٢). وتقدم برقم ٩٦ - (١) القول في بعض فقرات حديث العرباض ﵁ الربط بين الطاعات الثلاث. قوله: «فَمَنْ سَوَّدَهُ قَوْمُهُ عَلَى الْفَقْهِ كَانَ حَيَاةً لَهُ وَلَهُمْ». المراد من جعله قومه سيدا عليهم فهو بين أمرين: هذا الأول وهو أن يكون ذا حظ من العلم والفقه في دين الله ، ففي سيادته على قومه حياة طيبة لهم في دينهم ودنياهم؛ لأنها لا تستقيم إلا بالعلم والفقه في الدين. قوله: «وَمَنْ سَوَّدَهُ قَوْمُهُ عَلَى غَيْرِ فِقْهٍ كَانَ هَلَاكاً لَهُ وَلَهُمْ». هذا هو الأمر الثاني: أن يجعله قومه سيدا عليهم وهو على جهل في دين الله ؛ لأنه سيقودهم إلى المهالك انطلاقا من جهله، ولا ريب أن حال الأمة اليوم خير شاهد على هذا، فقد كثر الفساد في الأرض، وعم البلاء المسلمين بسبب عدم فقه من ساد عليهم، وهذا بلاء لا ينكشف إلا بالرجوع إلى منهج الكتاب والسنة وربط الطاعات الثلاث بعضها ببعض، فهي كل

стр. 430

لا يتجزاء، والفلاح في الدارين مربوط بذلك المنهج الواقي من الجهل وعمى البصيرة. ما يستفاد: * بيان أن التطاول في البنيان من علامات الساعة، وليس من المحرمات. * فطنة عمر ﵁ وحذقه في رعاية الأمة والحث على ما هو خير. * الحث على ملازمة جماعة المسلمين، فإن الإسلام مرتبط بوحدتهم على الوحيين. * الحث على إقامة ولي لأمر المسلمين عملا بنص الوحيين، فلا جماعة مسلمة إلا بولي أمر مسلم. * وجوب طاعة الأمير ما أطاع الله ، ورسوله ﷺ ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. * يجب على الأمة تنصيب من هو صالح لدينها ودنياه، ورأس ذلك الفقه في دين الله ، لأن ذلك يجلب الخير للأمة في دينها ودنياها. * الحذر من تنصيب الجاهل بدين الله ؛ لأن ذلك يجلب الفساد في الأرض، وسبب في هلاك الأمة في الدنيا والآخرة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧ - بابٌ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ فِيه ٢٦١ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَنَّ الْمُهَاصِرَ بْنَ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّى لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّى أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَوَقَاراً

стр. 431

وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ» (١). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، القلانسي، ثقة إمام تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد ثقة إذا حدث عن ثقة تقدم، وصَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُهَيْبٍ، هو السمين أبو محمد أو معاوية، ضعيف يعتبر بحديته، والْمُهَاصِرُ (٢) بْنُ حَبِيبٍ، هو الزبيديُّ، أخو ضمرة بن حبيب، وهو من أفراد الدارمي لابأس به. الشرح: قوله: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّى أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْداً لِي وَوَقَاراً وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ». هذا حديث ضعيف، ولم يرد من وجه صحيح، فلا تنشط النفس للقول به، وهو يعارض ما ورد في فضل كثرة الذكر والدعاء، والثناء على الله . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٢ - (٢) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ (٣) سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ

стр. 432

أَبُثُّ الْعِلْمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْلَمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ أَخَذْتُهُمْ بِحَقِّي عَلَيْهِمْ» (١). رجال السند: مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو الجمال إمام ثقة تقدم، وحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو المصيصي أبو محمد إمام ثقة تقدم، ولَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، هو قاضي الأندلس، صدوق له أوهام تقدم، وأَبو الزَّاهِرِيَّةِ، هو حُدَير بن كريب الحضرمي، تابعي ثقة كان أميّا لا يكتب، روى له مسلم. الشرح: قوله: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ أَبُثُّ الْعِلْمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْلَمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ بِهِمْ أَخَذْتُهُمْ بِحَقِّي عَلَيْهِمْ». الشرح: في الحلية قال: " بلغني في بعض الكتب " وهذا سند قوي ولو لم يرفعه فمعناه صحيح؛ لأنه يوافق الواقع ولاسيما في هذا الزمان تنافس الناس في طلب العلم للدنيا وليس للعمل به، فتجد من تخرج من الشريعة ولا يعرف أحكام الطهارة بتفاصيلها، وإذا تأملت كثرة من قرأ القرآن وجدتهم متدثرين ببعض المعاصي، أقلها حلق اللحية وإسبال الإزار، والتدخين، والتعامل بالربا

стр. 433

والرشوة والاختلاس، ومن النساء الكاسيات العاريات، والمتبرجات المزاحمات للرجال في الطرقات والأسواق، وترك المحرم في الأسفار، وقد كان عدم وجود المحرم في الحج يعتبر من عدم الاستطاعة، فهل ينطبق هذا على زماننا وما بعده؟!. ما يستفاد: * مطابقة هذا الخبر للواقع، فقد انتشر العلم الشرعي وغيره بما يفوق الخيال. * ومن مطابقة الخبر للواقع تعلم جميع فئات المجتمع. * أن من حق الله العمل بما علموا ولاسيما العلم الشرعي. * أن العلم حجة الله على المتعلم فيما يعمل من خير أوشر. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٣ - (٣) أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ شَيْئاً مِنْ هَذَا الْعِلْمِ فَأَرَادَ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ يُدْرِكْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا فَذَاكَ وَاللَّهِ حَظُّهُ مِنْهُ " (١). رجال السند: مَخْلَدُ بْنُ مَالِكٍ، هو المتقدم آنفا، ومَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، هو المهلبي، أبو محمد البصري، أزدي لا يأكل إلا الحلال المحض، إمام ثقة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، والْحَسَن، هو البصري.

стр. 434

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٤ - (٤) أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى قَالَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُجَادِلُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَدُومُ وَيَبْقَى، وَيَنْفَدُ مَا سِوَاهُ " (١). رجال السند: يَعْلَى، هو الطنافسى إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، هو الخراساني أبوعبد الله ضعيف، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ عِيسَى، هو اليشكري سكت عنه الإمامان ووثقه ابن حبان فلابأس، وابْنُ مَسْعُودٍ، هو عبد الله ﵁. الشرح: قوله: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِثَلَاثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ». هذا النهي عن تعلم العلم الشرعي لهذه الثلاث مقتبس من قول رسول الله ﷺ : «لا تعلموا العلم، لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار» (٢)؛ لأن من طلب العلم لمجادلة العلماء فقد أخطأ طريق الإخلاص، وطلب الشهرة، فعاقبته خطيرة؛ من الرياء أن يفعل ذلك لغير الله ، ولأن السفهاء لا يجلون العلم، ولا

стр. 435

يحترمون العلماء، وهذا من أخلاق الجاهلية فقد نهى الله المؤمنين عن سب آلهة المشركين؛ لأنهم سفهاء لا يتورعون عن سب الله فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١)، فالجاهل لا يجادل؛ لأنه فاقد الأهلية لذلك. قوله: «وَتُجَادِلُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ». المراد لا تتعلموا العلم لتجادلوا العلماء، بالباطل لإظهار القدرة على الرد ولو بصرف الحق إلى الباطل؛ ولأن ذلك يجعل السامع شاكا فيما يسمع أهو حق أو باطل، وقد نهى الله عن مجادلة العلماء إلا بالحسنى فقال : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢)، فإذا كان هذا في حق علماء اليهود والنصارى فهو في حق العلماء من المسلمين أولى، ويستوي النهي عن مجادلة اليهود بالقسوة والعنف، بل بالرفق واللين الصفة التي هي أحسن، مع بيان الحجج والبراهين على النهج القويم، مع مجادلة العلماء من المسلمين، وذلك أدعى إلى قبول الحق والدخول في دين الإسلام، وإقناع المجادل بما هو حق، وأجاز الله الرد بعنف وإغلاظ على المجادلين إذا أغلظوا وأوغلوا في المجادلة، ولم يتأدبوا في الحوار سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المسلمين. قوله: «وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ».

стр. 436

أي: لا تتعلموا العلم من أجل المباهاة به، لكسب الشهرة، ولفت أنظار الناس وهذا منهج أهل البدع يجادلون دفاعا عن البدع لإبهار الناس بها واعتناقها، وبذلك افترقت الأمة فرقا كثيرة بسبب البدع ولاسيما في الاعتقاد حتى كفّر بعضهم بعضا، ولم ينج منهم إلا فرقة واحدة من لم يبتدع في دين الله ، وسار على السنن، وهم من قال عنهم الرسول ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (١)؛ لأنهم لم يحيدوا عن منهج الكتاب والسنة، وفي رواية الثلاث وسبعين فرقة قال ﷺ عن الفرقة الناجية لمّا قيل له: من هم يا رسول الله؟: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٢). قوله: «وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَدُومُ وَيَبْقَى». أمرهم بإخلاص أقوالهم وأعمالهم لله ، ولا يطلب بها الدنيا، ولاسيما طلب العلم الشرعي، وتعليم الناس، ودعوتهم إليه؛ لأنه يدوم في الدنيا ما دام مبنيا على الإخلاص لله ، ويبقى ثوابه في الآخرة، ولذلك ربط رسول الله ﷺ صلاح الأعمال وفسادها بالنية والقصد من ذلك فقال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٣)، قال معاذ بن جبل ﵁: " تعلموا العلم فإن تعلمه خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته

стр. 437

تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهلة قربة، وهو الأنس في الوحدة، والصاحب في الخلوة " (١). قوله: «وَيَنْفَدُ مَا سِوَاهُ». المراد أن من طلب بالعلم عرضا من الدنيا فإن حصل له مطلوبه منها فإنه ينفد ويزول، ولا يبقى إلا ما كان مقصودا به وجه الله ، وقد يجمع الله للمخلص بين الأمرين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا فضلك العظيم. ما يستفاد: * وجوب الإخلاص في الأقوال والأعمال. * أهمية طلب العلم الشرعي وتعليمه. * حرمة مجادلة السفهاء؛ لأن ذلك يفضي إلى منكر، كسَبّ الدين أو العلماء وغير ذلك. * حرمة مجادلة العلماء لدفع الحق وإظهار الباطل، كما حدث في فتنة القول بخلق القرآن. * حرمة تعلم العلم الشرعي للمباهاة أو لعرض من الدنيا، أو للشهرة واستجلاب تعظيم الناس. * أن ما يقصد به وجه الله يدوم في الدنيا وتكون عاقبته حميدة في الآخرة. * أن العرض من الدنيا والجاه فيها والشهرة لا تدوم لأحد وأنها الحظ الزائل.

стр. 438

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٥ - (٥) وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: " كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ مَصَابِيحَ الْهُدَى أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ، سُرُجَ اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ، خُلْقَانَ الثِّيَابِ، تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَتَخْفَوْنَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ" (١). رجال السند: تقدموا آنفا. الشرح: قوله: «كُونُوا يَنَابِيعَ الْعِلْمِ مَصَابِيحَ الْهُدَى». القائل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁، هذا القول من أثمن النصائح؛ لأن من يرغب في الحكمة والحلم والأناة فعليه بتعلم العلم الشرعي؛ لأن فيه خير الكلام كلام الله ، وفيه خير الهدى هدى محمد ﷺ ؛ ولأن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن يرد الرفعة فعليه بالعلم قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)، وبهذا يكونوا مناهل العلم لأخذهم بأسباب الفقه فيه، ووعوه فأصبحوا كالمصابيح يضيئون للناس الطريق إلى الجنة. قوله: «أَحْلَاسَ الْبُيُوتِ». فيه إشارة إلى الهروب من الفتن القليل منها والكثير، وملازمة البيوت اكتفاء بما مَنْ الله عليهم من العلم، ولا يفهم من هذا الانقطاع عن تعليم الناس

стр. 439

الخير ودعوتهم إليه، بل المراد البعد عن كل ما يشغل عن ذلك. قوله: «سُرُجَ اللَّيْلِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ». فيه إشارة إلى العبادة فيه فكأنهم بها يضيئون لياليهم بالصلاة والتلاوة والذكر والدعاء، وبذلك تتجدد قلوبهم بعمل الخير. قوله: «خُلْقَانَ الثِّيَابِ». فيه إشارة إلى الزهد في الدنيا، وليس ذلك تحريم ما أحل الله من متاعها وشهواتها، وترك ذلك من الزهد والورع، قال الله : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١)، فقد أمر الله نبينا محمدا ﷺ أن يسأل على سبيل التوبيخ والإنكار عمن حرم ما أحل الله لعباده، وهذا السؤال لا يتطلب جوابا، وإنما المراد منه التوقيف على سوء فعل من يقول هذا أو يعتقده، لكن لا بد أن يشترط فيه أن يكون من الحلال، وغير المستقذر، والمراد بزينة الله ﷻ ما حسنته الشريعة وأقرته، وزينة الدنيا كل ما اقتضته الشهوة وطلب العلو في الأرض، كالمال والبنين وهي الزينة التي فضل الشرع عليها زينة الله ، ثم أمر رسوله مرة أخرى أن يبين زينة الله لمن هي فقال: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، والمراد أن يخبر ﷺ أن هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا وإن كانت أيضا لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة

стр. 440

لهم أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة، وهذه إشارة إلى نعيم الجنة، وامتن الله على عباده ببيان الدلائل لذوي العقول من عباده. قوله: «تُعْرَفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ». المراد بعلمهم وطاعتهم وزهدهم عرفهم الملائكة من أهل أسماء، قال زر ابن حبيش وهو ثقة كثير الحديث: " أتيت رجلا يدعى صفوان بن عسال: فقعدت على بابه، فخرج فقال: ما شأنك؟ قلت: أطلب العلم. قال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب (١). قوله: «وَتَخْفَوْنَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ». المراد لقلة اختلاطهم بالعامة، واجتنابهم الفتن، واشتغالهم بالعلم والطاعة، اللهم ثبتنا على ما يرضيك. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٦ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الدُّنْيَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (٣) عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤).

стр. 441

رجال السند: أَبُو عَاصِمٍ، هو النبيل إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ، هو الأنصاري صدوق، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو ابن معمر بن حزم الأنصاري، أبو طوالة قاضي المدينة، إمام ثقة. الشرح: قوله: «لَا يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ بِهِ إِلاَّ الدُّنْيَا إِلاَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (١) عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هذه الرواية مرسلة، وصلها أحمد بلفظ: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٢). الشرح: هذا وعيد شديد يؤيد ما تقدم، فلينظر. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٧ - (٧) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ ابْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ لِلشَّعْبِيِّ: أَفْتِنِي أَيُّهَا الْعَالِمُ. فَقَالَ: الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ " (٣). رجال السند: مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، هو الخوارزمي أبو علي ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ نُمَيْرٍ، هو أبو هشام الكوفي همداني إمام ثقة، ومَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقة ابن حبان فلابأس به، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة.

стр. 442

الشرح: قوله: «أَفْتِنِي أَيُّهَا الْعَالِمُ». هذا من الأدب مع العلماء أن يثنى عليه بما ظهر من أحسن صفاته، ولا شك أن العلم من أحسن الصفات، ولكن الشعبي ﵀ منعه ورعه من قبول هذا الوصف، وإن كان من صفاته، ومشهود له به، ولو استبدل السائل ذلك بالدعاء لكان أطيب ولا يرد، كقوله: أحسن الله إليك ونحوه. قوله: «الْعَالِمُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ». هذا من ورع الشعبي ﵀، وعدم قبول التزكية، ولا ريب أنه ممن يخاف الله ، ولكنه أراد أن يعلم من بحضرته التواضع والورع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٨ - (٨) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ مَزْيَدٍ (١)، عَنْ أَوْفي بْنِ دَلْهَمٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ: " تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا زَمَانٌ لَا يَعْرِفُ فِيهِ تِسْعَةُ عَشَرَائِهِمُ الْمَعْرُوفَ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ كُلُّ نُوَمَةٍ، فَأُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ (٢)، وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ " (٣). قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نُوَمَةٌ: غَافِلٌ عَنِ الشَّرِّ، الْمَذَايِيعُ الْبُذُرِ: كَثِيرُوا الْكَلَامِ.

стр. 443

رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ مَزْيَدٍ، هو أبو المنبه، وقد قيل: اسمه عمر بن منبه السعدي، من أفراد الدارمي، ثقة، وأَوْفى بْنُ دَلْهَمٍ، هو بصري صدوق، عَلِىُّ، هو ابن أبي طالب ﵁، وهو منقطع أوفى بلغه عن علي. الشرح: قوله: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ». هذا تأييد لما تقدم من قول ابن مسعود ﵁. قوله: «وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ». لأن العمل بالعلم يهدي إلى الحق، وبه يكون من أهل العلم الملتزمين بنهج الكتاب والسنة. قوله: «فَإِنَّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا زَمَانٌ لَا يَعْرِفُ فِيهِ تِسْعَةُ عَشَرَائِهِمُ الْمَعْرُوفَ». هذا واقع في كثير من العالم الإسلامي، كثيرون الذين يجهلون المعروف وهو ما يعرفه الشرع، والمنكر ما أنكره الشرع. قوله: «وَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلاَّ كُلُّ نُوَمَةٍ، فَأُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ». المراد لا يسلم من الجهل بما هو معروف في الشرع، إلا كل غافل عن الجهل المحدق بالكثيرين؛ وهذا تذكير بأهمية الاشتغال بالعلم ليهتدي بهم من تعلم على أيديهم. قوله: «لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ، وَلَا الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ». أي: ليسوا من الذين يسعون بالشر والنميمة، ولا يكثرون الكلام فيما لا فائدة فيه.

стр. 444

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٦٩ - (٩) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: " اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا، فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا " (١). رجال السند: مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو التنوخي إمام ثقة تقدم، ويَزِيدَ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، هو أخو عبد الرحمن ابن يزيد، ثبت في مكحول، وخلفه في الفتوى والفقه، إمام ثقة، لم يدرك معاذا، ومُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁. الشرح: قوله: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمُوا». هذا المراد به التهديد على غرار قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، فكان معاذا ﵁ أراد يبين للناس أن الأجر على طلب العلم مرتبط بالنية والعمل به. قوله: «فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ حَتَّى تَعْمَلُوا». كأن معاذا ﵁ أراد وعيدا ليبين أن العلم بدون عمل لا أجر فيه، حتى يعمل به فينال الأجر من الله ، ومعلوم أن من لم يعمل بما علم من الحق فيه شبه من اليهود، وسيعاقب على ذلك؛ لأن العالم يسأل عن علمه ماذا عمل

стр. 445

به، وأن من لم يعمل بعلمه هو والجاهل سواء أو هو من السفهاء، إذ لم ينتفع بعلمه وكان حجة عليه، فليس هو من أهله على الحقيقة. ما يستفاد: * وجوب العمل بالعلم وإخلاصه لله ، وأن من لم يعمل بعلمه ففيه شبهٌ من اليهود والنصارى. * الوعيد لمن لا يعمل بعلمه. * أن أجر العلم مرتبط بالنية والقصد. * أن العالم يسأل عن علمه ما ذا عمل به. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٠ - (١٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ حَازِمٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ قَالَ: " سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟، فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَوْ نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ: أَنَّهُ مَا آتَى اللَّهُ عَبْداً عِلْماً فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ " (١). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ حَازِمٍ، هو الرملي أحد أصحاب مالك، مقلّ وليس بهبأس، والْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ، هو أبو العباس البيروتي، ثبت في الأوزاعي، إمام ثقة، وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، هو الداراني أبو عتبة، أخو يَزِيدَ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، إمام ثقة روى له الستة.

стр. 446

قوله: «سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ». خالف أيوب بن سويد الرملي الوليدَ فقال: " حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أخيه، يزيد قال: لقيت وهب بن منبه بالموسم فقال لي: ألك عهد بالحسن بن أبي الحسن؟ فقلت له: نعم، فقال: هل أنكرتم من عقله شيئا؟، فقال: لا، (١). والجواب عن هذا أن الوليد صرح بالسماع من عبد الرحمن بن يزيد، وهو يحدث عن سعد، ثم وقع ليزيد بن يزيد أخو عبد الرحمن أن لقي وهب بن منبه في الموسم فسأله عن الحسن البصري، فصار لعبد الرحمن شيخان في الرواية رجل يقال له: سعد، ووهب بن منبه، واتضح بذلك مخالفة أيوب للوليد. قوله: «يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُنَبِّهٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ». سعد المذكور مجهول، يؤيد هذا قول البيهقي ﵀: " عن رجل يقال له سعد " (٢). والحسن هو البصري ﵀. قوله: «وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟». المراد بعد أن كبر سنه، هل تغير عقله بسبب ذلك.

стр. 447

قوله: «فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَوْ نَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ: أَنَّهُ مَا آتَى اللَّهُ عَبْداً عِلْماً فَعَمِلَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْهُدَى فَيَسْلُبَهُ عَقْلَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ». هذا ثناء على الحسن ﵀ أنه من العلماء العاملين بعلمهم، ومن كان هذا حاله على سبيل الهدى فإنه وإن كبر سنه فإن الله يحفظ قواه العقلية، وهذا رد جميل، ولكنه ليس مطردا في كل أحد، ولعله أراد نفي ذهاب العقل، ولكن كم من العلماء العاملين من قيل عنه: تغير بأخرة، أي: أصابه ضعف الذاكرة، فقلّ حفظه، وقد قال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (١). وكم من عالم طال عمره وحفظه الله من ذلك. وفيما قال إشارة إلى أهمية العلم والعمل به. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧١ - (١١) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ (٢) الْحِمْصِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ قَالَ: " سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِماً لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ " (٣).

стр. 448

رجال السند: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، إمام ثقة تقدم، وابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ قَيْسٍ، هو عبد الغفار ابن القاسم، أبو مريم الغفاري، شيعي ضعيف، ليس له عند الدارمي سوى هذا، ويقبل لكونه في الترغيب، ويُونُسُ بْنُ سَيْفٍ الْحِمْصِيُّ، هو الكلاعي صالح الحديث، وأَبُو كَبْشَةَ السَّلُولِيُّ، اسمه كنيته، تابعي ثقة، وأَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر ﵁. الشرح: «قوله: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِماً لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ». هذا تحذير من عدم العمل بالعلم؛ لأن العالم يسأل عن علمه يوم القيامة ما ذا عمل به، ولأن خطره يَلْحق من يقتدي به من الناس، فيكون قدوة في ترك العمل بما علم. وهذا يؤكد ما سبق في أهمية العمل بالعلم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٢ - (١٢) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو قُدَامَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: " مَنْ يَزْدَدْ عِلْماً يَزْدَدْ وَجَعاً ". وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "مَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ يُقَالَ لِي مَا عَلِمْتَ؟ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي مَاذَا عَمِلْتَ؟ " (١).

стр. 449

رجال السند: عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، هو الواسطي إمام ثقة تقدم، وأَبُو قُدَامَةَ، هو الحارث ابن عبيد الإيادي، من شيوخ عبد الرحمن بن مهدي أثنى عليه، صدوق روى له مسلم في الصحيح، والبخاري في الشواهد، ومَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، هو أبو يحيى البصري، تابعي زاهد ورع، إمام ثقة، وأَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁. الشرح: قوله: «مَنْ يَزْدَدْ عِلْماً يَزْدَدْ وَجَعاً». لأنه ازداد فهما للمسئولية العلمية، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، قال الله : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (١)، فالآية فيها بيان أن كل الأمثال في القرآن الكريم المراد منها تنبيه الناس ليتعظوا منها؛ لأنها تقرب لهم ما حدث بالأمم حتى كأنه رأي العين لمن يتدبر الأمور فيها ويعقل مراميها، ولا يكون ذلك إلا للعالمين المتبصرين. قَوله: «مَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي أَنْ يُقَالَ لِي مَا عَلِمْتَ؟ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي مَاذَا عَمِلْتَ؟». هذا فهم أبو الدرداء ﵁، فالله لم يوجب على الناس أن يكونوا علماء، بعد أن أو جب عليهم معرفته وتوحيده ﷻ ، فلم يخف أبو الدرداء ﵁ أن يسأل لِمَ لَمْ تكن عالما؟، وإنما خاف أن يقال ماذا علمت؛ لأن من لوازم العلم العمل، ومن لوازم العمل الخوف والخشية، قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ

стр. 450

مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)؛ لأنهم اعتبروا بما علموا، واستيقنوا قيام الحجة بذلك، فحصّلوا الخشية من الله ؛ لأن خشية من يعلم ذلك ويؤمن به أعظم من خشية من لا يعلم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٣ - (١٣) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يَذْكُرُ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا " (٣). وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: " إِنِّي لأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٤). رجال السند: هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هو الأشعري صدوق تقدم، وحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، إمام ثقة تقدم، وابْنُ جُرَيْجٍ، هو عبد الملك بن عبد العزيز، ثبت في عطاء بن أبي رباح، إمام ثقة يدلس ويرسل، روى له الستة، والواسطة بينه وبين ابن عباس هو عطاء بن أبي رباح، وهو إمام ثقة، وابْنُ عَبَّاسٍ، هو عبد الله ﵄. قوله: «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إِحْيَائِهَا».

стр. 451

لما في ذلك من النفع العام، وإحياء الليل قاصر أجره على المحيي. قوله: «وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: إِنِّي لأُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». هو موصول بالسند السابق، وأسنده الدارقطني ﵀ عن أبي هريرة بلفظ " لأن أجلس ساعة فأفقه أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الغداة " (١)، وهذا منهج أبي هريرة ﵁، وحبذا العمل لمن أعانه الله ووفقه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٤ - (١٤) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " مَنِ ابْتَغَى شَيْئاً مِنَ الْعِلْمِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ" (٢). رجال السند: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، هو العبدي أبو علي المؤدب، إمام لابأس به، وجَرِيرٌ، هو ابن عبد الحميد إمام ثقة تقدم، الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو، هو الفقيمي أخو الفضيل، إمام ثقة، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «مَنِ ابْتَغَى شَيْئاً مِنَ الْعِلْمِ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ آتَاهُ اللَّهُ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ». المراد من طلب العلم بإخلاص حقق الله له من العلم بقدر اهتمامه ورغبته، ولذلك تفاوتت درجات الناس في تحصيل العلم، وتراهم يتفاوتون في الأعمال، وقد عاصرت نخبة من العلماء في الجامعة الإسلامية كان منهم

стр. 452

جبال في العلم، وكان شرازهم في العلم والعمل شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀، وكان يثني على شيخنا محمد الأمين الشنقيطي مؤلف أضواء البيان ﵀، وقد ذكرت شيوخي الذين تعلمت منهم من الابتدائي حتى حصلت على شهادة العالمية العالية" الدكتوراه" وهم متفاوتون في العلم والعمل، وذلك في كتابي" ظروف وحروف" ﵏ جميعا، وجمعني بهم في الفردوس الأعلى من الجنة، إنه على كل شيء قدير. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨ - بابٌ مَنْ هَابَ الْفُتْيَا مَخَافَةَ السَّقَطِ ٢٧٥ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ حَدِيثٍ فَحَدَّثَنِيهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَا، عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ " (١). رجال السند: أَبُو النُّعْمَانِ، هو محمد بن الفضل عارم إمام ثقة تقدم، ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، هو الأحول إمام ثقة تقدم، وعَاصِمٌ، هو ابن سليمان إمام ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُرْفَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " لَا، عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ كَانَ عَلَى مَنْ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ ». المراد أن الحديث الذي حدثه ليس مرفوعا إلى النبي ﷺ ، بل موقوف على

стр. 453

من دون النبي ﷺ ، وقد نحا الشعبي ﵀ إلى هذا حماية لجناب النبي ﷺ من أن يكون في المروي زيادة في اللفظ، أونقصان منه، فحمْله على من هو دون النبي ﷺ أولى. قال الخطيب ﵀: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفا، لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعا، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرا في حديثه، فيرويه تارة مسندا مرفوعا، ويقفه مرة أخرى قصدا واعتمادا، وإنما لم يكن هذا مؤثرا في الحديث ضعفا، مع ما بيناه؛ لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٦ - (٢) أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ. فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثاً غَيْرَ هَذَا؟، قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ عَلْقَمَةُ: أَحَبُّ إِلَيَّ " (٢). رجال السند: إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، هو ابن الطباع أبو يعقوب البغدادي أخو محمد صدوق، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، هو الجهضمي إمام ثقة تقدم، وأَبو هَاشِمٍ، هو يحيى الرماني، واسطي ثقة، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي تقدم.

стр. 454

الشرح: قوله: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ». المحاقلة هي: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة من الحقل وهو الحرث، وأجمعوا على تحريم ذلك، وقيل هي: بيع الزرع قبل بدو صلاحه، وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة، وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو أكثر، وقيل اكتراء الأرض بالحنطة. والمزابنة هي: مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة، وهي بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً. وبيع الزبيب بالعنب كيلاً، وعن كل ثمر بخرصه، وقد أتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه رباً. وأجمعوا أيضاً على تحريم بيع العنب بالزبيب. «فَقِيلَ لَهُ: أَمَا تَحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثاً غَيْرَ هَذَا؟، قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ عَلْقَمَةُ: أَحَبُّ إِلَيَّ». هذا تحفّظ من إبراهيم النخعي ﵀، من الزلل فيما ينسب للرسول ﷺ فيتوقى ذلك بأن يقول: قال عبد الله بن مسعود، أو قال علقمة بن قيس. قال الدارمي رحمه الله تعالى:

стр. 455

٢٧٧ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: " كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ شِبْهَهُ (١) أَوْ شَكْلَهُ " (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء، ضُعّف في الأوزاعي ومعمرٌ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، إمام ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، هو ابن أبي المهاجر ثقة مأمون، وأَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁. الشرح: هذا يؤيد ما تقدم وهو من الاحتراز في الرواية عن رسول الله ﷺ ، والتحفظ من الزلل. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٨ - (٤) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: " كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثاً قَالَ: اللَّهُمَّ إِلاَّ هَكَذَا، أَوْ كَشَكْلِهِ " (٣). رجال السند: أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو أسد السنة إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق، ورَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، هو أبو شعيب إمام ثقة تقدم، وأَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁.

стр. 456

الشرح: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: " كُنْتُ لَا تَفُوتُنِي عَشِيَّةُ خَمِيسٍ إِلاَّ آتِي فِيهَا (١) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى كَانَتْ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَاغْرَوْرَقَتَ (٢) عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ (٣)، فَأَنَا رَأَيْتُهُ مَحْلُولَةً أَزْرَارُهُ. قَالَ: أَوْ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ " (٤). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمٌ أَبو عَبْدِ اللَّهِ، هو البطين إمام ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، هو ابن يزيد بن شريك، إمام ثقة مات في سجن الحجاج، وأَبِوه هو يزيد بن شريك التيمي، مخضرم من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ثقة إمام روى له الستة، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي أبو عبد الله، مخضرم ثقة لازم معاذا ثم ابن مسعود، وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. الشرح: انظر ما تقدم.

стр. 457

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٠ - (٦) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَ أَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ، هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ " (١). رجال السند: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وأَشْعَثُ بن سوار، والشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. الشرح: قوله: «إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ». المراد في المغازي والسيرة، يتغير وجهه، إما تذكرا لرسول الله ﷺ وقد كان صاحبه ورفيقه، وإما خوفا من الزلل، وإما لهما، وكل ذلك يليق بالهيبة من رسول الله ﷺ حيا وميتا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨١ - (٧) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ: " أَرَأَيْتَ فُلَاناً الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفاً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ " (٢).

стр. 458

رجال السند: سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو أبو عتاب العنقزي، لابأس به من رجال مسلم في صحيحه، وشُعْبَةُ، إمام ثقة تقدم، وتَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ، هو ثقة من أصحاب الشعبي، روى حديثه الشيخان في الصحيح، والشَّعْبِيُّ، غني عن التعريف تقدم كثيرا. الشرح: قوله: «أَرَأَيْتَ فُلَاناً الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفاً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ». المراد حديث الضب، والذي يقول ذلك هو الحسن البصري ﵀، إتحاف المهرة لابن حجر (١)، وفي هذا نظر؛ لأن الشعبي والحسن رحمهما الله قرينان تابعيان كبيران، عالمان جليلان، ومعلوم أن ابن عمر ﵄ من الكثرين في رواية الحديث، استغرب أن يجالسه الشعبي سنتين ولا يسمع منه إلا حديث الضب، وأيضا استغرب الانكار على الحسن وهو من هو في العلم وقرين الشعبي، وقد قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، فإن كان إنكار الشعبي ﵀ على الحسن كثرة

стр. 459

الإرسال، فكذلك الشعبي ﵀ لم يسلم من ذلك، ولهما العذر بما سبق بيانه في حكم من تعمد الإرسال. ولعل ما ذكر الشعبي ﵀ كان عقب وفاة رسول الله ﷺ وقد كان عمر شديد على من ينقل شيئا عن رسول الله ﷺ ، خوفا التصرف في الألفاظ، وقصة عمر مع أبي موسى الأشعر في الاستئذا، واختبار أبي هريرة معروفة (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٢ - (٨) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَلَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٢). رجال السند: أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو أسد السنة، وشُعْبَةُ، هو بن الحجاج، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، هو الهمداني من أصحاب الشعبي، ثقة غير مكثر، وروى له الشيخان، والشَّعْبِيُ تقدم آنفا. وانظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٣ - (٩) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا فِي الشَّهْرِ بِالْحَدِيثَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ " (٣).

стр. 460

رجال السند: عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو أبو عمرو اليربوعي، لابأس به روى حديثه الشيخان، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش ثقة تقدم، وأَبو حَصِينٍ، هو عثمان ابن عاصم الكوفي، ثبت في عمرو بن مرة، إمام ثقة، والشَّعْبِيُّ، إما ثقة تقدم، وثَابِتُ ابْنُ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ، من أصحاب ابن مسعود، ثقة من أفراد الدارمي، ولم يرو له أصحاب الستة. الشرح: المراد أنه يُقِل الحديث عن رسول الله ﷺ خوف الزلل بزيادة أو نقص، وإن لم يكن، فالمراد التخول بالموعظة، ليكون ذلك أيسر لحفظ السامع ووعيه لما سمع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٤ - (١٠) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَ يُونُسُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا بِبَعْضِ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَأَتَحَلَّلُ (١). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن يزيد الأيلي، أبو يزيد القرشي، لابأس به، روى له الستة، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدٍ،
следующие страницы →