← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 912

شرح مسند الدارمي

مرزوق بن هياس الزهراني

Полный текст (2 613 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الشرح: انظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: " كُنْتُ لَا تَفُوتُنِي عَشِيَّةُ خَمِيسٍ إِلاَّ آتِي فِيهَا (١) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى كَانَتْ ذَاتَ عَشِيَّةٍ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَاغْرَوْرَقَتَ (٢) عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ (٣)، فَأَنَا رَأَيْتُهُ مَحْلُولَةً أَزْرَارُهُ. قَالَ: أَوْ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ " (٤). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمٌ أَبو عَبْدِ اللَّهِ، هو البطين إمام ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، هو ابن يزيد بن شريك، إمام ثقة مات في سجن الحجاج، وأَبِوه هو يزيد بن شريك التيمي، مخضرم من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ثقة إمام روى له الستة، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي أبو عبد الله، مخضرم ثقة لازم معاذا ثم ابن مسعود، وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. الشرح: انظر ما تقدم.

стр. 457

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٠ - (٦) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَ أَشْعَثُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ كَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ وَقَالَ: هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ، هَكَذَا أَوْ نَحْوَهُ " (١). رجال السند: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وأَشْعَثُ بن سوار، والشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ مَسْعُودٍ ﵁. الشرح: قوله: «إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَيَّامِ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ». المراد في المغازي والسيرة، يتغير وجهه، إما تذكرا لرسول الله ﷺ وقد كان صاحبه ورفيقه، وإما خوفا من الزلل، وإما لهما، وكل ذلك يليق بالهيبة من رسول الله ﷺ حيا وميتا. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨١ - (٧) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا تَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: قَالَ لِيَ الشَّعْبِيُّ: " أَرَأَيْتَ فُلَاناً الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفاً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ " (٢).

стр. 458

رجال السند: سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو أبو عتاب العنقزي، لابأس به من رجال مسلم في صحيحه، وشُعْبَةُ، إمام ثقة تقدم، وتَوْبَةُ الْعَنْبَرِيُّ، هو ثقة من أصحاب الشعبي، روى حديثه الشيخان في الصحيح، والشَّعْبِيُّ، غني عن التعريف تقدم كثيرا. الشرح: قوله: «أَرَأَيْتَ فُلَاناً الَّذِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَعَدْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَنِصْفاً فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ». المراد حديث الضب، والذي يقول ذلك هو الحسن البصري ﵀، إتحاف المهرة لابن حجر (١)، وفي هذا نظر؛ لأن الشعبي والحسن رحمهما الله قرينان تابعيان كبيران، عالمان جليلان، ومعلوم أن ابن عمر ﵄ من الكثرين في رواية الحديث، استغرب أن يجالسه الشعبي سنتين ولا يسمع منه إلا حديث الضب، وأيضا استغرب الانكار على الحسن وهو من هو في العلم وقرين الشعبي، وقد قال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (٢)، فإن كان إنكار الشعبي ﵀ على الحسن كثرة

стр. 459

الإرسال، فكذلك الشعبي ﵀ لم يسلم من ذلك، ولهما العذر بما سبق بيانه في حكم من تعمد الإرسال. ولعل ما ذكر الشعبي ﵀ كان عقب وفاة رسول الله ﷺ وقد كان عمر شديد على من ينقل شيئا عن رسول الله ﷺ ، خوفا التصرف في الألفاظ، وقصة عمر مع أبي موسى الأشعر في الاستئذا، واختبار أبي هريرة معروفة (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٢ - (٨) أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: " جَالَسْتُ ابْنَ عُمَرَ سَنَةً فَلَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٢). رجال السند: أَسَدُ بْنُ مُوسَى، هو أسد السنة، وشُعْبَةُ، هو بن الحجاج، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، هو الهمداني من أصحاب الشعبي، ثقة غير مكثر، وروى له الشيخان، والشَّعْبِيُ تقدم آنفا. وانظر السابق. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٣ - (٩) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُنَا فِي الشَّهْرِ بِالْحَدِيثَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ " (٣).

стр. 460

رجال السند: عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو أبو عمرو اليربوعي، لابأس به روى حديثه الشيخان، وأَبُو بَكْرٍ، هو ابن عياش ثقة تقدم، وأَبو حَصِينٍ، هو عثمان ابن عاصم الكوفي، ثبت في عمرو بن مرة، إمام ثقة، والشَّعْبِيُّ، إما ثقة تقدم، وثَابِتُ ابْنُ قُطْبَةَ الأَنْصَارِيِّ، من أصحاب ابن مسعود، ثقة من أفراد الدارمي، ولم يرو له أصحاب الستة. الشرح: المراد أنه يُقِل الحديث عن رسول الله ﷺ خوف الزلل بزيادة أو نقص، وإن لم يكن، فالمراد التخول بالموعظة، ليكون ذلك أيسر لحفظ السامع ووعيه لما سمع. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٤ - (١٠) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَ يُونُسُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا بِبَعْضِ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: وَأَتَحَلَّلُ (١). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس إمام ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن يزيد الأيلي، أبو يزيد القرشي، لابأس به، روى له الستة، وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُبَيْدٍ،

стр. 461

هو من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان ووثقه ابن حبان فلابأس، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁. المراد بقوله: " وَأَتَحَلَّلُ ". يكون في حل من عهدة النقل، والتحفظ من الزيادة أو النقص. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٥ - (١١) حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ ﵁ قَلِيلَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو ابن بجيل، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَوْنٍ، ومُحَمَّدٌ، هو ابن سيرين، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَنَسٌ، هو ابن مالك ﵁. تقدم ذكر أن هذا من التحفظ والحرص من النقص أو الزيادة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٦ - (١٢) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: " كَانَ أَنَسٌ ﵁ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثاً قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " (٢). رجال السند: عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ (٣)، هو ابن أبي شيبة إمام ثقة، وإِسْمَاعِيلُ، هو ابن مقسم يعرف بابن عليه، أبو بشر الأسدي، إمام ثقة روى له الستة،

стр. 462

وأَيُّوبُ، هو السختياني إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ، هو ابن سيرين تقدم آنفا، وأَنَسٌ ﵁. وتقدم بيان السبب في قوله: أو كما قال ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٧ - (١٣) حَدثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: " حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ سَعْدٍ ﵁ إِلَى مَكَّةَ فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ " (١). رجال السند: سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، والسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ صحابي ذكر في أسد الغابة، والإصابة، وهو صحابي صغير ابن صحابيين حج به أبوه وأمه مع النبي، ﷺ في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، ويقال: ابن عشر سنين (٢)، سَعْدٌ، هو ابن أبي وقاص ﵁. الشرح: انظر ما تقدم وكله من التحفظ. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٨ - (١٤) أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا بَيَانٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ: " أَنَّ عُمَرَ ﵁ شَيَّعَ الأَنْصَارَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: أَتَدْرُونَ لِمَ شَيَّعْتُكُمْ؟ قُلْنَا: لِحَقِّ الأَنْصَارِ، قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ قَوْماً

стр. 463

تَهْتَزُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ اهْتِزَازَ النَّخْلِ (١)، فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ، قَالَ: فَمَا حَدَّثْتُ بِشَيْءٍ وَقَدْ سَمِعْتُ كَمَا سَمِعَ أَصْحَابِي" (٢). رجال السند: سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، هو العنقزي لابأس به تقدم، وشُعْبَةُ، إمام ثقة تقدم، وبَيَانٌ، هو ابن بشر إمام ثقة تقدم، والشَّعْبِيُّ، إمام ثقة تقدم، وقَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، هو أبو عمرو الأنصاري صحابي، كان ممن فتح الري ﵁، وعُمَرَ، هو ابن الخطاب ﵁. الشرح: هذا رأي عمر في نقل السنة كان شديد التحفظ على الرواية، والحاجة إلى العناية بالقرآن وفهمه، أولى من مزاحمة السنة له في ذلك الوقت، وطمأنهم بأنه شريك لهم فيما نهاهم عنه، حتى لا يقع في أنفسهم التأثم من عدم الحديث عن رسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٨٩ - (١٥) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأ أَشْعَثُ (٣)، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: " بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ رَهْطاً مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى الْكُوفَةِ فَبَعَثَنِي مَعَهُمْ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَعَنَا حَتَّى أَتَى صِرَارَ -

стр. 464

وَصِرَارُ مَاءٌ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ -، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْغُبَارَ عَنْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْماً لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ فَيَأْتُونَكُمْ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ فَيَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ أَسْبَاغَ الْوُضُوءِ ثَلَاثٌ، وَثِنْتَانِ تُجْزِيَانِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ الْكُوفَةَ فَتَأْتُونَ قَوْماً لَهُمْ أَزِيزٌ بِالْقُرْآنِ، فَيَقُولُونَ: قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ قَدِمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فَيَأْتُونَكُمْ يَسْأَلُونَكُمْ عَنِ الْحَدِيثِ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِيهِ، قَالَ قَرَظَةُ: وَإِنْ كُنْتُ لأَجْلِسُ فِي الْقَوْمِ فَيَذْكُرُونَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنِّي لَمِنْ أَحْفَظِهِمْ لَهُ، فَإِذَا ذَكَرْتُ وَصِيَّةَ عُمَرَ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ سَكَتُّ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: " مَعْنَاهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ عَنْ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ" (١).

стр. 465

رجال السند: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وأَشْعَثُ، والشَّعْبيُّ، هم أئمة ثقات تقدموا قريبا، وقَرَظَةَ ابْنِ كَعْبٍ ﵁. الشرح: انظر السابق، وقول الدارمي: «مَعْنَاهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ عَنْ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ السُّنَنَ وَالْفَرَائِضَ». المراد نهي عمر ﵁ ليس المراد منه النهي عن أحاديث السنن والفرائض، فذاك أمر مطلوب ومن أجله بعثهم عمر ﵁، يؤيد هذا أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا ﵁ إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم وإذا فعلوها فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بهذا فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس» (١)، إذن عمر ﵁ أراد نهيهم عن الحديث عن الغزوات، ولا ريب أن ذلك يصرف عن الأهم، وقد أحسن الدارمي ﵀ في هذا البيان، وسيأتي مزيد بيان في باب البلاغ عن رسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٠ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ارْتَعَدَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ " (٢). رجال السند: مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، هو الخوارزمي ثقة تقدم، وابْنُ نُمَيْرٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، ومَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقة ابن حبان فلابأس به، والشَّعْبيُّ، تقدم آنفا، وعَلْقَمَةُ، هو ابن قيس إمام ثقة تقدم، قَالَ: وعَبْدُ اللَّه، ابن مسعود ﵁.

стр. 466

الشرح: تقدم نحو هذا وذلك من هيبة النقل عن رسول الله ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩١ - (١٧) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثٍ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَراً مِثْلَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، فَقَالَ عُمَرُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قُلْتَ وَعَلَىَّ كَذَا " (١). رجال السند: بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، وابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، هو عبد الله إمام ثقة تقدم، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام فقيه تقدم، وابْنُ عُمَرَ، هو عبد الله ابن عمر بن الخطاب ﵃. الشرح: قوله: «فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَراً مِثْلَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، فَقَالَ عُمَرُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ: وَدِدْتُ أَنَّكَ قُلْتَ وَعَلَىَّ كَذَا».

стр. 467

الجمار هو قلب النخل لونه ابيض كالشحم، يستخرج ويوكل وفيه حلاوة، ذكرها مثلا للمسلم لطيبها ومنافعها للناس، عرف ابن عمر أنها النخلة ومنعه من قول ذلك احترامه لمن هو أكبر سنا، وتمنى أبوه عمر ﵁ أن لو قال ذلك لما فيه من ذكاء وفطنة مع صغر سن ابن عمر ﵄. ما يستفاد: * جواز أكل الجمار، وهو قلب النخلة. * النخلة شجرة طيبة ومنافعها كثيرة ولذلك شُبه الرجل المسلم بها. * ذكرها الله مثلا للكلمة الطيبة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (١)، فكذلك الرجل المسلم ينبغي له أن يكن كالنخلة شجرة طيبة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٢ - (١٨) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْهَدَادِيّ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الدَّهَّانُ قَالَ: مَا سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولَ قَطُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِعْظَاماً وَاتِّقَاءً أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ (٢). رجال السند: بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو ثقة تقدم آنفا، وخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْهَدَادِيّ لابأس به، وصَالِحٌ الدَّهَّانُ، هو ابن إبراهيم، من أفراد الدارمي، لابأس به، وجَابِرُ ابْنُ زَيْدٍ، هو أبو الشعثاء إمام ثقة تقدم.

стр. 468

الشرح: المراد أن أبا لشعثاء لم يقل قال رسول الله ﷺ تحفظا من الزلل، وإعظاما للقول عليه ﷺ . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٣ - (١٩) (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا رَوْحٌ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ إِلَى كَعْبٍ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَكَعْبٌ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا تُرِيدُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَا أَعْرِفُ لأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكُونَ أَحْفَظَ لِحَدِيثِهِ مِنِّى، فَقَالَ كَعْبٌ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَالِبَ شَيْءٍ إِلاَّ سَيَشْبَعُ مِنْهُ يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ، إِلاَّ طَالِبَ عِلْمٍ، أَوْ طَالِبَ دُنْيَا، فَقَالَ: أَنْتَ كَعْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا جِئْتُ (٢). رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو الرقاشي إمام ثقة تقدم، ورَوْحٌ، هو ابن عبادة القيسي، أبو محمد إمام حافظ ثقة مصنف، روى له الستة، وكَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، هو القيسي ثقة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ، هو العقيلي، أبو عبد الرحمن، ثقة جاور أبا هريرة سنة، وأَبُو هُرَيْرَةَ، هو عبد الرحمن بن صخر ﵁، و كَعْبٍ، هو ابن ماتع إمام عالم تقدم.

стр. 469

الشرح: قوله: «أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَالِبَ شَيْءٍ إِلاَّ سَيَشْبَعُ مِنْهُ يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ، إِلاَّ طَالِبَ عِلْمٍ، أَوْ طَالِبَ دُنْيَا، فَقَالَ: أَنْتَ كَعْبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لِمِثْلِ هَذَا جِئْتُ». هذا صحيح، في كل مناحي الحياة وشهواتها عدا شهوة طلب العلم، وشهوة طلب الدنيا المال، قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١)؛ المذكور في الآية متاع متملك، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم، وطالب الدنيا» (٢)، وقال ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٣). ما يستفاد: * الحرص على تعلم العلم والتوسع في طلبة والتكثر منه. * الحذر من التمادي في طلب الدنيا، والغفلة عن الآخرة.

стр. 470

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٤ - (٢٠) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، نَا شِبْلٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ قَالَ: «مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ، وَكُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ غَرْثَانُ (١) إِلَى عِلْمٍ» (٢). رجال السند: يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، هو العبدي، ثقة تقدم، وشِبْلٌ، هو ابن عباد مقرئ مكة تلا على بن كثير، ثقة قيل: إنه يرى القدر، وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، إمام ثقة تقدم، وطَاوُسٌ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم. الشرح: مراد طاوس ﵀ أن طالب العلم لا يقف في طلبه عند حد، وعليه طرق أبواب العلماء والاستزادة مما لديهم، ولذلك كثر الترحال في القرون الأولى، حتى إن الرجل ليرحل في طلب الحديث الواحد، وذكر طاوس ﵀ أن طالب العلم جائع للعلم، ولا يشبع منه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٥ - (٢١) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ قُرَّةَ قَالَ: " كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا الْمَشْيَخَةُ وَهُمْ يَتَرَاجَعُونَ، فِيهِمْ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ شَابٌّ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ: أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ،

стр. 471

فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: فِي أَيِّ شَيْءٍ رَآنَا؟ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قُمْ لَئِنْ عُدْتَ، لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ " (١). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، والْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ، هو البصري جرحه ابن حبان، وقال ابن شاهين: ثقة، قال أحمد بن صالح: ما رأيت أحدا يتكلم فيه ورأيت أحاديثه عن قتادة ويحيى بن أبي كثير صحاحا، وانما استغنى عنه البصريون؛ لأنه كان خاملا، ولم أر أحدا تركه وهو ثقة، ومُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، هو ابن إياس بن هلال المزني ثقة عالم. الشرح: قوله: «وَهُمْ يَتَرَاجَعُونَ، فِيهِمْ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو». المراد يتدارسون العلم، وعائذ بن عمرو، هو المزني ﵁، وكان من أصحاب الشجرة، قال الحسن البصري ﵀: وكان من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، روى ثابت البناني" أن أبا برزة كان يلبس الصوف، فقال له رجل: إن أخاك عائذ بن عمرو يلبس الخز وهو يرغب عن لباسك، قال: ويحك ومن مثل عائذ ليس مثله!، ثم أتى عائذا فقال: إن أخاك أبا برزة يلبس الصوف وهو يرغب عن لباسك، قال: ويحك ومن مثل أبي برزة ليس مثله!، فمات أحدهما فأوصى أن يصلي عليه الآخر (٢).

стр. 472

قوله: «فَقَالَ شَابٌّ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ: أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: فِي أَيِّ شَيْءٍ رَآنَا؟ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قُمْ لَئِنْ عُدْتَ، لَنَفْعَلَنَّ وَلَنَفْعَلَنَّ». لعل الشاب كان يرى الذكر أفضل من تدارس العلم، ولم يفقه أن تدارسه من الذكر، فأنكر عليه القوم وتوعدوه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٦ - (٢٢) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، أَنَا أَبُو عَامِرٍ، نَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " نِعْمَ الْمَجْلِسُ، مَجْلِسٌ تُنْشَرُ فِيهِ الْحِكْمَةُ، وَتُرْجَى فِيهِ الرَّحْمَةُ " (١). رجال السند: يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو اليشكري صدوق تقدم، وأَبُو عَامِرٍ، هو عبد الملك ابن عمرو إمام ثقة، وقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، هو أبو خالد السدوسي، إمام فقيه، وعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابْن عتبَة بْن مَسْعُود الْهُذلِيّ، أبو عبد الله ثقة روى له مسلم، وهو أَخُو عبيد اللَّه بن عَبْد الله أحد الفقهاء السبعة، وعَبْدُاللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩ - بابٌ مَنْ قَالَ الْعِلْمُ الْخَشْيَةُ وَتَقْوَى اللَّهِ ٢٩٧ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ:

стр. 473

" كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ (١) الأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟ فَوَ اللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِى عَنْهُمْ؟» قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: " أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ، الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الْجَمَاعَةِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعاً " (٢). رجال السند: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، هو أبو حمير الحضرمي، تابعي إمام ثقة، روى له مسلم في الصحيح، وأَبوه: جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، هو ثقة من كبار التابعين، أَبو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر ﵁.

стр. 474

الشرح: تقدم برقم ٢٤٨، من حديث أبي أمامة ﵁، وتم شرحه فأغنى عن الإعادة فلينظر. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٨ - (٢) حدثنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ الْكِنَانيُّ، ثَنَا مَكْحُولٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (٢). رجال السند: يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، هو الواسطي إمام ثقة تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ جَمِيلٍ، الْكِنَانيُّ، هو أبو الحجاج الفلسطيني، لابأس به، مَكْحُولٌ، هو إمام ثقة تقدم. الشرح: قوله: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)».

стр. 475

تقدم برقم ٢٥٤، نحو هذا، ثم بين فضل العالم المتفقه في دين الله على المشتغل بالعبادة س وى العلم كفضل رسول الله ﷺ على أدنا رجل من المسلمين، بل ورد " كفضلي على أمتي " وهذا يبين أهمية العلم وأيد هذا بقول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، لأنهم اعتبروا بما عرفوا من الدلائل على الخالق ﷻ ، وعلموا قيام الحجة بها، فحصّلوا الخشية من الله ؛ لأن خشية من يعلم ذلك ويؤمن به أعظم من خشية من لا يعلم. قوله: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ». الصلاة من الله البركة والرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الدعاء، والمراد عموم أهل السماء. قوله: «وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ». المراد عموم من في الأرض، وهذا إكرام للعالم بما أنزل الله ، والمراد بالنون الحوت ذكر المفرد وأراد به الجنس، وقد وردت التسميتان في القرآن الكريم في قصة يونس ﵇ فقال : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، أي: صاحب النون وهو الحوت، وقال : ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٣)، وقد ورد ذكر سوى الحوت النملة في جحرها رواه الترمذي (٤).

стр. 476

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٢٩٩ - (٣) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِماً حَتَّى لَا يَحْسُدَ مَنْ فَوْقَهُ، وَلَا يَحْقِرَ مَنْ دُونَهُ، وَلَا يَبْتَغِىَ بِعِلْمِهِ ثَمَناً " (١). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس به تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو الكوفي أبو زكريا المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق روى له مسلم في الصحيح، وسُفْيَانَ، هو الثوري إمام ثقة تقدم، ولَيْثُ، هو ابن سعد إمام ثقة تقدم، ورَجُلٍ، مجهول، وابْنُ عُمَرَ، هو عبد الله ﵄. الشرح: قول: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِماً حَتَّى لَا يَحْسُدَ مَنْ فَوْقَهُ». هذه أركان السيادة فطالب العلم على الحقيقة لا يحسد من فوقه في العلم وغيره، والحسد لا يكون في الغالب إلا بين ذوي المهنة الواحدة، يتغايرون فيها سلبا وإيجابا، والحسد خلق ذميم؛ وهو تمني زوال النعمة عن الغير، وإن سعى في زوالها فقد بغى، والبغي حرام، فإذا كان التمني مجرد خاطرة نفس ولم يعمل على إظهارها فذلك معفو عنه، مالم يسعى في تحقيق ذلك، وقد حذر رسول الله ﷺ : «إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل

стр. 477

النار الحطب» (١)، ومعناه صحيح في الترهيب منه؛ لأنه خلق ذميم، قال ﷺ : «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا … » (٢). قوله: «وَلَا يَحْقِرُ مَنْ دُونَهُ». والمراد العموم ومن فوقه أيضا، وذكر من هو دونه؛ لأنه أدعى للاستصغار، واحتقار الناس خلق سيء، لا يليق بأحد، ولا يفعله إلا اللؤماء، قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره» (٣). قوله: «وَلَا يَبْتَغِىَ بِعِلْمِهِ ثَمَناً». لأن طلب العلم لابد أن يبنى على نية خالصة لله ، وإن حصل له من الدنيا شيء فهو تبع لقصده فلا حرج فيه مع الإخلاص، ومن طلب به الدنيا واستشرف به لها فقد خرج عن القصد، ولم يكن من ذوي العلم الحقيقي الذي يلازم التقوى والخوف من الله . ما يستفاد: * الحرص على تعلم العلم، والتخلق بأخلاق العلماء. * الحث على التواضع، والحذر من الحسد. * الحذر من استصغار الناس، فإن أكرم الناس أتقاهم. * وجزب الإخلاص في طلب العلم، وآلا يقصد به متاع الدنيا وشهواتها. * لا حرج فيما يكون من الدنيا بغير استشراف مع القصد الحسن.

стр. 478

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٠ - (٤) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الأَعْلَى التَّيْمِيَّ يَقُولُ: مَنْ أُوتِىَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْماً يَنْفَعُهُ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَتَ الْعُلَمَاءَ (١) ثُمَّ قَرَأَ [القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾] (٢). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، هو سعدويه إمام ثقة تقدم، وأَبو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة إمام ثقة تقدم، مِسْعَرُ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الأَعْلَى التَّيْمِيُّ، هو من أفراد الدارمي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس. الشرح: قوله: «مَنْ أُوتِىَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ، لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْماً يَنْفَعُهُ»؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَتَ الْعُلَمَاءَ ثُمَّ قَرَأَ القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ كأنه لم يتأثر بعلمه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، فالعلم يقتضي الخشية،

стр. 479

والخشية تقتضي الخوف، والخوف يُدمع العين، وقد وصف الله العلماء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١). ما يستفاد: * أن من علامة العلم النافع خشوع العالم وبكاؤه. * أن العلم غير النافع يورث القسوة. * أن من صفات العلماء الخشية والخوف عند تلاوة القرآن. * أن من علامة تأثر القارئ أن يخر ساجدا باكيا داعيا ربه . قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠١ - (٥) أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُباب، عَنْ مُبَارَكِ ابْنِ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: " لَا تَكُونُ عَالِماً حَتَّى تَكُونَ فِيكَ ثَلَاثُ خِصَالٍ: لَا تَبْغِي عَلَى مَنْ فَوْقَكَ، وَلَا تَحْقِرُ مَنْ دُونَكَ، وَلَا تَأْخُذُ عَلَى عِلْمِكَ دُنْيَا " (٢). رجال السند: عِصْمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، هو النميري إمام ثقة تقدم، وزَيْدُ بْنُ حُباب، هو العكلي ثقة تقدم، ومُبَارَكِ بْنُ فَضَالَةَ، هو البصري كثير التدليس، ثقة إذا صرح

стр. 480

بالسماع، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، هو أبو عثمان إمام ثقة تقدم، وأَبو حَازِمٍ، هو سلمة بن دينار تابعي ثقة تقدم. الشرح: انظر السابق برقم ٢٩٧ - (٣) وما بعده فإنه يغني عن الإعادة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٢ - (٦) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: " لَا تَكُونُ عَالِماً حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّماً، وَلَا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِماً حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلاً، وَكَفي بِكَ إِثْماً أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِماً (١)، وَكَفي بِكَ إِثْماً أَنْ لَا تَزَالَ مُمَارِياً (٢)، وَكَفي بِكَ كَاذِباً أَنْ لَا تَزَالَ مُحَدِّثاً فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ " (٣). رجال السند: أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ، وعَبْثَرٌ، وبُرْدُ بْنُ سِنَانٍ، وسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الدِّمَشْقِيُّ، تقدموا في رقم ٢٥٣، وهو سند حسن، وأَبو الدَّرْدَاءِ ﵁. الشرح: لاريب أن طريق العلم التعلم، وأن طريق كثرة العلم العمل به وتعليمه الناس، وهو الشيء الذي يزيد بالإنفاق منه ولا ينقص، والمخاصمة بالعلم هي:

стр. 481

المجادلة بالباطل، ودحض الحق، أما لنصرة الحق ورد الباطل فهي المحاورة، والمخاصمة مذمومة؛ المخاصم لا يطلب الحق، وهو عكس المحاور، قال رسول الله ﷺ : «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم». المراد بالمواعظ والتعليم، وليس كل من حدث في غير ذات الله كاذبا ولا ظالما، فهمنا من الحديث في المنافع المباحة وتعليم الناس ما ينفعهم فيها، فمن يحدث بها وبالأخبار الصادقة ليس كاذبا ولا ظالما، ورحم الله أبا الدرداء فما كان همه إلا الآخرة، والحديث أخرجه البخاري حديث (٢٤٥٧) ومسلم حديث (٢٦٦٨). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٣ - (٧) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ الْمِنْقَرِيِّ قَالَ: " قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْماً فِي شَيْءٍ قَالَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ (١) وَرَأَيْتَ أَنْتَ فَقِيهاً قَطُّ، إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِأَمْرِ دِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّه " (٢). رجال السند: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، هو أبو علي المؤدب، إمام لابأس به، الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، هو أبو عبد الرحمن الكوفي، أخو سفيان الثوري، ثقة، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ،

стр. 482

إمام ثقة تقدم، وعِمْرَانُ الْمِنْقَرِيُّ، هو ابن مسلم أبو بكر البصري، لابأس به روى له الشيخان، واِلْحَسَنِ، هو البصري من سادات التابعين. الشرح: هذه رواية المنقري لم يذكر ما قال الحسن، وكان الرد من الحسن ﵀ عنيفا؛ لأن رد المنقري رحمه كان فيه إعلاء لمن وصفهم بالفقهاء، ولم يكن تعبيره ألطف، وعنفه الحسن ﵀ حين قال: ورأيت أنت فقيها قط، أي: أنت لم تر فقيها على الإطلاق، ثم ذكر الحسن من يستحق في نظره أن يوصف بالفقه، وهو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه ، وصدق الحسن ﵀ إذا اجتمعت هذه الصفات في شخص فهو الفقيه حقا، ولكن المنقري ﵀ أراد من خالف الحسن ﵀ في المسألة المذكورة له. وقد وردت رواية أخرى عن الحسن قال مطر الوراق: " سألت الحسن عن مسألة، فقال فيها، فقلت: يا أبا سعيد يأبى عليك الفقهاء ويخالفونك، فقال: ثكلتك أمك مطر، وهل رأيت فقيها قط؟ وهل تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد الذي لا يسخر ممن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله حطاما " (١)، وفي رواية أخرى بين مطر المسألة فقال: " يا أبا سعيد إن امرأة جعلت على نفسها إن قدم زوجها أن تصوم من يومها شهرا

стр. 483

فقدم في أول يوم من رمضان. فقال الحسن: صامت شهرها ووُفّي نذرها. قال مطر: إن بعض الفقهاء يقول غير هذا، .. " (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٤ - (٨) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا النَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قِيلَ لَهُ: " مَنْ أَفْقَهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ " (٢). رجال السند: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، إمام لابأس به تقدم آنفا، والنَّضْرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيُّ، إمام مسجد الكوفة، يقبل حديثه في الترغيب والترهيب، ومِسْعَرُ، ابن كدام إمام ثقة تقدم، وسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن عبد الرحمن بن عوف ﵁، إمام ثقة تقدم.

стр. 484

قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٥ - (٩) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " إِنَّمَا الْفَقِيهُ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالى " (١). رجال السند: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، تقدم آنفا، والْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، هو الجعفي أبو عبد الله المقرئ ثقة تقدم، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، كثير الغلط، واختلفوا في تحسن حديثه تقدم، عَنْ مُجَاهِدٍ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٦ - (١٠) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي لَيْثُ بْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: " إِنَّ الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمَ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا " (٢). رجال السند: إِسْمَاعيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله ابن سعد الأشعري، أبو الحسن، من رجال الشيعة لابأس به، ولَيْثُ ابْنُ أَبِى سُلَيْمٍ، مختلف في تحسين حديثة، يقبل في مثل هذا، ويَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، هو الأنصاري أبو هبيرة الكوفي، تابعي ثقة روى له مسلم في الصحيح، وعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. الشرح: قوله: «الْفَقِيهَ حَقَّ الْفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ». أي: لا يجعل الناس ييأسون من رحمة الله وقد كرر في كتابه العزيز أنه غفور رحيم (٥٢) مرة، وهذه بشارة لكل مسلم؛ ولأنه حكى قول إبراهيم:

стр. 485

﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (١)؛ ولأنه قال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ولأن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لما قضى الخلق، كتب عنده فوق عرشه: إن رحمتي سبقت غضبي» (٣)؛ ولأن رسول الله ﷺ قال: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» (٤)، ولأن رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة

стр. 486

آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة» (١)، قال قتادة: فقال الحسن ذكر لنا، أنه لما أتاه الموت نأى بصدره. اللهم إنا لا نثق بأعمالنا فليس لنا إلا رحمتك وعفوك وكرمك، يا ذا الجلال ولإكرام. قوله: «وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ». المراد المتساهل في الفتوى، فيقع الناس بسبب ذلك في المعاصي، وإذا كان الله غفورا رحيما فإنه قال في كتابه العزيز: شديد العقاب (١٦) مرة، وقال : ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢)، فيجب على العالم أن يحتاط من ذلك، ومن يأمن مكر الله وهو على معصية صغرت أو كبرت؟!، وقد رخص علماء الرافضة في ترك صوم رمضان بالخروج لعدة كيلوات كل يوم ليأكل ويشرب ويعود للبيت ولا حرج عليه، وفتاواهم في المتعة تحليل حرام، ومن تابع فتاواهم في الفضائيات يسمع من الكذب والزور ما لا يخطر على قلوب كثير من الفساق فضلا عن غيرهم. قوله: «وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ».

стр. 487

لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، فالذي يؤمن الناس من عذب الله ليس من العلماء؛ لأن العالم يخاف الله فهو لا يأمن على نفسه فكيف يؤمن غيره من عذاب الله ؟!، وقد يستغرب بعض الناس أن يكون في المسلمين من يؤمن الناس من عذاب الله، فنقول خذا مثلا حيا من فتاوى علماء الرافضة في ترك صوم رمضان بالخروج لعدة كيلوات ليأكل ويشرب ويعود للبيت ولا حرج عليه، وفتاواهم في المتعة تحليل حرام، وإعطاء صكوك دخول الجنة، فهل يأمن العلماء والعامة منهم عذاب الله؟!، اشتغل علماء الرافضة بتأويل القرآن، بما يوافق هواهم، فكذبوا الله ورسوله، وكذبوا على آل البيت، ومن أقوالهم أن فاطمة ﵂، ولدت قبل أبيها ﷺ ، وأن نوجا ﵇ استغاث بعلي، وأن آل البيت معصومون ويعلمون ما كان وما يكون وما هو كائن، وهذا من أقل زورهم فضلوا وأضلوا أتباعهم. قوله: «وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ». الذين وقعوا في هذا هم أصحاب البدع والتصوف الغالي، والرافضة يهونون من شأن القرآن فتجد من علمائهم حسب زعمهم من لا يحسن قراءة الآية الواحدة، ويسخر ممن يحفظ القرآن من أهل السنة متناسيا أو متأولا بالباطل قول الله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢)، وسبحان الله حينما نسمع كلام من يزعمون أنهم علماء من الرافضة عبر

стр. 488

الفضائيات نتذكر هذه الآية ولا سيما قوله في آخرها: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ فهم يجحدون آيات الله بتأويل دلالاتها، وربما كان تحريف اليهود والنصارى أقل خطرا منهم. وقد حكى الله قول الرسول ﷺ عن القرآن فقال: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ (١)، ذكر الله قول الرسول ﷺ في الدنيا وتشكّيه ما يلقى من قومه من عدم قبول القرآن وهجر الإيمان به، وهو تنبيه للمؤمنين على كثرة تلاوة القرآن وتدبره؛ لأنه من أجل العبادات، فلا يهجر ويشتغل بغيره، وهجر القرآن يشمل عدم الإيمان به، وعدم تلاوته، وعدم العمل بما أحل وما حرم، والدعوة إليه. قوله: «إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا». لأن العبادة مرتكز صحتها العلم بفروضها وواجباتها وسننها، العلم ثمرته العبادة؛ لأن العلم شجرة والعمل به ثمرة. قوله: «وَلَا عِلْمَ لَا فَهْمَ فِيه». لأن الله ذكر أن فيما خلق دلائل وبراهين لقوم يعقلون أي: يفهمون المراد على الوجه الصحيح، وقد أثبت ذلك ونفاه عن غيرهم، فالعلم من غير فهم عدم. قوله: «وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا». المراد أن الأصل في القراءة الفهم ومعرفة مرامي الآيات في الحلال والحرام والترغيب والترهيب والعبرة مما قص الله في كتابه العزيز، ولقد رأيت

стр. 489

بعض القراء لو سئل بعد تمامه عن السورة التي قرأها لما عرف، وذلك من سرعة قراءته وعدم تدبر ما قرأ. ما يستفاد: * تحريم تقنيط الناس من رحمة الله ، * الترغيب في التوبة وتأنيس الناس برحمته وعفوه. * تحريم الترخيص فيما حرم الله وهو ما يفعله الرافضة اليوم. * تحريم تأمين الناس من العذاب على المعصية وإن صغرت، قال ابن عباس ﵄: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار. * العناية بالتعليم ولاسيما العلم الشرعي. * التحذير من هجر القرآن، والعدول عنه إلى غيره من العلوم. * الترغيب في تلاوة القرآن وتدبر معانيه ودلالاته. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٧ - (١١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: " الْفَقِيهُ حَقُّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُقَنِّطُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا يُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا يُرَخِّصُ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا " (١).

стр. 490

رجال السند: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، إمام لابأس به تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن عليه إمام ثقة تقدم، لَيْثٍ، هو ابن أبي سليم كثير الغلط، واختلفوا في تحسين حديثه ويقبل في مثل هذا تقدم، يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ، هو ابن عبد الله بن الزبير بن العوام، مات قديما وهو ابن ست وثلاثين، ثقة وكانت له مروة، ولم يدرك عليا، وعَلِيٌّ، هو ابن أبي طالب ﵁. الشرح: تقدم آنفا برقم ٣٠٤، فأغنى عن الإعادة. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٨ - (١٢) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ تُبَيْعاً يُحَدِّثُ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " إِنِّي لأَجِدُ نَعْتَ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَيَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي يَغْتَرُّونَ، أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ، فَحَلَفْتُ بِي لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ " (١). رجال السند: أَبُو النُّعْمَانِ، هو المعروف بعارم، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، ويَزِيدُ بْنُ حَازِمٍ، أئمة ثقات تقدموا في رقم ١٤٦، قَالَ: عَمِّي جَرِيرُ بْنُ زَيْدٍ، هو الأزدي أبو سلمة البصري صدوق، وتُبَيْعٌ، هو ابن عامر الحميري، تابعي كان له علم

стр. 491

بالتوراة استفاده من زوج أمه كعب الأحبار، صدوق لم يرو له الدارمي غيرها. الشرح: قوله: «إِنِّي لأَجِدُ نَعْتَ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَيَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ». هذا قول كعب الأحبار وقد علم هذا من الكتب الأولى، والموصوفون هم من بني إسرائيل، وهو لائق بهم، يؤيد هذا قول وهب: قال اللَّه فيما يعيب به بنى إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» (١)، وفي هذا تحذير للأمة مما وقع فيه بنوا إسرائيل، ولم يسلم من هذا من لم يسلمه الله ، نسأل الله الحفظ والتوفيق. قوله: «فَبِي يَغْتَرُّونَ، أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ، فَحَلَفْتُ بِي لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ». القائل هو الله ، وأراد أنهم مغترون بإمهال الله ، فأمنوا مكره ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو يخادعون الله بأعمالهم وما يخدعون إلا أنفسهم، فحلف بذاته ﷻ ، ليجعلهم في فتنة تجل العاقل الحكيم حيران في دفعها والخلاص منها، وفي هذا تحذير للأمة من ذلك والسالم من سلمه الله .

стр. 492

ما يستفاد: * الحذر من تعلم شرع الله لغير العمل به. * الحذر من التفقه في شرع الله لغير الله . * الحذر من طلب الدنيا بعمل الآخرة. * الحذر من خداع الناس بأن يظهر لهم خلاف ما يبطن. * الحذر من الاغترار بحلم الله وإمهاله. * الحذر من توهم خداع الله ﷻ ، فإنه بكل شيء عليم. * توقي الفتن بطاعة الله والاستقامة على دينه. قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٠٩ - (١٣) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عبد الصمد الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْعَالِمَ الْفَاسِقَ. فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَأَشْفَقَ مِنْهَا: مَا الْعَالِمُ الْفَاسِقُ؟، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَرِمٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهِ إِلاَّ الْخَيْرَ، يَكُونُ إِمَامٌ يَتَكَلَّمُ بِالْعِلْمِ وَيَعْمَلُ بِالْفِسْقِ، فَيُشَبِّهُ عَلَى النَّاسِ فَيَضِلُّوا " (١). رجال السند: بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو أبو عبد الرحمن النيسابوري إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، هو أبو عبد الصمد إمام ثقة روى له الستة، وأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، هو عبد الملك بن حبيب البصري، تابعي إمام ثقة، هَرِمُ

стр. 493

ابْنُ حَيَّانَ، هو العبدي عامل عمر بن الخطاب، تابعي بصري إمام ثقة، من أفراد الدارمي. الشرح: شك عمر ﵁ في هذه المقولة وخشي أن يلحقه منها شيء، ولاسيما وهو عالم، شديد المحاسبة لنفسه ولغيره ﵁، فاستفسر عن المراد فبين له هرم ﵀ أنه لم يقصد سوى من حذر منهم رسول الله ﷺ حين قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» (١). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣١٠ - (١٤) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مُطَرِّفٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ، ولَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ " (٢). رجال السند: سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَة، هو المصيصي أبو عثمان، كان من خيار الناس ثقة، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو القرشي أبو العباس دمشقي كثير التدليس والتسوية، ثقة إذا سلم من ذلك، ومُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، هو أبو غسان الليثي المدني لابأس به، وَعَبْدِ الْعَزِيزبْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ لابأس به، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁.

стр. 494

الشرح: قوله: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ». المراد السلطان الجائر المعروف بالظلم والطغيان؛ لأن في الدخول عليه وحضور مجلسه تزكية له، إلا لمن كان ناصحا أمينا، أما من عرف الصلاح والعدل فالدخول عليه وحضور مجلسه فيه خير؛ لأنه يغلق الباب على الفساق ومن لا يرجى منهم خير، وقد كان الصحابة يدخلون على الخلفاء الراشدين، لمشورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، كذلك من بعدهم من الخلفاء والملوك والأمراء، لا مانع من دخول العالم الناصح الأمين. قوله: «وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ». لأن الخلوة بغير ذات المحرم حرام قال رسول الله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: «اذهب فحج مع امرأتك» (١)، ولأن ذلك من الشبهات وخطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية وذلك فرصة للشيطان لإثارة ما بين الرجل والمرأة من الميل إلى ما حرم الله ، وقد قال رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (٢)، ولذلك رسول الله ﷺ لم يرخص للرجل المكتتب في الخروج للجهاد في سبيل الله لما أخبر أن امرأته ستحج، وأمره رسول الله ﷺ أن يترك ما عزم عليه من الخروج ويحج مع امرأته، ومن هنا أخذ بعض العلماء ﵏ أن

стр. 495

عدم المحرم من عدم الاستطاعة، واختلفوا في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها المحرم، هل تحج؟، فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل لقول الله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)؛ لأن الاستطاعة في حق النساء الزاد والراحلة والمحرم، فقالوا: إذا لم يكن لها محرم فلا تستطيع الحج، وقال بعض أهل العلم: إذا كان الطريق آمنا فإنها تخرج مع الناس في الحج، وفي هذا رفق وسعة وقال به الإمام مالك والشافعي رحمهما الله، ولاسيما في هذا الزمان، يسرت الرواحل، واتسعت مساحة الرفقة الآمنة، ولكل قاعدة شذوذ. قوله: «وَلَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ». لأن أصحاب البدع اعتمدوا الهوى في دين الله ، ولم يلتزموا نهج الكتاب والسنة، وتقدم قول ابن مسعود ﵁ في الإنكار على بدعة عد التسبيح بالحصى برقم ٢١١ - (٥). قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣١١ - (١٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ قَالَ: "كَتَبَ إِلَيَّ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِيَّاكَ وَالْخُصُومَةَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ، لَا تُجَادِلَنَّ عَالِماً وَلَا جَاهِلاً، أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ وَلَا يُبَالِي مَا صَنَعْتَ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ يُخَشِّنُ بِصَدْرِكَ وَلَا يُطِيعُكَ " (٢).
следующие страницы →