بالتوراة استفاده من زوج أمه كعب الأحبار، صدوق لم يرو له الدارمي غيرها.
الشرح:
قوله: «إِنِّي لأَجِدُ نَعْتَ قَوْمٍ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ، وَيَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَيَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ».
هذا قول كعب الأحبار وقد علم هذا من الكتب الأولى، والموصوفون هم من بني إسرائيل، وهو لائق بهم، يؤيد هذا قول وهب: قال اللَّه فيما يعيب به بنى إسرائيل: «تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة» (١)، وفي هذا تحذير للأمة مما وقع فيه بنوا إسرائيل، ولم يسلم من هذا من لم يسلمه الله ، نسأل الله الحفظ والتوفيق. قوله: «فَبِي يَغْتَرُّونَ، أَوْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ، فَحَلَفْتُ بِي لأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ».
القائل هو الله ، وأراد أنهم مغترون بإمهال الله ، فأمنوا مكره ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، أو يخادعون الله بأعمالهم وما يخدعون إلا أنفسهم، فحلف بذاته ﷻ ، ليجعلهم في فتنة تجل العاقل الحكيم حيران في دفعها والخلاص منها، وفي هذا تحذير للأمة من ذلك والسالم من سلمه الله .
стр. 492
ما يستفاد:
* الحذر من تعلم شرع الله لغير العمل به.
* الحذر من التفقه في شرع الله لغير الله .
* الحذر من طلب الدنيا بعمل الآخرة.
* الحذر من خداع الناس بأن يظهر لهم خلاف ما يبطن.
* الحذر من الاغترار بحلم الله وإمهاله.
* الحذر من توهم خداع الله ﷻ ، فإنه بكل شيء عليم.
* توقي الفتن بطاعة الله والاستقامة على دينه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠٩ - (١٣) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عبد الصمد الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ هَرِمِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْعَالِمَ الْفَاسِقَ. فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَأَشْفَقَ مِنْهَا: مَا الْعَالِمُ الْفَاسِقُ؟، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ هَرِمٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهِ إِلاَّ الْخَيْرَ، يَكُونُ إِمَامٌ يَتَكَلَّمُ بِالْعِلْمِ وَيَعْمَلُ بِالْفِسْقِ، فَيُشَبِّهُ عَلَى النَّاسِ فَيَضِلُّوا " (١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو أبو عبد الرحمن النيسابوري إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الْعَزِيزِ
ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، هو أبو عبد الصمد إمام ثقة روى له الستة، وأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، هو عبد الملك بن حبيب البصري، تابعي إمام ثقة، هَرِمُ
стр. 493
ابْنُ حَيَّانَ، هو العبدي عامل عمر بن الخطاب، تابعي بصري إمام ثقة، من أفراد الدارمي.
الشرح:
شك عمر ﵁ في هذه المقولة وخشي أن يلحقه منها شيء، ولاسيما وهو عالم، شديد المحاسبة لنفسه ولغيره ﵁، فاستفسر عن المراد فبين له هرم ﵀ أنه لم يقصد سوى من حذر منهم رسول الله ﷺ حين قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» (١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٠ - (١٤) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مُطَرِّفٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ، ولَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ " (٢).
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ الْمُغِيرَة، هو المصيصي أبو عثمان، كان من خيار الناس ثقة، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو القرشي أبو العباس دمشقي كثير التدليس والتسوية، ثقة إذا سلم من ذلك، ومُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، هو أبو غسان الليثي المدني لابأس به، وَعَبْدِ الْعَزِيزبْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى الْمُهَاجِرِ لابأس به، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁.
стр. 494
الشرح:
قوله: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلَا يَدْخُلْ عَلَى السُّلْطَانِ».
المراد السلطان الجائر المعروف بالظلم والطغيان؛ لأن في الدخول عليه وحضور مجلسه تزكية له، إلا لمن كان ناصحا أمينا، أما من عرف الصلاح والعدل فالدخول عليه وحضور مجلسه فيه خير؛ لأنه يغلق الباب على الفساق ومن لا يرجى منهم خير، وقد كان الصحابة يدخلون على الخلفاء الراشدين، لمشورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، كذلك من بعدهم من الخلفاء والملوك والأمراء، لا مانع من دخول العالم الناصح الأمين. قوله: «وَلَا يَخْلُوَنَّ بِالنِّسْوَانِ».
لأن الخلوة بغير ذات المحرم حرام قال رسول الله ﷺ : «لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: «اذهب فحج مع امرأتك» (١)، ولأن ذلك من الشبهات وخطورة الخلوة بالمرأة الأجنبية وذلك فرصة للشيطان لإثارة ما بين الرجل والمرأة من الميل إلى ما حرم الله ، وقد قال رسول الله ﷺ : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (٢)، ولذلك رسول الله ﷺ لم يرخص للرجل المكتتب في الخروج للجهاد في سبيل الله لما أخبر أن امرأته ستحج، وأمره رسول الله ﷺ أن يترك ما عزم عليه من الخروج ويحج مع امرأته، ومن هنا أخذ بعض العلماء ﵏ أن
стр. 495
عدم المحرم من عدم الاستطاعة، واختلفوا في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها المحرم، هل تحج؟، فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل لقول الله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)؛ لأن الاستطاعة في حق النساء الزاد والراحلة والمحرم، فقالوا: إذا لم يكن لها محرم فلا تستطيع الحج، وقال بعض أهل العلم: إذا كان الطريق آمنا فإنها تخرج مع الناس في الحج، وفي هذا رفق وسعة وقال به الإمام مالك والشافعي رحمهما الله، ولاسيما في هذا الزمان، يسرت الرواحل، واتسعت مساحة الرفقة الآمنة، ولكل قاعدة شذوذ.
قوله: «وَلَا يُخَاصِمَنَّ أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ».
لأن أصحاب البدع اعتمدوا الهوى في دين الله ، ولم يلتزموا نهج الكتاب والسنة، وتقدم قول ابن مسعود ﵁ في الإنكار على بدعة عد التسبيح بالحصى برقم ٢١١ - (٥).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١١ - (١٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ قَالَ: "كَتَبَ إِلَيَّ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِيَّاكَ وَالْخُصُومَةَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ، لَا تُجَادِلَنَّ عَالِماً وَلَا جَاهِلاً، أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ وَلَا يُبَالِي مَا صَنَعْتَ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ يُخَشِّنُ بِصَدْرِكَ وَلَا يُطِيعُكَ " (٢).
стр. 496
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي، إمام ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو ابن علية غمام ثقة تقدم، ويُونُسُ، هو ابن عبيد بن دينار البصري، أبو عبد الله تابعي إمام ثقة، ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، هو الجزري ثقة فقيه تقدم.
الشرح:
قوله: «إِيَّاكَ وَالْخُصُومَةَ وَالْجِدَالَ فِي الدِّينِ».
نهى عن هاتين الخلتين؛ لأنها ممقوتة وليس في العلم خصومة، وإنما بيان الحق، واجتناب الباطل، ولا جدال في الدين؛ لأنه مبني على البرهان الصحيح من الكتاب والسنة.
قوله: «لَا تُجَادِلَنَّ عَالِماً وَلَا جَاهِلاً، أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ يَخْزُنُ عَنْكَ عِلْمَهُ وَلَا يُبَالِي مَا صَنَعْتَ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ يُخَشِّنُ بِصَدْرِكَ وَلَا يُطِيعُكَ».
لأن العالم يكتشف جهل المجادل من منطقه، فيكف عن مجاراته ويحتفظ بما لديه من علم صحيح.
أما الجاهل يجابه بسفالة واحتقار، ولو احتملت جهله لم يطعك، وما أكثر الجهلاء اليوم بأخلاق العلم والعلماء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٢ - (١٦) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ
стр. 497
قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ لاِبْنِهِ: دَعِ الْمِرَاءَ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الإِخْوَانِ " (١).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس الخولاني، إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن بن عمرو، إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ، هو أبو نصر اليماني، إمام ثقة ربما دلس وتقدم السند عن أبي قلابة برقم ١٤٤، سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ ﵉، هما نبيان كريمان.
الشرح:
قوله: «دَعِ الْمِرَاءَ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ».
المراء هو الجدال والتخاصم في الآراء، والتمسك بوجهة النظر المجردة عن الدليل الصحيح، وهذا لا ريب ضرره أكثر من نفعه.
«وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الإِخْوَانِ».
هذا حق وكم من طلبة علم كانوا إخوة فشانهم الجدل، وفرقتهم الخصومة، واشتغلوا بتتبع بعضهم والبحث عن العثرات، والتشهير، فكثر جدلهم في ذلك والنكير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٣ - (١٧) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ يَقُولُ:
стр. 498
" مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضاً لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ ".
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو أبو زكريا التنيسي، إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، هو الأودي، أبو محمد إمام قدوة ثقة تقدم، وإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، هو العدني كاتب عمر بن عبد العزيز، الأودي، أبو محمد الكوفي، طلبه الرشيد للقضاء فامتنع، إمام قدوة ثقة، ثقة قليل الحديث، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح: في سنده يحي بن حسان: مقبول، وهو هنا من القبول ضد الرد. وقوله: (أكثر التنقل) أي: التردد بين الآراء، وهذا تفسير الدارمي له في الأثر التالي، وانظر: القطوف رقم (٢٠٣/ ٣٠٧).
قوله: «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضاً لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ».
المراد أن الدين يستقى من الكتاب والسنة، ومن اشتغل بالآراء والخصومات فيها فإنه يكثر التنقل بين الآراء، فتتجاذبه الأهواء، وهذا من أسباب كثرة الملل والنحل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٤ - (١٨) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ: إِنَّهُ مَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ، وَمَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضاً لِلْخُصُومَاتِ كَثُرَ تَنَقُّلُهُ " (١).
стр. 499
رجال السند:
مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري غمام ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو شيخ العلم بعد الأوزاعي، إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «إِنَّهُ مَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ».
يؤيد هذا قوله ﷺ : «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١) إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (٢)، وانظر ما تقم برقم ٢٤٧.
قوله: «وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلاَّ فِيمَا يَعْنِيهِ».
يؤيد هذا قول الله : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣)، وقوله ﷺ : " … ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (٤).
قوله: «وَمَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضاً لِلْخُصُومَاتِ كَثُرَ تَنَقُّلُهُ».
стр. 500
تقدم البيان آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٥ - (١٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: " سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَهْوَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِدِينِ الأَعْرَابِيِّ وَالْغُلَامِ في الْكُتَّابِ، وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ " (١).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ (٢): كَثُرَ تَنَقُّلُهُ أَيْ يَنْتَقِلُ مِنْ رَأْي إِلَى رَأْيٍ.
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، سُفْيَانَ، هو ابن عيينة، هما إمامان ثقتان تقدما، وجَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، هو الجزري الرقي، إمام ثقة في غير الزهري، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «عَلَيْكَ بِدِينِ الأَعْرَابِيِّ».
لبعدهم عن المدن سلموا من الأهواء، وبقوا على الفطرة، والتوحيد الخالص، يؤيد هذا قول رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٣)؛ لأن في ذلك البقاء على الفطرة، والبعد عن الفتن، والأهواء من أعظم الفتن، والفطرة تعين على التأمل والاهتداء ومعرفة الحق، سأل الأصمعي أعرابيا قائلا: بم عرفت ربك؟، فقال البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير،
стр. 501
فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير، نعم هذا ليس لكل أحد، ولكن العقلاء لهم حدس ونظر، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (١)؛ " والله غفور رحيم ".
قال: ليس هذا كلام الله، فقال القارئ: أَتُكَذِّبُ بكلام الله تعالى؟، فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: صدقت: عزَّ، فحكمَ، فقطعَ، ولو غفر ورحِمَ لما قطع.
قوله: «وَالْغُلَامِ في الْكُتَّابِ».
كذلك؛ لأنه على الفطرة، وسلامة الذهن، فيلقى العلم في الكتاب شيئا فشيئا، بعيدا عن التقعر في الألفاظ، وفلسفة الأفكار.
«وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ».
أله فعل أمر بمعنى أترك، وهذا اللفظ لا زال حيا في كلام أبناء زهران، فيقال لشخص أُمر بعمل ما: إِلْه، أي: أترك فعل ما أُمرت به، فقوله: «وَالْهَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ» أي: أترك ما سوى ذلك من الآراء والأهواء، وكن على الفطرة؛ لأنها لا تخالف الشرع، إلا بتدخل مفسد، قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢).
стр. 502
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٠ - بابٌ فِي اجْتِنَابِ الأَهْوَاءِ:
٣١٦ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: " قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀: إِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَنْتَجُوْنَ بِأَمْرٍ دُونَ عَامَّتِهِمْ فَهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ الضَّلَالَةِ " (١).
وقوله " ينتجون " من النجوى، ومنه لا ينتجى اثنان دون صاحبهما، أي لا يتشاوران منفردين عنه من النجوى، ومنه لا ينتجى اثنان دون صاحبهما،
أي لا يتشاوران منفردين عنه (٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء صدوق يخطئ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، هو الخليفة ﵀.
الشرح:
قوله: «إِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَنْتَجُوْنَ بِأَمْرٍ دُونَ عَامَّتِهِمْ».
من النجوى وهي التشاور والتباحث بسر عن الآخرين، وليس المراد عامةالناس، بل المراد عامة العلماء والعقلاء أهل الحل والعقد، فمن ينفرد عنهم من أفراد أو جماعة فهم فيأمر مريب لمفارقتهم علماء القوم وعقلائهم، والتناجي دونهم، وفي ذلك ريبة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لا يتناجى
اثنان دون واحد» (٣).
стр. 503
قوله: «فَهُمْ عَلَى تَأْسِيسِ الضَّلَالَةِ».
وهذا موطن الريبة؛ لأنهم لو كانوا يتناجون في خير ونفع للأمة لما انخنسوا وتناجوا سرا، ولأعلنوا ذلك، ومثال هذا في هذا الزمان، الأحزاب التي تتصارع على الحكم، وقد سمعت أن دولة عربية في ما يزيد على (١٥٠) حزبا رسميا، فرقتهم الأهواء، والاتجاهات الفكرية والسياسية.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٧ - (٢) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ إِبْلِيسُ لأَوْلِيَائِهِ: " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَأْتُونَ بَنِى آدَمَ؟، فَقَالُوا: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الاِسْتِغْفَارِ؟، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ ذَاكَ شَيْءٌ قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَ: لأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئاً لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ، قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الأَهْوَاءَ " (١).
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو البناني أبو إسحاق، ثقة إلا عن ابن المبارك فقد روى عنه غرائب، وابْنُ الْمُبَارَكِ، هو عبد الله إمام ثقة من شيوخ الإسلام تقدم، والأَوْزَاعِيُّ إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «قَالَ إِبْلِيسُ لأَوْلِيَائِهِ: " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَأْتُونَ بَنِى آدَمَ؟، فَقَالُوا: مِنْ
كُلِّ شَيْءٍ».
стр. 504
يؤيد هذا ما حكى الله من قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (١)، فهو وأعوانه يسلكون كل سبيل لإضلال بني آدم ﵇.
قوله: «قَالَ: فَهَلْ تَأْتُونَهُمْ مِنْ قِبَلِ الاِسْتِغْفَارِ؟، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ ذَاكَ شَيْءٌ قُرِنَ بِالتَّوْحِيدِ».
هذا باب لا يدخل منه الشيطان؛ لأن الموحدين هم من قال الله عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٢) من قوله: «قَالَ: لأَبُثَّنَّ فِيهِمْ شَيْئاً لَا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْهُ، قَالَ: فَبَثَّ فِيهِمُ الأَهْوَاءَ». وهذا ما تحقق لإبليس اللعين فقد كثرت الفرق الضالة بسبب الأهواء، واستحل الحرام بسبب الأهواء، وسفكت الدماء بسبب الأهواء، وأصحابها لا يستغفرون الله منها، بل يرون في ذلك الفوز بالجنة والنجاة من النار.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٨ - (٣) أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " مَا أَدْرِي أيَّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَىَّ أَعْظَمُ؟، أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ " (٣).
стр. 505
رجال السند:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو البناني ثقة تقدم آنفا، والْمُحَارِبِيُّ، هو عبد الرحمن ابن محمد ثقة مدلس تقدم، الأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «مَا أَدْرِي أيَّ النِّعْمَتَيْنِ عَلَىَّ أَعْظَمُ؟، أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الأَهْوَاءِ».
قول مجاهد ﵀ اعتراف بنعمتين عظيمتين: نعمة الهداية للإسلام، والسلامة من نواقضه، ونعمة المعافاة من الأهواء والآراء الضالة، ولعظم النعمتين لم يتسن له ترجيح احاهما على الأخرى، وفي نظري أن الهداية للإسلام أعظم؛ لأنها السبب في المعافاة من الأهواء، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له … » (١).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١٩ - (٤) أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الأَعْوَرِ، عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا - أَوْ قَالَ: - قَالَ عَلِيٌ ﵁: " لَوْ أَنَّ رَجُلاً صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَقَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ قُتِلَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ يُرَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى هُدًى " (٢).
стр. 506
رجال السند:
مُوسَى بْنُ خَالِدٍ، هو أبو الوليد الحلبي صدوق تقدم، وعِيسَى بْنُ يُونُسَ، هو ابن أبي إسحاق السبيعي إمام ثقة تقدم، والأَعْمَشُ، هو سليمان إمام ثقة تقدم، ومُسْلِمُ الأَعْوَرِ، هو ابن كيسان الضبي، تابعي ضعيف، ليس له عند الدارمي سوى هذا، وحَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ، هو أبو قدامة العرني، من شيعة علي ﵁، مختلف في توثيقه وتضعيفه، وعَلِيٌ، هو ابن أبي طالب ﵁، وتقدم هذا السند برقم ٢٢٤،.
الشرح:
مراد علي بن أبي طالب ﵁ الرجل مع من ساير وعاشر، ولذلك كلف المسلم أن يقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢)، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " اعتبروا الرجل بمن يصاحب، وإنما يصاحب الرجل من هو مثله " (٣).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٠ - (٥) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ هَارُونَ - هُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ - عَنْ شُعَيْبٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِى صَادِقٍ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ ﵁:
стр. 507
" لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ رَأْسَهُ عَلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَصَامَ النَّهَارَ، وَقَامَ اللَّيْلَ لَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ هَوَاهُ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وهَارُونُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، هو البجلي أبو حمزة الرازي، وثقه النسائي، وشُعَيْبٌ، هو ابن خالد البجلي الرازي، لابأس به، وسَلَمَةُ بْنٌ كُهَيْلٍ، أبو يحيى الحضرمي، تابعي ثقة روى له الستة، وأَبو صَادِقٍ، هو عبد الله ابن ناجذ، تابعي صدوق، وسَلْمَانُ، هو الفارسي ﵁، ولم يلقه عبد الله.
الشرح: انظر قول علي بن أبي طالب ﵁، تقدم آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢١ - (٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ أَبِى الأَسْوَدِ - عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ الأَزْدِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ ابْنِ نَاجِدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ (٢). كرم الله وجهه: " كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الطَّيْرِ شَيْءٌ إِلاَّ وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ، وَزَايِلُوهُمْ
стр. 508
بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، هو الأصم، إمام ثقة تقدم، ومَنْصُور بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ، هو شيعي كبير، قال ابن معين: لابأس به تقدم، والْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ، هو أبو النعمان الأزدي، قيل: شيعي محترق، روى له البخاري في الأدب المرد، وفي الخصائص النسائي، وقال ابن معين: لابأس به، وأَبو صَادِقٍ الأَزْدِيِّ، هو تابعي صدوق تقدم آنفا، ورَبِيعَةُ بْنُ نَاجِدٍ، هو أخو أبي صادق، وثقه العجلي، وعَلِيٌّ، هو أبي طالب ﵁.
الشرح:
لم يرد علي ﵁ مجالسة أهل الأهواء، وإنما أراد عامة الناس الذين يمكن وعظهم وتعليمهم الخير، فمخالطتهم بالألسنة المراد به دعوتهم إلى الخير وتعليمهم الهدى، وبالأجساد التواضع لهم فإنه أدعى لقبول الدعوة، وفي قوله: «فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ» المراد ما اكتسب من خير أو شر يحاسب عليه، قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢)، وفي قول: «وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ
стр. 509
مَنْ أَحَبَّ» تحذير العوام من مجالسة أهل الأهواء حتى لا يصيبهم ما هم فيه من الضلال، ولعل المراد بقوله: «وَزَايِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ» من كان قادرا على دفع شبهاتهم، ورد باطلهم، وقد ناظر ابن عباس ﵄ الخوارج بأمر علي ﵁ فرجع نحو نصفهم، ثم قاتل من بقي وغلبهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٢ - (٧) أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ (١) الرَّأْيُ الْحَسَنُ " (٢).
رجال السند:
الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، هو أبو همام الكوفي، من رجال مسلم في الصحيح، لابأس به حفظ حديثا كثيرا، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد التميمي، مدلس معروف بالراية عن الضعفاء والمجاهيل، تقبل روايته بشرط أن يصرح بالسماع، فهو ثقة إذا حدث عن الثقات، وقال حدثنا أو أخبرنا، والأَوْزَاعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
قوله: «نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الرَّأْيُ الْحَسَنُ».
وصف الرأي الحسن بأنه وزير العلم إشادة وتعظيما، والمراد بالرأي الحسن المستند إلى الكتاب والسنة، المنبثق منهما، الموافق لمنهجهما، وما خالف
стр. 510
الكتاب أو خالف السنة، أو خالفهما معا فلا خير فيه، بل هو مردود على قائله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٣ - (٨) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: " كَفي بِالْمَرْءِ عِلْماً أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفي بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ " (١).
قَالَ: وَقَالَ مَسْرُوقٌ: " الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو (٢) فِيهَا، فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " (٣).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس التميمي، ثقة متقن، وزَائِدَةُ، هو ابن قدامة الثقفي، إمام ثقة، والأَعْمَشُ، إمام ثقة، ومُسْلِمٌ، هو ابن صبيح ثقة، ومَسْرُوق، هو ابن سعيد إمام ثقة، والجميع تقدموا.
الشرح:
قوله: «كَفي بِالْمَرْءِ عِلْماً أَنْ يَخْشَى اللَّهَ» لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤).
стр. 511
قوله: «وَكَفي بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ».
لأنه جهل نعمة الله عليه، واغتر بعلمه، وجهل أن سبب هلاك قارون إنكاره نعمة الله عليه فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١).
قوله: «الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا، فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ».
منها ما أرشد إليه الرسول ﷺ بقوله: «خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة، وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا، ويحمده عشرا، ويكبره عشرا، فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أوى إلى فراشه يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر أربعا وثلاثين، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان "، قال رسول الله ﷺ : «فأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ " (٢)، وعن أبي هريرة؛ أنه قال: " من سبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، وحمد ثلاثا وثلاثين، وختمالمائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر" (٣)، وهذا له حكم الرفع؛ لأنه ليس مما يقال بالرأي.
стр. 512
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣١ - بابٌ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ إِذَا أَصَابَ الْمَعْنَى (١)
٣٢٤ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنِي مَعْنٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ
الأَسْقَعِ قَالَ: " إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهُ فَحَسْبُكُمْ " (٢).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، ثقة إمام تقدم، ومَعْن، هو ابن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود إمام ثقة تقدم، ومُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، هو ابن حدير، صدوق له أوهام، والْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ، هو الحضرمي أبو وهب، عالم الشام بعد مكحول، فقيه ثقة، ومَكْحُولٍ، إمام ثقة تقدم، ووَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، هو الصحابي الجليل ﵁، كان من أصحاب الصفة ﵃.
الشرح:
قوله: «إِذَا حَدَّثْنَاكُمْ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَعْنَاهُ فَحَسْبُكُمْ».
فيه جواز رواية الحديث بالمعنى الذي يرادف الألفاظ، ولا يصرف الحديث عن معناه الأصلي.
стр. 513
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٥ - (٢) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: " أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ لَمْ يُقَدِّمْ وَلَمْ يُؤَخِّرْ، وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ قَدَّمَ وَأَخَّرَ" (١).
رجال السند:
عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو اليربوعي، لابأس به تقدم، وفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ،
هو التميمي، أبو علي الخراساني، إمام ثقة قدوة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، وابْنُ سِيرِينَ، هو محمد من سادات التابعين تقدم.
الشرح:
قوله: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ لَمْ يُقَدِّمْ وَلَمْ يُؤَخِّر».
المراد أنه على مذهب من لا يجيز الرواية بالمعنى، ويلتزم رواية النص بحروفه من غير زيادة ولا نقص، ولا تقديم ولا تأخير.
قوله: «وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا حَدَّثَ قَدَّمَ وَأَخَّر».
المراد أنه يجيز الرواية بالمعنى، ويجيز التقديم في النص والتأخير، والزيادة والنقص بما لا يغير المعنى، مستنيرا بأسلوب قصص الأنبياء في القرآن من حيث التطويل والاختصار، والتقديم والتأخير، والمعنى واحد لم يتغير.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٢٦ - (٣) أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ:
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ، وَلَمْ يُجَاوِزْهُ وَلَمْ يُقَصِّرْ عَنْهُ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد، هو ابن أبي خلف إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، هو الغنوي أبو بكر الكوفي، إمام ثقة روى له الستة، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، هو الباقر إمام ثقة تقدم، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، هو ابن قتادة أبو عاصم المكي، إمام ثقة روى له الستة، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄.
الشرح:
فيه أن عبيد الله يرى جواز الرواية بالمعنى، ولا يرى ذلك ابن عمر ﵄.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٨ - (٥) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: " كَانَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ يُحَدِّثُونَ بِالْحَدِيثِ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا (٢)، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ حَدَّثُوا بِهِ كَمَا سَمِعُوهُ كَانَ خَيْراً لَهُمْ " (٣).
стр. 516
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج إمام ثقة تقدم، وابْنُ عُلَيَّةَ، هو إسماعيل إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَوْنٍ، هو عبد الله إمام ثقة تدم، والشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، هم أئمة ثقات تقدموا.
الشرح:
المراد أن الثلاثة ﵏ يرون جواز الرواية على الأصل، وجوازها بالمعنى، ولا يرى ابن سيرين ﵀، جواز الرواية بالمعنى، ولذلك قال: " أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ حَدَّثُوا بِهِ كَمَا سَمِعُوهُ كَانَ خَيْراً لَهُمْ ".
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢٩ - (٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا عَثَّامٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ
ابْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: " إِنِّي لأَسْمَعُ الْحَدِيثَ لَحْناً فَأَلْحَنُ اتِّبَاعاً لِمَا سَمِعْتُ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، هو ابن كريب أبو كريب الكوفي، إمام ثقة روى له الستة، وعَثَّامٌ، هو ابن علي إمام ثقة تقدم، والأَعْمَشُ، هو سليمان إمام ثقة تقدم، وعُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ، هو التميمي ثقة تقدم، وأَبو مَعْمَرٍ، هو عبد الله ابن سخبرة، أزدي تابعي إمام ثقة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فقد تم بفضله وعونه الجزء الأول من شرح مسند الدارمي، بعد صلاة المغرب ليلة الثلاثاء ٨/ ٣/ ١٤٣٩ هـ
стр. 517
في منزلي بالمدينة النبوية على ساكنها نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام، وصاحبيه المجاورين له أبي بكرو عمر عليهما سلام الله ورضوانه.
ويلي هذا الجزء الثاني أوله: ٣٢ - بابٌ فِي فَضلِ الْعِلمِ وَالْعَالِمِ (١)
٣٣٠ - (١).
стр. 518
شرح مسند الدارمي
الجزء الثاني
شرح وتوثيق
الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني
المصدر
المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه المأثورة
تأليف الإمام الحافظ الناقد أبي محمد
عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي ﵀
(١٨١ - ٢٥٥ هـ)
стр. 519
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٢ - بابٌ فِي فَضلِ الْعِلمِ وَالْعَالِمِ (١)
٣٣٠ - (١) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: " رَأَى مُجَاهِدٌ طَاوُساً فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ فِي الْكَعْبَةِ يُصَلِّى مُتَقَنِّعاً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى باب الكعبة فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اكْشِفْ قِنَاعَكَ وَأَظْهِرْ قِرَاءَتَكَ. قَالَ: فَكَأَنَّهُ عَبَّرَهُ عَلَى الْعِلْمِ، فَانْبَسَطَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ " (٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو النيسابوري إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام
ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ هو الطائفي، كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، إمام ثقة روى له الستة، ومُجَاهِدٌ، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم، وطَاوُسُ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «اكْشِفْ قِنَاعَكَ وَأَظْهِرْ قِرَاءَتَكَ».
ذكروا أن مجاهدا ﵀ كان قليل التحديث، لا يكثر الرواية، فاتسعت روايته بعد الرؤيا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣١ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ مُتَعَلِّمَ خَيْرٍ أَوْ مُعَلِّمَهُ " (٣).
стр. 520
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو ابن أبي شيبة إمام ثقة تقدم، وابْنُ يَمَانٍ، هو يحيى أبو زكريا المقرئ، صدوق تقدم، وابْنُ ثَوْبَانَ، هو عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان الدمشقي، يعتبر بحديثه، وأَبوه، هو ثابت بن ثوبان الدمشقي، ثقة من أصحاب مكحول، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ، هو السلولين، أخو عاصم ثقة، وكَعْبٍ، هو المشهور بكعب الأحبار ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا».
المراد بلعنها طرد ما فيها من المتاع والشهوات، إذ أبغضها الله وحقرها وأبغضها رسول الله ﷺ : فقال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (١).
قوله: «إِلاَّ مُتَعَلِّمَ خَيْرٍ أَوْ مُعَلِّمَهُ».
هذا استثناء من بغض ما فيها إلا ما كان من عمل يقرب من الله من العبادات وتعلم الخير وتعليمه، فذاك مما أحبه الله ورسوله ودعا إليه وأمر به عباده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٢ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ بَحِيرٍ (٢)، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: " النَّاسُ عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِ " (٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو الثقفي، أبو يوسف صدوق يخطئ تقدم، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن إمام ثقة تقدم، وبَحِيرٌ، هو ابن سعد ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، هو الحمصي، إمام ثقة جليل تقدم.
стр. 521
الشرح:
تقدم عن ابن مسعود ﵁ ما يؤيد هذا وتم شرحه بما أغنى عن الإعادة، فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٣ - (٤) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: " مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ (١) فِي الإِسْلَامِ، لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ " (٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، هو إمام ثقة تقدم قريبا، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، هو المكي أبو عمران البصري، إمام ثقة، روى له الستة عدا البخاري، وربما وهم إذا حدث من حفظه، وهِشَامٌ، هو ابن حسان، والْحَسَنُ، هو البصري، هما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
تقدم رقم ٩٨، في ضمنه ما يؤيد هذا؛ لأن العلماء سياج للأمة، فموت العالم الرباني خرم في السياج، وثغرة لا يسد مكانها أحد، وما كل عالم رباني، بل المراد الصفوة من العلماء كشيخنا عبد العزيز بن باز في هذا العصر، وشيخنا محمد الأمين الشنقيطي، وشيخنا حماد الأنصاري، والشيخ الألباني ﵏ وجمعنا بهم في الفردوس الأعلى من الجنة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٤ - (٥) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ الصَّنْعَانِيُّ، ثَنَا مُنْذِرٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: " مَجْلِسٌ يُتَنَازَعُ فِيهِ الْعِلْمُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ قَدْرِهِ صَلَاةً، لَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَنْتَفِعُ بِهَا سَنَةً، أَوْ مَا بَقِىَ مِنْ عُمُرِهِ " (٣).
رجال السند: يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو التستري إمام ثقة تقدم، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، هو الرازي، أبو إسحاق التميمي، إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّنْعَانِيُّ،
стр. 522
هو الأبناوي ليس بالقوي، روى له أبو داود في المراسيل، وليس له عند الدارمي سوى هذا، مُنْذِرٌ، هو ابن النعمان ثقة أحد أفراد الدارمي، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، هو الذماري أبو عبد الله إخباري إمام ثقة، له في البخاري حديث في كتابة الحديث عن أبي هريرة ﵁ (١).
الشرح:
فيه الحث على مجالس العلم، والتحاور فيه لتّفقه فذلك خير من قدر وقت المجلس يقضيه في صلاة نافلة؛ لأن علما يستفيده في مجلس العلم قد ينتفع به دهرا يعمل به أو يعلمه غيره.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٥ - (٦) أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا وَكِيعٌ قَالَ: " قَالَ سُفْيَانُ: مَا أَعْلَمُ عَمَلاً أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَحِفْظِهِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ " (٢).
رجال السند:
يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الدورقي إمام ثقة تقدم، ووَكِيعٌ، هو ابن الجراح إمام جليل ثقة، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
تقدم البيان ضمن رقم ٢٥٥، ٢٦٤، فأغنى عن الإعادة فلينظر، والمراد بقول سفيان ﵀: «مَا أَعْلَمُ عَمَلاً أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ» علم الحديث، وكذلك قول الحسن ابن صالح التالي المراد به علم الحديث.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٦ - (٧) قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: " إِنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ فِي دِينِهِمْ، كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي دُنْيَاهُمْ ".
رجال السند:
تقدموا آنفا والقائل هو وكيع ﵀، والحسن بن صالح، هو ابن حي الهمداني، أبو عبد الله الكوفي إمام عابد ثقة.
стр. 523
الشرح:
قوله: «إِنَّ النَّاسَ لَيَحْتَاجُونَ إِلَى هَذَا الْعِلْمِ فِي دِينِهِمْ، كَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي دُنْيَاهُمْ» وهو بالسند السابق.
المراد علم السنة، فإنها زادت أحكاما على ما في الكتاب العزيز، وهي قاضية على الكتاب ومبينة له، قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)، فهي من الأهمية في الدين، كأهمية الطعام والشراب لحياة الإنسان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٧ - (٨) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَا: ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: " قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ قَبْضَ الْعِلْمِ قَبْضُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ " (٢).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، إمام ثقة تقدم، وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي إمام ثقة تقدم، ومِسْعَرٌ، هو ابن كدام إمام ثقة تقدم، وعَمْرُو ابْنُ مُرَّةَ، هو أبو عبد الله الكوفي، ثقة إمام تقدم، وسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، هو الكوفي، ثقة دلس الرواية عن عمر وعلي ﵄، وأَبُو الدَّرْدَاءِ، هو عويمر ﵁.
الشرح:
تقدم من طريق عن سالم به برقم ٢٥٤، وتم البيان فغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٣٨ - (٩) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣) قَالَ: " حَقٌّ عَلَى كُلِّ من قرأ الْقُرْآنَ أَنْ يَكُونَ
стр. 524
فَقِيهاً " (١).
رجال السند:
هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، هو الأشعري صدوق تقدم، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، هو النخعي إمام ثقة تقدم، وأَبو عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ، هو ميمون سكت عنه الإمامان، وقال ابن حجر ﵀: مستور، والضَّحَّاكُ، هو ابن مزاحم الهلالي، ثقة أرسل روايته التفسير عن ابن عباس ﵁.
الشرح:
استدل الضحاك ﵀ بالآية على استحقاق الفقه بالقرآن؛ لأن المطلوب ممن يقرأ القرآن أن يتدبر معانيه، ودلائله ومقاصده، وبذلك يكون ربانيا؛ لأنه ربَّى نفسه على فهم المسائل العلمية الجلية الواضحة، وفقه فيما دق منها على التفصيل، فإن العلم يورث الفقه، والفقه يورث الحلم، فاستحق أن يقال له:
رباني بما علِم وعلَّم وبما درس، فصار حليما حكيما.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣٩ - (١٠) أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ (٢) قَالَ: " الْحُكَمَاءُ الْعُلَمَاءُ " (٣).
رجال السند:
هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وحَفْصٌ، إمامان ثقتان تقدما آنفا، وأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، هو الكندي ضعيف، وضعفه محتمل في مثل هذا، والْحَسَن، هو البصري إمام ثقة تقدم.
الشرح: انظر السابق، وانظر التالي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٤٠ - (١١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ (٤) قَالَ:
стр. 525
" عُلَمَاءُ فُقَهَاءُ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو الفزاري لابأس به تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد ثقة إمام تقدم، وعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، هو أبو محمد الثقفي، صدوق اختلط، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، هو شهيد الحجاج إمام ثقة.
الشرح: انظر ما تقدم آنفا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤١ - (١٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: " يُرَادُ لِلْعِلْمِ الْحِفْظُ وَالْعَمَلُ وَالاِسْتِمَاعُ وَالإِنْصَاتُ
وَالنَّشْرُ " (٢).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو اليشكري، أبو قدامة السرخْسي، وهو أول من نشر السنة بها، إمام ثقة، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
هذه مراحل تعلم العلم، وفيها لفّ ونشر غير مرتب، والترتيب يقتضي أن تكون المرحلة الأولى الإنصات بين يدي المعلم، وتليه الثانية الاستماع والمراد منه للإصغاء، ويلي ذلك حفظ ما سمع واتقانه، يلي ذلك العمل بما علم، ثم نشره في الناس ودعوتهم إليه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٢ - (١٣) قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أحمد بن مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: " أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ، وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعُهُمْ لِلَّه ".
стр. 526
قوله: " قال: وأخبرني " القائل هو عبيد الله بن سعيد، تقدم أنفا، وقوله: " وأخبرني أحمد " في النسخ الخطية (محمد) وقد نبه عليه صاحب فتح المنان، وصوبه من نسخت كُتِبت سنة (٨٠٠) رمزلها (م - م) وهي النسخة التي قوبلت عليها نسخة صديق حسن خان التي نسخها بيده في (٢٠/ ٣/ ١٢٨٠) هـ (فتح المنان ٣/ ٢٦) وانظر تحقيقي لمسند الدارمي.
رجال السند:
أحمد بن مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن حنبل إمام السنة وشيخ الإسلام رابع الأئمة رأس في العلم والعمل، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: " قال" القائل هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، فهو موصول بالسند السابق.
قوله: «أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ»؛ لأنه يكون عالة على غيرة من العلماء، ويكون خطأه في دينه ودنياه أكثر من صوابه.
قوله: «وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ».
لأنه أعقلهم أيضا؛ ولأنه عقل أنه مسؤول عن علمه ماذا عمل به، فالعلم شجرة والعمل ثمرة.
قوله: «وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعُهُمْ لِلَّه » وفي نسخة " وأخشاهم "؛ لأن
الله قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، والخشية هي منتهى الخوف والمراقبة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٣ - (١٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ
- هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ -، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (٢) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ،
стр. 527
يُفْشِى اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيراً وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيراً" (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، هو أبو عبد الرحمن القرشي، ثقة روى له الستة، وعُبَيْدُاللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو، هو أبو وهب الرقي، إمام ثقة تقدم، وزَيْدُ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، هو أبو أسامة الرهاوي، كان عالما فقيها، إماما ثقة روى له الستة، وسَيَّارُ، هو أبو الحكم العنزي، إمام ثقة روى له الستة، والْحَسَنُ، هو البصري من كبار التابعين إمام ثقة تقدم.
الشرح:
كأن الحسن ﵀ أراد شرح قول رسول الله ﷺ : «منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم، وطالب الدنيا» (٢)، فقال ﵀: " مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (٣) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ، يُفْشِي اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيراً وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيراً "
والمنهوم هو الأكولة الذي يملأ بطنه من الطعام ولا تزال هيئته نطلب المزيد، فهو لا يشبع من الطلب، فمنهوم العلم محمود لحرصه والزيادة فيه تنفع ولا تضر؛ لأن همه الآخرة، وندمه على التفريط كبير، ونتيجة هذا أن الله يكفيه كسبه ويجعل غناه في قلبه، ومنهوم الدنيا لا يشبع منها والزيادة منه قد تضر ولا تنفع؛ لأنه مسئول عن مكاسبه، عن مداخلها ومخارجها، ونتيجة ذلك أن الله يوسع عليه كسبه ويجعله دائما لا يرى إلا أنه فقير يطلب المزيد، كثير الولع والهلع بالدنيا، ويؤيد هذا قول رسول الله ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٤).
стр. 528
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٤ - (١٥) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَعَبْدُاللَّهِ ﵁: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ: فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ " (١). ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢) وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣).
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي إمام ثقة تقدم، وأَبُو عُمَيْسٍ، هو عتبة بن عبد الله ابن عتبة المسعودي، ثقة روى له الستة، وعَوْنٌ، هو ابن عبد الله ابن عتبة الكوفي، أبو عبد الله الهذلي، ثقة وروايته عن عبد الله بن مسعود مرسلة، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁.
الشرح:
تقدم آنفا نحو هذا عن الحسن البصري ﵀، فأغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٥ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ الأَزْهَرِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) قَالَ: " مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ " (٥).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، هو الرازي فيه كلام، والذي يظهر أنه لابأس به، وعَنْبَسَةُ بن
стр. 529
الأَزْهَرِ، هو الشيباني أبو يحيى، قاضي الري وجرجان لابأس به، وسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، هو صدوق من أقواله: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد علي بصري، عِكْرِمَةَ، إمام تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ، هو عبد الله ﵄.
الشرح: أنظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٦ - (١٧) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاووُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا " (١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، هو الأودي إمام ثقة تقدم، عَنْ لَيْثٍ، هو ابن أبي سليم، يقبل في المتابعات والشواهد تقدم، وطَاووُسٌ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
انظر ما تقدم برقم ٣٤١، وما بعده فقد أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٧ - (١٨) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ ابْنُ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الأَجْرِ» (٢).
رجال السند: مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، نسبة لصنعاء الشام، أبو كامل الدمشقي، يقبل في الترغيب والترهيب، وهو من أفراد الدارمي، ورَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، هو الإيادي إمام ثقة تقدم، وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ ﵁.
стр. 530
الشرح:
في هذا بشارتان: الأولى لمن طلب العلم بإخلاص حتى استحق أن يقال: إنه عالم؛ لأنه أدرك غايته منه، فهذا له أجران؛ أجر الطلب وإدراك العلم النافع، والبشارة الثانية لمن طلب العلم واجتهد في التحصيل، ولم يدرك أن يقال: إنه من العلماء، فله أجر السعي في الطلب والاجتهاد في ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٨ - (١٩) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ عَبَّاسٍ (١) الْعَمِّيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ (٢) ﵇ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي تَعَالَيْتَ فَوْقَ عَرْشِكَ، وَجَعَلْتَ خَشْيَتَكَ عَلَى مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، فَأَقْرَبُ خَلْقِكَ مِنْكَ مَنْزِلَةً أَشَدُّهُمْ لَكَ خَشْيَةً، وَمَا عِلْمُ مَنْ لَمْ يَخْشَكَ، أَوْ مَا حِكْمَةُ مَنْ لَمْ يُطِعْ أَمْرَكَ (٣).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، إمام ثقة تقدم، ومَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، الفزاري أبو عبد الله قيل: إنه يدلس بالتسوية، إمام ثقة روى له الستة، وعَوْفُ، هو ابن أبي جميلة الأعرابي، روى له الستة، رمي بالتشيع والقدر، وعَبَّاسُ الْعَمِّيُّ، هو من أفراد الدارمي، ولا يقدح عدم معرفته في مثل هذا.
وهذا دعاء طيب من نبي طيب هو داود ﵇.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٩ - (٢٠) أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا سَلاَّمٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْهَزْهَازِ يُحَدِّثُ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً، وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَاهُمَا.