قوله: " قال: وأخبرني " القائل هو عبيد الله بن سعيد، تقدم أنفا، وقوله: " وأخبرني أحمد " في النسخ الخطية (محمد) وقد نبه عليه صاحب فتح المنان، وصوبه من نسخت كُتِبت سنة (٨٠٠) رمزلها (م - م) وهي النسخة التي قوبلت عليها نسخة صديق حسن خان التي نسخها بيده في (٢٠/ ٣/ ١٢٨٠) هـ (فتح المنان ٣/ ٢٦) وانظر تحقيقي لمسند الدارمي.
رجال السند:
أحمد بن مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن حنبل إمام السنة وشيخ الإسلام رابع الأئمة رأس في العلم والعمل، وسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: " قال" القائل هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، فهو موصول بالسند السابق.
قوله: «أَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ مَا يَعْلَمُ»؛ لأنه يكون عالة على غيرة من العلماء، ويكون خطأه في دينه ودنياه أكثر من صوابه.
قوله: «وَأَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ».
لأنه أعقلهم أيضا؛ ولأنه عقل أنه مسؤول عن علمه ماذا عمل به، فالعلم شجرة والعمل ثمرة.
قوله: «وَأَفْضَلُ النَّاسِ أَخْشَعُهُمْ لِلَّه » وفي نسخة " وأخشاهم "؛ لأن
الله قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، والخشية هي منتهى الخوف والمراقبة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٣ - (١٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ
- هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ -، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (٢) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ،
стр. 527
يُفْشِى اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيراً وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيراً" (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، هو أبو عبد الرحمن القرشي، ثقة روى له الستة، وعُبَيْدُاللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو، هو أبو وهب الرقي، إمام ثقة تقدم، وزَيْدُ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، هو أبو أسامة الرهاوي، كان عالما فقيها، إماما ثقة روى له الستة، وسَيَّارُ، هو أبو الحكم العنزي، إمام ثقة روى له الستة، والْحَسَنُ، هو البصري من كبار التابعين إمام ثقة تقدم.
الشرح:
كأن الحسن ﵀ أراد شرح قول رسول الله ﷺ : «منهومان لا يشبعان طالبهما: طالب علم، وطالب الدنيا» (٢)، فقال ﵀: " مَنْهُومٌ في الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا، فَمَنْ تَكُنِ الآخِرَةُ هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ (٣) يَكْفِي اللَّهُ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَمَنْ تَكُنِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَبَثَّهُ وَسَدَمَهُ، يُفْشِي اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَجْعَلُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ لَا يُصْبِحُ إِلاَّ فَقِيراً وَلَا يُمْسِي إِلاَّ فَقِيراً "
والمنهوم هو الأكولة الذي يملأ بطنه من الطعام ولا تزال هيئته نطلب المزيد، فهو لا يشبع من الطلب، فمنهوم العلم محمود لحرصه والزيادة فيه تنفع ولا تضر؛ لأن همه الآخرة، وندمه على التفريط كبير، ونتيجة هذا أن الله يكفيه كسبه ويجعل غناه في قلبه، ومنهوم الدنيا لا يشبع منها والزيادة منه قد تضر ولا تنفع؛ لأنه مسئول عن مكاسبه، عن مداخلها ومخارجها، ونتيجة ذلك أن الله يوسع عليه كسبه ويجعله دائما لا يرى إلا أنه فقير يطلب المزيد، كثير الولع والهلع بالدنيا، ويؤيد هذا قول رسول الله ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٤).
стр. 528
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٤ - (١٥) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَعَبْدُاللَّهِ ﵁: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ: فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ " (١). ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢) وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣).
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي إمام ثقة تقدم، وأَبُو عُمَيْسٍ، هو عتبة بن عبد الله ابن عتبة المسعودي، ثقة روى له الستة، وعَوْنٌ، هو ابن عبد الله ابن عتبة الكوفي، أبو عبد الله الهذلي، ثقة وروايته عن عبد الله بن مسعود مرسلة، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁.
الشرح:
تقدم آنفا نحو هذا عن الحسن البصري ﵀، فأغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٥ - (١٦) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ الأَزْهَرِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) قَالَ: " مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ " (٥).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، وإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُخْتَارٍ، هو الرازي فيه كلام، والذي يظهر أنه لابأس به، وعَنْبَسَةُ بن
стр. 529
الأَزْهَرِ، هو الشيباني أبو يحيى، قاضي الري وجرجان لابأس به، وسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، هو صدوق من أقواله: أدركت ثمانين من أصحاب النبي ﷺ وكان قد ذهب بصري، فدعوت الله فرد علي بصري، عِكْرِمَةَ، إمام تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ، هو عبد الله ﵄.
الشرح: أنظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٦ - (١٧) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاووُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا " (١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، هو الأودي إمام ثقة تقدم، عَنْ لَيْثٍ، هو ابن أبي سليم، يقبل في المتابعات والشواهد تقدم، وطَاووُسٌ، هو ابن كيسان إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
انظر ما تقدم برقم ٣٤١، وما بعده فقد أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٧ - (١٨) أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ ابْنُ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الأَجْرِ» (٢).
رجال السند: مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ، نسبة لصنعاء الشام، أبو كامل الدمشقي، يقبل في الترغيب والترهيب، وهو من أفراد الدارمي، ورَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، هو الإيادي إمام ثقة تقدم، وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ ﵁.
стр. 530
الشرح:
في هذا بشارتان: الأولى لمن طلب العلم بإخلاص حتى استحق أن يقال: إنه عالم؛ لأنه أدرك غايته منه، فهذا له أجران؛ أجر الطلب وإدراك العلم النافع، والبشارة الثانية لمن طلب العلم واجتهد في التحصيل، ولم يدرك أن يقال: إنه من العلماء، فله أجر السعي في الطلب والاجتهاد في ذلك.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٨ - (١٩) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ عَبَّاسٍ (١) الْعَمِّيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ (٢) ﵇ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي تَعَالَيْتَ فَوْقَ عَرْشِكَ، وَجَعَلْتَ خَشْيَتَكَ عَلَى مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، فَأَقْرَبُ خَلْقِكَ مِنْكَ مَنْزِلَةً أَشَدُّهُمْ لَكَ خَشْيَةً، وَمَا عِلْمُ مَنْ لَمْ يَخْشَكَ، أَوْ مَا حِكْمَةُ مَنْ لَمْ يُطِعْ أَمْرَكَ (٣).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِى شَيْبَةَ، إمام ثقة تقدم، ومَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، الفزاري أبو عبد الله قيل: إنه يدلس بالتسوية، إمام ثقة روى له الستة، وعَوْفُ، هو ابن أبي جميلة الأعرابي، روى له الستة، رمي بالتشيع والقدر، وعَبَّاسُ الْعَمِّيُّ، هو من أفراد الدارمي، ولا يقدح عدم معرفته في مثل هذا.
وهذا دعاء طيب من نبي طيب هو داود ﵇.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤٩ - (٢٠) أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا سَلاَّمٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْهَزْهَازِ يُحَدِّثُ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً، وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَاهُمَا.
стр. 531
رجال السند:
الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، هو العمي أبو الهيثم البصري، إمام ثقة متقن روى له الستة، وسَلاَّمٌ ابْنُ أَبِي مُطِيعٍ، هو البصري أبو سعيد الخزاعي، ثقة تكلموا في حديثه عن قتادة، روى له الشيخان في الصحيح، وأَبَو الْهَزْهَازِ، هو نصر بن زياد العجلي، سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس، وهو من أفراد الدارمي، وله عنده هذا فقط، والضَّحَّاكُ، هو ابن مزاحم ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁.
الشرح:
الحديث في سنده أبو الهزهاز نصر بن زياد العجلي: سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٨/ ٤٦٥) وذكره ابن حان في (الثقات ٥/ ٤٧٦)، وانظر: القطوف رقم (٢٣٩/ ٣٤٢). تقدم ضمن رقم ٢٥٥ - (١٠) وتم البيان بما أغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٠ - (٢١) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا الْوَلِيدُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِى كَافِراً إِلاَّ مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ».
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو ثقة أثنى عليه الإمام أحمد تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو أبو العباس دمشقي كثير تدليس التسوية، ثقة إذا سلم من ذلك تقدم، والْوَلِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، هو القرشي أبو عبد الرحمن، ثقة أثنى عليه أبو حاتم، وعَلِىُّ بْنُ يَزِيدَ، هو الألهاني ضعيف تقبل روايته في الترغيب والترهيب، والْقَاسِمُ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو ابن عبد الله ابن مسعود، وأَبو أُمَامَةَ ﵁.
الشرح:
المراد بالفتنة: الاختلاف الذى يكون بين أهل الإسلام ولا إمام لهم مجتمع على الرضا بإمامته، لما يستنكر من سيرته في رعيته، فافترقت رعيته عليه حتى صار افتراقهم إلى القتال لمّا رضيت منهم فرقة إماما غيره، وأقامت فرقة على الرضا به، قالوا: وهى التي أمر النبى ﷺ بكسر السيوف فيها ولزوم البيوت، وهي التي قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي،
стр. 532
والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» (١)، وهي فتن لا تخص زمان دون آخر، بل هي دول في كل زمان إلى قيام الساعة، وممن قعد في الفتنة حذيفة، ومحمد بن سلمة، وأبو ذر، وعمران ابن حصين، وأبو موسى الأشعري، وأسامة بن زيد، وأهبان ابن صيفي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو بكرة ﵃، ومن التابعين؛ شريح القاضي، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين وغيرهم ﵏، والواجب على الناس إذا اقتتل حزبان من المسلمين بهذه الصفة ترك معاونة أحدهما على الآخر وعليهم لزوم البيوت، كما أمر النبي ﷺ أبا ذر، ومحمد بن سلمة، وعبد الله بن عمر، ومن تقدم ذكرهم ﵃، ولكن من اعتزل الفريقين ودّخِل عليه منزله، وأتى من يريد نفسه، فعليه دفعه عن نفسه، وإن أتى الدفع على نفسه، عملا بإباحة الدفع عن النفس في الأخبار الواردة عن النبي ﷺ في قوله: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (٢)، وكذلك من قتل دون أهله عملا بقوله ﷺ : «من قاتل دون نفسه حتى يقتل فهو شهيد، ومن قاتل دون أهله حتى يقتل، فهو شهيد، ومن قتل في حب الله فهو شهيد» فالواجب على كل من أريدت نفسه وماله ظلما دفع ذلك ما وجد إليه السبيل، متأولا كان المريد أو معتمدا للظلم؛ لأن ذلك عندهم ظلم وعلى كل أحد دفع الظلم عن نفسه بما قدر عليه، والحديث في سنده علي بن يزيد الألهاني: صاحب القاسم، ضعيف، وأخرجه ابن ماجة (٩) حديث (٣٩٥٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥١ - (٢٢) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قال: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً، وَلَا تَغْدُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ جَاهِلٌ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْسُطُ (٣) أَجْنِحَتَهَا لِلرَّجُلِ غَدَا يَبْتَغِى الْعِلْمَ مِنَ الرِّضَا بِمَا يَصْنَعُ " (٤).
стр. 533
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس إمام ثقة تقدم، والأَوْزَاعِىُّ، هو عبد الرحمن إمام ثقة تقدم، وهَارُونُ بْنُ رِئَابٍ، هو البصري قليل الرواية جدا، ثقة زاهد، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁.
الشرح:
تقدم ضمن رقم ٢٥٥، ورقم ٢٥٦، ورقم ٣٤٨، وتقدم البيان بما أغنى عن الإعادة فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٢ - (٢٣) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ (١) قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِماً يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، وَالآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّى الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ، عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ رَجُلاً» (٢).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، والأَوْزَاعِيُّ، تقدما آنفا، والْحَسَن، هو البصري تقدم.
الشرح: تقدم برقم ٢٩٦، وتم البيان فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٣ - (٢٤) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَمَيَّلْتُ (٣) إِلَى أَيِّهِمَا أَجْلِسُ؟ فَنَعَسْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فَقَالَ: مَيَّلْتَ (٤) إِلَى أَيِّهِمَا تَجْلِسُ؟ إِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مَكَانَ جِبْرِيلَ مِنْ حُمَيْدِ
стр. 534
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " (١).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، هو البجلي ثقة من كبار شيوخ مسلم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، هو العباداني أبو عاصم البصري، ليس به بأس من أفراد الدارمي، والْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ، هو أبو سلمة البصري، لابأس به روى عنه عبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وابْنُ سِيرِينَ، محمد من أئمة التابعين، والأسْوَدُ بْنُ سَرِيْعٍ، هو السعدي أبو عبد الله المنقري، صابي غزا أربع غزوات، ولعله كان يقصها في مسجد البصرة، إذ كان أول قاص في البصرة، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هو فقيه البصرة، تابعي ثقة، أثنى عليه ابن سيرين تقدم.
الشرح:
المراد أن الحسن البصري ﵀ تردد إلى أي المجلسين يميل، وقوله: " فَنَعَسْتُ " القصة مختصرة، فصلت فيما روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وأنه مال إلى حلقة الفقه، فلما رجع إلى بيته نام فرأى من بين له الأفضل من المجلسين، وهو مجلس حميد الذي يتكلم في الفقه وحضره جبريل ﵇، وفي هذا بيان أن التفقه في الدين أفضل من سماع أحداث الغزوات لما في ذلك من بيان الحلال والحرام.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٤ - (٢٥) أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ عَاصِمِ ابْنِ رَجَاءِ ابْنِ حَيْوَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: " كُنْتُ جَالِساً مَعَ أَبِى الدَّرْدَاءِ ﵁ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ (٢) غَيْرُهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ
стр. 535
لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ (١) - أَوْ (٢) بِحَظٍّ وَافِرٍ».
رجال السند:
نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، هو الجهضمي أبو عمرو البصري، إمام ثقة قدوة، روى له الستة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، هو الخريبي أبو عبد الرحمن الشعبي، إمام ثقة عابد روى له الستة عدا مسلم، وعَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، هو الفلسطيني لابأس به، ودَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، هو مجهول، وكَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ ضعيف، وهم فيه محمد بن يزيد الواسطي، فقال: قيس ابن كثير، وأَبو الدَّرْدَاءِ ﵁.
الشرح:
قوله: «فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
كانت الرحلة في طلب الحديث من غايات طلب العلم بدأت في عهد الصحابة واستمرت دهرا إلى آخر عصر الرواية، ومن فوائدها استيثاق الرواية، وعلو السند إليها، وبعد عصر الرواية بقيت للتبرك ولو حصل منها علو في السند، لكن ما بعد عصر الرواية لا يخضع للجرح والتعديل، لنضوج ذلك في عصر الرواية واستقرار أقوال أئمة الجرح والتعديل ﵏، وقد رحل جابر بن عبد الله ﵁ إلى عبد الله بن أنيس لطلب حديث واحد، واستغرقت رحلته شهرا كاملا، وكذلك رحل زر بن حبيش إلى صفوان ابن عسال ليسأله عن المسح على الخفين.
стр. 536
قوله: «قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَلَا جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لا».
سأله عن النية والقصد، فبين له أنه لم يخرج لحاجة سوى العلم، ولهذا عظم الأجر، لأهمية طلب العلم والإخلاص فيه، وهذا مما يندرج تحت الخروج في سبيل الله ﷺ ، ولذلك أخبره أبو الدرداء فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ بِهِ عِلْماً سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ».
المراد أن من سار في طريق إلى مجالس العلم، وفقه الله ليسلك بالعلم طريقا يوصله إلى الجنة، والمراد بالعلم علم الشريعة.
قوله: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ».
المراد أنها تتواضع إجلالا لطالب العلم، وإكراما لما هو فيه من العمل. قوله: «وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ».
هذا من تعظيم طلب العلم، وعظم الله طالبه وكرمه، وجعل هذه المخلوقات تجله وتستغفر له، لجلالة ما هو فيه من العمل، ولذلك قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (١)، فالصلاة من الله الرحمة والبركة، ومن الملائكة وغيرهم الدعاء والاستغفار.
قوله: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ النُّجُومِ». في هذا بيان مكانة العالم وتميزه عن العابد وتقدم قوله ﷺ برقم ٢٩٦ - (٢): «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢)، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ، يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ» (٣).
قوله: «إنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلَا دِرْهَماً، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».
стр. 537
لأن الأنبياء ﵈ هم أنصح الخلق للأمم ولذلك قال الله لأمة محمد ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
قال الحسن البصرى ﵀: ما زال لله ناس ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله عليهم، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض.
وقال الآجري ﵀: والنصيحة لرسول الله على وجهين: فنصيحة من صاحبه وشاهده، ونصيحة من لم يره.
فأما صحابته، فإن الله شرط عليهم أن يعزروه ويوقروه وينصروه، ويعادوا فيه القريب والبعيد، وأن يسمعوا له ويطيعوا، وينصحوا كل مسلم، فوفوا بذلك وأثنى الله عليهم به.
وأما نصيحة من لم يره: فأن يحفظوا سنته على أمته وينقلوها ويعلموا الناس شريعته ودينه ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر، فإذا فعلوا ذلك فهم ورثة الأنبياء.
ويذكر عن أبي هريرة ﵁ أنه مر يوما في السوق بقوم مشتغلين بتجاراتهم فقال: " أنتم هاهنا، وميراث رسول الله ﷺ يقسم في المسجد؟ فقاموا سراعا إليه فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذكر ومجالس العلم فقالوا: أين ما قلت يا أبا هريرة؟، فقال: هذا ميراث محمد ﷺ يقسم بين ورثته، وليس من ميراثه دنياكم.
قوله: «وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».
لأنه السبيل الصحيح لإظهار الإسلام ونشر الأحكام، والعلم بأحوال الظاهر والباطن على تباين أجناسه واختلاف أنواعه.
قوله: «فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظِّهِ، أَوْ بِحَظٍّ وَافِر».
أي: العلم من أخذ به أخذ نصيبا تاما لا حظ أوفر منه خيرا وبركة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٥٥ - (٢٦) حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ" (٢).
стр. 538
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، هو أبو عبد الله الثغري، لابأس به تقدم، وأَبو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، هو إبراهيم بن محمد إمام ثقة شديد على أهل البدع، والأَعْمَشُ، هو سليمان بن مهران إمام ثقة تقدم، وشِمْرُ بْنُ عَطِيَّةَ، هو الأسدي ثقة له أحاديث صالحة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، شهيد الحجاج تابعي إمام ثقة تقدم، وابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
انظر رقم ٣٥٣، فقد تقدم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٦ - (٢٧) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقاً يَطْلُبُ فِيهِ عِلْماً إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، وزَائِدَةُ، والأَعْمَشُ، وأَبو صَالِحٍ، هو ذكوان، تقدموا جميعا وهم أئمة ثقات، وأَبو هُرَيْرَةَ ﵁.
الشرح:
انظر رقم ٣٥٣ - (٢٤) فقد تقدم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٧ - ٢٨) حدثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ يَعْقُوبَ - هُوَ الْقُمِّيُّ -، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ الْعِلْمَ إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" (٢).
стр. 539
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله الأشعري، لابأس به، وهَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ، هو الشيباني أبو عبد الرحمن الكوفي، لابأس به، وتجتب رواية ابنه عبد القدوس عنه، وأَبوه، هو عنترة ابن عبد الرحمن الشيباني، من ثقات التابعين روى له النسائي، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
تقدم البيان برقم ٣٥٢، فأغنى عن الإعادة.
وقوله: «مَا سَلَكَ رَجُلٌ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ الْعِلْمَ إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ يُبْطِئْ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
هذا مقتبس من قول رسول الله ﷺ : «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» (١).
والمراد بقوله: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه».
من أخره عمله عن دخول الجنة لم يسرع به نسبه إلى دخول الجنة؛ لأن المعتبر في ذلك الإيمان والتقوى، كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال الله : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٣)، فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به
стр. 540
نسبه فيبلغه تلك الدرجات؛ فإن الله رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب، كما قال : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١).
وفي هذا قال شاعر:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه … فلا تترك التقوى اتكالا على النسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس … وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٨ - (٢٩) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢) قَالَ: " هَلْ مِنْ طَالِبِ خَيْرٍ فَيُعَانَ عَلَيْهِ " (٣).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو ابن أبي عطاء صدوق يخطئ تقدم، وابْنُ شَوْذَبٍ، هو عبدالله البلخي ثقة تقدم، ومَطَرٌ (٤)، هو ابن طهمان الوراق، حديثه حسن تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٥٩ - (٣٠) قال: وَأَخْبَرَنَا مَرْوَانُ عَنْ ضَمْرَةَ قَالَ: طَالِبِ عِلْمٍ (٥).
رجال السند:
وَأَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، هو الطاطري إمام ثقة تقدم، وضَمْرَةُ، هو ابن ربيعة أبو عبد الله الفلسطيني، راوية حديث ابن شوذب، ثقة مأمون.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٠ - (٣١) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا يَعْقُوبُ - هُوَ الْقُمِّيُّ - عَنْ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِذَا رَأَى طَلَبَةَ الْعِلْمِ قَالَ:
стр. 541
" مَرْحَباً بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى بِكُمْ " (١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، هو ابن عبد الله الأشعري، لابأس به، وعَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الأصبهاني كان مؤذنا، روى عنه شيخه القمي، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر، لابأس به، وأَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁.
والمراد من قول أبي الدرداء إكرام طالب العلم، وتشجيعه على الطلب، ولاسيما حينما قال: إن رسول الله ﷺ أوصى بكم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦١ - (٤٠) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ في مَسْجِدِهِ، فَقَالَ: «كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيُرَغِّبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَالْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً» قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ " (٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ، هو قاضي أفريقيا، شديد في وعظ الظلمة من الولاه، تقبل روايته في الترغيب والترهيب وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ، هو كتلميذه تولى القضاء في إفريقية، ضعيف وجدت له مناكير في حديثه، واتهم بها تلميذه زياد، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄.
الشرح: تقدمت المفاضلة بين المجلسين برقم ٣٥٢ - (٢٣) ولا ريب أن التفقه في الدين أولى، وهذه الرواية فيها ضعيفان، والرواية تدخل في الترغيب، وجميع حلقات العلم فيها خير إذا استندت إلى الكتاب والسنة، وابعدت عن البدع، ورأس الأمر فيها التفقه في الدين فقد قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (٣).
стр. 542
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٢ - (٤١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَوْنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّهُ قَالَ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ إِنَّ الْعِلْمَ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ " (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم آنفا، والْمَسْعُودِيُّ، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ثقة تغير تقدم، وعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن عتبة أخو عبد الرحمن ثقة تقدم، ومُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، هو البصري أبو عبد الله العامري، أخو يزيد تابعي إمام ثقة ولأبيه صحبة، وابْنه، هو عبد الله بن مطرف تابعي عابد مات قبل أبيه.
الشرح:
المراد بقوله: " إن العلم خير من العمل " بيان أن الانقطاع للعبادة وترك العلم والتفقه خير منه العلم؛ لأن العلم أساس العبادة، ولذلك تقدم برقم ٢٩٧، قول رسول الله ﷺ : «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٣ - (٤٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةُ، أَنَبأ شُرَحْبِيلُ بْنُ (٣) شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ: " لَيْسَ هَدِيَّةٌ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ تُهْدِيهَا لأَخِيكَ" (٤).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم آنفا، وحَيْوَةُ، هو ابن شريح بن صفوان التجيبي المصري، إمام ثقة قدوة روى له الستة، وشُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، هو المعافري أبو محمد
стр. 543
المصري، ليس به بأس روى له مسلم، وأَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيّ، هو عبد الله بن يزيد المعافري، تابعي أرسله عمر بن عبد العزيز إلى افريقيا ليعلم أهلها، ثقة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٤ - (٤٣) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، حُضْرُ الْفَرَسِ الْمُضَمَّرِ السَّرِيعِ.
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو الأصبهاني، ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو أبو زكريا المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، هو القرشي إمام ثقة شبهه ابن المبارك بالياقوتة بين العلماء تقدم، والزُّهْرِيُّ، محمد مسلم إمام ثقة تقدم.
الشرح:
قوله: " حضر " الحضر بالضم: العَدْو، ومنه الحديث (أنه أقطع الزبير حُضر فرسه بأرض المدينة) النهاية ١/ ٣٩٨٩، والخبر مرسل سنده مقارب، وانظر: القطوف رقم (٢٥١/ ٣٥٧)، وقول الزهري هذا ليس مما يقال بالرأي، والمراد بالمجتهد المداوم على العبادة من صوم وصلاة ونافلة، وليس المراد المجتهد في العلم، وهذا مثل ما سبق من تفضيل العالم على العابد، انظر رقم ٢٩٧، ٣٦٠.
أما تقدير الدرجات فالمراد أن بين كل درجة وأخرى مسافة ما يجريه الفرس القوي المضمّر، وقد ورد هذا في وصف سرعة اجتياز الصراط حسب الأعمال فذكر منهم من يكون اجتياز على الصراط كسرعة الفرس المُحْضر، وطريقة تضمير الخيل أن تسمن ثم يقلل لها العلف حتى تجوع تضمر بطونها، ثم تجرى شيئا فشيئا، حتى تقوى عضلاتها، فتنازل أقرانها في الميدان.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٦٥ - (٤٤) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ من الآية (١١) من سورة المجادلة.
رجال السند:
стр. 544
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم، وحَيْوَةَ هو ابن شريح إمام ثقة قدوة تقدم آنفا، السَّكَنُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، هو شامي سكت عنه الإمامان، ووثقه ابن حبان فلابأس، وهو من أفراد الدارمي، وعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
في سنده السكن، سكت عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٢٨٨) وانظر: القطوف رقم (٢٥٢/ ٣٥٨) وانظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٦ - (٤٥) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، ثَنَا نَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِىَ بِهِ الإِسْلَامَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» (١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، هو أبو محمد البصري لابأس به روى له ابن ماجه، ونَصْرُ بْنُ الْقَاسِمِ، هو مجهول، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، هو مجهول، وعَمْرُو ابْنُ كَثِيرٍ، هو مجهول، والْحَسَنُ، هو البصري.
الشرح:
يكفي أن سنده مسلسل بالمجاهيل، حاشا الحسن، وقد أرسله ﵀.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٧ - (٤٦) حدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مِهْرَانُ، ثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: ذَهَبَ عُمَرُ بِثُلُثَي الْعِلْمِ، قال: فَذُكِرَ لإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ:
" ذَهَبَ عُمَرُ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ " (٢).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، هو الرازي وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه آخرون، ومِهْرَانُ، هو ابن أبي عمر العطار، أبو عبد الله الرازي لا يأس به، وأَبُو سِنَانٍ، هو
стр. 545
سعيد بن سنان البرجمي، عابد صالح، وأَبو إِسْحَاقَ، هو السبيعي إمام ثقة تقدم، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، هو الأودي إمام ثقة تقدم، وعُمَرُ، هو ابن الخطاب ﵁.
الشرح:
ليس المراد العلم بالكتاب والسنة، ولم يكن من المكثرين في الرواية ﵁ وكان يستشير الصحابة ﵃ في كثير من الأمور، وقد قال: الأعمش ﵀: ليس هذا ولكنه العلم بالله . وهذا فهم حسن فإن عمر ﵁ كان شديد المراقبة لنفسه، وكان يتفانا في الرعاية والإصلاح، وبناء دولة الإسلام، وكان بعيد النظر في مصالح الأمة، ولذلك حقق من الخير واتساع ديار الإسلام ما لم يستن لغيره ﵁.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٨ - (٤٧) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنْبَأ شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتَذَاكَرُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِى بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " (١).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ، هو البزاز لابأس به تقدم، وشُعْبَةُ، هو ابن الحجاج إمام ثقة تقدم، ويَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، هو يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الأسدي، صدوق يخطئ كثيرا ويدلس، روى له الأربعة، وهَارُونُ، هو ابن عنترة، لابأس به، وتجتب رواية ابنه عبد القدوس عنه تقدم، وأَبوه، هو عنترة ابن عبد الرحمن الشيباني، من ثقات التابعين، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
تقدم برقم ٢٥٥، ٣٥٣، ٣٥٥، وتم البيان بما أغنى عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٦٩ - (٤٨) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، ثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ قَالَ: " غَدَوْتُ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الْمَسْحِ
стр. 546
عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ؟، قُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ. قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النبي ﷺ "، وَقَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِمَا يَطْلُبُ» (١).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، هو القيسي أبو عثمان البصري، صالح روى له الستة، وحَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ، إمام ثقة تقدم وعَاصِمٌ، هو ابن بهدلة إمام ثقة تقدم، وزِرٌّ، هو ابن حبيش أبو مريم الكوفي، تابعي مقرئ إمام ثقة، وصَفْوَانُ ابْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ، هو صحابي ﵁.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٣ - بابٌ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَرَدَّهُ الْعِلْمُ إِلَى النِّيَّةِ
٣٧٠ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ: " سَمِعْتُ سُفْيَانَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ: مَا كَانَ طَلَبُ الْحَدِيثِ أَفْضَلَ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَالُوا لِسُفْيَانَ: إِنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، قَالَ: طَلَبُهُمْ إِيَّاهُ نِيَّةٌ " (٢).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، هو الأصبهاني، ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو المقرئ، أكثر عن الثوري صدوق، وسُفْيَانَ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد أن داخل في الأعمال التي لا تصح إلا بنية عملا بقول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (٣)، فمباشرة العمل تصحح القصد،
стр. 547
ولذلك قال سفيان الثوري ﵀: " طَلَبُهُمْ إِيَّاهُ نِيَّةٌ "، ولا يلتزم التصريح بالنية، فمحلها القلب، والعمل يصدق ذلك، وانظر ما تقدم برقم ٢٦٢.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧١ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " طَلَبْنَا هَذَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَبِيرُ نِيَّةٍ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ بَعْدُ فِيهِ النِّيَّةَ " (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الأَجْلَحِ، هو الكندي لابأس به تقدم، وأَبوه، هو الأجلح بن عبد الله الكندي، له أحاديث صالحة تقدم، ومُجَاهِد، هو ابن جبر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
المراد أن طالب العلم في الابتداء قد لا يدرك قيمة العلم ولاسيما في سن المراهقة، فإذا عايش العلم والعلماء وتجاوز مرحلة المراهقة أدرك أهمية العلم واستصحب إخلاص النية فيه وهذا لا يكون إلا بتوفيق من الله .
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٢ - (٣) أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، ثَنَا حَسَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " لَقَدْ طَلَبَ أَقْوَامٌ الْعِلْمَ مَا أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَلَا مَا عِنْدَهُ، فَمَا زَالَ بِهِمُ الْعِلْمُ حَتَّى أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ " (٢).
رجال السند:
بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ، لابأس به تقدم، وحَسَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، هو المكور اسمه في المطبوعات" حسان بن صالح " ولم أقف على ترجته، ويُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، هو تابعي إمام ثقة تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري.
الشرح: أنظر السابق.
стр. 548
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٣ - (٤) أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: " قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: فَرَجُلٌ عَاشَ فِي عِلْمِهِ وَعَاشَ مَعَهُ النَّاسُ فِيهِ، وَرَجُلٌ عَاشَ فِي عِلْمِهِ وَلَمْ يَعِشْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَرَجُلٌ عَاشَ النَّاسُ فِي عِلْمِهِ وَكَانَ وَبَالاً عَلَيْهِ" (١).
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وأَيُّوبُ، أئمة ثقات تقدموا، وأَبو قِلَابَةَ، هو عبد الله بن زيد إمام ثقة تقدم، وأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، هو عبد الله الداراني، تابعي إمام ثقة عابد.
الشرح:
هذه موعظة من أبي مسلم ﵀، وأساسها قول رسول الله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (٢)، وعلى هذا بنى أبو مسلم، فالعالم الذي عاش معه الناس هو من تعلم وعلم وعمل بما علم، والعالم الذي لم يعش معه أحد هو من تعلم وعمل بعلمه ولم يعلم غيره، فهو في الأجر أقل من سابقه، والذي كان علمه وبالا عليه، هو من تعلم ولم يعمل بعلمه فكان حجة عليه ويوم يسأل عن علمه ماذا عمل به أو أنه الذي يأمر الناس بالخير ولا يفعله، وهو المقصود بقول الله : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، وكذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا
стр. 549
مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، وقال رسول الله ﷺ : «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» (٢).
وقد صور هذا أبو الأسود الدؤلي ﵀ فقال:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
وَنَرَاكَ تُلْقِحُ بِالرَّشَادِ عُقُولَنَا … صِفَةً وَأَنْتَ مِنَ الرَّشَادِ عَدِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا … فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُقْبَلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى … بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٤ - بابٌ التَّوْبِيخِ لِمَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ
٣٧٤ - (١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ (٣) اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟، قَالَ: الَّذِي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ، قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟، قَالَ: أَرْضَاهُمْ بِمَا قَسَمْتُ لَهُ. قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَخْشَى لَكَ؟، قَالَ: أَعْلَمُهُمْ بِي" (٤).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، هو العبسي ثقة تقدم، وعُثْمَانُ بْنُ الأَسْوَدِ، هو الجمحي إمام ثقة فقيه، روى له الستة، وعَطَاءٌ، هو ابن أبي رباح إمام ثقة تقدم، ومُوسَى ﵇.
الشرح:
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟، قَالَ: الَّذِي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ».
стр. 550
المراد الحاكم العادل في الحكم بين الناس، بما لو كانت القضية عليه لحكم على نفسه لحكم بالحكم ذاته، عملا بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (١).
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟، قَالَ: أَرْضَاهُمْ بِمَا قَسَمْتُ لَهُ».
المراد من إذا أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، ومن كان هذا نهجه فإنه يرضى بما قسم الله له، عملا بقول الله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (٢)، وانظر ما تقدم برقم ٢٣٧، ففيه مزيد بيان.
قوله: «أَيُّ عِبَادِكَ أَخْشَى لَكَ؟، قَالَ: أَعْلَمُهُمْ بِي».
لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣)، فالعلم بالله يورث الخشية وهي أقصى درجات الخوف.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٥ - (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: " كَانَ يُقَالُ الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ فَذَلِكَ الْعَالِمُ الْكَامِلُ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ لَا يَخْشَى اللَّهَ فَذَلِكَ الْعَالِمُ الْفَاجِرُ " (٤).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفيابي، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة، وهما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
قول ابن عيينة هذا هو معني ما تقدم برقم ٣٧٢، وتم بيانه بما أغنى عن الإعادة.
стр. 551
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٦ - (٣) أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ " (١).
رجال السند:
مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هو الحنظلي أبو السكن الخراساني، إمام ثقة مأمون، وهِشَامٌ، هو ابن حسان، والْحَسَنُ، هو البصري هما إمامان ثقتان تقدما.
الشرح:
المراد أن العلم الكائن في القلب هو ما قصد به وجه الله والدار الآخرة، فهو النافع لصاحبه في الدنيا؛ لأنه يؤجر على العمل به وتعليمه، ويستمر أجر العلم لصاحبه بعد الموت فلا ينقطع قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» (٢)، وقد قال الله : ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (٣). وأما العلم الذي يكون حجة على صاحبه؛ لأنه تعلم لطلب الدنيا ومن ذلك السمعة والجاه، أو كان من الأئمة المضلين أصحاب البدع المجافين للكتاب والسنة، فإنه يوم القيامة يسأل عن علمه، قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» (٤).
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٧٧ - (٤) أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النبي ﷺ :
مِثْلَ ذَلِكَ (٥).
رجال السند: عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، هو اليربوعي لابأس به تقدم، وفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، هو التميمي إمام ثقة قدوة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان إمام ثقة تقدم، والْحَسَنُ، هو البصري. وانظر السابق.
стр. 552
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٨ - (٥) أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا، فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا " (١).
رجال السند:
عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، هو الواسطي، إمام ثقة تقدم، وخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو المزني، إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ضعيف، وإِبْرَاهِيمُ، هو النخعي إمام ثقة، وعَلْقَمَةُ، هو النخعي، وهما إمامان ثقتان، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁.
الشرح:
لأن العلم ثمرته العمل، وصدق من قال: العلم شجرة، والعمل ثمر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٧٩ - (٦) أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ: الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ، ثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ - هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ - عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لأَرْبَعٍ دَخَلَ النَّارَ - أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ _ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَوْ لِيَأْخُذَ بِهِ مِنَ الأُمَرَاءِ" (٢).
رجال السند: أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ، هو الهروي مصنف كبير، وعالم جليل، إمام ثقة فقيه مجتهد قدوة، ليس له في الستة رواية سوى ما يتعلق بكلامه في غريب الحديث، وأَبُو إِسْمَاعِيلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَدِّبُ، هو الأردني صدوق يغرب، وعَاصِمُ الأَحْوَلِ، هو ابن سليمان، إمام ثقة، من حدثه عَنْ أَبِي وَائِلٍ، مجهول، وقد يكون الشعبي، فقد روى عاصم عن الشعبي، ورى الشعبي عن أبي وائل، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁.
الشرح:
لأن هذه مطالب دنيوية ليس لله فيها قصد، وتقدم عن ابن مسعود ﵁ نحو هذا برقم ٢٦٢، وتم شرحه فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
стр. 553
٣٨٠ - (٧) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَاء (١) قَالَ: " قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ بَلَغَنِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عِيسَى ﵇: تَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا وَأَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تَعْمَلُونَ لِلآخِرَةِ وَأَنْتُمْ لَا تُرْزَقُونَ فِيهَا إِلاَّ بِالْعَمَلِ، وَإِنَّكُمْ عُلَمَاءَ السَّوْءِ، الأَجْرَ تَأْخُذُونَ وَالْعَمَلَ تُضَيِّعُونَ، يُوشِكُ رَبُّ الْعَمَلِ أَنْ يَطْلُبَ عَمَلَهُ، وَتُوشِكُونَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا الْعَرِيضَةِ، إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ، اللَّهُ نَهَاكُمْ عَنِ الْخَطَايَا كَمَا أَمَرَكُمْ بِالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ سَخِطَ رِزْقَهُ وَاحْتَقَرَ مَنْزِلَتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنِ اتَّهَمَ اللَّهَ فِيمَا قَضَى لَهُ، فَلَيْسَ يَرْضَى شَيْئاً أَصَابَهُ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ دُنْيَاهُ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْ آخِرَتِهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا أَفْضَلُ رَغْبَةً؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ مَصِيرُهُ إِلَى آخِرَتِهِ وَهُو مُقْبِلٌ عَلَى دُنْيَاهُ وَمَا يَضُرُّهُ أَشْهَى إِلَيْهِ - أَوْ قَالَ أَحَبُّ إِلَيْهِ - مِمَّا يَنْفَعُهُ؟ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَطْلُبُ الْكَلَامَ لِيُخْبِرَ بِهِ وَلَا يَطْلُبُهُ لِيَعْمَلَ بِهِ؟ ".
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، وهِشَامٌ صَاحِبِ الدَّسْتَوَاء، هو ابن أبي عبد الله سنبر، مولى لبني سدوس، وكان ثقة ثبتا في الحديث حجة، إلا أنه يرمي بالقدر، وقوله: صاحب الدستوائي: المراد أنه كان يبيع الثياب المجلوبة من دستواء من بلاد فارس.
الشرح: رجاله ثقات، وانظر: القطوف رقم (٢٦٦/ ٣٧٣) وهذه موعظة غنية عن الشرح، واضحة المباني بينة المعاني، لا مزيد على ما فيها من الترهيب، عد فاقرأها وتأمل
فحواها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨١ - (٨) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، ثَنَا حَرِيزٌ (٢)، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَانْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَعَلَّمُوهُ لِتَتَجَمَّلُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ إِنْ طَالَ بِكُمْ عُمُرٌ أَنْ يَتَجَمَّلَ ذُو الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ كَمَا يَتَجَمَّلُ ذُو الْبِزَّةِ
стр. 554
بِبِزَّتِهِ " (١).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، هو أبو علي الحنفي ثقة تقدم، وحَرِيزٌ، هو ابن عثمان الرحبي، إمام ثقة، وحَبِيبُ بْنُ عُبَيْدٍ، هو الرحبي أبو حفص الحمصي، إمام ثقة روى له الستة عدا البخاري.
الشرح:
المراد لا تجعلوا تعلم العلم وجاهة وتميز، بل اعملوا به وكنوا قدوة حسنة في التواضع والزهد في الدنيا، فإنه سيكون من الناس من يتخذ العلم زينة وشهرة كما يشتهر الواحد من الناس بلباسه وأنقته، ولعمري إن في زماننا من يكون علمه بزة وشهرة وتفاخر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٢ - (٩) أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّرِّ فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ». يَقُولُهَا ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ» (٢).
رجال السند:
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، هو المروزي، فقيه فرضي، الصحيح أن حديثه لا يقل عن الحسن، وما أنكر عليه محدود تقدم، وبَقِيَّةُ، هو ابن الوليد، قوي إذا حدث عن ثقة، وصرح بالتحديث تقدم، والأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ، هو العنسي ضعيف، ويعتبر به إذا حدث عن ثقة، وأَبوه، هو حكيم بن عمير العنسي، تابعي لابأس به.
الشرح:
قال حذيفة بن اليمان ﵁: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني " (٣)، فلعله الرجل المبهم هنا، وفي نهيه ﷺ عن السؤال عن الشر؛ لأنه إن أخبر به ففيه هم وحزن عظيم على الأمة لصدقه ﷺ فيما يخبر
стр. 555
به؛ ولأنه يحب التفاؤل، والسؤال عن الخير فيه تفاؤل وبشارة ورحمة بالأمة، ولأن شر العلماء خطير يهلك الأمة حذر منهم وأن شرهم أشر من كل شر؛ ولأن نفع العلماء الأخيار كبير بشر به، فهو أخير الخير وأطيبه، لما فيه من صلاح الأمة ونجاتها بإذن الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٣ - (١٠) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، أَخْبَرَنَا بِهِ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: " إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا الْعِلْمَ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكاً وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلاً، قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلاَّ الْعُقَلَاءُ فَلَمْ يَطْلُبْهُ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلاً وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكاً قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إِلاَّ النُّسَّاكُ فَلَمْ يَطْلُبْهُ.
فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ يَكُونَ يَطْلُبُهُ (١) الْيَوْمَ مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَا عَقْلٌ وَلَا نُسُكٌ ".
رجال السند:
سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، هو الضبعي إمام ثقة تقدم، وحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، هو الكرابيسي وثقه أبو حاتم، روى له الستة سوى مسلم، وعِيسَى، هو من أصحاب الشعبي ضعيف، والشَّعْبِيُّ، هو عامر إمام ثقة تقدم.
الشرح:
في سنده عيسى الحنّاط: متروك، وانظر: القطوف رقم (٢٦٩/ ٣٧٦).
وفي قول الشعبي هذا ذكر لبعض ما يشحذ الهمم لطلب العلم العبادة والعقل، إذا اجتمعت هاتان الصفتان دفعتا إلى طلب العلم، وإذا افترقتا كانت من المثبطات عن العلم، والعابد غير العاقل يتعلل بأن العلم لا يدركه إلا العقلاء، فيتكاسل عن الطلب، وإن كان عاقلا غير عابد تعلل بأن العلم لا يدركه إلا العباد، ولا ريب أن العبادة زينة وزمامها العقل، والعلم سراج الوصول بهما إلى الصراط المستقيم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى: ٣٨٤ - (١١) أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: زَعَمَ لِي سُفْيَانُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ حَتَّى يَتَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ
стр. 556
سَنَةً (١).
رجال السند:
أَبُو عَاصِمٍ، هو النبيل إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم.
الشرح:
هذا قول مشكوك فيه، ولذلك قال أبو عاصم زعم لي، وهو أيضا مخالف لما هو معروف في طلب العلم من سير العلماء، بدأ بحفظ الرآن وانتهاء بالرحلة في طلب وفي سن مبكر للكثيرين منهم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٥ - (١٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ " (٢).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم، وبُرْدُ بْنُ سِنَانٍ أَبو الْعَلَاءِ، هو الدمشقي ثقة رمي بالقدر تقدم، ومَكْحُولُ، إمام ثقة تقدم.
الشرح: قول مكحول هذا تقدم نحوه برقم ٢٢٩، ٣٧٨، فأغني عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٦ - (١٣) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بِسْطَامَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ قال: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُقْبِلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ» (٣).
стр. 557
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ بِسْطَامَ، هو الزهراني أبو محمد البصري، صدوق قدري، من أفراد الدارمي، ويَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، هو الحضرمي إمام ثقة تقدم، والنُّعْمَانُ، هو ابن المنذر الغساني، قدري ليس بالقوي، ألف في القول بالقدر، وقد رفع هذا، وتقدم وقفه، وهو الصحيح، ومَكْحُول، إمام ثقة.
الشرح: تقدم عن مكحول موقوفا برقم ٣٨٤، فانظره، وفيه إحالة على ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٧ - (١٤) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ ابْن خَلِيفَةَ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " إِنَّمَا يُحْفَظُ حَدِيثُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ " (١).
رجال السند:
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، هو الوراق إمام ثقة تقدم، ويَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، هو المقرئ صدوق تقدم، والْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ، هو العجلي مختلف في جرحه وتعديله، وهو صالح يكتب حديثه، ومَطَرٍ الْوَرَّاقِ، هو كاتب مصاحف حديثه حسن تقدم، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
الشرح:
أخذا من قول الرسول ﷺ : إنما الأعمال بالنيات، وتقدم البيان برقم ٢٦٢، فقرة وابتغوا بقولكم ما عند الله.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٨ - (١٥) أَخْبَرَنَا يَعْلَى، ثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي لأَحْسَبُ الرَّجُلَ يَنْسَى الْعِلْمَ كَانَ يَعْلَمُهُ، لِلْخَطِيئَةِ كَانَ
يَعْمَلُهَا " (٢).
стр. 558
رجال السند:
يَعْلَى، هو الطنافسي إمام ثقة تقدم، والْمَسْعُودِيُّ، هو عبدالرحمن ثقة تقدم، والْقَاسِمُ، هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁، تابعي إمام ثقة تقدم، وعَبْدُ اللَّهِ، هو ابن مسعود ﵁.
الشرح:
لأن العلم نور القلب والخطايا ظلامه، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه» (١)، ولا ريب أن المعاصي من الفتن.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٨٩ - (١٦) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَنْبَأَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِى حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِى حُسَيْنٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زُهْداً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ، يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً يُعَلِّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ " (٢).
رجال السند: الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، هو البهراني، إمام ثقة تقدم، وشعيب بن أبي حمزة، هو الحمصي، إمام ثقة تقدم، وابْنُ أَبِى حُسَيْنٍ، هو عبد الله بن عبد الرحمن النوفلي،
إمام ثقة فقيه ثبت، روى له الستة، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له تقدم آنفا، ولُقْمَانُ الْحَكِيمُ، قيل: كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل، وقيل: أسود من سودان مصر،
стр. 559
كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب، ثم أمره بذبح شاة أخرى فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
فائدة:
وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمَ، فَقَالَ: أَنْتَ لُقْمَانُ، أَنْتَ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ رَاعِي الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الْأَسْوَدُ؟ قَالَ: أَمَا سَوَادِي فَظَاهِرٌ، فَمَا الَّذِي يُعْجِبُكَ مِنْ أَمْرِي؟ قَالَ: وَطْءُ النَّاسِ بِسَاطَكَ، وَغَشْيُهُمْ بابكَ، وَرِضَاهُمْ بِقَوْلِكَ. قَالَ: يا ابن أَخِي إِنْ صَغَيْتَ إِلَى مَا أَقُولُ لَكَ كُنْتَ كَذَلِكَ، قَالَ لُقْمَانُ: غَضِّي بَصَرِي وَكَفِّي لِسَانِي، وَعِفَّةُ طُعْمَتِي وَحِفْظِي فَرَجِي، وَقَوْلِي بِصِدْقٍ، وَوَفَائِي بِعَهْدِي، وَتَكْرِمَتِي ضَيْفِي، وَحِفْظِي جَارِي وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي، فَذَاكَ الَّذِي صَيَّرَنِي إِلَى مَا تَرَى. اللهم إني أسألك زين الصفات.
الشرح:
قوله: «يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ».
هذا تقدم نحوه برقم ٢٢٩، ٣٧٨، ٣٨٤، فأغني عن الإعادة.
قوله: «وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زُهْداً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ».
لأنه هذا لا يفعله العقلاء، فالعلم يخرج من ظلمات الجهالة إلى نور الهداية، والجهالة تخرج من نور الهداية إلى ظلمات الضلال، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
قوله: «يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً يُعَلِّمُوك».
стр. 560
المراد بنظرة منك تعرف بها النافع من الضار، واختر الجلوس مع أهل العلم الذاكرين الله ، فإن كنت من أهل العلم نفعك علمك بما تشارك وتقول، وإن تكن جاهلا تتعلم الخير منهم، قال واقد الليثي ﵁: " إن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ ، وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما: فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر: فجلس خلفهم، وأما الثالث: فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال": «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (١). قوله: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ».
قال رسول الله ﷺ : «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢).
قوله: «وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً زَادُوكَ غَيًّا».
المراد أنهم غير أهل لينتفعوا بعلمه ويقبلوا قوله، فليس إلا الجهالة، قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، ولولا أنهم من الجهال لم يخوضوا في آيات الله .
قوله: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِعَذَابٍ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ».
ومن دواعي العذاب الافتراء على الله ولذلك أنذر موسى ﵇ فرعون وقومه فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ (٤)، فقد يقع من الجهال ما يستدعي ذلك.
стр. 561
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٠ - (١٧) أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا حَرِيزٌ، عَنْ سَلْمَانَ ابْنِ سُمَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: " لَا تُحَدِّثِ الْبَاطِلَ الْحُكَمَاءَ فَيَمْقُتُوكَ، وَلَا تُحَدِّثِ الْحِكْمَةَ لِلسُّفَهَاءِ فَيُكَذِّبُوكَ، وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمَ، وَلَا تَضَعْهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ، إِنَّ عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ حَقًّا " (١).
رجال السند:
يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، هو التستري من أفراد الدارمي، صدوق تقدم، وإِسْحَاقُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، هو الرازي ثقة تقدم، حَرِيزٌ، هو ابن عثمان الرحبي، إمام ثقة تقدم، وسَلْمَانُ ابْنُ سُمَيْرٍ، هكذا سماه ابن حبان وقال: الألهاني من أهل الشام يروي عن جماعة من التابعي.
واختُلف في اسم أبيه فقيل: سُمير، أو شُمير، تفرد عن حريز بن عثمان، مقبول، وكَثِيرُ ابْنُ مُرَّةَ، هو الحضرمي، تابعي ثقة، روى له الأربعة.
الشرح:
قوله: «لَا تُحَدِّثِ الْبَاطِلَ الْحُكَمَاءَ فَيَمْقُتُوكَ».
هذه حِكم ينتفع بها العقلاء، فالباطل من القول في الغالب لا يكان يخفى على أحد، فالحكماء يكشفون زيفه من أول وهلة، فينكرون على قائله ويمقتونه.
قوله: «وَلَا تُحَدِّثِ الْحِكْمَةَ لِلسُّفَهَاءِ فَيُكَذِّبُوكَ».
لأنه السفاهة طغت على عقولهم، واحتواها الجهل فهم لا يفهمون ما يقال فيبادرون إلى تكذيب القائل، لذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يكذب، الله ورسوله» (٢)؛ السفهاء لا يتورعون عن تكذيب ما يستغربون من القول ولو كان حقا وصدقا، ولفقر عقولهم من العلم، ولذلك قال الله عن المكذبين بالقرآن مع وضوح وجلاء أنه حق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ
стр. 562
تَأْوِيلُهُ﴾ (١)، أي: سارعوا إلى التكذيب قبل أن يأتيهم البيان، وذلك بسبب فرطهم في السفاهة والعناد، وقد أدرك هذا أبو هريرة ﵁ حين قال: «حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (٢)، أراد بالوعاء الذي لم يبثه ما يكون من الفتن التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، وذلك لشناعتها وغرابتها على الناس فإنه لو بثها فيهم لكذبوه ولربما لقتلوه، ومن ذلك ما وقع من قتل عمر ﵁، وفتنة عثمان وقتله ﵁، وما كان بين علي ومعاوية ﵄، وغير ذلك كثير إلى قيام الساعة.
قوله: «وَلَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ أَهْلَهُ فَتَأْثَمَ» المراد لا تحبس ما لديك من العلم عن طالبه؛ لأن ذلك حق لطالب العلم على العالم، وقد ورد في الصحيح لغيرة «من كتم علما يعلمه، جاء يوم القيامة، ملجما بلجام
من نار» (٣).
قوله: «وَلَا تَضَعْهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ».
المراد لا تحدث أحدا لا تراه ذا عقل ورغبة، فغير العاقل يجهلك فيما تقول، وسيأتي عند الدارمي عن الأعمش: " آفة العلم النسيان، وإضاعته، أن تحدث به غير أهله" لأنه من إضاعة الوقت عند قوم لا ينتفعون به، فكأنه من الهدر، لا تحدث من لا ينصت لك.
قوله: «إِنَّ عَلَيْكَ فِي عِلْمِكَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ حَقًّا».
المراد العمل به ونشره فيمن يرغب فيه ويسعى إليه، وهو الشيء الذي يزيد ويتسع
بالإنفاق منه.
أما المال فالحق الواجب فيه الزكاة فيما يحول عليه الحول، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما نقص مال عبد من صدقة» (٤)، والمراد بالصدقة العموم الزكاة المفروضة والنافلة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
стр. 563
٣٩١ - (١٨) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قال: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، أَنَّ أَبَا فَرْوَةَ حَدَّثَهُ: " أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لَا تَمْنَعِ الْعِلْمَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَأْثَمَ، وَلَا تَنْشُرْهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ فَتُجَهَّلَ، وَكُنْ طَبِيباً رَفِيقاً يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ " (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق تقدم، ومُعَاوِيَةُ، هو ابن صالح صدوق له أوهام تقدم، وأبو فروة، هو عروة بن الحارث ثقة تقدم، وعِيسَى ابْنُ مَرْيَم ﵇.
الشرح: أنظر السابق ففيه كفاية عن الإعادة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:٣٩٢ - (٢١) أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا مَهْدِيٌ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ:
" لَا تُطْعِمْ طَعَامَكَ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ " (٢).
رجال السند:
أَبُو النُّعْمَانِ، هو محمد بن الفضل الملقب بعارم، إمام ثقة تقدم، ومَهْدِيٌ، هو ابن ميمون الأزدي، أبو يحيى البصري، إمام ثقة روى له الستة، وغَيْلَانُ، هو ابن جيري البصري، إمام ثقة روى له الستة، ومُطَرِّفٌ، هو ابن عبد الله بن الشخير إمام ثقة تقدم.
الشرح:
مراد مطرف ﵀ العلم ورواية الحديث، إذا لم يكن له راغب فلا ينبغي رواية الحديث لمن لا يرغب فيه، فهو مثل الطعام حين يقدم لمن لا نية له فيه، ولا تشتهيه نفسه، وقد كان بعض العلماء يحدث الحديث لكل أحد من باب ترسيخه وحفظه، وهذه آراء للعلماء ﵏، ومن باب تكريم العلم وعدم وضعه في غير موضعه.
стр. 564
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٣ - (٢٠) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورٍ، سَمِعَ شَهْرَ ابْنَ حَوْشَبٍ يَقُولُ: قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: " يَا بُنَيَّ لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِىَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَتُمَارِىَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُرَائِىَ بِهِ في الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِماً يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلاً عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْماً لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنْ تَكُ عَالِماً لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلاً زَادُوكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، هو ابن أبي خلف إمام ثقة تقدم، وسُفْيَانُ، هو ابن عيينة إمام ثقة تقدم، ودَاوُدُ بْنُ شَابُورٍ، هو المكي أبو سليمان ثقة روى له الترمذي والنسائي، وشَهْرُ ابْنُ حَوْشَبٍ، هو تابعي متكلم فيه رغم توثيق أحمد له تقدم.
الشرح: تقدم نحوه برقم ٣٨٨، وتم شرحه فلينظر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٣٩٤ - (٢١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِى أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ثُوَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ: " يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، وَتُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقاً فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ " (٢).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، هو ابن أسلم البجلي، صدوق، وأَبوه، هو بشر بن أسلم، من أفراد لدارمي، منكر الحديث، وليس هذا مما ينكر، وسُفْيَانُ، هو الثوري إمام ثقة تقدم،
стр. 565
وثُوَيْر، هو ابن أبي فاختة كوفي ضعيف، يقبل في الترغيب والترهيب، لم يرو له الدارمي غير هذا، ويَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ، هو المخزومي تابعي ثقة، جدته لأبيه أم هاني ﵂، وعَلِيٍّ ﵁.
الشرح:
هذه من حكم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ أولها:
قوله: «يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ اعْمَلُوا بِهِ».
المراد بالعلم المحمول القرآن الكريم فهو أشرف العلوم وأجلها كلام الله رب العالمين صفة من صفاته ﷻ ، يؤيد هذا قول علي نفسه ﵁: " أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة» فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟، قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١)، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم" (٢)، نعم تكلم العلماء في سنده، ولم يروا أن ينسب إلى رسول الله ﷺ ، ولكن معناه صحيح، وكل ما ذكر يليق أن يكون صفة للقرآن الكريم. قوله: «فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ».
تقدم عن علي ﵁ نحوه برقم ٢٦٧، ولا ريب أن العلم ثمرته العمل.
قوله: «وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ».
منهم المنافقون المتدثرون بلباس الدين، ولا يخلو منهم زمان، ومنهم الخوارج وهم الذين قال عنهم رسول الله ﷺ : «إن من ضئضئ هذا، قوما يقرءون القرآن، لا