الشرح:
القائل: محمد بن زياد، وقد ذكر العلماء أن قوله: " أسبغوا الوضوء" أنه مدرج من قول أبي هريرة ﵁، وقال الحافظ: قد ثبت من كلام النبي ﷺ ، من حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح (النكت ٢/ ٨٢٤). علق أبو عاصم صاحب فتح المنان على [(و) كان يمر … ] فقال: … ووقع في النسخ الخطية والمطبوع (قال: وكان يمر) لعلها زيادة من النساخ، توهم أنه من كلام أبي هريرة ويعني به الرسول ﷺ . (فتح المنان ٤/ ٢٣٥) قلت: لا وجود لحرف الواو من (وكان) فيما تيسر الاطلاع عليه من الأصول الخطية، وكذلك المطبوع، بل قال: كان يمر بنا، فالقائل محمد ابن زياد، والمار أبو هريرة ﵁. والخبر وتقدم البيان برقم ٧١٤، ٧٢٢.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٣ - بابٌ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَالأُذُنَيْنِ
٧٢٤ - (١) أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: " رَأَيْتُ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ أَوْ كَالَّذِي صَنَعْتُ " (١).
رجال السند:
مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، هو النهدي، وإِسْرَائِيلُ، هو ابن يونس، وعَامِرُ بْنُ شَقِيقٍ، هو ابن جمرة الأسدي لابأس به تقدم، وشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، هو أبو وائل إمام ثقة، وعُثْمَانَ ﵁.
الشرح: فيه وجوب مسح الرأس ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مرة من غير تكرار، وأجاز التكرار بعض أهل العلم من باب الاستحباب لا الوجوب، ومنهم من ألحق الأذنين بالوجه فغسلهما، ومنهم من ألحقهما بالرأس فمسحهما.
стр. 807
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٤ - بابٌ كَانَ النَّبَيُّ ﷺ يَأْخُذُ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيداً
٧٢٥ - (١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، ثَنَا حَبَّانُ بْنُ وَاسِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ (١) عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْجُحْفَةِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثاً، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ " (٢).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ بِهِ تَفْسِيرَ مَسْحِ الأَوَّلِ.
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو التنيسي، إمام ثقة تقدم، ابْنُ لَهِيعَةَ، هو عبد الله متكلم في حفظه وهو صدوق، وحَبَّانُ بْنُ وَاسِعٍ، هو ابن حبان الأنصاري ثقة روى له مسلم، وهو ابن عم يحيى بن حبان، وأَبوه، واسع بن حبان الأنصاري، تابعي ثقة روى له الستة، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ ﵁. أما قوله: " عَنْ عَمِّهِ عَاصِمٍ الْمَازِنِي" فهو خطأ إنما هو تكملة اسم عبد الله ابن زيد ابن عاصم المازني، انظر قول ابن حجر ﵀ في التعليق السابق.
الشرح:
الجديد هنا عما تقدم في روايات كيفية الوضوء أنه أخذ لمسح الرأس ماء غير ما كان في يديه متبقا من غسل اليدين، وهذا يؤكد أن لمسح الرأس ماء جديدا ومنه مسح الأنين ظاهرا وباطنا.
стр. 808
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٥ - بابٌ الْمَسحِ عَلَى الْعِمَامَةِ
٧٢٦ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ " (١).
قِيلَ لأَبِى مُحَمَّدٍ: تَأْخُذُ بِهِ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ.
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن، ويَحْيَى، هو ابن أبي كثير، وأَبو سَلَمَةَ، هو ابن عبد الرحمن، هم أئمة ثقات تقدموا، وجَعْفَرُ بْنُ عَمْرِوبْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، هو أخوا عبد الملك بن مروان من الرضاعة، مدني ثقة روى له الستة سوى أبي داود، وأَبوه عمرو بن أمية الضمري ﵁.
الشرح:
فيه المنقول عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين والعمامة، يؤيد هذا أن النبي ﷺ : «توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى الخفين» (٢)، وهو قول جمهور العلماء أنه بعد أن مسح على الناصية كمل على العمامة، وقالوا: لا يجوز الاقتصار في المسح على العمامة؛ لأن العمامة تبع مسحها مسح الناصية، والناصية بعض الرأس، واكتفى بذلك عن نزع العمامة، فوقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية.
أما المسح على الخفين فله سببان:
الأول: أن يكون لبسهما على طهارة، يؤيد هذا حديث المغيرة ﵁ قال: " كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين».
стр. 809
فمسح عليهما " (١).
والثاني: المشقة في نزع الخفين، ولأن القدمين عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على ما فوقه من خف، أو جورب صفيق محكم النسج، وفي توقيت المسح قال شريح بن هانئ، " أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ " فسألناه فقال: «جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم» (٢)، فالمسح على الخفين ونحوهما سنة في الحضر والسفر على ما ذكر علي ﵁.
ما يستفاد:
* جواز المسح على الناصية والإكمال على العمامة.
* جواز المسح على الخفين ونحوهما بعد لبسهما على طهارة، في السفر
ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٦ - بابٌ فِي نَضْحِ الْفَرْجِ بَعْدَ الْوُضُوءِ
٧٢٧ - (١) أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَنَّ النَّبيِّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَنَضَحَ فَرْجَهُ " (٣).
رجال السند:
قَبِيصَةُ، هو ابن عقبة، وسُفْيَانُ، هو الثوري، وزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وعَطَاءُ ابْنُ يَسَارٍ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.
стр. 810
الشرح:
أنظر ما تقدم برقم ٦٧٨، ٦٩٦، ٧١٨.
ما يستفاد:
* وجوب نضح الفرج بالماء باليد اليمنى تكريما لليمين عن ملامسة الفرج.
* يجوز استعمال ما يغني عن النضح باليد كالأباريق، وما استجد من أدوات في أماكن الوضوء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٧ - بابٌ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ
٧٢٨ - (١) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَلَمَةَ
ابْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَأَلْتُ مَيْمُونَةَ خَالَتِي عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقَالَتْ: كَانَ يُؤْتَى بِالإِنَاءِ فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَسَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْدِيلِ فَيَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَنْفُضُ أَصَابِعَهُ وَلَا يَمَسُّهُ (١).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، هو بن باذام العبسي، ثقة تقدم، وابْنُ أَبِي لَيْلَى، هو محمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن القاضي ضعف بسوء الحفظ، وسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أبو يحيى الحضرمي، تابعي ثقة تقدم، وكُرَيْبُ، هو كريب بن مسلم، إمام ثقة تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ومَيْمُونَةَ، هي بنت الحارث الهلالية ﵂، وهي زوج النبي ﷺ .
стр. 811
الشرح:
الحديث صحيح وهو في البخاري ومسلم من وجه آخر عن كريب، عن ابن عباس، قال: قالت ميمونة: " وضعت للنبي ﷺ ماءً للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه " (١)، فهذه صفة الغسل من الجنابة.
ما يستفاد:
* غسل اليدين مرتين أو ثلاثا، فيه إشعار بشك الراوي وهو الأعمش ﵀، وهذا الشك لا يؤثر فمن غسل مرتين فقد أصاب السنة وهي إحدى صفات غسل أعضاء الوضوء، وإن ثلاثا فهي الصفة الأكمل من صفات الوضوء، هذا ولو لم يزل الشك، وقد زال بجزم الأعمش بالثلاث في رواية عنه، ومعلوم أن الجنب يبدأ في الاغتسال بأن يتوضأ وضوؤه للصلاة، ثم يعمم الماء على الجسد.
أما الدلك بالأرض فإذا لم يتوفر شيء من المنظفات كما هو الحال اليوم، فإن دلك اليدين بالأرض يزيل ما علق بها من غسل المذاكير، ويطهرها، وانظر ما تقدم برقم ٦٢٣.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٨ - بابٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
٧٢٩ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا زَكَرِيَّا، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ
стр. 812
مِنْهَا، حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (١).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل بن دكين، وزَكَرِيَّا، هو ابن عدي، وعَامِرٍ، هو الشعبي إمام تقدم، وعُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، هو ابن شعبة الثقفي يكنى أبا يعفور، ثقة من تابعي أهل الكوفة، وعن الشعبي أنه كان أميرا على الكوفة وكان خير أهل بيته وأَبوه، هو المغيرة ابن شعبة ﵁.
الشرح:
في الإبعاد انظر ما تقدم برقم ٦٨١، ٦٨٢، وتقدمت صفة الوضوء مرارا، وفي المسح على الخفين ما تقدم برقم ٧٣٢، وقد ثبت بالتواتر عن جمع من الصحابة ﵃، ومنهم العشرة المبشرين بالجنة، والصحيح أن المسح على الخفين أفضل من نزعهما وغسل الرجلين؛ لأنه رخصة، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» (٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٩٩ - بابٌ التَّوْقِيتِ فِي الْمسْحِ
٧٣٠ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ ابْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قَالَ: " جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ " - يَعْنِى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ - (٣).
стр. 813
رجال السند:
أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانُ، الثوري، هما إمامان ثقتان تقدما، وعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، هو الملائي أبو عبد الله الكوفي، كان الثوري يجله ثقة عابد، روى له الستة عدا البخاري، والْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، هو أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه وربما دلس، روى له مسلم، و الْقَاسِمِ ابْنِ مُخَيْمِرَةَ، شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، أبو المقدام المذحجي، من كبار أصحاب علي، ثقة روى له الستة عدا البخاري، وعَلِيُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ ﵃.
الشرح: انظر ما نقدم برقم ٧٣١.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٠ - بابٌ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ
٧٣١ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَوَسَّعَ، ثُمَّ قَالَ: " لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ، لَرَأَيْتُ أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا " (١).
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ. فَقِيلَ لَهُ: مَا نَسَخَهُ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
رجال السند:
أَبُو نُعَيْمٍ، هو الفضل، ويُونُسُ، هو ابن إسرائيل، أَبِي إِسْحَاقَ، هو السبيعي، وعَبْدُ خَيْرٍ، هم ثقات تقدموا، وعَلِيٌّ ﵁.
الشرح:
هذا الحديث اختلف العلماء في المراد به، فقيل: هو منسوخ بآية الوضوء، وفيها الأمر بغسل الرجلين، وقيل: مسح على النعلين؛ تبعا للجوربين فالأصل المسح على
стр. 814
الجوربين وليس على النعلين، فجاء مسحها فضلا، وهو الأولى في نظري وبه قال بعض العلماء ﵏.
ما يستفاد:
* جواز المسح على النعلين تبعا للجوربين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠١ - بابٌ الْقَوْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ
٧٣٢ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا حَيْوَةُ، أَنْبَأَ أَبُو عَقِيلٍ: زُهْرَةُ ابْنُ مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَمِّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْماً يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: «مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
قَالَ عُقْبَةُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَكَانَ تُجَاهِي جَالِساً: أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا؟، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْجَبَ مِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ. فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ بابي أَنْتَ وَأُمِّي؟، فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ - أَوْ قَالَ نَظَرَهُ _ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهِنَّ شَاءَ» (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، هو المقرئ إمام ثقة تقدم، وحَيْوَةُ، هو أبو المقدام الكندي، عالم فقيه زاهد وأَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، هو مدني ثقة روى له البخاري، وابْنُ عَمِّهِ، لم أقف على من سماه، وعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵁.
стр. 815
الشرح:
الحديث حسن ورد عند مسلم وغيره قال عقبة بن عامر ﵁: .. فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ: أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (١).
ما يستفاد:
* وجوب إسباغ الوضوء، تقدم هذا مرارا.
* استحباب صلاة ركعتين بعد الوضوء، يؤيد هذا قول رسول الله ﷺ : «يا بلال بم سبقتني إلى الجنة، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي» فقال بلال: " يا رسول الله، ما أذنبت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها"، فقال رسول الله ﷺ : «بهذا» (٢).
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٢ - بابٌ فَضْلِ الْوُضُوءِ
٧٣٣ - (١) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّهُمْ غَزَوْا غَزَاةَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ أَبُو أَيُّوبَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
стр. 816
يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ غُفِرَ لَهُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ». أَكَذَاكَ يَا عُقْبَةُ؟، قَالَ: نَعَمْ (١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس، ولَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وأَبو الزُّبَيْرِ، هو محمد بن مسلم، سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أو ابن عبد الرحمن مقبول، وعَاصِمُ ابْنُ سُفْيَانَ، هو ابن عبد الله الثقفي، تابعي ثقة روى له الأربعة، ومُعَاوِيَةُ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ﵃.
الشرح:
سنده حسن، وانظر السابق حديث عقبة ﵁، ولذلك سأله معاوية ﵁ التأكيد.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٣٤ - (٢) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ_ أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِهِ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ - أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ - حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (٢).
رجال السند:
مَالِكٌ، هو ابن إمام دار الهجرة، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، هو ابن ذكوان السمان ثقة ساء حفظه، روى له الستة عدا البخاري تعليقا وقرنه بآخر، وأَبوه، هو أبو صالح ذكوان السمان، ثقة تقدم، أَبو هُرَيْرَةَ ﵁.
стр. 817
الشرح: انظر ما تقدم برقم ٧١٤.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٣٥ - (٣) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا غُصْناً يَابِساً فَهَزَّهُ حَتَّى تَحَاتَّ وَرَقُهُ، قَالَ: أَمَا تَسْأَلُنِي لِمَ أَفْعَلُ هَذَا؟، قُلْتُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟، قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَصَلَّى الْخَمْسَ تَحَاتَّتْ ذُنُوبُهُ، كَمَا تَحَاتَّ هَذَا الْوَرَقُ». ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (١) إلي قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو أبو زكريا التنيسي، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، هما إمامان ثقتان، عَلِيِّ ابْنِ زَيْدٍ، هو ابن جدعان يستشهد به، وأَبو عُثْمَانَ، هو النهدي قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ، هو الفارسي ﵁.
الشرح:
هذا فيه الحث على المحافظة على الوضوء وإسباغه، لما جعل الله من الفضل لمن أحسن الوضوء واستعد لمناجاة ربه من الثواب بدءا من الوضوء وانتهاء بالصلاة والذكر بعدها؛ لأن الصلاة لا تستقيم إلا بالعلم والفقه في الدين.
قوله: «وَمَنْ سَوَّدَهُ قَوْمُهُ عَلَى غَيْرِ فِقْهٍ كَانَ هَلَاكاً لَهُ وَلَهُمْ».
هذا هو الأمر الثاني: أن يجعله قومه سيدا عليهم وهو على جهل في دين الله ؛ لأنه سيقودهم إلى المهالك انطلاقا من جهله، ولا ريب أن حال الأمة اليوم خير شاهد على هذا، فقد كثر الفساد في الأرض، وعم البلاء المسلمين بسبب عدم فقه من ساد
стр. 818
عليهم، وهذا بلاء لا ينكشف إلا بالرجوع إلى منهج الكتاب والسنة وربط الطاعات الثلاث بعضها ببعض، فهي كل لا يتجزاء، والفلاح في الدارين مربوط بذلك المنهج الواقي من الجهل وعمى البصيرة.
ما يستفاد:
* بيان أن التطاول في البنيان من علامات الساعة، وليس من المحرمات. * فطنة عمر ﵁ وحذقه في رعاية الأمة والحث على ما هو خير.
* الحث على ملازمة جماعة المسلمين، فإن الإسلام مرتبط بوحدتهم على الوحيين.
* الحث على إقامة ولي لأمر المسلمين عملا بنص الوحيين، فلا جماعة مسلمة إلا بولي أمر مسلم.
* وجوب طاعة الأمير ما أطاع الله ، ورسوله ﷺ ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
* يجب على الأمة تنصيب من هو صالح لدينها ودنياه، ورأس ذلك الفقه في دين الله ، لأن ذلك يجلب الخير للأمة في دينها ودنياها.
* الحذر من تنصيب الجاهل بدين الله ؛ لأن ذلك يجلب الفساد في
الأرض، وسبب في هلاك الأمة في الدنيا والآخرة.
١٠٣ - بابٌ الوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ
٧٣٦ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وسُفْيَانَ، هو الثوري، وعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ، هو تابعي ثقة روى له الستة، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، ﵁.
الشرح:
стр. 819
فيه جواز الاكتفاء بوضوء واحد لأكثر من صلاة ما لم يحدث، وفي هذا تيسير ورحمة، ولا ريب أن الأفضل الوضوء لكل صلاة لإدراك ما ورد في ذلك من حط الخطايا والذنوب، وانظر ما سبق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٤ - بابٌ لَا وُضُوءَ إِلاَّ مِنْ حَدَثٍ
٧٣٧ - (١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَحْدَثَ أَمْ لَمْ يُحْدِثْ؟، فَلَا يَنْصَرِفَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً، أَوْ يَجِدَ رِيحاً» (١).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، هو ثقة ساء حفظه، وأَبو، هو ذكوان السمان، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ، ﵁.
الشرح:
المراد نفي الوجوب، ويجوز الوضوء من غير حدث، رغبة في الفضل المتقدم ذكره.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٥ - بابٌ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ
٧٣٨ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، نَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنِي عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكَلَاعِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ :
«إِنَّمَا الْعَيْنَانُ وِكَاءُ السَّهِ (٢)، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» (٣).
стр. 820
فَقِيلَ لأَبِى مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِهِ؟، قَالَ: لَا. قَالَ: إِذَا نَامَ قَائِماً لَيْسَ عَلَيْهِ الْوُضُوء.
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو القلانسي إمام ثقة تقدم، وبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، يستشهد به تقدم، وأَبو بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، هو الغساني، شامي مختلف في اسمه، وهو من شيوخ بقية الضعفاء، وعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكَلَاعِيُّ، وقيل: بالباء بدل العين " الكلابي " تابعي ثقة مقرئ، ومُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ﵁.
الشرح:
المراد النوم العميق، الذي لا يدرك صاحبه من حوله، والنوم ذاته ليس بحدث وإنما هو مظنة الحدث؛ لأنه لوكان حدثا لكان على كل حال ناقضا للطهارة كسائر الأحداث التي قليلها وكثيرها وعمدها وخطؤها سواء في نقض الطهارة. أما إذا كان النائم بحال من التماسك والاستواء في القعود المانع من خروج الحدث منه كان محكوما له ببقاء الطهارة السابقة؛ لأن نوم القاعد لو كان ناقضا للطهارة لم يجز على عامة أصحاب رسول الله ﷺ أن يصلوا محدثين بحضرته، وهو بين أظهرهم والوحي ينزل عليه، فدل على أن النوم إذا كان بهذه الصفة غير ناقض للطهور.
أما إذا زال عن مستوى القعود بأن يكون مضطجعا، أو راكعا، أو ساجدا، أو قائماً، أو مائلا إلى أحد شقيه، أو على حال يسهل معها خروج الحدث من حيث لا يشعر كان ذلك مظنة للحدث؛ لأنه قد يكون منه الحدث في تلك الحالة غالبا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٦ - بابٌ فِي الْمذْي
٧٣٩ - (١) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْي شِدَّةً، فَكُنْتُ أُكْثِرُ الْغُسْلَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: «إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 821
الْوُضُوءُ». قَالَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟، قَالَ: «خُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَانْضَحْهُ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ» (١).
رجال السند:
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، هو إمام ثقة تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو صدوق وسَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، هو أبو السابق الثقفي، مدني تابعي ثقة، روى له أبو داود والترمذي اوابن ماجه، وأَبوه، هو أبو سعيد عبيد بن السباق الثقفي، مدني تابعي ثقة، وسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، ﵁.
الشرح:
المذي ماء رقيق لزج أبيض اللون يخرج بغير لذة عند ثوران الشهوة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال، ويكفي منه الوضوء ولا يجب الغسل، وهو حدث حكمه كالبول، ولا يجب الوضوء منه على الفور، واختلف العلماء في نجاسة المذي، والأحوط غسل الفرح وما أصاب من البدن أو اللباس.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٧ - باب الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ
٧٤٠ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ» (٢).
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، والأوزاعي عبد الرحمن ابن عمرو، والزُّهْرِيُّ، هو محمد بن مسلم، حَدَّثَنِي ابْنُ حَزْمٍ، هو عبد الله ابن أبي بكر بن حزم، وعُرْوَةُ، هو ابن الزبير، هم أئمة ثقات تقدموا، وبُسْرَةُ بِنْتِ صَفْوَانَ، ﵂.
стр. 822
الشرح:
الوضوء من مس الذكر فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أن من مس ذكره مباشرة من غير حائل فإنه يجب الوضوء من ذلك، وكذلك من مس ذكره من فوق اللباس فإن حرك شهوة وجب الوضوء، ومن لا فلا، والأحوط التحرز من ذلك كله، والمرأة كذلك إذا لمست فرجها من غير حائل، أو من فوق اللباس وتحركت شهوتها فيجب عليها الوضوء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٤١ - (٢) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ: أَنَّهَا سُئِلَ أَبُوْ مُحَمَّدٍ عَنْ هَذَا، فَقَالَ أَبُوْ مُحَمَّدٍ: الْوُضُوْءُ أَثْبَتُ إِلِيَّ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَاأَوْثَقُ فِي مَسِّ الْفَرْجِ.
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، هو صدوق، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وعُرْوَةُ، ومَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، هو الخليفة انتقد بعد الخلافة، وهم ثقات تقدموا، عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ، ﵂، وانظر ما تقدم.
الشرح:
التعبير بالفرج ليشمل الرجل والمرأة، انظر السابق قريبا.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٨ - باب الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ
٧٤٢ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» (١).
стр. 823
قِيلَ لأَبِى مُحَمَّدٍ: تَأْخُذُ بِهِ؟ قَالَ: لَا.
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، هو كاتب الليث صدوق، واللَّيْثُ، هو ابن سعد، وعُقَيْلٌ، هو أبو خالد الأيلي، من أصحاب الزهري، إمام ثبت ثقة، روى له الستة، وابْنِ شِهَابٍ، هو الزهري، قَالَ: وعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، هو أخو عبد الله، شيخهما الزهري، وعبد الملك ثقة، وخَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ، هو أبو زيد مدني تابعي ثقة إمام من فقهاء التابعين، وأَبَوهُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، ﵁.
الشرح:
المراد كل ما طبخ وغيّره الطبخ بالإنضاج، وكان هذا في أول الأمر ثم نسخ، فلا يقول عامة العلماء بوجوب الوضوء منه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٠٩ - باب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ
٧٤٣ - (١) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: " أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ الَّتِي كَانَ يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ " (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، واللَّيْثُ، وعُقَيْلٌ، وابْنُ شِهَابٍ، تقدموا قريبا، وجَعْفَرُ ابْنُ عَمْرِو ابْنِ أُمَيَّةَ، هو الضمري ثقة تقدم، وأَبوهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ، ﵁.
الشرح:
هذا ناسخ وجوب الوضوء مما مست النار وقد بوب عليه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وكذلك أصحاب السنن.
стр. 824
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٠ - باب الْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ
٧٤٤ - (١) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الْجُلَاحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصْحَابُ هَذَا الْبَحْرِ، نُعَالِجُ الصَّيْدَ عَلَى رَمَثٍ، فَنَعْزُبُ فِيهِ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ وَالأَرْبَعَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا مِنَ الْعَذْبِ لِشِفَاهِنَا، فَإِنْ نَحْنُ تَوَضَّأْنَا بِهِ خَشِينَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَإِنْ نَحْنُ آثَرْنَا بِأَنْفُسِنَا، وَتَوَضَّأْنَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، وَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا مِنْ ذَلِكَ، فَخَشِينَا أَنْ لَا يَكُونَ طَهُوراً ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَوَضَّئُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ الطَّاهِرُ مَاؤُهُ، الْحَلَالُ مَيْتَتُهُ» (١).
رجال السند:
الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ، هو أبو مسلم روى له مسلم، ومُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، هو أبو عبد الله الباهلي الحراني، ثقة من رجال مسلم تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، صدوق، ويَزِيدَ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ، هو أبو رجاء الأزدي، تابعي إمام حجة، والْجُلَاحِ، هو أبو كثير القرشي، مولى والد عمر بن العزيز الخليفة، روى له مسلم، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيِّ، هكذا والصواب سعيد بن سلمة، كما في الرواية التالية، وثقه النسائي، والْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، هو تابعي ثقة، روى له الأربعة، وأَبوه، هو أبو بردة بن أبي
стр. 825
موسى الأشعري إمام ثقة تقدم، وأَبو هُرَيْرَةَ ﵁، وقيل: إن المغيرة يروي هذا عن أبي هريرة مباشرة، وذكر أبيه وهم.
الشرح:
قوله: " نُعَالِجُ الصَّيْدَ عَلَى رَمَثٍ " المراد الاشتغال بصيد السمك، وهم راكبون على أعواد الخشب؛ يُصَفّ بعضها جوار بعض وتشد ويركبون عليها ولا ترسوا، ويسمونها " الرَّمَث " والرِّمْث شجيرة تراعاها لإبل، وهذا نص إباحة الوضوء من ماء البحر، وأنه لا ينجسه شيء، وزاد ﷺ في الإجابة أن ميتته حلال، لا تحتاج إلى تذكية كالسمك مثلا، ومن العجائب أن بعض الجهات الغربية المصدرة للأسماك كتبت عليه مذبوح على الطريقة الإسلامية.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٤٥ - (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَالِكٍ قِرَاءَةً، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ: مِنْ آلِ الأَزْرَقِ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِى بُرْدَةَ - وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النبي ﷺ فَقَالَ: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو القلانسي، ومَالِكٌ، هو الإمام، وصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، هو من شيوخ مالك الإمام، وهو إِمام قدوة ثقة، و سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ: مِنْ آلِ الأَزْرَقِ، هو المتقدم أنه الصواب، وليس عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيِّ، والْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِى بُرْدَةَ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ تقدم قريبا، وبينه وبين أبي هريرة أبوه واسطة، وهو وهم، وهذا الصواب، وأبو هُرَيْرَةَ ﵁.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١١ - باب الْوُضُوءِ مِنَ الْمَاءِ الرَّاكِدِ
стр. 826
٧٤٦ - (١) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبُولُ أَحَدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» (١).
رجال السند:
أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، هو ابن يونس، وزَائِدَةُ، هو ابن قدامة، وهِشَامٌ، هو ابن حسان، ومُحَمَّدٌ، هو ابن سيرين، هم أئمة ثقات تقدموا، وأَبو هُرَيْرَةَ ﵁.
الشرح:
المراد بالراكد الدائم في موقعة لا يستقبل مزيدا فيه، ولا يصرف مما فيه، فالبول فيه قد يسلبه الطهورية ولاسيما إذا كان قليلا، أما إذا كان كثيرا كماء الغدير، أو ما يعرف بالكظائم، والأحواض التي ترد عليها الحيوانات فلا يؤثر ذلك على بقائها طاهرة مطهرة، والأحوط عدم جواز البول في المياه الراكدة، حفاظا على نقاوتها، وهذا النهي شبيه بالنهي عن قضاء الحاجة على قارعة الطريق، والظل والأماكن التي يرتادها الناس.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٢ - باب قَدْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَنْجَسُ
٧٤٧ - (١) أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» (٢).
رجال السند: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، صدوق، مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، هو القرشي، الأسدي، مدني فقيه ثقة ثبت، روى له الستة، وعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ، ثقة قليل الحديث، وأَبوه، هو عبد الله عمر ﵄.
стр. 827
الشرح:
هذا من رحمة الله بعباده أن أجرى ذلك على لسان رسوله ﷺ ، فما كان دون القلتين ينجس إذا خالطته نجاسة، ولا يكون ذلك في القلتين فأكثر، والقلتان تتسع لخمس قرب كبار، والأدق في ذلك النظر إلى اللون والطعم والرائحة، وقد يخفف في اللون ولا يخفف في الطعم والرائحة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٤٨ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» (١).
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو التنيسي، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة، ولم تصح تهمة وهمه في رواية هذا عن الوليد، والْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو أبو محمد القرشي، قيل: إنه إباضي، مدني ثقة روى له الستة، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، تقدما آنفا، وابْنُ عُمَرَ، ﵄.
الشرح: انظر السابق.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٣ - باب الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ
٧٤٩ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ: سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: " سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: جَاءَنِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ مِنْ وَضُوئِهِ عَلَيَّ فَعَقَلْتُ" (٢).
стр. 828
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ: سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وشُعْبَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، هم أئمة ثقات تقدموا، وجَابِرٌ، ﵄.
الشرح:
هذا يدل على طهارة فضل الوضوء، وفي التطهر به خلاف بين العلماء فالجمهور يقولون: إنه لا يتطهر به، ومنهم من قال: إنه نجس، ومنهم من قال: يتطهر به، وهو الصحيح إذا لم يكن على بدن المتطهر به أولا نجاسة، فيكون الماء طاهرا لاقى بدنا طاهرا، وهذا يوافق قول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١)، فمن باب أولى إذا وجد ماء مستعملا أن يتطهر به، وانظر التالي.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٤ - باب الْوُضُوءِ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ
٧٥٠ - (١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " قَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَاغْتَسَلَتْ فِي جَفْنَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى فَضْلِهَا يَسْتَحِمُّ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدِ اغْتَسَلْتُ فِيهِ قَبْلَكَ". فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَاءِ جَنَابَةٌ».
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو إمام ثقة تقدم، ويَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، هو أبو خالد اليشكري، واسطي حسن الحديث، وسِمَاكٌ، هو ابن حرب ثقة تقدم وعِكْرِمَةُ، إمام تقدم، وابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄.
الشرح:
الحديث في سنده يزيد بن عطاء اليشكري: لين الحديث، أخرجه الترمذي حديث (٦٥) وقال: حسن صحيح، و أبو داود حديث (٦٨) النسائي حديث (٣٢٥) وابن ماجة حديث (٣٧٠) وصححه الألباني عندهم، وفيه طهارة فضل ما تطهرت منه المرأة، وجواز التطهر به، فالماء لا تصيبه الجنابة كما بين ﷺ .
стр. 829
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٥١ - (٢) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ (١).
رجال السند:
عُبَيْدُ اللَّهِ، هو ابن موسى العبسي، وسُفْيَانُ، هو الثوري، هما إمامان تقدما، وسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وعِكْرِمَة، تقدما آنفا، وابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٥ - باب الْهِرَّةِ إِذَا وَلَغَتْ فِي الإِنَاءِ
٧٥٢ - (١) أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِى طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِى قَتَادَةَ: " أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءاً، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا أَبُو قَتَادَةَ الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ - قَالَتْ كَبْشَةُ -: فَرَآنِي أَنْظُرُ فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا بِنْتَ أَخِي؟، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» (٢).
رجال السند:
الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، هو البلخي، ثقة، ومَالِكٌ، هو الإمام، وإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ، هو أبو يحيى المدني، إمام ثقة، وحُمَيْدَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ ابْنِ رِفَاعَةَ، هي أم يحيى الأنصارية، وهي زوجة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة، وكَبْشَةُ بِنْتُ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِى قَتَادَةَ، قيل: إنها صحابية، وهي خالة حميدة، وأَبو قَتَادَةَ، ﵁.
الشرح: المراد بالولوغ الشرب باللسان وهذا لبعض الحيوانات ومنها القطط والكلاب، وهذا من التخفيف على الأمة لكونها معايشة لهم في بيوتهم؛ ولأنها تذهب عنهم
стр. 830
الحشرات، والفئران، والثعابين والعقارب ولهم منها منافع، فيسر الله عليهم في شأنها.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٦ - بابٌ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ
٧٥٣ - (١) أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَالثَّامِنَةَ عَفِّرُوهُ في التُّرَابِ» (١).
رجال السند:
وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وشُعْبَةُ، وأَبو التَّيَّاحِ، هو يزيد بن حميد الضبعي، ثقة قليل الحديث، ومُطَرِّفٌ، هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَبْدُاللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، ﵁.
الشرح:
الكلب مما يقتنى من الحيوان لثلاث مصالح؛ للصيد وقد أباح الله ذلك قال : ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢)، قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي معلمين، والمكلِّب هو معلم الكلاب ومضرّيها، ومن يعلم غير الكلاب يقال له: مكلب؛ لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب، وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تعلمونهن الطاعة كما تقدم، وطريقة الصيد بالإمساك وربما عُلّم بأن لا يقتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره؛ لأنه لا يحل، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ وطائفة من العلماء، ولا يمسكه لنفسه؛ ويعلمونهن من الحيلة في الاصطياد والتأني لتحصيل الحيوان وهذا كله جزء مما علم الله الإنسان، ولذلك قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي مما أمسكن لكم جراء تعليمكم وأمر تعالى بذكر اسم
стр. 831
الله عند إطلاق الجارح فقال : ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هذا أصل إباحة الأكل مما أمسكن؛ لأن ما لا يذكر اسم الله عليه لا يؤكل قال الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١).
والمصلحة الثانية في اقتناء كلب لحراسة الماشية وحمايتها، كحماية الغنم من الذئب مثلا، ومن السارقين، ويدرّب لأغراض تتعلق بها خارج المراح، وغير ذلك.
والمصلحة الثالثة ليدرب للحراسة العامة كحراسة الزرع وغيره مما تلزم حراسته، وما عدا ذلك فلا، فمن اقتنى كلبا لغير ما ذكر فإنه آثم، قال ﷺ : «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا، ولا ضرعا، نقص كل يوم من عمله قيراط» (٢)،
وذكر الماشية في رواية أخرى (٣).
نجاسة الكلاب:
أخذ العلماء من قوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب» (٤)، وهو حديث الباب، أخذوا دلالةً على نجاسة الكلب؛ لأنه إذا كان لعابه نجسا، وهو عرق فمه ففمه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأن لعابه جزء من فمه، وفمه أشرف ما فيه، فبقية بدنه أولى بالنجاسة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقال عكرمة ومالك في رواية عنه: إنه طاهر، ودليلهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٥)، ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب، ولم نؤمر بالغسل، وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد،
стр. 832
وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه، واستدلوا أيضا بما ثبت من حديث ابن عمر بلفظ: «كانت الكلاب تقبل وتدبر في زمان رسول الله ﷺ في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» (١)، وهذا مردود بأن مجرد الإقبال والإدبار لا يدلان على الطهارة، والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، واستدلوا على الطهارة أيضا بالترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، وغاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به (٢)، وعلى هذا نرى عدم جواز تربية الكلاب واقتنائها، إلا لحاجة ماسة، وفائدة ظاهرة لا يستغنى عنها، فلا بأس حينئذ كما هو الحال من التطور في تعليم الكلاب مهارات نافعة، كالكشف عن السرقات والممنوعات، والحراسات وغير ذلك من المنافع، وما كان استثناء الصيد والماشية والزرع، إلا لبيان الجواز في المنافع ولو تعددت، وليس المراد الحصر، مع لزوم القول بنجاستها تعبدا، وعدم مخالطتها واحتضانها إلا لضرورة ويجب التطهر، ولا يجوز تدريبها على تعذيب الناس، وامتهان كرامة الإنسان، مهما كانت جريمته، ومن فعل ذلك فقد تعدى وظلم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٧ - باب الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ
٧٥٤ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللَّه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ» (٣).
رجال السند: مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، هو الفريابي، وابْنُ عُيَيْنَةَ، هو سفيان، والزُّهْرِيُّ، هو محمد بن مسلم، وعُبَيْدُ اللَّهِ، هو ابن عبد الله بن عمر ثقة تقدم، وهم أئمة ثقات
стр. 833
تقدموا، وابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄، ومَيْمُونَةُ، هي أم المؤمنين ﵂، وهي خالة ابن عباس.
الشرح:
في الحديث السابق بيان حكم النجاسة إذا خالطت السوائل وولوغ الكلب مثال لذلك، وهذا الحديث فيه التفريق بين السائل والجامد، ومثاله الفأرة إذا وقعت في الجامدات، فتلقى وما حولها؛ ورواية ابن عباس عن ميمونة هي الأشهر، فالنجاسة لا تخالط الشيء الجامد، عكس السائل، فقد ورد النهي في قوله ﷺ : «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» (١)، ومع هذا اختلف العلماء في سريان النجاسة، والصحيح التفريق بين السائل والجامد.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٨ - باب الاِتِّقَاءِ مِنَ الْبَوْلِ
٧٥٥ - (١) أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، كَانَ أَحَدُهُمَا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَكَانَ الآخَرُ لَا يَسْتَتِرُ عَنِ الْبَوْلِ، أَوْ مِنَ الْبَوْلِ». قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَكَسَرَهَا فَغَرَزَ عَنِدَ رَأْسِ كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا قِطْعَةً، ثُمَّ قَالَ: فَغَرَزَ عَنِدَ رَأْسِ كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا قِطْعَةً، ثُمَّ قَالَ: «عَسَى أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا حَتَّى يَيْبَسَا» (٢).
رجال السند:
الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، وعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، والأَعْمَشُ، ومُجَاهِدٌ، وطَاوُسٌ، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄.
الشرح:
الصحيح من أقوال العلماء أن القبرين لمسلمين، ولذلك فعل رسول الله ﷺ ذلك رجاء التخفيف عنهما.
стр. 834
أما قوله: " وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، " فالمراد ليس التحرز منه أمرا كبيرا وشاقا، أما الذنب فكبير؛ لإن عدم ستر العورة من الكبائر، ولولا أنها من الكبائر لما كانت شرطا في صحة الصلاة، وكذلك النميمة من الكبائر لما فيها من إفساد المجتمع، وزرع الفتنة والشقاق بين الناس، ولكن رحمهما المبعوث رحمة للعالمين فرجا التخفيف عنهما، وهذا من خصائص رسول الله ﷺ لِطّلاعه على حالهما، وليس ذلك لسواه، وقد جعل الجريدة حدا للتخفيف الذي رجاه لهما.
ما يستفاد:
* فيه إثبات عذاب القبر.
* وجوب ستر العورة على كل حال.
* أن تعمد كشف العورة والتساهل في ذلك من الكبائر.
* تحريم النيمة وهي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد.
* بيان رحمة رسول الله ﷺ بهما فرجا لهما التخفيف مع عظم ما يعذبان فيه.
* في هذا موعظة وتحذير من الذنوب صغيرها وكبيرها.
* أن من مات على ذلك لم يتب منه فإنه يؤاخذ عليه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١١٩ - باب البَوْلِ فِي الْمسْجِدِ
٧٥٦ - (١) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا قَامَ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَصَاحَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَى بَوْلِهِ " (١).
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو أبو عبد الله المخزومي، ويَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هو الأنصاري، هما إمامان ثقتان تقدما، وأَنَسٌ، ﵁.
стр. 835
الشرح:
البول عمدا في المسجد حرام ويعزر صاحبه، ومن كان جاهلا كهذا الأعرابي فيعلم برفق، ويغسل البول بالماء إن كان مفروشا، وبالمكاثرة بصب الماء إن لم يكن مفروشا، ولا يزجر أثناء بوله، حتى لا ينتشر البول فيتسع المصاب بالنجاسة، ولئلا يصيب البائل ضرر بسبب الزجر.
ما يستفاد:
* عدم جواز البول في المسجد.
* أن الماء مطهر للنجاسة إذا أذهب عينها بالغسل أو المكاثرة.
* الرفق بالجاهل وتعليمه، وتعزير العامد وتأديبه.
* أن في ترك الأعرابي يكمل بوله تقديما للمفسدة وهي نجاسة الموقع، على المصلحة وهي تنزيه المسجد.
* وفيه جواز العمل بأخف الضررين فإن البائل لو زجر لاتسع التنجس، فقدم ما يقل ضرره على ما يكثر.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٠ - باب بَوْلِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ
٧٥٧ - (١) أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَحَدَّثَنَاهُ عَنْ يُونُسَ أَيْضاً، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: " أَنَّهَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ " (١).
رجال السند:
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، هو ابن فارس، ومَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، هو الإمام، ويُونُسٌ، هو ابن عبيد، والزُّهْرِيُّ، هو محمد بن مسلم، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، هو من فقهاء المدينة، هم أئمة ثقات تقدموا، وأُمُّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، ﵂.
стр. 836
الشرح:
المراد حكم بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، أي لا زال في دور الرضاعة دون سواها، فقد اختلف العلماء ﵏ في ذلك، والصواب أنه ينضح حتى يكثر عليه الماء، ولا فرق بينه وبين بو الجارية، أما إذا أكلا الطعام فإنه يجب غسل ما أصاب.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢١ - باب الأَرْضِ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضاً
٧٥٨ - (١) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ؟. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ». قِيلَ لأَبِي مُحَمَّدٍ: تَأْخُذُ بِهَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
رجال السند:
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، هو التنيسي، ومَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، هما إمامان ثقتان تقدما، ومُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، هو ابن حزم صدوق تقدم، ومُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، هو ابن الحارث التيمي ثقة، وحفيده موسى ضعيف، وأُمِّ وَلَدٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: اسمها حميدة مجهولة، وأُمَّ سَلَمَةَ، ﵂.
الشرح:
الحديث فيه جهالة الراوي عن أم سلمة، وأخرجه أبو داود حديث (٣٨٣) وابن ماجة حديث (٥٣١) وصححه الألباني عندهما وأخرجه أبو داود حديث (٣٨٣) وابن ماجة حديث (٥٣١) وصححه الألباني عندهما، وأخرجه الترمذي حديث (١٤٣) وقال: هو قول غير واحد من أهل العلم، قالوا: إذا وطيء الرجل على المكان القذر، أنه لا يجب عليه غسل القدم، إلا أن يكون رطبا فيغسل ما أصابه، وكذلك إذا جر ثوبه على نجاسة يابسة يطهره مروره على أرض طيبة طاهرة، أما إذا كان القذر رطبا فيجب غسله بالماء.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٢ - باب التّيَمُّمِ:
٧٥٩ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:
стр. 837
كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّىَ في الْقَوْمِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، هو أبو كريب، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن أسامة، وعَوْفٌ، هو ابن أبي جميلة الأعرابي، وأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، هو عمران بن ملحان التميمي، هم أئمة ثقات تقدموا، وعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، ﵁.
الشرح:
هذا أصله قول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٢)، والمراد بالتيمم أن يقصد فاقد الماء أرضا طيبة طاهرا ترابها إذا أراد الصلاة فيضرب بيديه الأرض ضربة يمسح بها وجهه، وأخرى يمسح بها كفية، فالتيمم من خصائص الأمة، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو واجب عند فقد الماء، يتطهر به من الحث الأكبر والأصغر، قال الله في الحدث الأصغر: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (٣)، المراد في حال المرض وعدم القدرة على استعمال الماء، ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٤)، في حال فقد الماء، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٥)، المراد حال قضاء الحاجة، وفقد الماء، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦)، المراد حالة
стр. 838
الجماع في سفر أو حضر عند فقد الماء، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١)، في كل الأحوال المذكورة إذا لم تجدوا الماء ففرض التطهر التيمم بالتراب، ضربة للوجه، وأخرى للكفين، وهذا طهارة كاملة من الحدثين.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ اللَّيْثِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتْهُمَا الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيداً طَيِّباً فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ بَعْدُ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ» وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ».
رجال السند:
محمد بن إسحاق هو المسيبي، من ولد المسيب بن عابد المخزومي المدني أحد مشايخ المصنف الثقات، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، هو أبو محمد الصائغ، مدني ثقة صحيح الكتاب، روى له الستة عدا البخاري، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إمام تقدم، وبَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ، هو أبو ثمامة الجذامي، فقيه ثقة روى له الستة عدا البخاري تعليا، وعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، هو الهلالي ثقة تقدم، وأَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِي، ﵁.
الشرح:
هذا يبين أن كلا منهم أصاب، فالذي لم يعد أصاب؛ لأنه تيمم في حال فقد الماء وصلى فصحت صلاته، ولا يجب أن يعيد صلاته، والذي أعاد الصلاة فصلاته بالتيمم صحيحة، وهي الفريضة، والإعادة اجتهاد منه فتكون له نافلة، والله أعلم، والحديث سنده حسن، أخرجه أبو داود حديث (٣٣٨) وقال: غير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، وذِكْرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل، وأخرجه النسائي حديث (٤٣٣) وصححه الألباني.
стр. 839
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٣ - باب التَّيَمّمِ مَرَّةً
٧٦١ - (١) حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي التَّيَمُّمِ: «ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» (١).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَحَّ إِسْنَادُهُ.
رجال السند:
عَفَّانُ، هو ابن مسلم، وأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وقَتَادَةُ، هو ابن دعامة، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَزْرَةُ، هو ابن عبد الرحمن بن زرارة ثقة تقدم، وسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبْزَى، كوفي تابعي ثقة، وأبوه، عبد الرحمن ابن أبزى من صغار الصحابة ﵁، وعَمَّارُ ابْنُ يَاسِرٍ، ﵁.
الشرح:
أصل هذا ما كان من عمر وعمار ﵄، وفيه " أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين، إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك، وكفيك» فقال عمر: اتق الله يا عمار قال: إن شئت لم أحدث به " وفي رواية: " فقال عمر: نوليك ما توليت " (٢)، واستنادا إلى هذه الرواية يكفي في التيمم ضربة واحدة في صعيد طيب للوجه والكفين، ومن جعل ضربة للوجه وضربة للكفين فجائز ولا حرج.
وقد كان عمر ﵁ يرى من أحدث ولم يجد الماء فلا يصلي حتى يجد الماء، ولم يذكر ما جرى له هو وعمار ﵄، ولا سؤال الرسول ﷺ عن الحكم، ولم يكذب عمارا ﵁، وإنما أراد منه الضبط لما يروي والتحقق مما يسنده إلى الرسول ﷺ ، وطاعة لولي الأمر قال عمار ﵁: " إن شئت لم أحدث به إن شئت لم أحدث به"،
стр. 840
وقول عمر ﵁: " نوليك ما توليت " المراد لا نكذبك ونحملك مسئولية ما قلت وما يكون عليه من تبعات في الدنيا والآخرة، وهذه موعظة عظيمة لعمار ﵁، ولغيره إلى يوم القيامة، وأن العاقل الثقة الرشيد يقبل منه قوله ويحمل مسئولية ذلك.
وفي حد التيمم خلاف بين العلماء، والصحيح أنه الوجه والكفين وجوبا، واستحب بعضهم إلى المرفقين، وما عدا ذلك فالأمة في جميع الأمصار على خلافه.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٦٢ - (٢) أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵄: " أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلَادَةً مِنْ أَسْمَاءَ فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاساً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْراً، فَوَ اللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً " (١).
رجال السند:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، هو الأشج، وأَبُو أُسَامَةَ، هو حماد بن سلمة، هو البزاز، وهِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ، وأَبوه، عروة بن الزبير، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَائِشَةُ، ﵄.
الشرح:
في هذا قصة نزول آية التيمم، وهي قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢)، في هذه الآية بيان لأحكام عدة:
стр. 841
الأول: النهي عن الصلاة في حال السكر، وهذا أول خطوة في تحريم الخمر ألا تشرب عند أوقات الصلوات الخمس، حتى لا يحصل التخليط في القراءة كما حدث لعلي ﵁، وقيل: عبد الرحمن بن عوف ﵁، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة إلى أن حرمت.
الثاني: تحريم دخول المسجد على الجنب والمكث فيه، إلا أن يكون مجتازا من باب إلى آخر، غير جالس فيه؛ لأن من جلس في المسجد فهو في صلاة، ومن شرط الجلوس فيه الطهارة من الحدث الأكبر، والوضوء من الحدث الأصغر لصلاة ركعتين تحية للمسجد.
الثالث: إباحة التيمم في حالات أربع: حالة المرض وعدم القدرة على استعمال الماء للغسل من الجنابة أو الوضوء للصلاة، وفي حالة فقدان الماء للمقيم أو المسافر، أو المجامع فطهارة أحدهم أن يقصد صعيدا طاهرا، فيضرب بيديه ويمسح بهما وجهه وكفيه، وهذه طهارة التيمم، وفي ذلك يسر ورفع للحرج وهو من رحمة الله وعفوه ومغفرته لهذه الأمة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
*١٢٤ - بابٌ فِي الْغُسلِ مِنَ الْجَنَابَةِ
٧٦٣ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: " وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مَسَحَهَا بِالأَرْضِ أَوْ بِحَائِطٍ - شَكَّ سُلَيْمَانُ - ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، فَأَعْطَيْتُهُ مِلْحَفَةً فَأَبَى وَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ، قَالَتْ: فَسَتَرْتُهُ حَتَّى اغْتَسَلَ " بالمنديل قَالَ سُلَيْمَانُ:
فَذَكَرَ سَالِمٌ: أَنَّ غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ هَكَذَا كَانَ مِنَ الْجَنَابَةِ (١).
стр. 842
رجال السند:
أَبُو الْوَلِيدِ، هو الطيالسي، زَائِدَةُ، هو ابن قدامة، وسُلَيْمَانَ، هو الأعمش، وسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وكُرَيْبٌ، هو ابن مسلم، هم أئمة ثقات تقدموا، وابْنُ عَبَّاسٍ، ومَيْمُونَةَ، ﵄، وهي خالته.
الشرح:
هذه صفة الغسل من الجنابة، والمجنب المبتعد المتنحي عن الشيء، والمراد بالجنابة الحدث الأكبر من جماع أو احتلام، فيجب التطهر منه بغسل بالماء، أو بتيمم في حال فقد الماء، والمشروع للمغتسل من الجنابة أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، على خلاف في وجوبها، ويكفي صب الماء عن مسح الرأس، ويؤخر غسل الرجلين بعد إفاضة الماء على كامل الجسد، وبعد هذا إن شاء نفض عن جسده الماء وإن شاء استعمل المناشف أو أي شيء آخر لتجفيف جسده.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٦٤ - (٢) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، ثِنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ كَفَّهُ في الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، حَتَّى إِذَا خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَبْرَأَ الْبَشْرَةَ، غَرَفَ بِيَدِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ " (١). قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ ابْنِ أَبِي الْجَعْدِ.
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، هو المخزومي، وهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وأَبوه، عروة بن الزبير، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَائِشَةُ، ﵄.
الشرح: في هذا زيادة التخليل وإرواء البشرة، وانظر ما تقدم.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٥ - باب الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ
стр. 843
٧٦٥ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ " (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، هو صدوق، والأَوْزَاعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وعُرْوَةُ، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَائِشَةُ ﵄.
الشرح:
في هذا بيان الجواز ولا حرج، ولذلك بوب العلماء على هذا، ويجوز أن يتطهر كل منهما بفضل الآخر، وفرقوا بين أن تخلوا بطهورها، والصحيح الجواز خلت أم لم تخل.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
٧٦٦ - (٢) أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ: وَهُوَ الْفَرَقُ " (٢).
رجال السند:
جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ إمام ثقة تقدم، وجَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، لا بأس به تقدم، والزُّهْرِيُّ، وعُرْوَةُ، هم أئمة ثقات تقدموا، وعَائِشَةُ، ﵄.
الشرح:
فيه بيان مقدار الماء الذي يغتسل به الاثنان، وهو أربعة أمداد.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٦ - باب مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنَ الْجَنَابَةِ
٧٦٧ - (١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ
стр. 844
يُصِبْهَا الْمَاءُ، فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ» قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ (١).
رجال السند:
مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وعَطَاء بْنُ السَّائِبِ، هو صدوق وقع له اختلاط، وزَاذَانَ، عَنْ عَلِيّ، ﵁.
الشرح:
هذا فيه شدة ووعيد إن صح عن علي ﵁، ولاسيما أنه قد روي عنه أنه " كان يقول: إذا اغتسلت من الجنابة أجزأك أن تصب على رأسك مرتين، والأثر موقوف عليه على الراجح، ولكن فيه تحذير من التساهل في تخليل الشعر وعدم إرواء البشرة.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٧ - باب الْمَجْرُوحِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ
٧٦٨ - (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: إِنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلاً أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ، فَأُمِرَ بِالاِغْتِسَالِ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ».
قَالَ عَطَاءٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ النبي ﷺ سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: «لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ وَتَرَكَ رَأْسَهُ حَيْثُ أَصَابَهُ الْجُرْحُ».
رجال السند:
أَبُو الْمُغِيرَةِ، هو عبد القدوس بن الحجاج، والأَوْزَاعِيُّ، هو عبد الرحمن ابن عمرو، وعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ هم أئمة ثقات تقدموا، وفي هذا انقطاع بين الأوزاعي وعطاء، وقد سمع الأوزاعي من عطاء، وابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄.
стр. 845
الشرح:
في هذا بيان خطورة الفتوى بغير علم، ووجوب سؤال أهل العلم، ولذلك دعا رسول الله ﷺ على أولئك المفتين بغير علم، وقد اختلف العلماء ﵏ فيمن أصابته جنابة وبه جروح وخاف على نفسه الهلاك أو الضرر، فالصحيح أنه يتيمم ولا يغتسل، عملا بآية التيمم، وقد نهى الله عن تعريض النفس للهلاك فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، وهذا تحذير للمسلم أن يقع فيما فيه هلاكه، وتوجيه إلى الأخذ بأسباب السلامة المشروعة، وأمر بالمحافظة على النفس فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٢)، لأنها ملك الباري ، فلا يعتدى عليها، والحديث في سنده انقطاع بين الأوزاعي وعطاء، أخرجه أبو داود حديث (٣٣٧) وابن ماجة حديث (٥٧٢) وحسنه الألباني عندهما دون البلاغ.
قال الدارمي رحمه الله تعالى:
١٢٨ - بابٌ فِي الَّذِي يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ
٧٦٩ - (١) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ".
رجال السند:
سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، هو ابن بجيل، وحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وثَابِتٌ، هو البناني، هم أئمة ثقات تقدموا، عَنْ أَنَسٌ، ﵁.
الشرح:
هذا فيه إباحة أن يجامع الرجل زوجاته ولا يغتسل إلا عند الأخيرة منهن، واستحب العلماء ﵏ لمن أراد المعاودة أن يغسل فرجه ويتوضأ، وأيضا إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام، أو يعاود الجماع، وعليه بوب العلماء ﵏.