← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الباب الثالث الفصل الأول: فضائل الحجاب الفصل الثاني: مثالب التبرج

стр. 1017

٩٦

стр. 1018

الفصل الأول: فضائل الحجاب أولًا: الحجاب طاعة لله وطاعة لرسول الله ﷺ : أوجب الله تعالى طاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) [الأحزاب: ٣٦، ٣٧] ) وقال : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) [النساء: ٦٥] ) وقد أمر الله النساء بالحجاب فقال : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] ) ،. وقال سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣] ) ، وقال ﵎: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] ) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] ) ،. وقال رسول الله ﷺ : "المرأة عورة" (١) يعني أنه يجب سترها.

стр. 1019

وعن عقبة بن عامر ﵁: أنه سأل النبي ﷺ عن أختٍ له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام " (١) . قال الخطابي ﵀: أما أمره إياها بالاختمار، فلأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار. اهـ (٢) . ثانيَا: الحجاب إيمان والله لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه: (وَقُل لِلِمُؤمِنَاتِ) وقال : (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) . ودخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة ﵂، عليهن ثياب رقاق، فقالت: إن كنتن مؤمنات، فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات، فتمتعن به" (٣) ، وأدْخِلت امرأة عروس عليها ﵂، وعليها خِمار قبطي معصفر، فقالت أم المؤمنين ﵂: " لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا" (٣) . ثالثا: الحجاب طهارة بَيَّن الله سبحانه الحكمة من تشريع الحجاب، وأجملها قي قوله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] )) ، فنص سبحانه على أن الحجاب طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات.

стр. 1020

وبيان ذلك أنه إذا لم تر العين لم يشته القلب، أما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب، وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛ لأن الرؤية سبب التعلق والفتنة، فكان الحجاب أطهر للقلب، وأنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والعصمة " رابعا: الحجاب عفة رغَب الإسلام في التعفف (١) ، وعظَّم شأنه، وكان ﷺ يأمر به، وَيَحُثُّ عليه، ففي الحديث أن هرقل سأل أبا سفيان: ماذا يأمركم؟ - يعني رسول الله ﷺ ففال: قلت: يقول "اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة" (٢) . وكان من دعائه ﷺ : "أسألك الهدى والتقى والعفة" (٣) ، وفي لفظ آخر: "إني أسألك الهدى والتقى والعفاف " (٤) الحديث. والعفة صفة من صفات الحور العين التي أشار إليها قوله تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢] ) ، وقوله : (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) [ص: ٥٢] ) ، وقوله جل وعلا: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات: ٤٨] ) فقوله جل وعلا: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) يعني: أنهن عفيفات لا ينظرن إلى

стр. 1021

غير أزواجهن، (عِينٌ) أي: حسان الأعين، جميلات المظهر، عفيفات تقيات نقيات. فقد جعل سبحانه عفتهن قرينة حجابهن وقرارهن في خيامهن، وامتدحهن بالعفة مع الجمال، فأعظم ما تكون العفة إذا ما اقترنت بالجمال، وقد وصف بهما يوسف ﵇ في قول امرأة العزيز: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) [يوسف: ٣٢] ) ،. ومن إعظام الإسلام لأمر العفاف أن شرط في إباحة الزواج من الكتابيات كونهن محصنات أي عفائف، كما أن العفة في القرآن خلق المؤمنات وسجية المحجبات. وقد جعل الله الحجاب عنوان عفة المرأة عن التهمة الموجبة للتأذي: * فقال الله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ) الإدناء (أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ) بأنهن عفائف (فَلَا يُؤْذَيْنَ) فلا يتعرض لهن الفساق بأذى من قول أو فعل، وذلك لأن التي تبالغ في التستر حتى تحجب وجهها لا يُطمع فيها أنها تكشف عورتها. والآية دليل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُنَّ أنهن غير عفيفات، وقوله تعالى: (فَلَا يُؤْذَيْنَ) [الأحزاب: ٥٩] ، نص على أن في معرفة محاسن المرأة إيذاءً لها ولذويها بالفتنة والشر. وقال : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) رخص لهن في وضع الجلابيب، ورفع الإثم عنهن في ذلك، ثم عقبه ببيان المستحب فقال : (وأن يستعففن) باستبقاء الجلابيب (خير لهن والله سمِيع

стр. 1022

عليمٌ) [النور: ٦٠] فحرض القواعد العجائزْ على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن وإن لم يتبرجن. فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز (١) ، فوجب أن يكون التحجب الكامل والاستعفاف عن إظهار الزينة خيرًا للشابات من باب أولى، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة، فظهر بذلك أن الحجاب عفة ونقاء وصيانة. خامسا: الحجاب ستر عن يعلى بن شداد بن أوس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والستر" (٢) الحديث. وقد امتن الله على الأبوين بنعمة الستر فقال : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)) [طه: ١١٨] ، وقال سبحانه ممتنًا على عباده: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) الآية [الأعراف: ٢٦] ، قال عبد الرحمن بن أسلم:، يتقى الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى) . ولذلك تجد وظيفة اللباس عند من لا يتقون الله ولا يستحيون منه كعامة

стр. 1023

الغربيين مثلًا، لا يتجاوز غرض الزينة والرياش، وأما المؤمنون المتقون فإنهم يحرصون على اللباس؟ أولَا لستر العورات التي يستحيا من إظهارها، ثم بعد ذلك لهم سعة في إباحة الزينة والتجمل. إن الذنوب معايب يُبْتعدُ عنها، ويُستتر منها، والعورات كذلك معايب يجب أن تستر، ويبتعد عما يحرم منها، وكأن المكثرين من الخطايا هم الذين لا يبالون بما يبدو من عوراتهم، ومن هنا ترى المؤمنين المبتعدين عن الذنوب بعيدين عن إظهار العورات. وجوب ستر العورات قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١] . وقال جل وعلا: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: ٣٠، ٣١] ، ويدخل في حفظ الفروج حفظها عن التكشف، وعن أن يُنظر إليها. وعن جابر بن صخر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا نُهينا أن تُري عوراتنا " (١) . حب الستر من أخلاق الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام * فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حَييًّا سِتِّيرًا، لايرى من جلده شيء، استحياءً منه " (٢) الحديث.

стр. 1024

وكان من دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي " (١) الحديث، وفي لفظ: "اللهم استر عورتي ". * وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال ﷺ : "احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينُك "، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لايرينها أحد فلا يَرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: "فالله ﵎ أحق أن يُستحيا منه من الناس " (٢) . فيستحب ستر العورة حتى في حال الخلوة - وقيل يجب؛ تأدبا مع الله ، لقوله ﷺ : "فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه من الناس ". وعن سعيد بن يزيد ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ : أوصني فقال: "أوصيك أن تستحيي من الله تعالى كما تستحيي من الرجل الصالح من

стр. 1025

قومك " (١) . * وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة " (٢) الحديث. بل ندبتنا الشريعة إلى الستر حتى عن أعين الجن الذين يَرَوْننا ولا نراهم. * فعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول: بسم الله " (٣) ، وعن علي ﵁ بلفظ: "إذا دخل أحدهم الخلاء" (٤) . وكل ما تقدم من الأدلة في حق الرجال فهو ينتظم النساء أيضًا لقوله ﷺ : "النساء شقائق الرجال " (٥) . وقد وردت أدلة خاصة تفيد أن المرأة كلها عورة بالنسبة للأجنبي، فيجب ستر ما يصدق عليه اسم العورة: * منها: ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1026

"المرأة عورة" (١) الحديث. * وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال. قال النبي ﷺ : "لا تباشر المرأةُ المرأة فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر- إليها" (٢) الحديث يفيد أنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء لشدة حرصهن على الستر إلا من طريق الصفة أو الاغتفال ونحو ذلك، ولهذا قال "كأنه ينظر إليها". وعدَّ رسول الله ﷺ النساء اللاتي لا يسترن زينتهن ضمن أهل النار: * فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٣) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات" (٤) . * * *

стр. 1027

نماذج من حرص الصحابة ﵃ على ستر النساء رُوي أن امرأة خرجت متزينة في عهد أمير المؤمنين عمر ﵁، أذن لها زوجها في البروز، فَأُخْبرَ بها عمر ﵁، فطلبها، فلم يقدر عليها، فقام خطيبا، فقال: َ "هذه الخارجة، وهذا المرسلها لو قدرت عليهما لشترت (١) بهما"، ثم قال: "تخرج المرأة إلى أبيها يكيد بنفسه (٢) ، وإلى أخيها يكيد بنفسه، فإذا أخرجت فلتلبس معاوزها" (٣) . ورُوي أنه ﵁ سمع نائحة، فأتاها، فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: "يا أمير المؤمنين، المرأهّ المرأة قد وقع خمارها"، فقال: "إنها لا حُرْمَةَ لها" (٤) . والشاهد جزع الصحابة ﵃ لما انحسر الخمار عن رأسها. ولما دخل الثوار المتمردون على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ليقتلوه حاولت زوجته نائلة بنت الفرافصة أن تستره بشعرها، فقال لها أمير المؤمنين ﵁: "خذي خمارك، فلَعمري لَدخولُهم عليَّ أعظم من حُرْمَة شعرك " (٥) .

стр. 1028

نماذج من حرض الصحابيات ﵅ على الستر قالت عائشة ﵂ في قصة الإفك: "فلما أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلفعت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، إذ مر بي صفوان ابن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته، فلم يبت مع الناس فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليَّ، فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي" (١) . والشاهد منه مبادرتها ﵂ إلى تغطية وجهها حرصا على الستر، إقامة لحدود الله . * وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: "رأيت حفصة بنت عبد الرحمن ابن أبي بكر دخلت على عائشة ﵂ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور (٢) ؟! ثم دعت بخمار فكستها) (٣) ، وفي رواية الموطأ "وكستها خمارا كثيفا" (٤) . * ودخل عليها- ﵂ نسوة من نساء أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكُورة (٥) التي يدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت:

стр. 1029

أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب " (١) . وعن أم سلمة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله عنها ستره " (٢) ، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل. * وعن أنس ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ فاطمة بعبدِ قد وهبه لها، قال: وعلىَ فاطمة ﵂ ثوب، إذا قَنَعت به رأسها، لم يبلغ رجليها، و، اذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغُلامُكِ " (٣) . وَيُرْوَى عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت "يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع النساء أن يُطْرحَ على المرأة الثوبُ فيصفها"، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ "، فدعت بجرائد رطبة، فحتتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: "ما أحسن هذا وأجمله تُعرف به المرأة من الرجل (٤) فإذا مت أنا فاغسليني أنت وعليّ ولا يدخل عَلَيَّ أحدٌ، فلما تُوُفِّيت غسلها علي وأسماء

стр. 1030

رضي الله عنهما" (١) . والشاهد منه أن فاطمة ﵍ استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح. * ومثله ما جاء عن نافع وغيره أن الرجال والنساء كانوا يخرجون بهم سواء، فلما ماتت زينب بنت جحش ﵂ أمر عمر ﵁ مناديا فنادى: "ألا لا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها"، فقالت بنت عميس: "يا أمير المؤمنين ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟ "، فَجَعَلَتْ نعشًا، وغَشَّتْة ثوبها، فلما نظر إليه قال: "ما أحسن هذا! ما أستر هذا" فأمر مناديًا أن اخرجوا على أمكم " (٢) . * وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة ﵂: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبرا"، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: "فيرخين ذراعا، ولا يزدن عليه" (٣) . * وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: ألا أُريك امرأة من أهل الجنة: قلت: بلى، قال هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ ، فقالت: إني أصْرعُ، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: "إن

стр. 1031

شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك "، قالت أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها (١) . والشاهد فيه حرصها على الستر حتى في حال العذر، ففي رواية البزار من وجه آخر عن ابن عباس ﵄ في نحو هذه القصة أنها قالت "إني أخاف الخبيث أن يجردني " الحديث. * وعن امرأة من الأنصار قالت: دخلت على أم سلمة ﵂، فدخل عليها رسول الله ﷺ وكأنه غضبان، فاستترت بكم درعي، فتكلم بكلام لم أفهمه، فقلت: يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله ﷺ غضبان؟ قالت: نعم أوَ ما سمعتيه؟ قالت: وما قال؟ قالت: قال: "إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه أنزل الله بأسه على أهل الأرض "، قالت: قلت: يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: "نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقبضهم الله إلى مغفرته ورحمته، أو إلى "رحمته ومغفرته " (٢) والشاهد قولها: "فاستترت بكم درعي ". * وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: "اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما"، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتُها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي ﷺ ، فكأنهما كرها ذلك، قال: فسَمعتْ ذلك المرأةُ، وهي في خدرها، فقالت: إن كان

стр. 1032

رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشُدك"، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرتُ إليها فتزوجتُها، فَذَكَر من موافقتها" (١) ، وموضع الشاهد منه واضح. * وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل "، فخطبتُ جاريةً فكنتُ أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوُّجها، فتزوجتها " (٢) . والشاهد قوله ﷺ : "فإن استطاع" إلخ؛ لأنه يبرز حرص المرأة المسلمة على الستر، حتى ليشق على من أراد رؤيتها أن يراها إلا بعناء واستغفال واختباء. * وعن محمد بن مسلمة ﵁ قال: "خطبت امرأةً، فجعلت أتخبأ لها، حتى نظرت إليها في نَخْل لها، فقيل له: أتفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ألقى الله في قلب امرئٍ خِطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها" (٣) ، ولو كانت هذه المرأة متكشفة

стр. 1033

معروضة كنساء هذا الزمان- إلا من رحم ربك لما احتاج إلى الاختباء وفي رواية عن سهل بن أبي حثمة قال "رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجَّار- وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه - لها ببصره طردَا شديدًا فقلت- أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟!، فقال: فذكر الحديث". * وعن عاصم الأحول قال: "كنَّا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رَحِمَكِ الله، قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) ، فتقول: هو إثبات الحجاب " (١) . (ولما كان العلامة الكاساني في حلب طلبت منه زوجته الفقيهة فاطمة بنت السمرقندي الرجوع إلى بلاده، فلما همَّ بذلك استدعاه الملك العادل نور الدين، وسأله أن يقيم بحلب، فعرفه أنه لا يقدر على مخالفة زوجه، إذ هي بنت شيخه، فأرسل الملك إلى فاطمة خادما بحيث لا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلم تأذن للخادم، وأرسلت إلى زوجها تقول له:! أبَعُدَ عهدُك بالفقه إلى هذا الحدِّ؟ أما تعلم أنه لا يحل أن ينظر إلىَّ هذا الخادم؟ وأي فرق بينه وبين الرجال في عدم جواز النظر؟ فأرسل إليها الملك امرأة لتكلمها في هذا) (٢) .

стр. 1034

سادسا الحجاب حياء * الحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى حيا- بالقصر - لأن به حياةَ الأرض والنبات والدواب، وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا، شقي في الآخرة، وحقيقته أنه خُلُق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق. * وبين الذنوب وبين قلة الحياء، وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثا (١) . * والحياء من أبرز الصفات التي تنأى بالمرء عن الرذائل، وتحجزه عن السقوط إلى سفاسف الأخلاق، وحمأة الذنوب، كما أن الحياء من أقوى البواعث عل الفضائل وارتياد معالي الأمور: * عن أبي السَّوَّار العدوي حسان بن حريث قال: سمعت عمران بن حصين ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير"، وفي رواية قال: " الحياء خير كله "، أو قال: "الحياء كله خير" شك الراوي (٢) . * ولعظيم أثره جعله الإسلام في طليعة خصائصه الأخلاقية: يُروَى عن زيد بن طلحة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء" (٣) .

стр. 1035

* وَبَيِّن ﷺ أن الحياء لم يزل مستحسنا في شرائع الأنبياء الأولين، وأنه لم يُرفع، ولم ينسخ في جملة ما نسخ الله من شرائعهم، فعن أبي مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت " (١) . * والحياء نوعان: أولهما: نفسي، وهو الذي خلقه الله تعالى في جميع النفوس، كحياء كل شخص من كشف عورته والوقاع بين الناس، والآخر: إيماني، وهو خصلة تمنع المؤمن من ارتكاب المعاَصي خوفًا من الله تعالى، وهذا القسم من الحياء فضيلة يكتسبها المؤمن، ويتحلى بها، وهي أمُّ كل الفضائل الأخرى. فلذلك وجب على المسلمين أن يُعوِّدُوا بناتهم على الحياء، والتخلق بهذا الخلق الذي اختاره الله تعالى لدينه القويم، لأن عدم الحياء علامة لزوال الإيمان، ولا يخفى ما يتولد عن ذلك من العواقب الوخيمة (٢) . * عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الحياءُ والإيمانُ قرِنا جميعًا، فإذا رُفِعَ أحَدُهُما رُفِعَ الآخر" (٣) . * وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار" (٤) .

стр. 1036

عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يَعِظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : "دعْهُ فإن الحياء من الإيمان " (١) .

стр. 1037

فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءَ من العذراء في خِدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه " (١) . * وعن عائشة ﵂ قالت: سألت امرأة النبي ﷺ كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: "تطهري بها سبحان الله "، واستتر، وأشار إلينا سفيان بن عيينة- أحد رواة الحديث- بيده على وجهه، قال: قالت عائشة: واجتذبتها إليَّ، وعرفت ما أراد النبي ﷺ فقلت: تتبعي بها أثر الدم (٢) . ولهذا؛ تأدب أصحابه ﵃ بهذا الخلق الإيماني، واختص بعضهم بمزية ظاهرة فيه، منهم أميرُ البررة، وقتيلُ الفجرة عثمان بن عفان ﵁. * عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "الحياء من الإيمان، وأحيى أمتي عثمان " (٣) . ومن فضائله ﵁ ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة لتستحيي منه "؟ (٤)

стр. 1038

* وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة، فأحني فيه صلبي حياء من ربي " (١) . وكذلك كان حال نساء الصحابة ﵅، فلقد جاءت فاطمة بنت عتبة ﵂ تبايع رسول الله ﷺ ، فاخذ عليها: (أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ) الآية، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأي منها، فقالت عائشة ﵂: "أقِرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا"، قالت: "فنعم إذَا"، فبايعها بالآية (٢) . النقاب حارس الحياء إن الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء، ولن تتزين امرأة بزينة هي أحمدُ ولا أجملُ من برقع الحياء، قال رسول الله ﷺ : "وما كان الحياء في شيء إلا زانه" (٣) . ولقد أبرز القرآن الكريم خلق الحياء في ابنتي الرجل الصالح، اللتين انحدرتا من بيت كريم، كله عفة وطهارة، وحسن تربية، وآية ذلك ما حكى القرآن من صيانتهما وحيائهما. فعن عمر بن الخطاب ﵁ في تفسير قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) [القصص: ٢٥] . قال: "ليست بِسَلفع (٤) من النساء خراجة ولَّاجة، ولكن جاءت

стр. 1039

مستترة، قد وضعت كم دِرْعها على وجهها استحياء" (١) ورواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر ﵁: "جاءت تمشي على استحياء، قائلةً بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَع من النساء ولَّاجة خَرَاجة" (٢) . * وعن عائشة ﵂ قالت: "كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي ﵁ واضعة ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر ﵁، والله ما دخلتُهُ إلا مشدودة عَلَيَّ ثيابي حياءَ من عمر ﵁ " (٣) . * وروى البخاري في صحيحه بسنده عن فاطمة ﵍ أن رسول الله ﷺ جاءها وعليًّا ﵁ وقد أخذا مضاجعهما" الحديث، وفيه في رواية على بن أعبد: "فجلس عند رأسها فأدخلت رأسها في اللفاع،

стр. 1040

حياءً من أبيها" الحديث (١) . * والحادثة التالية- إن صحت- تجسد قيمة الحياء: عن فرج بن فضالة عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ يقال لها أم خلاد وهي منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول فقال لها بعض أصحاب النبي ﷺ : جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟! فقالت: إن أرزأ ابني فلن أرزأ حيائي، فقال رسول الله ﷺ : "ابنك له أجر شهيدين "، قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب" (٢) . * ومما يؤكد ارتباط تغطية الوجه بشدة الحياء ما ثبت: عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت أم سُلَيم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل عل المرأة من غسل إذا احتلمت؟، قال النبي ﷺ : "إذا رأت الماء"، فغطَّت أم سلمة (٣) - تعني وجهها - وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟، قال: "نعم، تربت يمينك، ففيم يشبهها ولدها"؟ (٤) . ومما يذكر في كتب التاريخ والأدب أن النابغة أحد فحول الشعر الجاهلي قد مرت به امرأة النعمان في مجلس فسقط نصيفها (أي برقعها)

стр. 1041

الذي كانت قد تقنعت به فسترت وجهها بذراعيها وانحنت على الأرض ترفع النصيف بيدها الأخرى، فطلب النعمان من النابغة أن يصف هذه الحادثة في قصيدة فعمل القصيدة التي مطلعها. أمن آل مية رائح ومغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود إلى أن قال: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد (١) إن التجرد من خلق الحياء مدرجة الهلاك، والسقوط من درك إلى درك إلى أن يصبح الإنسان صفيق الوجه، وينزع منه خلق الإسلام، فيجترئ على المخالفات، ولا يبالي بالمحرمات، وهناك تلازم بين ستر ما أوجب الله ستره، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما متلازمان: فمن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح التكشف والحياء منه. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) الآية [الأعراف: ٢٦] ، قال الشاعر: إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانًا وإن كان كاسيا وخير خصال المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا إن مسارعة آدم وحواء إلى ستر عوراتهما بأوراق الشجر دليل على أن الحياء عنصر أصيل مركوز في فطرة الإنسان، فعليه أن يهتم به، ويحافظ عليه، ويصونه من أن يثلم، ففي صيانته، وسلامته سلامة للفطرة عن أن تمسخ أو تحرف، لأن في انحرافها مسخا وتشويها لآدميته، ولأن الحياء شعبة من شعب الإيمان، فمن تمسك به فقد تحصن ضد الشيطان، وأغلق

стр. 1042

في وجهه بابا منيعَا، لو قدر له أن يدخل منه، لنال صاحبَه شر عظيم، والعياذ بالله. إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء سابعا: الحجاب يناسب الغيرة إن الحجاب يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان السويُّ، والغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود غريزة تستمد قوتها من الشهوة، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب. إن المدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى، وقررت أن لا تحرم المنتسبين إليها التمتع بسفور النساء، واختلاط الجنسين، وضحَّتْ بالطبيعة الثانية في سبيل ذلك، فالرجل الغربي يخالط نساء الناس، ويجالسهن متهتكات، مقابل التنازل عن غيرته على زوجته وأخته وبنته، فيخالطهن غيره، ويجالسهن. إن القضاء على الغيرة بلغ عند مدنية الغرب إلى أن اعتبرتها من النقائص، بالرغم من أن الإنسان يشعر بفطرته أنها فضيلة، وتواضع كتابها وشعراؤها على تغيير هذه الفطرة. ومن الدليل على كون السفوريين يتكلفون إسكات صوت الغيرة في قلوبهم، وإماتتها مقابل ما يتمتعون به من الاختلاط بنساء غير نسائهم، أن مقلدتهم من المسلمين لا يسمحون بالدخول على نسائهم إلا لمن يسمح لهم بالدخول على نسائه، فلو قصدوا بالسفور الذي يدعون له إلى تحرير المرأة من أسر الاحتجاب كما يدعونه، لما حافظوا على شرط المعاوضة في سفور نسائهم عند أي رجل من معارفهم (١) .

стр. 1043

* وفي السطور التالية نتوقف قليلا لنفصل معنى الغيرة وفضيلتها، وبيان ارتباطها الوثيق بقضية صيانة المرأة وحفظ العرض، فنقول بتوفيق الله وحده: إن من آثار تكريم الإسلام للمرأة ما غرسه في نفوس المسلمين من الغيرة، ويُقْصَدُ بالغيرة تلك العاطفة التي تدفع الرجل لصيانة المرأة عن كل مُحرم وشين، وعار. قال النحاس: "الغيرة هي أن يحمي الرجل زوجته وغيرها من قرابته، ويمنع أن يدخل عليهن، أو يراهن غيرُ مَحْرَم " (١) . * ويَعُدُّ الإسلام الدفاع عن العرض، والغيرة على الحريم جهادا يبذل من أجله الدم، ويضحى في سبيله بالنفس، ويجازي فاعله بدرجة الشهيد في الجنة. * فعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قُتِلَ دُونَ ماله فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دون دَمِهِ فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (٢) . بل يعد الإسلام الغيرة من صميم أخلاق الإيمان، فمن لا غيرة له لا إيمان له، ولهذا كان رسول الله ﷺ أغير الخلق على الأمة: * فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غيرَ مُصْفِح (٣) ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ،

стр. 1044

فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟ والله، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها، وما بطن " الحديث (١) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله: أن يأتي المؤمنُ ما حَرمَ الله عليه " (٢) . * وإن من ضروب الغيرة المحمودة: أنفةَ المحبِّ وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره، ومن هنا كانت الغيرة نوعَا من أنواع الأثرة، لابد منه لحياطة الشرف، وصيانة العرض، وكانت أيضا مثار الحمية والحفيظة فيمن لا حمية له ولا حفيظة. وضد الغيور الدَّيُّوث، وهو الذي يقر الخبث في أهله، أو يشتغل بالقيادة، وقال العلماء أيضًا: (الديوث الذي لا غيرة له على أهل بيته) (٣) ، وفي المحكم: (الديوث الذي يُدخل الرجال على حرمه بحيث يراهم) (٤) ، وقد ورد الوعيد الشديد في حقه: * فعن عبد الله بن "عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجِّلة، والدَّيُّوث " الحديث (٥) .

стр. 1045

إن الغيرة على حرمة العفة ركن العروبة، وقوام أخلاقها في الجاهلية والإسلام، لأنها طبيعة الفطرة البشرية الصافية النقية، ولأنها طبيعة النفس الحرة الأبية. لقد رأينا هذا الخلق يستقر في نفوس الجاهليين الذي تذوقوا معاني تلك الفضائل، وتحلوا بها، فإذا هم يغارون على عِرض جيرانهم من هوى أنفسهم ذاتهم، استمع معي إلى. عنترة يقول مفتخرا بنفسه: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها وقول حاتم الطائي: إذا ما بت اختل عرس جاري ... ليخفيني الظلام فلا خفيت أأفضح جارتي وأخون جاري ... فلا والله أفعل ما حييت وفي عصر الإسلام يقول مسكين الدرامي: ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القِدْرُ ما ضر جاري إذ أجاوره ... أن لا يكون لبيته ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواريَ جارتي الخِدر ويقول آخر في جارته أيضًا: ولم أكن طلابا أحاديث سرها ... ولا عالمًا إذا ما مرت أي جنس ثيابها وربما قامت الحروب غيرة على المرأة، وحمية لشوفها، واستجابة لاستغاثتها واستنجادها: فقد (تدافعت أشراف العرب في مساق عامتهم يوم الفِجار (١) قريش وهوازن وكان من أمر ذلك أن شبابًا من كِنانة أطافوا بامرأة من غِمار الناس في سوق عُكاظ، فأعجبهم ما رأوْا من حسنها، وسألوها أن تُسْفِرَ لهم عن وجهها، فأبت ذلك عليهم، فاخذوا يُعْنِتُونَها (٢)

стр. 1046

ويسخرون بها، وهنالك نادت: يا آل عامر!، فَلَبَّتْها سيوف بني عامر، ووقف بنو كنانة يدرأون عن فتيانهم، وهاجت هَوَازِن لعامر، واغتمرت قريش في كنانة (١) ، وهنالك تفجرت الدماء، وتناثرت الأشلاء (٢) ، ولولا حكمة بدرت من حرب بن أمية يومئذ لكان الخطب أفدحَ، والمصاب أطَمَّ، فقد وقف بين القوم فحسم ضغينتهم، واحتمل ديات قتلاهم) (٣) . نماذج من غيرة الصحابة ﵃ فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان شديد الغيرة على النساء، فهو الذي أشار على الرسول ﷺ بحجب نسائه، فوافقه القرآن فعن أنس ﵁ قال عمر ﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (٤) . * عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتني دخلت الجنة، الحديث وفيه: "ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟، فقال: لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك "، وفي رواية أبي هريرة ﵁: "فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فولَّيت مُدْبِرا" فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ (٥) . * وعن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة ﵁: أنه دخل على أبي سعيد

стр. 1047

الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليَّ أن اجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟، فقلت: نعم، فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعُرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة" فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به - وأصابته غيرة - فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل، فإذا بحية عظيمة مُنْطَوِية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدْرى أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ ، وذكرنا ذلك له، وقلنا: ادْعُ الله يحييه لنا، فقال: "استغفروا لصاحبكم"، ثم قال: "إن بالمدينة جنّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا، فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان (١) . والشاهد منه قول الرواي: "وأصابته غيرة". * وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ألا تستحيون ألا تغارون: أن يخرج نساؤكم؟! فإنه بلغني أن نساءكم يخرجن في الأسواق يزاحمن العُلوج (٢) ، أما تغارون؟ إنه لا خير فيمن لا يغار" (٣) .

стр. 1048

* وذكر أبو عمر في "التمهيد" أن عمر ﵁ لما خطب عاتكة بنت زيد شرطتْ عليه ألا يضربها، ولا يمنعها من الحق، ولا من الصلاة في المسجد النبوي، ثم شرطت ذلك على الزبير، فتحيَّل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مَرَّت به ضرب على عَجيزتها؟ فلما رجعت قالت: "إنا لله! فسد الناس! "، فلم تخرج بعد (١) . * ويروى أن ابن مسعود ﵁ قال: "إن الله ليغار للمسلم، فَلْيَغَرْ" (٢) ولما دخل الخوارج المفسدون على أمير البررة، وقتيل الفجرة عثمان بن عفان ﵁ ليقتلوه، حاولت زوجه الوفية نائلة بنت الفرافصة ﵂ أن تستر أمير المؤمنين بشعرها، فقال لها: "خذي خمارَكِ، فلعمري لدخولهم على أعظم من حرمة شعرك" (٣) . أحداث صنعتها الغيرة * ذكر الحافظ ابن كثير- ﵀ في حوادث سنة ست وثمانين ومائتين: قال في المنتظم: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري (٤) ، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا؟، فلما صمَّموا علي ذلك قال الزوج: "لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدَّعيه، فأقرَّ بما ادعَتْ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وأنه إنما أقر ليصون

стр. 1049

وجهها عن النظر: هو في حِل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة اهـ (١) ، زاد الحافظ السمعاني في "الأنساب": فقال القاضي وقد أعجب بغيرتهما: يُكْتَبُ هذا في مكارم الأخلاق اهـ. * ويذكر بعض المؤرخين في حسنات الحجاج بن يوسف الثقفي: أن امرأة مسلمة سُبيت في الهند، فنادت: (واحَجَّاجاه) واتصل به ذلك، فجعل يقول: (لبيكِ) ، وأنفق سبعة ملايين من الدراهم حتى أنقذ المرأة) (٢) * وهذه امرأة شريفة أسرها الروم، لا تربطها بالخليفة (المعتصم بالله) رابطة سوى أخوة الإسلام، تستنجد به لما عذبها صاحب عمورية، وتطلقها صيحة يسجل التاريخ دويها الضخم: "وامعتصماه"، وما إن بلغت المعتصم هذه الندبة- وكان يأخذ لنفسه شيئًا من الراحة - حتى قالها بملء جوارحه: (لبيكِ) ، وانطلق لتوه إلى القتال، وانطلقت معه جحافل المسلمين، وقد ملأت الغيرة لكرامة المرأة نفس كل جندي إباءً وحماسا، فأنزلوا بالعدو شر هزيمة، واقتحموا قلاعه في أعماق بلاده حتى أتوا عمورية، وهدموا قلاعها، وانتهوا إلى تلك الأسيرة، وفكوا عقالها، وقال لها المعتصم: (اشهدي لي عند جَدك المصطفى ﷺ أني جئت لخلاصك) (٣) * (وفي القرن السابع الهجري حين ضرب التفرق أطنابه بين المسلمين

стр. 1050

حتى أضعفهم، واحتل الصليبيون قسمًا من بلادهم، وطمعوا في المزيد، واستعانوا ببعضهم على بعض، حتى أوشكوا أن يحتلوا مصر، فكر حاكم مصر الفاطمي آنذاك المدعو "العاضد لدين الله " أن يستعين بوالي الشام "نور الدين زنكي "، ولكنْ كيف وملك الشام لا يعترف بالخليفة الفاطمي في مصر، ولا يؤمن بشرعية خلافته، وحكمه إنما يدين بالاعتراف للخلافة العباسية في بغداد، وبينها وبين الفاطميين أشد الخصام؟ لقد وجد الحل بواسطة المرأة والغيرة على كرامتها، وهكذا أرسل العاضد إلى نور الدين زنكي رسالة استنجاد أرفقها بأبلغ نداء: أرفقها بخصلة من شعور نساء بيت خلافته في القاهرة، وكان أن بلغ التأثير مداه في قلب نور الدين، فسرت حمية الغيرة والنخوة قي جند الشام وأهله، فبذلوا- لإنقاذ مصر من الصليبيين- فلذات أكبادهم بقيادة أسد الدين شيركوه، ويوسف بن أيوب "صلاح الدين الأيوبي". وهكذا صنعت المرأة بخَصلة شعرها حدثًا غيَّر مجرى التاريخ، وقلب الأحداث رأسا على عقب، إلى أن كان يوم حطين الذي غسل الأرض المقدسة من العار، وأرغم جحافل الصليبيين على حمل عصا الرحيل والتسيار) (١) . إن حياة الغيرة التي يحياها المجتمع المسلم، والتي يسموا بها فوق النجوم رفعة، ويرتقي بها إلى أعلى المنازل فضلًا وطهرا، يقابلها في المجتمعات الكافرة قي الشرق والغرب حياة الدياثة (٢) والخباثة، والقذارة والحقارة، واللوثة والنجاسة، والذلة والمهانة، التي قد تترفع عنها بعض الحيوانات حيث تغار فحولها على إناثها، ويقاتل الفحل دون أنثاه كل فحل يعرض لها حتى تصير إلى الغالب، وتأمل معي القصة التالية:

стр. 1051

عن عمرو بن ميمون الأودي ﵁ قال: "رأيت في الجاهلية قرْدة اجتمع عليها قرَدةٌ قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم" (١) . فاستقباح الزنا، والغيرة على العرض فطر الله سبحانه عليه هذا الحيوان البهيم الذي لا عقل له! والغيرة علي الحريم رمز الإسلام، ومن فقدها من أبناء البلاد الإسلامية، فإنما فقدها بعد اندماجه في أمم لا يغارون على نسائهم، ولا يرون أي بأس في مخاصرة زوجاتهم لرجال آخرين، في مرأى منهم ومشهد اهـ (٢) . لقد وقع الشقاق الواسع بيننا وبين الأوربيين في الغيرة، يقول الدكتور نور الدين عثر حفظه الله: (إن أوربا لم تقدس العفة في يوم من الأيام، بل لم تحافظ على الطهر العذري، وحسبنا من المقياس الخلقي في موقفهم من المرأة أن لا نجد في لغتهم كلمة تعبر عن كرامة المحافظة والاستقامة في السلوك "الغريزي" أعني كلمة "العرض" هذه الكلمة الجامعة لمعاني الفضيلة "الغريزية"، وحمية المؤمن في الغيرة عليه والدفاع عنه) اهـ (٣) . إن الأوربيين يستهجنون هذه المعاني، ولا يستسيغونها، بل هم ينددون بهذه ا! لفطرة الإنسانية العالية، ويحاربونها بمختلف الأساليب، ويرمون من خلال قصصهم وأدبهم أن يهبطوا بالإنسان السامَي إلى مستوى الحيوانية السافلة. قال رفاعة الطهطاوي في مجلة "روضة المدارس " التي كان يرأس تحريرها: (من محاسن الإسلام أن الله قد أودع في قلب الرجل الغيرة على نسائه، حتى جعل بدن الحرة عورة

стр. 1052

بالنسبة للآخرين، فلا يحل لها كشفه عليه، ولا يحل له نظرها أيضًا، فلذلك كانت نساء الإسلام مصوناتٍ في بيوتهن، سيدات على غيرِهن.. ومن العادة أيضا العامة لسائر المسلمين، أنه لا يليق أن يسأل الإنسان عن حال زوجته، وإن كان هذا يُعَدُّ في بلاد الإفرنج من اللطافة والظرافة، لفقدهم الغيرة) اهـ (١) . عود على بدء إن الحجاب بمعناه الواسع يتناسب مع الغيرة المحمودة، وإن التبرج والاختلاط والخلوة المحرمة، وسائر أسباب الافتتان بالمرأة إنما تنتج عن عدم الغيرة وضعف الحمية. ولو أن المرأة التزمت درجة الحجاب المثلي وقرَّت في بيتها، ولو أنها إذا احتاجت للخروج فخرجت، حجبت كل بدنها عن الأجانب، لما كان لهذه الفتن مكان في حياتنا. ولو أننا تأملنا الواقع من حولنا لأدركنا أن بداية الفتتة إنما هي النظرة المحرمة على حد قول القائل: نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء فلو أسدل الحجاب علي وجه المرأة أيضا إذن لأخمدت الفتنة من أصلها، (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب: ٢٥] ،. ولقد سبق أن بَيَّنا أن من الغيرة المحمودة أنفةَ المحب، وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره، فإذا كان النظر المحرم إلى وجه المرأة وغيره هو "زنا العين " بنص حديث رسول الله ﷺ ، لم نحتج إلى إثبات أن هذا النظر نوع من المشاركة فيما ينبغىِ أن يستأثر به الزوج، أو المحارم لأمن الفتنة من جانبهم.

стр. 1053

ومن هنا يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته بين الرجال تنظر إليهم، وينظرون إليها" (١) . وأخيرَا قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول: قلت اسمحوا لي أن أفوز ... بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال: وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عُجابُ (٢) * * *

стр. 1054

الفصل الثاني مثالب التبرج التبرج لغة: هو إبداء المرأة زينتها، وإظهار وجهها، ومحاسن جيدها للرجال، وكل ما تستدعي به شهوتهم حتى التكسر والتبختر في مشيتها، ما لم يكن ذلك للزوج (١) . التبرج شرعا: هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة لمحاسنها، وقيل: هو التبختر والتكسر في المشية (٢) . وقيل: (هو كل زينة أو تجمل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الأجانب، حتى القناع الذي تستتر به المرأة إن انتخب من الألوان البارقة، والشكل الجذاب لكي تلذ به أعين الناظرين، فهو من مظاهر تبرج الجاهلية أيضا) (٣) . وفيما يلي نوضح مثالب التبرج وخطره على الدين والدنيا: أولا: التبرج معصية لله ورسوله ﷺ : ومن يعص الله ورسوله فإنه لايضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئَا، قال

стр. 1055

رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقالوا: يا رسول الله من يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (١) . واعلم- رحمك الله - أن كل آية أو حديث اشتملت، أو اشتمل على الزجر عن معصية الله ، ومعصية رسوله ﷺ يصلح أن يستدل به هنا، غير أننا- اختصارًا- نورد فيما يلي ما جاء في النهي عن معصية التبرج بخصوصها، فمن ذلك: ما رواه أبو حريز مولى أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: "خطب الناسَ معاوية ﵁ بحمص، فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حَرَّمَ سبعة أشياء، وإني أبلغكم ذلك، وأنهاكم عنه، منهن النوح، والشعر، والتصاوير، والتبرج، وجلود السباع، والذهب، والحرير" (٢) . وعن ابن مسعود ﵁ أن نبي الله ﷺ "كان يكره عشر خصال" وذكر منها: "والتبرج بالزينة لغير مَحَلها" (٣) . قال السيوطي ﵀: والتبرج بالزينة: أي إظهارهما للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما الزوج فلا، وهو معنى قوله "لغير محلها" اهـ (٤) . ثانيا: التبرج كبيرة موبقة: جاءت أميمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: "أبايعكِ على أن لا تُشركي بالله، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي وَلدَكِ، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية
следующие страницы →