← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ومن أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة: * تحريم الاختلاط المستهتر: تعريف الاختلاط المستهتر: هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة، أو: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. وقد حذر القرآن الكريم من هذا الاختلاط كما في قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣] ) ، فخير حجاب للمرأة بيتها، وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] ) ، إلى غير ذلك من الآيات. * وقال ﷺ : "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" (١) . وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول- وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: "استأخِرن، فليس لكن أن تَحْقُقْنَ (٢) الطريق، عليكن بحافات الطريق "، فكانت المرأة تلصَقُ بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٣) . وقد أفرد ﷺ في المسجد بابا خاصا للنساء يدخلن ويخرجن منه، لا يخالطهن

стр. 982

ولا يشاركهن فيه الرجال: فعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو تركنا- هذا الباب للنساء؟ " قال نافع: فلم يدخل منه ابنُ عمر حتى مات (١) . وعن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى أن يُدْخَلَ المسجدُ من باب النساء" (٢) . ومن ذلك: تشريعه للرجال إمامًا ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، حتى يخرجن، وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال، لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين- ولو بدون قصد- إذا خرجوا جميعا. قال أبو داود في "سننه": (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة) ثم ساق حديث أم سلمة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلا، وكانوا يرون أن ذلك كيما يَنفُذَ النساء قبل الرجال " (٣) . ورواه البخاري أيضًا وفيه: قال ابن شهاب: (فنُرى والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم) (٤) أي الرجال.

стр. 983

* وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كان يسلم فينصرفُ النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أّن ينصرف رسول الله ﷺ . وروي النسائي: "أن النساء كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومَن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال " (٢) . قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث ... كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت) اهـ (٣) . * وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي " (٤) . * وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتُهن خير لهن" (٥) . * وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٦) ، وهذا

стр. 984

كله في حالة العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه. * وعن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغَر ما شهدتُه، حتى أتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن، وذكَرهن، وأمرهن بالصدقة (١) الحديث. قال الحافظ ابن حجر: قوله: "ثم أتى النساء" يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم، قوله: "ومعه بلال " فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهدٍ ونحوه؟ لأن بلالا كان خادم النبي ﷺ ، ومتولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره اهـ (٢) . * وعن ابن عباس ﵄ قال: "شهدت الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ يصلونها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّس بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء" (٣) الحديث. وفي رواية مسلم: " يُجَلِّس الرجال بيده" وذلك كي لا يختلطوا بالنساء.

стр. 985

* ولقد حرصت الصحابيات علي عدم الاختلاط حتى في أشد المساجد زحاما، وفي أشد الأوقات زحامًا، في موسم الحج بالمسجد الحرام: (فعن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساءَ الطوافَ مع الرجال، قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟) أي غير مختلطات بهن (قال: قلت: أَبَعْدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: أي لَعمري، لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قال: قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يَكُنَّ يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف. حَجْرَةً) بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها راء أي ناحية، يقال: نزل فلان حجرة من الناس أي معتزلا، وفي رواية: "حجزة" بالزاي يعني مجوزًا بينها وبين الرجال بثوب (من الرجال، لا تخالطهم، فقالت امرأة: "انطلقي نستلم يا أم المؤمنين "، قالت: " انطلقي عنكِ "، وأبت، يخرجن متنكرات بالليل، فيطفن مع الرجال، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن) أي وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه (حتى يدخلن، وأخْرِج الرجال) (١) . ودخلت على عائشة ﵂ مولاة لها، فقالت لها: يا أم المؤمنين، طفت بالبيت سبعا، واستلمت الركن مرتين أو ثلاثًا، فقالت لها عائشة ﵂: "لا آجركِ الله، لا آجركِ الله، تدافعين الرجال؟! ألا كبرتِ ومررتِ؟! " (٢) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة (٣) .

стр. 986

ولقد حط الله عن النساء الجمعة، والجماعة، والجهاد، وجعل جهادهن لا شوكة فيه، وهو الحج المبرور. وكان النبي ﷺ قد أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعْتَدي عند ابنِ أُمِّ مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، ولا يراك " (١) . إلى أمثلة أخرى كثيرة كلها تؤكد حرص الإسلام على وضع وتثبيت حواجز الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء الأجنبيات. ومن صور الاختلاط المنهي عنه: ١- اختلاط الأولاد الذكور والإناث- ولو كانوا إخوة- بعد التمييز في المضاجع، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال رسول الله ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " (٢) . ٢- اتخاذ الخدم الرجال، واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن، رُوِي في بعض الآثار أن فاطمة ﵍ لما ناوَلَت أحَدَ ابنَيْها بلالًا أو أنسًا قال: "رأيت كفًا" يعني أنه لم يَرَ وجهًا (٣) ، وقد كان أنس ﵁ خادمًا خاصُّا للنبي ﷺ ، وكان يعيش عنده كأحد أهله. ٣- اتخاذ الخادمات اللائي يبقين بدون محارم، ْ وقد تحصل بهن الخلوة. ٤- السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم إلى

стр. 987

ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا. ٥- استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، وأصدقاءه- في حال غيابه ومجالستهم. ٦- الاختلاط في دور التعليم كالمدارس، والجامعات، والمعاهد، والدروس الخصوصية ٧- الاختلاط في الوظائف، والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات. ٨- الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها. فيا أولياء النساء والبنات والأزواج: احذروا: "الخلوة، والاختلاط المستهتر، والتبرج "، فإنها والزنى رفيقان لا يفترقان وصنوان لا ينفصمان غالبا. واعلموا: أن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة، وأن احترام القيود التي شرعها الإسلام في علاقة الجنسين هو صمام الأمن من الفتنة والعار، والفضيحة والخزي. احذروا أجهزة الفساد السمعية منها والبصرية التي تغزوكم في عقر داركم، وهي تدعو نساءكم وأبناءكم إلى الافتتان، وتضعف منهم الإيمان، وقد قيل: "حسبك من شَر سماعه"، فكيف برؤيته؟!! صونوا بناتكم وزوجاتكم، ولا تتهاونوا فتعرضوهن للأجانب فـ: إن الرجال الناظرين إلى النساء ... مثل السباع تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها ... أُكلت بلا عِوّض ولا أثمَانِ إن الأعراض إذا لم تصن بهذه الحصون والقلاع، ولم تحصن بالأسوار والسدود، فستسقط لا محالة- أمام هذه الهجمة الشرسة، ويقع

стр. 988

المحظور، ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة، واللوم أولًا وأخيرا على ولي البنت الذي ألقى الحبل على غاربه، وأرخى لابنته العنان، فيداه أوكتا، وفوه نفخ: نَعَبَ الغراب بما كرهـ ... ـتَ، ولا إزالة للقدرْ تبكي وأنت قتلتها! ... اصبر، وإلا فانتحر آخر: أتبكي على لبنى وأنت قتلتها ... لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع (١) ؟! * * * فتش عن الثغرة إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح المشينة، التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعد ما تبين. وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين، "لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب، عندما (سأله بعض عُشَرائه من رجال السياسة في أوربة، في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلاً: "لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال، ويغشين مجامعهن؟ ". فأجابه في الحال قائلاً: "لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجَهن".

стр. 989

وكاد هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر) (١) ولما وقعت فتنة الاختلاط بالجامعة المصريه، كان ما كان من حوادث يندى لها الجبين، ولما سئل "طه حسين " عن رأيه في هذا، قال: "لابد من ضحايا"!! ولكنه لم يبين. "بماذا" تكون التضحية؟ و "في سبيل ماذا" لابد من ضحايا (٢) ؟ وأي ثمرة يمكن أن تكون أغلى وأثمن من أعراض المسلمين؟!! والآن نستطيع- بكل قوة - أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهى أنك إذا وقفت على جريمةٍ فيها نُهِشَ العِرضُ، وذُبح العفافُ، وأُهْدِرَ الشرفُ، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي نسجت هذه الجريمة، وَسَهَّلت سبيلها، فإنك حاتمًا ستجد أن هناك ثغرةً حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة. . . دخل الشيطان!! وصدقِ الله العظيم: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) [النساء: ٢٧ - ٢٨] ) . *** ثانيا: التدابير الإيجابية بينا فيما مضى كيف أن الإسلام "يطارد" أسباب الفتنة حتى يقضي عليها، ويتتبع ذرائع المعصية، حتى يسد منافذها، ومنابع الفساد حتى

стр. 990

يجففها، ووسائل الفوضى حتى يجتثها من جذورها. يبقى أن ننبه إلى أنه في مقابل ذلك فتح للنكاح أبوابه على مصاريعها، وقضى على العقبات التي تعترضه بكل قوة، وهاك بعض وسائله في ذلك: علم س بالضرورة من دين الإسلام الترغيب في الزواج المشروع والحث عليه، وأنه من سنن الهدى، وجادة الإسلام. ودلت نصوص الشريعة على النهي عن التبتل والرهبانية (١) ، وأنها مولود مبتدع في الديانة النصرانية شدَّد الله النكير على فعلتها، فليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، وحديث الرهط نص في ذلك كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ (٢) ، ولهذا قَرَنَ في حديث آخر بين الأمر بالزواج، والنهي عن الرهبانية، وذلك فيما رواه أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" (٣) وذكر الذهبي في "السير": أن طاوسا ﵀ قال: "لا يتم نسك

стр. 991

الشاب حتى يتزوج "، وقال لإبراهيم بن ميسرة: تزوج أو لأقولن لك ما قال عمر ابن الخطاب ﵁ لأبي الزوائد: "ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور" اهـ (١) وقال المرُّوذي قال أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء، النبي ﷺ تزوج أربع عشرة، ومات عن تسع، ولو تزوج بشر بن الحارث لتم أمره، ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج، ولا كذا ولا كذا، وقد كان النبي ﷺ يصبح وما عندهم شيء، ومات عن تسع، وكان يختار النكاح ويحث عليه، ونهى عن التبتل، فمن رغب عن سنة النبي ﷺ فهو على غير الحق ويعقوب في حزنه قد تزوج وَوُلِدَ له. والنبي ﷺ قال: "حببَ إلي النساء" (٢) قلت له: فإن إيراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال: "لَروعة صاحب العيال "، فما قدرت أن أتم الحديث (٣) ، حتى صاح بي وقال: وقعنا في بنيات الطريق، انظر- عافاك الله - ما كان عليه نبينا محمد ﷺ وأصحابه، ثم قال: لبكاء الصبي بين يدي أبيه يطب منه خبزا أفضل من

стр. 992

كذا وكذا، أنى يلحق المتعبد المتعزبُ المتزوجَ؟! انتهى كلامه (١) . وعن عثمان بن خالد قال: قال شداد بن أوس: (زَوِّجوني فإن رسول الله ﷺ أوصاني أن لا ألقى الله عزبًا" (٢) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لو لم يبق من أجلي سوى عشرة أيام أعلم أني أموت بعدهن، ولي طَول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة" (٣) . * إن جمهور فقهاء الإسلام يقررون أن النكاح سنة مؤكدة، وقال بعض الفقهاء من السلف وغيرهم: "إنه واجب"، بناء على الأوامر الإلهية، والخطابات النبوية الكثيرة، وقد اتفقوا جميعَا على أن من خاف العنت أو الزنا على نفسه وجب عليه أن يبادر إلى النكاح ليقي نفسه من الحرام، وإن لم يستطع فعليه بالصوم يكثر منه، كما في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه لى وجاء" (٤) . وحسب شبابنا لفهم هذه الأهمية أن العلماء بينوا أن النكاح أفضل عن التفرغ للعبادة. ولو سأل سائل فقال: "إني رجل مستطيع النكاح، ولا أخاف على

стр. 993

نفسي الحرام لو لم أتزوج، وأريد أن أظل عزبا ليكفيني أقل مال وعمل لكسب معيشتي، وسأشغل وقّتي كله بالعبادات النافلة من صلاة وصوم وذكر وقرآن.. إلخ" لقال العلماء لهذا الرجل "الزواج مع أداء العبادات المفروضة والسننْ الراتبة أفضل " (١) ومن تشريعات الإسلام في هذا الباب: * الترخيص لمن لم يقدر على نكاح الحرائر أن ينكح الإماء، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء: ٢٥] ) ، * ومنها: وجوب تعاون المسلمين على تزويج عزابهم من نساء ورجال حتى لا يبقى في القرية أو الحي عَزَبٌ تخشى فتنته، قال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٢] ) ، والأيامى جمع أيم، وهو من ليس متزوجًا من ذكر أو أنثى، فالرجل أيّم، والمرأة أيّم إذا لم يكن لها زوج. قال ابن مسعود ﵁:"التمسوا الغنى في النكاح "، وتلا هذه الآية، وقال عمر ﵁: "عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح، وقد قال الله تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٢) . وبين هذا المعنى قولُ النبي ﷺ : "حق على الله عونُ من نكح التماس العفافِ عما حَرمَ الله. (٣) . وقوله ﷺ : "ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله،

стр. 994

والمكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف " (١) . وحرص رسول الله ﷺ على تيسير النكاح وتذليل عقباته، فمن ذلك قوله ﷺ "خير النكاح أيسره " (٢) . وقوله ﷺ : "خير الصداق أيسره" (٣) . * ومنها: أَمْرُ مَنْ لم يجد النكاح بالاستعفاف: قال : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٣] ) . * * *

стр. 995

وبعد فهكذا نظم الإسلام الحياة الاجتماعية للناس تنظيما دقيقا، ووضع لهم التشريعات التي تكفل سعادتهم واستقامتهم، وقد تبين لنا من هذا الباب كيف أن الشريعة الإلهية عندما تحرم شيئا فإنها لا تكتفي بتحريمه فحسب، بل إنها تنادي في الوقت ذاته بتحريم كل ما يرغب الناس في إتيانه، أو يهيئ لهم فرصه، أو ما يكرههم عليه من الأسباب والدواعي. فها هي الشريعة المطهرة عندما تحرم الجريمة تحرم معها أسبابها وذرائعها ووسائلها، حتى تستوقف المرء على مسافة بعيدة قبل أن يفضي إلى حدود الجريمة الأصلية. ولا ترتضي الشريعة المحكمة حين تحرم شيئًا من الجرائم أن تلقي في روع الناس أن العقوبة قد وجدت لمجرد التنكيل بهم، ومحاسبتهم فقط، بل تشعرهم بأنها ناصحة لهم، ومصْلِحَة لمفاسدهم، ومُذَلِّلَةٌ لمشاكلهم، فتستخدم كل ما يؤثر فيهم من التدابير الوقائية الممكنة، وكذا الإجراءات العلاجية التي توصد باب الفتنة، وتعين على اجتناب الموبقات. وقد بان لك موقع الحجاب الشرعي من هذه الإجراءات، وكيف أن فرضيته تتواءم مع مقاصد الشريعة التي منها: المحافظة على النسل والعرض. * * *

стр. 996

الباب الثاني الفصل الأول: معنى الحجاب ودرجاته الفصل الثاني: تاريخ الحجاب

стр. 997

الفصل الأول: معنى الحجاب ودرجاته * معنى الحجاب: أولًا- في اللغة (١) : الحَجْب والحِجاب: المنع من الوصول، يقال: حَجَبَهُ أي: مَنَعَه حَجْبًا وحجابًا، ومنه قيل للستر الذي يحول بين شيئين: حجاب؛ لأنه يمنع الرؤية بينهما، وسمي حجاب المرأة حجابا؟ لأنه يمنع المشاهدة، وقيل للبواب: حاجب؛ لأنه يمنع من الدخول عليه إلا بإذنه خشية الأذى يصيبه، وفي الحديث: "قال بنو قصي: فينا الحجابة" يعنون حجابة الكعبة، وهي سدانتها، وتولي حفظها، أو هم الذين بأيديهم مفاتيحها، وكل شيء منع شيئًا فقد حجبه كما تحجب الإخوة الأمَّ عن فريضتها، فإنهم يحجبون الأم عن الثلُثِ إلى السُّدُسِ. والحاجبان من الرأس لكونهما كالحاجبين للعينين في الذَبِّ عنهما، واحتجب الملِكُ عن الناس، وتحجَّب: إذا اكتن من وراء حجاب، ومادة الحجاب وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم، ومعناها فيها جميعا يدور بين الستر والمنع: ومنه قوله تعالى: (حَتَى تَوَارَتْ بِاَلحجَابِ) [ص: ٣٢] ، أي: احتجبت، وتوارت بالجبل أو الأفق، ومنه قوله : (وَبَيْنَهُمَا جِجَابٌ)

стр. 998

[الأعراف: ٤٦] ، أي: سور، ومنه قوله تعالى: (وَمَا كاَنَ لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ الله إلا وحيا أَؤ مِن وَرَاء جِجَاب) [الشورى: ٥١] ، أي من حيث لا يراه، وكذا في قوله سبحانه: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين: ١٥] ) ، أي: مستورون، فلا يَرَوْنَهُ. ولم يذكر لفظ الحجاب في موضوع بحثنا- وهو ستر النساء عن الرجال- إلا في موضعين، أحدهما: قوله : (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا [مريم: ١٧] ) ، وثانيهما في قوله جل وعلا: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣] ) ، أي: ساتر يحول بينكم وبين رؤيتهن. ومن استعمال الحجاب في المعاني قولهم: العجز حجاب بين الإنسان ومراده، والمعصية حجاب بين العبد وربه، وجمع حجاب حجُب، مثل كتاب كتب. ثانياَ - في الشرع: وردت عدة تعريفات شرعية للحجاب، يدور أغلبها حول جانب معين منه، غير جامع لكل أركانه ومقوماته، مثل قول بعضهم: (هو ساتر يستر الجسم فلا يشف، ولا يصف) (١) . وقول البعض الآخر: (هو حجب المرأة المسلمة من غير القواعد من النساء عن أنظار الرجال غير المحارم لها) (٢) . والذي يساعد على وضع تعريف جامع للحجاب هو معرفة الغرض منه، وكما أسلفنا القول فإن الحجاب أحد التدابير الوقائية التيَ شرعت من أجل منع وقوع الفتنة بين الرجال والنساء من جهة الشهوة.

стр. 999

ْإذن فالحجاب لفظ ينتظم جملة من الأحكام الشرعية الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في المجتمع الإسلامي من حيث علاقتها بمن لا يحل لها أن تظهر زينتها أمامهم. وقد بَيَّنا جملة صالحة من هذه الأحكام في الفصل السابق بحيث نستطيع الآن أن ندرك موقع الحجاب بالنسبة لمقاصد الشريعة العليا خاصة ما يتعلق بحفظ العرض. * معنى السفور (١) : يقال: سفرت الريحُ الغيمَ عن وجه السماء سَفْرًا، فانسفر، فرَّقته فتفرق، وسُمىَ السفَرُ سَفَرًا لأنه يُسفِرُ عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها. . . وإذا ألقت المرأة نقابها قيل: سفرت فهي سافرٌ بغير هاء، قال أبو منصور: وسفرت المرأة وجهها إذا كشفت النقاب عن وجهها، تَسْفِرُ سُفورًا فهي سافرة. وبهذا يعرف أن السفور لغة هو كشف الوجه، وقد خرج السفور اليوم عن معناه في أصل اللغة، وتحول إلى التبرج الفاحش والاختلاط المزري بالأجانب. من صور الحجاب: للحجاب صور متعددة يمكن أن تحتجب بها المرأة عن الأجنبي، فقد يكون الحائط مثلًا، أو الستارة السميكة، أو الباب حجابَا بينهما، وقد تغطي المرأة وجهها: * بالنقاب: وهو القناع الذي تضعه المرأة على مارن أنفها بحيث يُظْهِرُ

стр. 1000

عينيها ومحاجرهما (١) ، وهو ما يسمى باللفام، فإن كان لا يظهر منه إلا عيناها فقط سمي برقعا أو سمي بالوصوصة. وسمي النقاب نقابا لوجود نقبين في مواجهة العينين لمعرفة الطريق، قال الشاعر وهو يصور النقاب، وقد صنع من وجه المرأة هلالا به العينان؟ سفرن بدورًا وانتقبن أهلة * أو بالخمار، ويسمى أيضا: النَّصِيف، وهو ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كُلِّها، وير نصيفًا؟ لأنه نَصَف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها، وقيل: نصيف المرأة معجرها، والمعجر: ثوب تلفه المرأة فوق رأسها، ثم تتجلبب فوقه بجلبابها، والاعتجار: أن يلف المعجر على الرأس، ويرد طرفه على الوجه، وقال ابن حجر في تعريف الخمر: ومنه خمار المرأة؟ لأنه يستر وجهها) اهـ (٢) . درجات الحجاب للحجاب الشرعي المأمور به ثلاث درجات بعضها فوق بعض في الاحتجاب والاستتار، دل عليها الكتابُ والسنة: الأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجدر والخدر، وأمثالها، بحيث لا يرى الرجال شيئا من أشخاصهن ولا لباسهن ولا زينتهن الظاهرة ولا الباطنة ولا شيئا من جسدهن من الوجه والكفين وسائر البدن، وقد أمر

стр. 1001

الله بهذه الدرجة (١) من الحجاب فقال (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣] ) وِقال : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣] ) ،. ويرشح هذه الدرجة أحاديث تحبب إلى المرأة القرار في البيت، وعدمَ الخروج حتى إلى صلاة الجماعة مع رسول الله ﷺ ، فإن قرارها في بيتها أرجى لها في الأجر عند الله تعالى. الثانية: خروجهن من البيوت مستورات، ومن أدلتها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية [الأحزاب: ٥٩] ،. الثالثة: خروجهن مستورات الأبدان من الرأس إلى القدم، مع كشف الوجه واليدين عند أمن الفتنة عند بعض الأئمة (٢) . واتفق جمهور علماء المذاهب في هذا الزمان على وجوب تغطية الوجه والكفين من المرأة سدُّا لذرائع الفساد، وعوارض الفتن، فلم يبق يشرع إلا الدرجتان الأولى والثانية. * * *

стр. 1002

الفصل الثاني تاريخ الحجاب تعتبر قضية "الحجاب" جزءا من مقومات المرأة، مرتبطًا بأوائل وجودها، إذ كانت بدايته مع الأبوين في الجنة حيث أسكنهما الله تعالى، يأكلان منها حيث شاءا إلا شجرة واحدة فوسوس لهما الشيطان حتى أكلا منها، قال تعالى: (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٢] ، ثم أهْبِطا إلى الأرض، وبدءا حياة جديدة، فأنزل الله عليهما اللباس مرة أخرى. كما قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] ) ،. وقد حذر الله بني آدم من فتنة الشيطان في موضوع هذا اللباس خصوصًا حتى لا يعيد معهم الكرَّة، فقال جل وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: ٢٧] ،. فماذا عن التطورات التاريخية لحجاب المرأة عند الأمم المختلفة، ونخص منها أهل الكتاب وعرب الجاهلية؟ الحجاب عند أهل الكتاب من الأوهام الشائعة خاصة عند الغربيين أن حجاب النساء نظام ابتدعه الإسلام، وأنه لم يكن له وجود قبل الإسلام لا في جزيرة العرب، ولا في

стр. 1003

غيرها، وكادت المرأة المحجبة عندهم أن تكون مرادفة للمرأة المسلمة، أو المرأة التركية (١) التي كانت تمثل الإسلام في نظرهم من خلال "تركيا" دار الخلافة، وهذا الوهم مما يبين مدى جهلهم لا بحقائق الإسلام نفسه فحسب، بل أيضا بحقائق التاريخ، ونصوص كتبهم الدينية التي يتداولونها، ويتعصبون لها، ولا يكلفون أنفسهم عناء قراءتها ومراجعتها، ونخص بالذكر التوراة، والإنجيل. فمن يقرأ كتبهم يعلم بغير عناء كبير في البحث أن حجاب المرأة كان معروفا بين العبرانيين، من عهد إبراهيم ﵇، وظل معروفًا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا، إلى ما بعد ظهور النصرانية (٢) . وقد تكررت الإشارة إلى البرقع في غير كتاب من كتب العهدين القديم والجديد (٣) : ففي الأصحاح الرابع والعشرين من "سفر التكوين" عن

стр. 1004

"رفقة" أنها رفعت عينيها، فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل، وقالت للعبد: "من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي "، فقال العبد: "هو سيدي "، فأخذت البرقع، وتغطت. وفي الأصحاح الثامن والثلاثين من "سفر التكوين " أيضًا: أن ثامار مضت، وقعدت في بيت أبيها، ولما طال الزمن، خلعت عنها ثياب ترمُّلِها، وتغطت ببرقع، وتلففت. وفي النشيد الخامس من أناشيد سليمان تقول المرأة أخبرني يا من تحبه نفسى أين ترعى عند الظهيرة؟ ولماذا أكون كمقنعة عند قطعان أصحابك؟. وفي الأصحاح الثالث من "سِفر أشْعِيا": إن الله سيعاقب بنات صِهْيْونَ على تبرجهن والمباهات برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهِلَّة والحِلَق والأساور والبراقع والعصائب (١) . ويقول "بُولس" في رسالته "كورنثوس " الأولى: (إن النقاب شرف للمرأة) ، وكانت المرأة عندهم تضع البرقع على وجهها حين تلتقي بالغرباء، وتخلعه حين تتروي في الدار بلباس الحداد. وكانت الكنيسة في القرون الوسطى تخصص جانبا منها للنساء حتى لا يختلطن بالرجال. قال الكونت "هنري دي كاستري": ربما كان الإنجيل أكثر تدقيقًا في التشديد- يعني في الحجاب- ولكنه لا يعمل به إلا قوم خصَّهم الله بمواهب الكمال، اهـ من كتاب "الإسلام خواطر وسوانح " اهـ (٢) .

стр. 1005

(وفي يوم من الأيام حكمت الكنيسة الأرثوذوكسية بحرمان المرأة حقها في المجتمع، فحظرت عليها حضور المآدب والحفلات، وألزمتها الحجاب صامتة صابرة،، لا شأن لها إلا الطاعة للزوج، والقيام بالغزل والنسيج، وطهي الطعام، وإذا خرجت من بيتها خرجت مستورة الجسم من قمة رأسها إلى أخمص قدمها) (١) . ولعله لهذا بقيت آثار البرقع والحجاب عند أهل الكتاب حتى يومنا هذا، وذلك واضح في زي راهبات النصارى، ودخول النصرانيات الكنيسة، وقد غطين رؤوسهن بساتر، بل هن حتى اليوم في حفلات أعراسهن يغطين وجوههن بنقاب شفاف فلعله من بقايا دينهم. الحجاب عند عرب الجاهلية نبين في هذا الفصل- إن شاء الله- أن العرب عرفوا في جاهليتهم حجاب القرار في البيت، وئقاب الوجه، ولعل هذا من بقايا الحنيفية السمحة التي تلقاها عرب الجاهلية عن ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما تلقوا منها الختان والعقيقة وغيرهما، كما عرفوا سفور الوجه الذي كان أغلب حالات فتيات العرب، وعرفوا هيئات مختلفة من التبرج الذي وصفه الله بأنه "تيرج الجاهلية الأولى"، وذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] ؛ فقد كانت المرأة تلبس درعًا من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال (٢) . وفي أقصى الطرف الآخر كان هناك طائفة من العرب عرفوا التكشف الفاضح حيث كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويُسَوِّغون ذلك بقولهم: "لا

стр. 1006

نطوف في ثياب عصينا الله فيها" (١) !، بل افتروا على الله الكذب حيث قالوا في تسويغ تلك الفاحشة: (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) [الأعراف: ٢٨] ،. وفي "صحيح مسلم"، (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافًا؟ تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (٣) الآية [الأعراف: ٣١] ،. وكان من لباس نساء الجاهلية المهلهل والهفاف، وهما دقيقا الخيط، رقيقا النسيج، أما ما كَثُف حَوْكُه، وضوعفت حواشيه فيدعى بالصفيق والشبيع والحصيف.. ومن لباسها الدثار، وهو جلباب شامل، والنطاق وهو ثوب تشده المرأهْ إلى وسطها، وترخي نصفه الأعلى على نصفه الأسفل (٤) . وقد سجلت لنا آثارهم الأدبية وأشعارهم على وجه الخصوص الحالة الاجتماعية للمرأة الجاهلية، وهذا ما نفصِّله فيما يلي إن شاء الله. أولا: حجاب الجدر عرف العرب حجاب الجدر، وهو قرار المرأة في بيتها،- فمن ذلك قول

стр. 1007

بعضهم: ما كان أغناني عن حُب مَن ... مِن دونه الأستار والحجبُ ومنه أيضًا قول امرئ القيس: وَبَيْضَةِ خِدر لا يُرَام خِباؤها ... تَمَتَّعْتُ! مِنْ لَهْوٍ بها غَيْر مُعْجلٍ يقول: وَرُبَّ امرأة كالبيض في سلامتها أو في الصون والستر أو في صفاء اللون ونقائه ملازمة خِدرَها غير خَرَّاجةٍ وَلا ولاجَة انتفعت باللهو فيها على تمكث وتلبث لم أعجل عنها، ولم أشغل عنها بغيرها (١) . وامتدح العرب المرأة التي تقر في بيتها، ولا تخرج منه، فقال بعضهم في ذلك: من كان حربًا للنسا ... ءِ فإنني سلم لهنه فإذا عثرن دعونني ... وإذا عثرت دعوتهنه وإذا برزن لمحفل ... فقصارهن ملاحهنه فقوله: قصارهن يعني المقصورات منهم في بيوتهن اللاتي لا يخرجن منها إلا نادرًا، كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله: وأنتِ التي حببتِ كل قصيرة ... إليَّ وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحَجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر والحجال جمع حجلة، وهي البيت الذي يزين للعروس، فمعنى قصيرات الحجال: المقصورات في حجالهن، البحاتر: جمع بُحْتُر وهو القصير المجتمع الخَلْق. وذكر بعضهم أن رجلًا سمع آخر قال: لقد أجاد الأعشى في قوله: غراءُ فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشى الوَجِي الوَحِلُ (٢)

стр. 1008

كان مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجلُ ليست كمن يكره الجيران طلعتها ... ولا تراها لسر الجار تختتل فقال له: قاتلك الله، تستحسن غير الحسن، هذه الموصوفة خرَّاجة وَلاجة، والخراجة الولاجة لا خير فيها، ولا ملاحة لها، فهلا قال كما قال أبو قيس بن الأسلت: وتكسل عن جاراتها فيزرنها ... وتعتل من إتيانهن فَتُعْذَرُ (١) ومن امتداح العرب المرأة القارَّة فِى بيتها قول امرئ القيس: ويضحى فتيتُ المسكِ فوق فراشها ... نؤومَ الضُّحى لم تنتطِقْ عن تَفَضُّلِ (٢) فهو يذكر ترف هذه المرأة، وأن لها من يكفيها، فقال "نؤوم الضحى" أي أنها تنام إلى وقت الضحى، وأن فتيت المسك - وهو ما تفتت من المسك عن جلدها فوق الفراش- يبقى إلى الضحى، وهي لا تنتطق أي لا تلبس النطاق في وسطها لِتَخْدُمَ، ولكنها في بيتها متفضلة. بل كان من الجاهليات من توصف بأنها غاية في التستر والانجماع عن الأجانب، ولزوم الأخلاق الفاضلة، ألم تسمع قول الشَّنْفَرى يمتدح زوجته أميمة: لقد أعجبتني لا سَقُوطًا قِناعُهاِ ... إذا ما مشت، ولا بذات تَلَفّتِ (٣)

стр. 1009

تبيتُ بُعَيْد النوم تُهدى غَبُوقَها ... لجاراتها إذا الهديةُ قَلَّتِ (١) تُحِل بمنجاةٍ من اللؤم بيتَها ... إذا ما بُيوت بِالمَذَمَّةِ حُلَّتِ (٢) كأنَّ لها في الأرض نِسْبًا تَقُصُهُ ... على أُمِّها، وإن تكَلّمكَ تَبْلِتِ (٣) أمَيْمَةُ لا يُخزي نَثَاها حليلَها ... إذا ذُكرَ النسوانُ عَفَّتْ وَجَلَّتِ (٤) إذا هو أمسى آبَ قرَّة عينِه ... مآبَ السعيدِ، لم يَسَلْ: أين ظَلَّتِ (٥) ثانيا: حجاب البدن والوجه أما حجاب الوجه فقد كان معروفًا عندهم أيضا: فمما يذكر في كتب التاريخ والأدب (أن النابغة أحد فحول الشعر لجاهلي (٦) قد مرت به امرأة النعمان المسماة بالمتجردة في مجلس، فسقط

стр. 1010

نَصِيفها- أي برقعها- الذي كانت قد تقنعت به، فسترت وجهها بذراعيها، وانحنت على الأرض ترفع النصيف بيدها الأخرى، فطلب النعمان من النابغة أن يصف هذه الحادثة في قصيدة، فعمل القصيدة التي مطلعها: أمن أل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود إلى أن قال: سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وَاتَقَتْنَا بِالْيَدِ) (١) ومما يدل على أنهم عرفوا البرقع قول أحدهم: إن لم أقاتل فألبسوني برقعًا ... وفتخات في اليدين أربعا وفي قصيدته التي مطلعها: أفاطِمُ قَبل بَيْنِكِ وَدّعيني ... ومنعَك ما سألتُك أنْ تبيني قال محصن بن ثعلبة الشاعر الجاهلي الملقب ب "المثقب العبدي": وثقبن الوصاوص بالعيون والوصاوص: البراقع. وكانت بعض نساء العرب لا يسفرن عن وجوههن إلا لخطب عظيم يلم بهن، ولهذا قال رؤبة الحميري عاشق "ليلى الأخيلية" من قصيدة يمدحها بها، ويثني عليها بالتبرقع غالبا، مع جمالها، ويشير فيها إلى أن إسفارها عن وجهها تارة رابه إذ لعله لخطب ألمَّ بها: وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... وقد رابني منها الغداةَ سفورها (٢) وقال ربيع بن زياد العبسي يرثي مالك بن زهير: من كان مسرورًا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهارِ

стр. 1011

تجد النساء حواسرًا يندبنه ... يلطمن أوجههن بالأسحار فد كن يخبأن الوجوه تسترًا ... فاليوم حين برزن لِلنظار (١) وكانت المرأة في حالة الحرب، إذا اشتملت عليها الوقائع، أو دارت على فريقها الدوائر، وارتقبت من وراء ذلك ذل السباء وعار الإسار، تظهر سافرة حاسرة حتى تلتبس بالإماء، وفي هذا الموطن يقول مُهَلْهِلُ بن ربيعة: قربا مربط المشهر مني ... سوف تبدو لنا ذواتُ الحجال (٢) وقال سبرة بن عمر الفقعسى يْعَيِّرُ أعداءه بكشف وجوه نسائهم في الحرب: ونسوتكم في الرَّوْعِ بادٍ وجوهُها ... يُخَلْنَ إماءً، والإماء حرائر وهو صريح فيْ أنْ ستر الوجوه وكشفها كان هو الفارق بين الحرائر والإماء. وقالي عمرو بن معد يكرب يحكي احتدام حرب من حروبه التي كانت قبل الإسلام: وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى أي إنها! التجأت لشدة الحرب، وشغلها بالجليل من الأمر إلى كشف وجهها، فظهرت كالبدر، ومعناه أنها كانت تحتجب في عامة أحوالها. (وهذه حرت الفجار تنشب بين قريش وهوازن بسبب تعرض شباب من كنانة لامرأة من غمار الناس، راودوها على كشف وجهها، فنادت: "يا آل عامر" فلبتها سيوف بني عامر) (٣) . وكان بين نساء الجاهلية من تستر وجهها لِكَلَف أصابه، وفي نحو ذلك ما نقل أبو زيد في نوادره عن أعرابي قيل له:

стр. 1012

"ما تقول في نساء بني فلان؟ " فقال: "بَرْقِعْ وانظر"، يريد بذلك أن عيونهن خير ما فيهن. وشبيه ذلك ما حَدَّثَ الراغب (أن أسديًّا قبيح الوجه خطب امرأة قبيحة، فقيل لها: إنه قبيح وقد تعمَّم لك، فقالت: إن كان تَعَمَّم لنا، فإنا قد تبرقعنا له) (١) . وهذا أعرابي تضايقه البراقع لأنها تحول بينه وبين الحسان، وتخدعه في غير الحسان، فيقول: جؤى الله البراقع من ثياب ... عن الفتيان شرًا ما بقينا يوارين الحِسانَ فلا نراها ... ويسترن القباح فتزدهينا (٢) ثالثا: سفور الوجه وبين أيدينا أمثلة سائرة مما أرسله العرب تنبئنا أن كشف القناع كان أغلب حالات فتيات العرب (٣) وأمثلها بهن، فمن ذلك قولهم: "تَرَكَ الخِداعَ مَن كَشَفَ القِناع "، يريدون أن الفتاة لا تستر وجهها إلا لشر تؤثر أن تستره، وقولهم فيمن لا يستر عيبه: "كذات الشيب ليس لها خمار"، فهم لا يرون الخِمار لزامًا إلا لذات الشيب، فإن خليقا بها أن تواريه (٤) . ولم يكن لحجاب الانتقاب بين نساء العرب نظام شامل، ولا هيئة

стр. 1013

واحدة، ففي القبيلة الواحدة ترى "الْبَرْزَةَ" وهي التي تجلس إلى الرجال، وتجاذبهم الحديث سافرة غير محجوبة، و"المحتشمة" كما قدمنا، وهي التي ترخي قناعها إذا خرجت من بيتها، فلا تطرحه حتى تعود. قال الفراء: "كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها، وتكشف ما قُدَّامَها فأُمِرن بالاستتار" اهـ (١) . ومنهن "سقوط القناع " وهي التي لا تكاد تنتقب ثقة بنفسها، وإدلالَا بحسنها، أو سيرًا على سجيتها. وفي مثلها يقول المسيِّب بن علس: إذا تستبيك بأصلتيّ ناعم ... قامت لتفننه بغير قناع تستبيك: تغلبك على نفسك حتى تكون سبيًا لها، والأصلتي: الخد الحسن. وقال المرقش الأصغر: أرتك بذات الضال منهما معاصما ... وخدّا أسيلًا كالوذيلة ناعما ذات الضال: موضع، والوذيلة: المرأة، ومعنى ذلك أنها لم تتحرج بما يخفى معاصمها، أو يحجب وجهها. وإلى هذه يشير عمر بن أبي ربيعة في قوله: فلما توافقنا وسلمت أقبلت ... وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنَّعا زهاها الحسن: استخفها، يقول: إن هذه الوجوه استخفها الحُسن عن أن تتقنَّع. وقال الأصمعي: وقد تُلْقي المرأةُ خِمارَها لحسنها وهي على عفة، وأنشد في ذلك قول أبي النجم في إحدى أراجيزه: مِن كُلَ غراء سَقْوطِ البرقع ... بَلْهَاءَ لم تَحْفَظْ ولم تُضَيِّع

стр. 1014

غراء: من الغُرَّةَ وهي بياض الوجه، والبلهاء الغافلة عن الشر، الحسنهَ الظن بالناس (١) . وكان من شيمة نساء العرب تطويلُ الثياب، وجَرُّ الذيول كما اشتهر في أشعار أهل الجاهلية منهم كامرئ القيس الذي قال في معلقته: خرجتُ بها تمشي تَجُرُّ وراءنا ... على أثَرَيْنا ذَيلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ والمرط الكساء من صوف أو خز أو غيرهما، والمرَحل - بالحاء المهملة - المنقوش بنقوش تشبه رحال الإبل. وكذلك اشتهر في أشعار العرب بعد الإسلام، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر المفلق المتهالك قي مدح النساء: كتِبَ القتلُ والقِتالُ علينا ... وعلى الغانياتِ جَزُ الذّيُولِ (٣) * * *

стр. 1015

٩٤

стр. 1016

الباب الثالث الفصل الأول: فضائل الحجاب الفصل الثاني: مثالب التبرج

стр. 1017

٩٦

стр. 1018

الفصل الأول: فضائل الحجاب أولًا: الحجاب طاعة لله وطاعة لرسول الله ﷺ : أوجب الله تعالى طاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) [الأحزاب: ٣٦، ٣٧] ) وقال : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) [النساء: ٦٥] ) وقد أمر الله النساء بالحجاب فقال : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] ) ،. وقال سبحانه: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣] ) ، وقال ﵎: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] ) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] ) ،. وقال رسول الله ﷺ : "المرأة عورة" (١) يعني أنه يجب سترها.

стр. 1019

وعن عقبة بن عامر ﵁: أنه سأل النبي ﷺ عن أختٍ له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: "مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام " (١) . قال الخطابي ﵀: أما أمره إياها بالاختمار، فلأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار. اهـ (٢) . ثانيَا: الحجاب إيمان والله لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات، فقد قال سبحانه: (وَقُل لِلِمُؤمِنَاتِ) وقال : (وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ) . ودخل نسوة من بني تميم على أم المؤمنين عائشة ﵂، عليهن ثياب رقاق، فقالت: إن كنتن مؤمنات، فليس هذا بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات، فتمتعن به" (٣) ، وأدْخِلت امرأة عروس عليها ﵂، وعليها خِمار قبطي معصفر، فقالت أم المؤمنين ﵂: " لم تؤمن بسورة النور امرأة تلبس هذا" (٣) . ثالثا: الحجاب طهارة بَيَّن الله سبحانه الحكمة من تشريع الحجاب، وأجملها قي قوله تعالى: ((وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] )) ، فنص سبحانه على أن الحجاب طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات.

стр. 1020

وبيان ذلك أنه إذا لم تر العين لم يشته القلب، أما إذا رأت العين فقد يشتهي القلب، وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذ أظهر؛ لأن الرؤية سبب التعلق والفتنة، فكان الحجاب أطهر للقلب، وأنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية والعصمة " رابعا: الحجاب عفة رغَب الإسلام في التعفف (١) ، وعظَّم شأنه، وكان ﷺ يأمر به، وَيَحُثُّ عليه، ففي الحديث أن هرقل سأل أبا سفيان: ماذا يأمركم؟ - يعني رسول الله ﷺ ففال: قلت: يقول "اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة" (٢) . وكان من دعائه ﷺ : "أسألك الهدى والتقى والعفة" (٣) ، وفي لفظ آخر: "إني أسألك الهدى والتقى والعفاف " (٤) الحديث. والعفة صفة من صفات الحور العين التي أشار إليها قوله تعالى: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢] ) ، وقوله : (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) [ص: ٥٢] ) ، وقوله جل وعلا: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات: ٤٨] ) فقوله جل وعلا: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) يعني: أنهن عفيفات لا ينظرن إلى
следующие страницы →