عن عمرو بن ميمون الأودي ﵁ قال: "رأيت في الجاهلية قرْدة اجتمع عليها قرَدةٌ قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم" (١) .
فاستقباح الزنا، والغيرة على العرض فطر الله سبحانه عليه هذا الحيوان البهيم الذي لا عقل له!
والغيرة علي الحريم رمز الإسلام، ومن فقدها من أبناء البلاد الإسلامية، فإنما فقدها بعد اندماجه في أمم لا يغارون على نسائهم، ولا يرون أي بأس في مخاصرة زوجاتهم لرجال آخرين، في مرأى منهم ومشهد اهـ (٢) .
لقد وقع الشقاق الواسع بيننا وبين الأوربيين في الغيرة، يقول الدكتور نور الدين عثر حفظه الله: (إن أوربا لم تقدس العفة في يوم من الأيام، بل لم تحافظ على الطهر العذري، وحسبنا من المقياس الخلقي في موقفهم من المرأة أن لا نجد في لغتهم كلمة تعبر عن كرامة المحافظة والاستقامة في السلوك "الغريزي" أعني كلمة "العرض" هذه الكلمة الجامعة لمعاني الفضيلة "الغريزية"، وحمية المؤمن في الغيرة عليه والدفاع عنه) اهـ (٣) .
إن الأوربيين يستهجنون هذه المعاني، ولا يستسيغونها، بل هم ينددون
بهذه ا! لفطرة الإنسانية العالية، ويحاربونها بمختلف الأساليب، ويرمون من خلال قصصهم وأدبهم أن يهبطوا بالإنسان السامَي إلى مستوى الحيوانية السافلة.
قال رفاعة الطهطاوي في مجلة "روضة المدارس " التي كان يرأس تحريرها: (من محاسن الإسلام أن الله قد أودع في قلب الرجل الغيرة على نسائه، حتى جعل بدن الحرة عورة
стр. 1052
بالنسبة للآخرين، فلا يحل لها كشفه عليه، ولا يحل له نظرها أيضًا، فلذلك كانت نساء الإسلام مصوناتٍ في بيوتهن، سيدات على غيرِهن.. ومن العادة أيضا العامة لسائر المسلمين، أنه لا يليق أن يسأل الإنسان عن حال زوجته، وإن كان هذا يُعَدُّ في بلاد الإفرنج من اللطافة والظرافة، لفقدهم الغيرة) اهـ (١) .
عود على بدء
إن الحجاب بمعناه الواسع يتناسب مع الغيرة المحمودة، وإن التبرج والاختلاط والخلوة المحرمة، وسائر أسباب الافتتان بالمرأة إنما تنتج عن عدم الغيرة وضعف الحمية.
ولو أن المرأة التزمت درجة الحجاب المثلي وقرَّت في بيتها، ولو أنها إذا احتاجت للخروج فخرجت، حجبت كل بدنها عن الأجانب، لما كان لهذه الفتن مكان في حياتنا.
ولو أننا تأملنا الواقع من حولنا لأدركنا أن بداية الفتتة إنما هي النظرة المحرمة على حد قول القائل:
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء
فلو أسدل الحجاب علي وجه المرأة أيضا إذن لأخمدت الفتنة من أصلها، (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب: ٢٥] ،.
ولقد سبق أن بَيَّنا أن من الغيرة المحمودة أنفةَ المحب، وحميته أن يشاركه
في محبوبه غيره، فإذا كان النظر المحرم إلى وجه المرأة وغيره هو "زنا العين " بنص حديث رسول الله ﷺ ، لم نحتج إلى إثبات أن هذا النظر نوع من المشاركة فيما ينبغىِ أن يستأثر به الزوج، أو المحارم لأمن الفتنة من جانبهم.
стр. 1053
ومن هنا يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته بين الرجال تنظر إليهم، وينظرون إليها" (١) .
وأخيرَا قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء
في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:
قلت اسمحوا لي أن أفوز ... بنظرة ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم
أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:
وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عُجابُ (٢)
* * *
стр. 1054
الفصل الثاني
مثالب التبرج
التبرج لغة:
هو إبداء المرأة زينتها، وإظهار وجهها، ومحاسن جيدها للرجال، وكل
ما تستدعي به شهوتهم حتى التكسر والتبختر في مشيتها، ما لم يكن ذلك للزوج (١) .
التبرج شرعا:
هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة لمحاسنها، وقيل: هو التبختر والتكسر في المشية (٢) .
وقيل: (هو كل زينة أو تجمل تقصد المرأة بإظهاره أن تحلو في أعين الأجانب، حتى القناع الذي تستتر به المرأة إن انتخب من الألوان البارقة، والشكل الجذاب لكي تلذ به أعين الناظرين، فهو من مظاهر تبرج الجاهلية أيضا) (٣) .
وفيما يلي نوضح مثالب التبرج وخطره على الدين والدنيا:
أولا: التبرج معصية لله ورسوله ﷺ :
ومن يعص الله ورسوله فإنه لايضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئَا، قال
стр. 1055
رسول الله ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقالوا: يا رسول الله من يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (١) .
واعلم- رحمك الله - أن كل آية أو حديث اشتملت، أو اشتمل على الزجر عن معصية الله ، ومعصية رسوله ﷺ يصلح أن يستدل به هنا، غير أننا- اختصارًا- نورد فيما يلي ما جاء في النهي عن معصية التبرج بخصوصها، فمن ذلك:
ما رواه أبو حريز مولى أمير المؤمنين معاوية ﵁ قال: "خطب الناسَ معاوية ﵁ بحمص، فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حَرَّمَ سبعة أشياء، وإني أبلغكم ذلك، وأنهاكم عنه، منهن النوح، والشعر، والتصاوير، والتبرج، وجلود السباع، والذهب، والحرير" (٢) .
وعن ابن مسعود ﵁ أن نبي الله ﷺ "كان يكره عشر خصال" وذكر منها: "والتبرج بالزينة لغير مَحَلها" (٣) .
قال السيوطي ﵀: والتبرج بالزينة: أي إظهارهما للناس الأجانب، وهو المذموم، فأما الزوج فلا، وهو معنى قوله "لغير محلها" اهـ (٤) .
ثانيا: التبرج كبيرة موبقة:
جاءت أميمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: "أبايعكِ على أن لا تُشركي بالله، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي وَلدَكِ، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية
стр. 1056
الأولى" (١) .
فتأمل كيف قرن رسول الله ﷺ التبرج الجاهلي بأكبر الكبائر المهلكة.
ثالثًا: التبرج يجلب اللعن والطرد من رحمة الله:
عن عبد الله بن عمرو ﵄: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخْت، العنوهن فإنهن ملعونات" (٢) .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في آخِر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يَخدِمْنكم نساءُ الأمم قبلكم " (٣) .
стр. 1057
رابعًا: التبرج من صفات أهل النار:
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات
عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" (١) .
وعن عمارة بن خزيمة قال: بينما نحن مع عمرو بن العاص ﵁ في حج
أو عمرة، فإذا نحن بامرأة عليها حبائر (٢) لها، وخواتيم، وقد بسطت يدها على الهودج، فقال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في هذا الشّعْب إذ قال: "انظروا: هل ترون شيئًا"؟، فقلنا: نرى غربانَا فيها غراب أعصمَ (٣) ؛ أحمرُ
стр. 1058
المنقارِ والرجلين، فقال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة من النساءِ إلا منْ كان منهن مثل هذا الغراب في الغِربان " (١) .
خامسًا: التبرج سواد وظلمة يوم القيامة:
قال الإمام الترمذي ﵀: حدثنا علي بن خَشْرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد- وكانت خادمًا للنبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الرافلة في الزينة في غيرِ أهلها، كَمَثَل ظُلمَةٍ يوم القيامة، لا نُورَ لها" (٢) .
قوله: الرافلة: قال في "النهاية": الرافلة: هي التي تَرْفُلُ فِى ثوبها، أي تتبختر، والرفل: الذيل، ورفل إزاره: إذا أسبله، وتبختر فيه اهـ.
стр. 1059
وقوله: "في الزينة": أي في ثياب الزينة، قوله: "في غير أهلها" أي بين من يحرم نظره إليها، قوله: "كمثل ظلمة يوم القيامة" أي تكون يوم القيامة كأنها ظلمة، قوله: "لا نور لها" الضمير للمرأة، قال الديلمي: يريد المتبرجة بالزينة لغير زوجها اهـ (١) .
وقال في الفردوس: والرَّفْلُ التمايل في المشي مع جَر ذيل، يريد أنها تأتي يوم القيامة سوداء مظلمة كأنها متجسدة من ظلمة اهـ (٢) .
قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: ذكره الترمذي، وضعفه، ولكن المعنى صحيح؛ فإن اللذة في المعصية عذاب، والراحة نصب، والشبَعَ جوع، والبركة مَحَق، والنور ظلمة، والطيب نتن، وعكسه الطاعات، فخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ودم الشهيد اللون لون دم، والعَرْفُ عرف مِسْك اهـ (٣) .
سادسَا: التبرج نفاق:
فعن أبي أذينة الصدفي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خير نسائكم الوَدُودُ الوَلودُ، المواتية، المواسية، إذا اتقَينَ الله، وَشر نسائكم المتَبَرجاتُ المتُخَيلاتُ، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مِثلُ الغرابِ الأعصم " (٤) .
سابعًا: التبرج فاحشة:
فإن المرأة عورة، وكشف العورة فاحشة ومقت، قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)) [الأعراف: ٢٨] ،.
стр. 1060
والشيطان هو الذي يأمر بهذه الفاحشة: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) [البقرة: ٢٦٨] ،
والمتبرجة جرثومة خبيثة ضارة تنشر الفاحشة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)) [النور: ١٩]
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة استعطرت، ثم خرجت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية" (١) .
ثامنًا: التبرج تهتك وفضيحة:
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله " (٢) .
ومثل ذلك ما ثبت عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله: "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، فمات عاصيًا، وأمةٌ أو عبد آبق من سيده فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، وقد كفاها مؤنة الدنيا،
стр. 1061
فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم " (١) .
تاسعَا: التبرج سنة إبليسية:
المعركة مع الشيطان معركة جدية، وأصيلة، ومستمرة، وضارية، لأنه عدو عنيد يصر على ملاحقة الإنسان في كل حال، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة، كما وصفه الله تعالى في قوله: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)) [الأعراف: ١٦، ١٧] ، ولا عاصم لبني آدم من الشيطان إلا التقوى والإيمان والذكر، والاستعلاء على الشهوات، وإخضاع الهوى لهدى الله ﵎.
ومن استعراض ما حدث لآدم ﵇ مع عدوه إبليس نرى أن
الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز؟ في طبع الإنسان وفطرته إذ يقول الله سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٠] ،. وقال : (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٢] ،.
وقال عز من قائل: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) [طه: ١٢١] .
لقد نسي آدم، وأخطأ، وتاب، وأستغفر، فقبل الله توبته، وغفر له، وانتهى أمر تلك الخطيئة الأولى، ولم يبق منها إلا رصيد التجربة الذي يعين
стр. 1062
ابن آدم في صراعه الطويل المدى مع الشيطان الذي يأتيه من مواطن! الضعف فيه، فيغويه، ويمنيه، ويوسوس له حتى يستجيب فيقع في المحظور.
إن قصة آدم وحواء مع إبليس تكشف لنا مدى حرص عدو الله على كشف السوءات، وهتك الأستار، وإشاعة الفاحشة، وأن هذا هدف مقصود له.
ومن ثم حذرنا الله عن هذه الفتنة خاصة، فقال. جل وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)) [الأعراف: ٢٧] ،.
ومن هنا فإن إبليس هو رائد الدعوة إلى كشف العورات، وهو مؤسس الدعوة إلى التبرج بدرجاته المتفاوتة، بل هو الزعيم الأول لشياطين الإنس والجن الداعين إلى (تحرير) المرأة عن قيد الستر والصيانة والعفاف.
ومن ثم قال الله ﵎: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)) [فاطر: ٦] ،.
عاشرًا: التبرج من سنن اليهود والنصارى:
(وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)) [المائدة: ٦٤] ،.
لقد اتفق مخططوا الدولة الصهْيُونية العالمية التي تريد أن تسيطر على
العالم في (بروتوكولات حكماء صهيون) على أن من السبل التي يجب اتباعها لإخضاع من يسمونهم (الجوييم) أو (الأمميين) - حربَ الأخلاق، وتقويض نظام الأسرة بشتى الوسائل الممكنة، ووجدوا أن الأسباب المدمرة للأسرة تتركز في كل ألوان الإغراء بالفواحش، وإثارة الشهوات. وهكذا غَدَوْا يصنعون: عن طريق الأفلام الماجنة التي توزعها في العالم (دور صهيونية) ، وعن طريق الأزياء الخليعة التي تنشرها دور الأزياء
стр. 1063
الصهيونية؟ وكذا المجلات والقصص ونحوها
ولليهود باع كبير في هذا المجال، عرفوا به في كل عصر ومصر (١)
وها هو ذا ناصحنا الأمين رسول الله ﷺ يحذرنا أولا من فتنة النساء (٢)
في حديث أسامة ﵁ قال ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (٢)
ثم ها هو يخص فتنة النساء بالتحذير، ويبين لنا أنها كانت أول ما فتن به
بنو إسرائيل، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أولَ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (٣) .
وقد شرع الله لهن الستر، وأمَرَهُنَّ بالصيانة، فقلن (سمعنا وعصينا) ،
كما كانت عادة الأمة المغضوب عليها.
ويشرح لنا رسول الله ﷺ جانبًا من فتنة نساء بني إسرائيل وإلحاحهن
على التحيل لبث هذه الفتنة فيما روراه عنه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب (٤) ، وخاتما من ذهب، مُغَلفا بطين، ثم حَشَته مِسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين؟ فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" (٥)
وَيُروَى عن عائشة ﵂ قالت: بينا رسول الله ﷺ جالس في
стр. 1064
المسجد، إذ دخلت امرأة مُزَيَّنة، ترفل (١) في زينة لها في المسجد، فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة، والتبختر في المسجد، فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبست نساؤهم الزينة وتبخترن في المساجد" (٢) . وقد حكت كتبهم أن الله عاقب بنات صهيون على تبرجهن، ففي الأصحاح الثالث من سِفْر أشْعِيا: (إن الله سيعاقب بنات صهيون علي تبرجهن والمباهات برنين خلاخيلهن بأن ينزع عنهن زينة الخلاخيل والضفائر والأهِلةِ والحِلَقِ والأساور والبراقع والعصائب وفي سفر أشعيا: (وقضى الله على بنات صهيون إذ يتشامخن ويمشين ممدودات الأعناق، غامزات لعيونهن، وخاطرات في سيرهن، يخشخشن بأرجلهن أن يعري عورتهن، وينزع في ذلك اليوم زينة الخلاخيل، والأساور، والبراقع) .
وقد كان نساء العجم من اليهود أو النصارى الذين يعيشون مع المسلمين يحرصن على هذا التبرج، قال سعيد بن أبي الحسن للحسن البصري أخيه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) الآية (٣)
ضعف الأمة مرض التبرج أحد أعراضه
وقد ظلت فتنة التبرج تطل برأسها حينًا بعد حين خلال أحقاب التاريخ الإسلامي، ولكنها ما كانت تستشري إلا في حالة ضعف الأمة
стр. 1065
وانهزامها، مثال ذلك: الغزو العسكري الكافر وأقرب مثال أمامنا الحملة الفرنسية (١) ، ومثال آخر: الغزو الفكري من الداخل على يد أعداء الأمة المسلمة من أمثال "أتاتورك"، و"عبد الناصر"، و"السادات "، وسائر الطواغيت من الساسة والمفكرين (٢) .
ولا يزال أهل الكتاب خاصة اليهود يحرضون المرأة على التهتك والتبرج، فيهود الدونمة أول من حاول نزع الحجاب قي الولايات الإسلامية غير العربية، (من ذلك ما حدث في مدينة "سالونيك " مقر تجمعهم في عام ١٩١٤م من تنظيمهم لحفل ليلي، وقد استدعوا بعض النساء اليهوديات يحملن أسماء إسلامية ليقمن بتمزيق الحجاب على خشبة المسرح أمام الناس، ولكن الحكومة منعت هذا الحفل لئلا تثير عواطف المسلمين) (٣) .
وقد وقفت الأصابع الصليبية والصّهْيُوْنِيَّة تحرك عملاءها من وراء ستار، وأحيانًا عيانًا بيانًا: ْ-
* فهذان القسيسان اللاهوتيان (دنلوب) و (كرومر) يناهضان الإسلام مناهضة متواصلة تحت ستار الاحتلال الإنكليزي لمصر.
* وهذا (مرقص فهمي) القبطي يدعو صراحة إلى القضاء على الحجاب
الإسلامي.
* وهذا (الدوق داركير) يهاجم الحجاب.
* وهذه الأميرة (نازلي) ترعى دعوة السفور، وتبثها في المجتمع المصري
من خلال صالونها المشهور.
* وهذا (جرجي نقولا باز) يؤلف كتابين تأييدًا لدعوة السفور التي
стр. 1066
تبناها (قاسم أمين) .
* وهذا (لويس عوض) يحرض على التبرج والتحرر من قيود الدين الإسلامي، إلى آخر تلك القائمة السوداء في كل عصر ومصر: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)) [التوبة: ٣٢] ،.
ومع تحذير الرسول ﷺ من التشبه بالكفار، وسلوك سبلهم خاصة في مجال المرأة إلا أن أغلب المسلمين خالفوا هذا التحذير، وتحققت نبوءة رسول الله ﷺ : "لتتبعن سَنن مَن كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَب لتبعتموهم "، قيل: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ (١) .
فما أشبه هؤلاء اللاتي أطعن اليهود والنصارى، وَعَصَيْنَ الله ورسوله بهؤلاء اليهود المغضوب عليهم الذين قابلوا أمر الله بقولهم: (سمعنا وعصينا) ، وما أبعدهن عن سبيل المؤمنات اللاتي قلن حين سمعنِ أمر الله: (سمعنا وأطعنا) ، قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)) [النساء: ١١٥] .
حادي عشر التبرج جاهلية منتنة:
قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] .
وقد وصف النبي ﷺ دعوى الجاهلية بأنها منتنة أي خبيثة، وأمرنا بنبذها، وقد جاء في صفته ﷺ أنه (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) [الأعراف: ١٥٧] ،.
стр. 1067
وقد تبرأ رسول الله ﷺ من كل من يدعو بدعوى الجاهلية، فقال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية، (١) .
وعن ابن عباس ﵄ قال ﷺ : "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطَّلِبُ دمِ امرئ بغير حق ليهريق دمه " (٢) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وسنة الجاهلية اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه اهـ.
ودعوي الجاهلية شقيقة تبرج الجاهلية، كلاهما منتن خبيث، أبغضه الله تعالى، وحرَمه علينا رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ في الأولى: "ما بال دعوى الجاهلية؟ دَعوها فإنها منتنة" (٣) ، فوجب أن نقول في الأخرى: "دعوها فإنها منتنة"، بل ضعوها حيث وضعها رسول الله ﷺ لمَّا قال؟ "ألا إنَّ كُلَّ شيء من أمرِ الجاهلية تحت قَدَمي موضوع " (٤) .
فلا يجوز لأي مسلمة بحال أن ترفع ما وضعه رسول الله ﷺ ، أو تعَظِّمَ
стр. 1068
ما حَقره من أمر الجاهلية سواء في ذلك: ربا الجاهلية أو تبرج الجاهلية، أو دعوى الجاهلية، أو حكم الجاهلية، أو ظن الجاهلية، أو حمية الجاهلية، أو سنة الجاهلية.
ثانِى عشر: التبرج انتكاس، وتخلف، وانحطاط:
من استعراض ما حدث لآدم ﵇ مع عدوه إبليس نرى أن الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، إذ يقول الله سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٠] .
ويقول : (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢] .
ويقول سبحانه: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) [الأعراف: ٢٧] ،.
وكل هذه الآيات توحي بأهمية هذه المسألة وعمقها في الفطرة البشرية، فاللباس، وستر العورة ة زينة للإنسان، وستر لعوراته الجسدية، كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية.
والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوءاتهما الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها، والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء من الله، ثم من الناس.
والذين يطلقون ألسنتهم، وأقلامهم، وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة - في شتى الصور والأساليب الخبيثة - هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته، وخصائص إنسانيته، التي بها صار إنسانًا متميزَا عن الحيوان (١) .
قال ﵎: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ
стр. 1069
مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)) [الإسراء: ٧٠] ،.
إن العري فطرة حيوانية، ولم تزل الحيوانات في انكشاف منذ خلقت، لم يتغير حالها يومًا، بعكس الإنسان الذي يصح أن نَصِفَهُ بأنه (حيوان مستور) . وهذه الفطرة الحيوانية لا يميل الإنسان إليها إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان،
إن رؤية العُرْي والتكشف جمالًا هو انتكاس في الذوق البشري قطعَا، ومؤشر واضح يبين انتشار التخلف في المجتمع البشري.
وحتى هؤلاء الذين يتشدقون بالتقدم المزعوم، يقولون:
إن الإنسان بدأ حياته على طريقة الحيوان عاريَا من كل ستر إلا شعره،
ثم رأى أن يستر جسمه بأوراق الشجر، ثم بجلود الحيوانات، ثم جعل يترقى في مدارج الحضارة حتى اكتشف الإبرة، وابتدع وسيلة الحياكة، فاستكمل ستر جسمه.
وهكذا كانت نزعة التستر وليدة التقدم المدني، فكل زيادة في هذا التقدم كانت مؤدية إلى زيادة في توكيد الحشمة، وكل خلل في كمال الستر عنوان التخلف والرجعية.
وآية ذلك أن المتخلفين في أواسط أفريقيا عراة، حين تشرق حضارة الإسلام في هذه المناطق، يكون أول مظاهر هذه الحضارة اكتساء العراة، وانتشالهم من وهدة التخلف، والتسامي بهم إلى مستوى (الحضارة) بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف استنقاذ خصائص الإنسان وإبرازها. قال الشيخ (مصطفى صبري) ﵀: لا خلاف في أن السفور حالة بداوة وبداية في الإنسان، والاحتجاب طرأ عليه بعد تكامله بوازع ديني أو خلقي يَزَعُهُ عن الفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويسد ذرائعها، ويكون حاجزًا بين الذكور والإناث....
ثم إن الاحتجاب كما يكون تقييدًا للفوضى في المناسبات الجنسية
стр. 1070
الطبيعية، ويضاد الطبيعة من هذه الحيثية، فهو يتناسب مع الغيرة التي جُبل عليها الإنسان، ويوافق الطبيعة من ناحيته الأخرى، إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود في المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوة الجسمانية، فهذه تغري بالسفور، وتلك تبعث على الاحتجاب، وبين هاتين الغريزتين تجافِ، وتحارب يجريان في داخل الإنسان اهـ (١) .
ثالث عشر: التبرج باب شر مستطير:
وذلك لأن من يتأمل نصوص الشرع، وعِبَر التاريخ يتيقن مفاسد التبرج وأضراره على الدين والدنيا، لا سيما إذا إنضم إليه الاختلاط المستهتر. فمن هذه العواقب الوخيمة: تسابق المتبرجات في مجال الزينة المحرمة لأجل لفت الأنظار إليهن، مما يجعل المرأة كالسلعة المهينة الحقيرة المعروضة لكل من شاء أن ينظر إليها
ومنها: الإعراض عن الزواج، وشيوع الفواحش، وسيطرة الشهوات. ومنها: انعدام الغيرة، واضمحلال الحياء.
ومنها كثرة الجرائم.
ومنها: فساد أخلاق الرجال خاصة الشباب، خاصة المراهقين، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها.
ومنها: تحطيم الروابط الأسرية، وانعدام الثقة بين أفرادها، وتفشي الطلاق.
ومنها: المتاجرة بالمرأة، كوسيلة دعاية، أو ترفيه في مجالات التجارة وغيرها.
ومنها: الإساءة إلى المرأة نفسها، والإعلان عن سوء نيتها، وخبث طويتها، مما يعرضها لأذية الأشرار والسفهاء.
стр. 1071
ومنها: انتشار الأمراض: قال ﷺ : "لم تظهر الفاحشة في قوم قط؛ حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوْا" (١) .
ومنها: تسهيل معصية الزنا بالعين، قال ﷺ : "العينان زناهما النظر" (٢) ، وتعسير طاعة غض البصر التي أُمِرنا بها إرضاء لله سبحانه. ومنها: استحقاق نزول العقوبات العامة التي هي قطعًا أخطر عاقبة من القنابل الذرية، والهزات الأرضية، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)) [الإسراء: ١٦] ، وقال ﷺ : "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب " (٣) .
* * *
стр. 1072
الباب الرابع
الفصل الأول:
شروط الحجاب الشرعي
الفصل الثاني:
أين نحن من الحجاب الشرعي
стр. 1073
الفصل الأول
شروط الحجاب الشرعي
إذا تتبعت الآيات القرآنية، والسنة المحمدية، والآثار السلفية في هذا الموضوع، تبين لك أن المرأة إذا خرجت من دارها وجب عليها أن لا تُظْهرَ شيئا من زينتها، وأن تستر جميع بدنها بأي نوع أو زي من اللباس، ما اجتمعت (١) فيه الشروط الآتية.
الأول: استيعاب جميع بدن المرأة (على الراجح) .
الثاني: أن لا يكون زينة في نفسه.
الثالث: أن يكون صفيقًا لا يشف.
الرابع: أن يكون فضفاضا غير ضيق.
الخامس: أن لا يكون مبخرًا مطيبا.
السادس: أن لا يشبه لباس الرجل.
السابع: أن لا يشبه لباس الكافرات.
الثامن: أن لا يكون لباس شهرة (٢) .
стр. 1074
الشرط الأول
استيعاب جميع البدن
وهو موضوع البحث في هذا القسم، وسوف نفصل أدلته من القرآن والسنة والاعتبار في الباب الخامس إن شاء الله، وكذا سنعرض لمناقشة الشبهات التي استدل بها المخالفون والرد عليها في الباب السادس إن شاء الله تعالى.
الشرط الثاني
ألا يكون زينة في نفسه
ومن أدلة ذلك:
قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) الآية [النور: ٣١] ،، لأنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) [الأحزاب: ٣٣] ،.
وقوله ﷺ : "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، قد كفاها مؤونة الدنيا، فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم " (١) .
و (التبرج: هو أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تَستدعي به شهوة الرجل) (٢) .
قال العلامة (الألباني) : (والمقصود من الأمر بالجلباب إئما هو ستر زينة
стр. 1075
المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة، وهذا كما ترى بَيِّن لا يخفى، ولذلك قال الإمام (الذهبي) في كتاب (الكبائر) (١) : (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب، وتطييبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت، ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار، مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها، وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة، ولهذه الأفعال التي قد غلبت على أكثر النساء، قال عنهن النبي ﷺ : "اطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها النساء") اهـ (٢) .
قلت: ولقد بلغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك والزنى والسرقة وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي ﷺ النساء على أن لا يفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵄: جاءت أمَيمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى" (٣) .
стр. 1076
الشرط الثالث
أن يكون صفيقا فلا يشف
أما الصفيق فلأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، وفي ذلك يقول ﷺ : "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، وعلى رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات " (١) ، زاد في حديث آخر: "لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" (٢) .
قال ابن عبد البر:، أراد ﷺ النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم، عاريات في الحقيقة) (٣) .
وعن دحية الكلبي ﵁ قال؟ أتي النبي ﷺ بَقَبَاطِيّ (٤) ، فأعطاني قُبْطِيَّة، وقال: "اصْدَعْها صَدْعين (٥) ، فاقطع أحدهما قميصا، وأعط الآخر امرأتك تختمر به"، فلما أدبر قال: "وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا
стр. 1077
يَصِفُها" (١) .
وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن
أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها وقالت: " أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها" (٢)
وعن هشام بن عروة: أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوةٍ من ثياب مروية وقوهية (٣) رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال فلمستها بيدها ثم قالت: "أف، ردوا عليه كسوته "، قال: فشق ذلك عليه"، وقال: "يا أمة إنه لا يشف "، قالت: "إنها إن لم تشف فإنها تصف" (٤) .
وعن عبد الله بن أبي سلمة: أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الناس القباطي، ثم قال: "لا تدرعها نساؤكم"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي، فأقبلت في البيت، وأدبرت، فلم أره يشف "، فقال عمر: "إن لم يشف فإنه يصف" (٥) .
стр. 1078
قال الألباني ﵀: وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز، وأن الذي يشف شر من الذي يصف، ولذلك قالت عائشة ﵂: "إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر" (١) ، وقالت شميسة: "دخلت على عائشة ﵂ وعليها ثياب من هذه السَّيد (٢) الصفاق (٣) من درع وخمار ونقبة (٤) قد لونت بشيء من عصفر" (٥) .
من أجل ذلك كله قال العلماء: (ويحب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق (٦) ، فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز فيه لأن الستر لا يحصل بذلك) (٧) .
وقد عقد ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" بابَا خاصُّا في لبس المرأة ثوبًا رقيقا يصف بشرتها وأنه من الكبائر، ثم استدل بحديث صنفان من أهل
стр. 1079
النار لم أرهما" الحديث، ثم قال: " وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد، لم أر من صرح بذلك، إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال " اهـ (١) .
الشرط الرابع
أن يكون فضفاضا غير ضيق فيصف شيئا من جسمها
وذلك لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع! وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة، فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد والدعوة إليه ما لا يخفى، فوجب أن يكون واسعا.
وقد قال أسامة بن زيد ﵄: كساني رسول الله ﷺ قُبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: "مالك لا تلبس القبطية"؟ قلت: "كسوتها امرأتي "، فقال: "مُرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها" (٢) .
فقد أمر ﷺ بأن تجعل المرأة تحت القبطية الثخينة كلالة - وهي شعار يلبس تحت الثوب -؛ ليمنع بها وصف بدنها (٣) ، والأمر يفيد الوجوب كما تقرر في الأصول.
стр. 1080
قال العلامة الألباني: (ومما يحسن إيراده هنا استئناسا ما روي عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: "يا أسماء إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها"، قالت أسماء: "يا ابنة رسول الله ﷺ ألا أريكِ. شيئًا رأيتُه بالحبشة"؟ فدعت بجرائد رطبة، فحتتها، ثم طرحت عليه ثوبًا، فقالت فاطمة: "ما أحسن هذا وأجمله تُعْرَفُ به المرأة عن الرجل فإذا مت أنا فاغسليني أنتِ وعلي، ولا يدخل عَلَيَّ أحدٌ"، فلما توفيت غسلها علي وأسماء ﵃ (١) .
قال العلامة الألباني: فانظر إلى فاطمة بضعة النبي ﷺ كيف استقبحت
أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح، فليتأمل في هذا مسلمات هذا العصر اللاتي يلبسن من هذه الثياب الضيقة، ثم ليستغفرن الله تعالى، "وليتبن إليه، وليذكرن قوله ﷺ : "الحياءُ والإيمان قُرِنا جميعا، فإذا رُفِعَ-أحدُهما رُفع الآخر" (٢)) اهـ (٣) .
الشرط الخامس
أن لا يكون مبخرا مطيبا
وذلك لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن؟ منها:
ما رواه أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية" (٤) .
стр. 1081
وعن زينب الثقفية أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خرجت إحداكن إلى المسجد فلا تقربن طيبا" (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما أمرأة أصابت بخورا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٢) .
وعن موسى بن يسار عن أبي هريرة ﵁: أن امرأة مرت به تعصف ريحها، فقال: يا أمة الجبار، المسجد تريدين؟ قالت: نعم، قال: وله تطيبتِ؟ قال!: نعم، قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل" (٣) .
قال الألباني ﵀: ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث على ما ذكرنا العمومُ الذي فيها، فإن الاستعطار والتطيب كما يستعمل في البدن، يستعمل في الثوب أيضَا لا سيما وفي الحديث الثالث ذكر البخور، فإنه بالثياب أكثر استعمالًا وأخص.
وسبب المنع منه واضح وهو ما فيه من تحريك داعية الشهوة، وقد اْلحق به العلماء ما في معناه، كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر، والزينة
стр. 1082
الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال (١) .
وقال ابن دقيق العيد: وفي حرمة التطيب علي مريدة الخروج إلى المسجد
لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال، وأُلْحِقَ به حسن الملبس، والحلي الظاهر اهـ (٢) .
قلت: فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد فما يكون الحكم علي مريدة السوق والأزقة والشوارع؟ لا شك أنه أشد حرمة، وأكبر إثمَا، وقد ذكر الهيتمي في "الزواجر" أن خروج المرأة من بيتها متعطرة متزينة من الكبائر، ولو أذن لها زوجها (٣) .
ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات، وإنما خص بالذكر العشاء الآخرة في الحديث الثالث لأن الفتنة وقتها أشد، فلا يتوهمن منه أن خروجها في غير هذا الوقت جائز) (٤) .
وقال ابن الملك: والأظهر أنها خصت بالنهي لأنها وقت الظلمة وخلو الطريق، والعطر يهيج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة، بخلاف الصبح والمغرب، فإنهما وقتان فاضحان، وقد تقدم أن مَس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقًا اهـ (٥) .
الشرط السادس
أن يشبه لباس الرجل
وذلك لما ثبت من الأحاديث التي تتوعد المرأة إذا تشبهت بالرجل في
стр. 1083
لباس أو غيره باللعن والطرد من رحمة الله، ومنها:
ما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال" (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسَةَ المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل " (٢) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمرجلاتِ من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم " قال: فأخرج النبي ﷺ فلانًا، وأخرج عمر فلانًا (٣) . وفي لفظ: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال". وعن عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق والديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديُّوث " (٤) .
وعن ابن أبي مليكة- واسمه عبد الله بن عبيد الله- قال: قيل لعائشة
стр. 1084
رضي الله عنها: إن المرأة تلبس النعل؟ فقالت: "قد لعن رسول الله ﷺ الرَّجُلَةَ من النساء" (١) .
وفي هذه الأحاديث دلالهّ واضحة على تحريم تشبه النساء بالرجال، وعلى العكس، وهي عامة تشمل اللباس وغيره إلا الحديث الأول، فهو نص في اللباس وحده.
وقد قال أبو داود في "مسائل الإمام أحمد": سمعت أحمد سئل عن الرجل يُلْبِسُ جاريته القرطق: قال: لا يلبسها من زي الرجال، لا يشبهها بالرجال (٢) .
وقد عد الهيتمي ﵀ هذه المعصية من كبائر الذنوب، فقال: (عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد، والذي رأيته لأئمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان: أحدهما: أنه حرام، وصححه النووي، بل صَوبه، وثانيهما: أنه مكروه، وصححه الرافعي في موضع، والصحيح، بل الصواب: ما قاله النووي من الحرمة، بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة، ثم رأيت بعض المتكلمين على الكبائر عَده منها، وهو ظاهر) (٣) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس، وقال
стр. 1085
الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها، لا التشبه في أمور الخير.
قال: والحكمة في لعن من تشبه: إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "المغيرات خلق الله" اهـ (١) .
فثبت مما تقدم أنه لا يجوز للمرأة أن يكون زيها مشابهًا لزي الرجل،
فلا يحل لها أن تلبس رداءَه وإزاره ونحو ذلك، كما تفعله بعض بنات المسلمين في هذا العصر من لبسهن ما يعرف ب (الجاكيت) و (البنطلون) ، وإن كان هذا في الواقع أستر لهن من ثيابهن الأخرى الأجنبية، فاعتبروا يا أولى الأبصار!.
الشرط السابع
أن لا يشبه لباس الكافرات
وذلك لما ثبت من أن مخالفة الكفار، وترك التشبه بهم من المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، ولما يترتب على التشبه بالكفار من آثار سيئة على عقيدهّ المسلمين وسلوكياتهم (٢) .
стр. 1086
ومما ينبغي أن يعلم أن أدلة هذه القاعدة الجليلة كثيرة جدا في الكتاب
والسنة:
فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)) [الحشر: ١٩] ،.
ومنها قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)) [الجاثية: ١٨] ،
يخبر تعالى أنه جعل رسوله ﷺ على شريعة من الأمر شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في "الذين لا يعلمون" كل من خالف شريعته، و"أهواؤهم " ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه: اتباع لما يهوونه، ولذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين لهم في بعض أمورهم، ويسرون بذلك، ويودون أن لو بذلوا مالا عظيمًا ليحصل ذلك.
وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)) [الحديد: ١٦] ،.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: فقوله: "ولا يكونوا" نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي اهـ (١) .
قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية اهـ (٢) .
стр. 1087
وفي الباب آيات أخر كثيرة وفيما ذكرنا كفاية.
فتيين من هذه الآيات أن ترك هدي الكفار، والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها، وجاء بها القرآن الكريم، وقد قام ﷺ ببيان ذلك وتفصيله للأمة، وحققته في أمور كثيرة من فروع الشريعة فعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من عمل سنة غيرنا" (١) ، حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا في مدينة النبي ﷺ ، وشعروا أنه ﷺ يتحرى أن يخالفهم في- كل شئونهم الخاصة بهم، فقالوا: "ما يريد هذا الرجلُ أن يَدَعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه " (٢) .
وهذا لا ينحصر في باب واحد من أبواب الشريعة المطهرة كالصلاة مثلا، وإنما تعداها إلى غيرها من العبادات، والآداب، والعادات، وسوف نقتصر هنا على إيراد ماله علاقة بموضوعنا إن شاء الله تعالى: فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :"بعثت
بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٣) .
стр. 1088
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رأى رسول الله ﷺ عليَ ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها" (١) .
وعن علي ﵁ رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان، فإنه من تَزَيا بهم أو تشبه، فليس مني " (٢) .
وعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ علي مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: "يا معشر الأنصار حَمروا أو صَفروا، وخالفوا أهل الكتاب "، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون، ولا يأتزرون، فقال رسول الله ﷺ : "تسرولوا، وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون، ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ : "فتخففوا، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب"، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم (٣) ، ويوفرون سبالهم (٤) ، فقال ﷺ : "قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب" (٥) .
стр. 1089
وفي كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فرقد ﵁: ".. وإياك والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير.. " (١) .
الشرط الثامن
أن لا يكون لباس شهرة
وذلك لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا" (٢) .
ولباس الشهرة هو كل ثوب يقصد به الاشتهار بين الناس، سواء كان الثوب نفيسَا يلبسه تفاخرًا بالدنيا وزينتها، أو خسيسا يلبسه إظهارًا للزهد والرياء، وقال ابن الأثير: (الشهرة ظهور الشيء، والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفه لونه لألوان ثيابهم، فيرفع الناس إليه أبصارهم، ويختال عليهم بالعجب والتكبر) (٣) .
وقوله ﷺ في هذا الحديث "ألبسه الله ثوب مذلة"
стр. 1090
قال ابن رسلان: لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز، ويفتخر على غيره، ويلبسه الله يوم القيامة ثوبًا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له، والعقوبة من جنس العمل. اهـ (١) .
وقال المناوي: "ثم تلهب فيه النار" عقوبة له بنقيض فعله، والجزاء من جنس العمل، فأذله الله كما عاقب من أطال ثوبه خيلاء بأن خسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة اهـ (٢) .
تنبيهات.
* الأول: ليس هذا الحديث مختصَّا بنفيس الثياب، بل قد يحصل ذلك ممن يلبس ثوبَا يخالف ملبوس الفقراء من الناس، ليراه الناس فيتعجبوا
من لباسه، ويعتقدوه، وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس، فلا
فرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف، لأن التحريم يدور مع الاشتهار، والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع) (٣) ،
لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤) .
* الثاني: لعل الحكمة في تحريم أو كراهة لباس الشهرة؛ أنه يزري بصاحبه، وينقص مروءته.
وفي "الغنية" للشيخ عبد القادر ﵀: (من اللباس المنزََّه عنه كل لبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس، كالخروج عن عادة بلده وعشيرته