← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أنه بينا هو يسير مع أم سلمة زوج النبي ﷺ في طريق مكة، وقد بقي من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت كلما أدخل عليها وأراها، فقالت: وهي تسير: "ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان؟ "، قلت: "ألفا درهم"، قالت: "فهما عندك؟ "، فقلت: "نعم"، فقالت: "ادفع ما بقي عليك من كتابك إلى محمد بن عبد الله بن أمية، فإني قد أعنته بها في نكاحه، وعليك السلام"، ثم ألقت دوني الحجاب فبكيت، وقلت: "والله لا أعطيه إياها أبدًا"، قالت: "إنك والله يا بني لن تراني أبدًا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنا إذا كان عند مُكاتب إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابته؛ فاضربوا دونه حجاب". ثم قال الطحاوي ﵀: ومما يستخرج من هذا الحديث من الأحكام مما يدخل فيه مع أزواج النبي ﷺ مَن سواهن من الناس. . . إلخ" (١) اهـ. وعن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة ﵂، فقالت: من هذا؟ فقلت: سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قال: قلت: عشر أواق، قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك درهم (٢) . ***

стр. 1262

القسم الثاني حجاب أمهات المؤمنين انعقد الإجماع على وجوب الحجاب الكامل في حق أمهات المؤمنين، وذلك أمتثالَا لأمر الله تعالى في آية الحجاب، وبيت الأحاديث ذلك، وهاك بعضا منها: ١- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك قالت: "فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفني، فخمرت. (وفي رواية: فسترت وجهي عنه بجلبابي" (٢) الحديث.

стр. 1263

٢- وعن عكرمة قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول، وقد بلغه أن - عائشة ﵂ احتجبت من الحسين بن علي ﵄. . .، فقال: "إن رؤيته لها لحل". وعن عمر بن دينار عن أبي جعفر قال: كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين. .، فقال ابن عباس: "إن رؤيتهما لهن تَحِلُّ" (١) . ٣- وعن يزيد بن بابنوس قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة ﵂ فاستأذنا عليها، فألقت إلينا وسادة، وجذبت إليها الحجاب، فقال صاحبي: ما تقولين في العراك. . . الحديث. ٤- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قلت لعائشة: إنما فاقنا عروة (٢) بدخوله عليكِ كما أراد، قالت: "وأنت إذا أردت فاجلس من وراء حجاب فسلني عما أحببت، فإنا لم نجد أحدً بعد النبي ﷺ أولى لنا من أبيك. . . " الحديث (٣) . والشاهد منه قولها ﵂: "فاجلس من وراء حجاب" امتثالا لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) . ٥- عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: "يا رسول الله! يرجع الناس بِنُسُكَين، وأرجع بنسك واحد؟ "، فأمر بي أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم، وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة، فجعلت أحسر عن خماري، فتناولني بشيء في يده، فقلت: "هل ترى من أحد؟ (٤) .

стр. 1264

٦- عن أم سنان الأسلمية قالت: لما نزلنا المدينة لم ندخل حتى دخلنا مع صفية منزلها، وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار، فدخلن، فرأيت أربعًا من أزواج النبي ﷺ منتقبات: زينب بنت جحش، وحفصة، وعائشة، وجويرية. . . الحديث (١) . ٧- وعن أم معبد بنت خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجَّا بنساء النبي ﷺ ، فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر، وهن حجرة من الناس، يسير أمامهن ابن عفان على راحلته، يصيح إذا دنا منهن أحد: "إليك، إليك"، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، فنزلن بقرية قريبًا من منزلي، اعتزلن الناس، وقد ستروا عليهن الشجر عن كل ناحية، فدخلت عليهن وهن ثمان جميعًا (٢) . وقد تقدم خبر اتخاذ النعش لأم المؤمنين زينت ﵂ وتغشيته بثوب، واستحسان أمير المؤمنين عمر ﵁ هذه السنة (٣) . ٨- عن أنس بن مالك ﵁: أن أم سُلَيم صنعت حيسا (٤) ، وأرسلت به إلى رسول الله ﷺ بمناسبة زواجه من زينب بنت جحش ﵂، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه وجلسوا يأكلون ويتحدثون، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط إلى أن خرجوا (٥) .

стр. 1265

٩- عن عائشة ﵂ قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو" (١) . ١٠- قال الإمام الترمذي: حدثنا سويد نا عبد الله بن يونس بن زيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدَّثته أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، وعندها ميمونة، فأقبل ابنُ أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ : "احتَجبَا منهُ"، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يُبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ : "أفعميَاوانِ أنتما؟ ألستُما تبصِرَانه؟ " (٢) .

стр. 1266

١١- وعن أنس ﵁ في قصة زواج رسول الله ﷺ من صفية ﵂: فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو مما ملكت يمينه، فقالوا إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملك يمينه، فلما ارتحل وطَّأ لها خلفه، ومد الحجاب بينها وبين الناس (١) . وفي رواية أخرى عن أنس ﵁ أيضا قال: "فلما قُرب البعير لرسول الله ﷺ ليخرج، وضع رسول الله رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه، فأبت ووضعت ركبتها على فخذه، وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها، ثم شده من تحت رجلها وتحمَّل بها وجعلها بمنزلة نسائه"، اهـ. * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله: وهذا الحديث من أدلة الوجوب أيضا، لأنه من فعله ﷺ بيده الكريمة، فهو عمل كامل، حيث إنه ﷺ ستر جسمها كله، وهذا هو الحق الذي يجب اتباعه، فهو القدوة الحسنة، ولو لم يكن دليل من النصوص الشرعية على وجوب ستر المسلمة وجهها وجميع بدنها ومقاطع لحمها إلا هذا الحديث الصحيح، لكفى به موجبًا وموجهَا إلى أكمل الصفات" (٢) اهـ.

стр. 1267

* وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري في معرض رَدِّه على من احتج بقصة صفية ﵂ على أن الحجاب خاص بنساء النبي ﷺ : "قلت: إن قصة صفية هذه لا تدل على اختصاص الحجاب بأمهات المؤمنين، بل على عكس من ذلك تدل عل عمومه لهن ولنساء المسلمين، لأن السياق يصرح تمام التصريح بان الصحابة كانوا مترددين في أمر صفية أنها مملوكة سُرية أو حرة متزوجة؟ وأنهم كانوا على جزم صارم بان النبي ﷺ لو حجبها فهي أمارة على أنه أعتقها وتزوجها، ولم يكن جزمهم هذا إلا لأنهم كانوا يعرفون أن الحجاب مختص بالحرائر، وأنه أكبر ميزة وأعظم فارق في معرفة الحرة من المملوكة (١) ، فإذا حجبها فلابد وأن تكون حرة، والحرة لا تصلح أن تكون سُرِّيَّة فهي إذن من أزواجه وأمهات المؤمنين. فالصحابة ﵃ إنما جعلوا الحجاب أمارة على العتق والتزويج، لأن صفية كانت سبيًا مملوكة، نعم لو كانت من الحرائر المؤمنات من قبل، ثم جعلوا الحجاب أمارة على كونها من أمهات المؤمنين لكان في ذلك دليل على اختصاص الحجاب بهن، وأما إذ ليس فليس. ثم ليعلم أن التزوج والعتق ليسا من خصائصهن، فالحجاب الذي جعلوه أمارة على العتق والتزوج كيف يكون مختصا بهن؟ ثم إن القصة لا تدل على أكثر من أن أمهات المؤمنين كن محتجبات، ولا يلزم من كونهن محتجبات اختصاصهن بالحجاب" (٢) اهـ. ***

стр. 1268

القسم الثالث ١- عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن مروطهن فاختمرن بها" (١) . وروى ابن أبي حاتم هذا الحديث من طريق صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: "إن لنساء قريش لفضلَا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) انقلب رجالهن إليهن، يتلون عليهن ما أنزل الله عليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان" (٢) . وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: "رحم الله نساء الأنصار، لما نزلت (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله ﷺ كأنما على رؤوسهن الغربان" (٣) . ولا يتأتى تشبيههن بالغربان إلا مع سترهن وجوههن بفضول أكسيتهن (٤) .

стр. 1269

والاعتجار: هو الاختمار. قال الحافظ: "قوله: "فاختمرن" أي: غطين وجوههن" اهـ (١) . وتفسير الاختمار بتغطية الوجه هو الصحيح، لما مضى (٢) من التفصيل عن أعمالهن. *** ٢- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذَوْا بنا سَدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" (٣) . وهذان الحديثان (٤) صريحان في شمول الحجاب للوجوه، بل يفيدان أن تغطية الوجوه كان هو المقصود بأمر الحجاب، والحديث الأخير حكمه عام لجميع نساء المؤمنين، فإن المراد بضمائر جمع المتكلم ليست أمهات المؤمنين فحسب كما يزعمه الزاعمون، والدليل على ذلك أن عائشة ﵂ هي التي روت هذا الحديث، وهي التي كانت تفتي: بأن المرأة المحرمة تسدل جلبابها من فوق رأسها على وجهها.

стр. 1270

وروى مالك في الموطأ ما يفيد أن تغطية الوجوه في الإِحرام كان عامًّا في النساء، لا في زمن الصحابة فقط، بل فيما بعدهم أيضَا، فقد روى عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق فلا تنكره علينا (١) . وهذا العموم هو الذي فهمه العلماء في حديث عائشة. قال في "عون المعبود" في قولها: "يمرون بنا": أي علينا معشر النساء (٢) . وقال الشوكاني في "النيل": واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها أن تسدل ثوبها من فوق رأسها على وجهها، لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقَا كالعورة، لكن إذا سدلت يكون الثوب متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم، وظاهر الحديث خلافه، لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبينه ﷺ ". وقال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها لا وجهها فتسدل الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال" (٣) انتهى. والمقصود من نقل كلام الشوكاني وابن المنذر أن العلماء لا يرون هذه الضمائر راجعة إلى أزواج النبي ﷺ خاصة" (٤) اهـ. ٣- وعن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "كنا نغطي وجوهَنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في

стр. 1271

الإِحرام" (١) ٤- وعن فاطمة بنت المنذر فى رحمها الله قالت: "كنا نخمر وجوهنا، ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر ﵄" (٢) . وفي تعبير أسماء ﵂ بصيغة الجمع في قولها: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال " دليل على أن عمل النساء في زمن الصحابة رضي الله عنهم كان على تغطية الوجوه من الرجال الأجانب والله أعلم، أما حديث فاطمة بنت المنذر فيفيد أن تغطية الوجه في الإِحرام كان عامًّا في النساء لا في زمن الصحابة فقط بل فيما بعدهم أيضًا. ٥- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خَطَبَ أحدُكُم المرأةَ، فإن استطَاعَ أن يَنظُرَ إلى ما يدعُوه إلى نِكَاحِها فليَفعَل " فخطبت جارية فكنت أتخبَّأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، وتزوجتُها (٣) . ٦- وعن محمد بن مسلمة ﵁ قال: خطبتُ امرأةُ فجعلتُ أتخبأ لها حتى نظرتُ إليها في نَخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أَلقى الله في قلب امرِئ خطبَة امرأة فلا بأس أن ينظُرَ إليها" (٤) .

стр. 1272

٧- وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فذكرتُ له امرأة أخطُبُها فقال:"اذهَبْ فانظُر إليها فإنه أجْدَر أن يؤدَمَ بينَكما" فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتُهما بقول النبي ﷺ فكأنهما كرِها ذلك، قال: فَسَمِعت ذلك المرأةُ وهي في خِدْرِها، فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشدُك، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذكر من موافقتها (١) . * قال التويجري: "وفي هذا الحديث والحديثين قبله دليل على مشروعية احتجاب النساء من الرجال الأجانب، ولهذا أنكروا على محمد بن مسلمة لما أخبرهم أنه تخبأ لمخطوبته حتى نظر إليها وهي لا تشعر، فأخبرهم أن النبي ﷺ قد رخَّص في ذلك للخاطب. وكذلك المغيرة بن شعبة ﵁ لما طلب النظر إلى المخطوبة كَرِه ذلك

стр. 1273

والداها، وأعظمت ذلك المرأة وشددت على المغيرة ثم مكنته من النظر إليها طاعة لأمر رسول الله ﷺ . وفي هذه الأحاديث أيضا بيان ما كان عليه نساء الصحابة ﵃ من المبالغة في التستر من الرجال الأجانب، ولهذا لم يتمكن جابر ومحمد بن مسلمة ﵄ من النظر إلى المخطوبة إلا من طريق الاختباء والاغتفال، وكذلك المغيرة لم يتمكن من النظر إلى مخطوبته إلا بعد إذنها له في النظر إليها" (١) اهـ. وكذلك يشهد لهذا المعنى قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: "فإن استطَاعَ أن يَنطرَ إلى ما يَدعُوه إلى نِكَاحِهَا فَليَفعَل". * وقال الشيخ أبو هشام ا! لأنصاري معلقا على حديث المغيرة ﵁: وهذا الحادث يدل أيضَا على أن النساء كن قائمات بالتستر بحيث لم يكن الرجل يقدر على أن يراهن إلا بالحيل والتصرفات، أو إلا أن يسمحن له بالرؤية، ولو كن يخرجن سافرات الوجوه، كاشفات الخدين، مكتحلات العينين، مخضوبات الكفين لم يكن الرجال يحتاجون إلى تجشم هذه المشقات في رؤيتهن ". اهـ. وقال معلقًا على قول جابر ﵁ في آخر حديثه: فخطبت امرأة من بني سلمة فكنت أختبئ تحت الكرب حتى رأيت منها بعض ما دعاني إِليها (المحلى لابن حزم (١١/٢٢٠) . وفي هذا الحديث دليل من وجهين: الأول: أن قوله ﷺ : "فإن استطاع أن ينظر. . . إلخ" يدل على أن النظر إلى النساء لم يكن سهلَا، بل كان لابد لها من حيل وتصرفات، ولو كانت النساء يخرجن سافرات الوجوه في ذلك الزمان لم يكن لاشتراط الاستطاعة

стр. 1274

في النظر إليهن معنى. والثاني: ما فعله جابر من الاختباء تحت الكرب دليل على أن النساء لم يكن يتركن الحجاب إلا إذا علمن أنهن في أمن من نظر الرجال. وقال في حديث محمد بن مسلمة ﵁: وهذا الحادث مثل حادث جابر في الدلالة على، المطلوب، مع مزيد الدلالة على أن النظر إلى المرأة الأجنبية كان من أسباب التعجب والنكران عند أوائل هذه الأمة" (١) اهـ. * * * ٨- وعن موسى بن يزيد الأنصاري عن أبي حميد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خَطَبَ أحدُكم امرأةَ، فلا جُنَاحَ عليه أن يَنظُرَ إليها إذا كان أنما يَنظر إليها لخِطبته، وأن كانت لا تعلَمُ" (٢) . ! قال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله: إن رفع الجناح عن إظهار التزين في هذه الحالة المخصوصة لأجل هذه المصلحة الخاصة دليل على أن في إظهار التزين في عامة الأحوال جناحًا وإثما. والدليل على تغاير حكم الخطبة عن حكم عامة الأحوال أن الخاطب أبيح له النظر إلى المخطوبة، بل هو مأمور بذلك أمر حض وإرشاد، أو أمر استحباب وندب، بينما هو مأمور بغض البصر عن الأجنبيات، وحرم عليه النظر إليهن إلا النظرة الأولى أو نظرة الفجأة التي تصدر منه من غير

стр. 1275

تعمد وقصد، والذين لهم إلمام بقواعد الشريعة يعرفون جيدًا أن تقييد إِباحة الشيء أو جوازه أو رخصته بحالة خاصة دليل على تحريمه في الأصل كما أن ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للحاجة أو المصلحة الراجحة (انظر زاد المعاد ١/٢٢٤) فجواز أو إباحة إظهار التزين - الذي يعده البعض كشف الوجه - للمخطوبة دليل على تحريم إظهار تلك الزينة في عامة الأحوال. وصنيع الفقهاء والمحدثين يرشد إلى ما قلنا: فإن عامتهم بوبوا على أحاديث الخطبة بباب جواز النظر إلى الخطوبة وأمثاله، فتقييدهم النظر إلى المخطوبة بالجواز يشعر بأن النظر إلى غير المخطوبة غير جائز عندهم (١) . * قال الشيخ أبو محمد المقدسي في "المغني": "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها. . .، ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغير إذنها لأن النبي ﷺ أمرنا بالنظر وأطلق. . . ولا يجوز له الخلوة بها لأنها محرمة ولم يَرد الشرعُ بغير النظر فبقيت الخلوة على التحريم ولأنه لا يُؤمَن مع الخلوة مواقعة المحظور. . .، ولا ينظر إليها نظرة تلذذ وشهوة ولا لريبة، قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها ويتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك" (٢) اهـ كلامه ملخصًا. وقيَّد الحجاوي والفُتُوحي وغيرهما جواز النظر بما إذا غلب على ظنه إجابته، قال الجراعيُ: متى غلب على ظنه عدم إجابته لم يجز، كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها مع علمه أنه لا يُجاب إلى ذلك" اهـ.

стр. 1276

وكما أن الأحاديث التي ذُكرت آنفًا قد دلت بمنطوقها على جواز نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، فكذلك هي دالة بمفهومها على أنه لا يجوز النظرُ إلى غيرها من سائر الأجنبيات - ويوضح ذلك قوله في حديث أبي حُميد ﵁: إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة، فدل على أنه لا يجوز النظر إلى الأجنبية لغير خاطب. وأيضا فوضع البأس والجُناح على الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته يدل على أنه لا يجوز النظر لغير خاطب، وأن عليهْ في نظره إلى الأجنبية بأسا وجناحَا، والله أعلم. وقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في "الجامع" نحو حديث المغيرة بن شعبة ﵁ فقد عقد بابًا إذ قال: (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج) . وقال الحافظ في "الفتح": قال الجمهور: لا بأس أن ينظر الخاطب إلى الخطوبة، قالوا: ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها (١) . * قال السندي: "وأما المفهوم المخالف لهذا الحديث فإنه لا يجوز لغير الخاطب أن ينظر إليها ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت المرأة محجبة وأما في حالة كشف الوجه والكفين فلا معنى لهذا الحديث بالمفهوم، فهذا أيضَا دليل على عدم جواز كشف الوجه والكفين" (٢) اهـ. وسياق حديث محمد بن مسلمة وفيه قوله ﷺ : "إذا ألقَى الله في قلب امرئ خِطبَةَ امرأة فلا بأس أن ينظُرَ إليها" فهذا الإذن بهذا السياق يدل على تحريم النظر إلى الوجه والكفين لغير الخاطب.

стр. 1277

٩- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُباشِرِ المرأةُ المرأة، فَتنعَتها لزوجِها، كأنه يَنظُرُ إليها" (١) . * قال القسطلاني ﵀: "قال الطيبي رحمه الله تعالى: المعنى به فى الحديث النظر مع المس، فتنظر إلى ظاهرها من الوجه والكفين، وتجس باطنها باللمس" (٢) اهـ. * قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله: "وفي نهيه ﷺ المرأة أن تباشر المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها دليل على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجانب، وأنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة أو الاغتفال ونحوِ ذلك، ولهذا قال: "كأنه ينظُرُ إليها" فدلَّ على أن نظر الرجال إلى الأجنبيات ممتنع في الغالب من أجل احتجابهن عنهم، ولو كان السفور جائزًا لما كان الرجال يحتاجون أن تُنْعَتَ لهم الأجنبيات من النساء بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن كما هو معروف في البلدان التي قد فشا فيها التبرج والسفور" (٣) اهـ. * * * ١٠- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن

стр. 1278

نظر الفُجَاءَةِ فأمرني أن أصرف بصري" (١) . * وقال التويجري: "ويستفاد من هذا الحديث أن نساء المؤمنين في زمن رسول الله ﷺ كن يستترن عن الرجال الأجانب ويغطين وجوههن عنهم، وإنما كان يقع النظر عليهن فجأة في بعض الأحيان، وأيضَا لو كُنَّ يكشفن وجوههن عند الرجال الأجانب لكان في صرف البصر عنهن مشقة عظيمة. ولاسيما إذا كثرت النساءُ حول الرجل، لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلا بد أن ينظر إلى أخرى أو أكثر، وأمَّا إذا كن يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر الحديث، فإنه لا يبقى على الناظر مشقة في صرف النظر، لأن ذلك إنما يكون بغتة في بعض الأحيان والله أعلم" (٢) .

стр. 1279

١١- عن فاطمة بنت قيس ﵂: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة "وفي رواية أخرى: ثلاث طلقات" وهو غائب، فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تِلكَ امرأة يغشاها أصحَابي (١) ، اعتَدِّي عند ابن أم مكتُوم فإنه رجل أعمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عندَه". وفي رواية: "انتَقِلي إلى أم شريكٍ، وأم شريك امرأة غنية من الأنصارِ، عظيمةُ النفقَةِ فى سبيلِ اللهِ، ينزلُ عليها الضيفَانِ، فإني أكره أن يَسقُطَ خمارُك أو ينكشفَ الثوبُ عن سَاقَيكِ، فيرى القومُ منك بعضَ ما تكرهين، ولكن انتقِلي إلى ابنِ عمك عبدِ الله ابن أم مكتومِ الأعمى - وهو من البطن التي هي منه - فإنك إذا وَضَعتِ خمارَك لم يَرَك"، فانتقلتُ إليه، فلما انقضت عدتي سمعتُ نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميمَا الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال. . ." الحديث (٢) .

стр. 1280

وفي قوله ﷺ : "فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" وفي رواية: "فإني أكره أن يسقط منك خمارك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين" دليل على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها - فضلا عن غيره - عند البصير من الرجال الأجانب، وذلك لأن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعَا (١) ، ويشهد لهذا ما حكيناه سابقًا من قول الحافظ ابن حجر في تعريف الخمر: ومنه الخِمار لأنه يغطي وجه المرأة. وقول القاضي أبي علي التنوخي فيما ينسب إليه: قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقي المذهب نور الخمار، ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب وهذا الحديث ينبغي أن يفهم في ضوء قوله ﷺ : "المرأة عَورَةُ". وإذ! كان النظر إلى وجوه النساء أعظم فتنة من النظر إلى رؤوسهن، فبعيد أن تأتي الشريعة الكاملة بإيجاب ستر الرؤوس، وإباحة كشف الوجوه، وقوله "لم يرك" ظاهر في إرادة جميع ما يبدو منها من وجه ورأس ورقبة، وليس في الحديث ما يدل على وجوب ستر الرأس وحده دون الوجه. *** ١٢- عن عائشة ﵂ قالت. خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب (٢) لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها

стр. 1281

عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفى يده عَرْق - هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم- فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: "إنه أُذِنَ لَكن أن تخرُجنَ لحاجَتِكُن" (١) . * قال الشيخ أبو هشام الأنصاري حفظه الله: "ومقتضى هذا أن سودة لولا طولُ قَدّها لخفيت على الناس، وأن عمر لم يكن عرفها لكونها كاشفة الوجه، بل لطول قدمها وهيئتها التي تميزها عن غيرها، وفي هذا الحديث دليل أيضا أن الحجاب لم يكن مختصُّا بأمهات المؤمنين، وذلك لأن سياق الحديث يدل على أن عمر لم يكن يحب أن تعرف أشخاص أمهات المؤمنين، ولو كان الحجاب مختصُّا بهن لكان أول دليل عليهن، وأول فارق وأعظم هيئة تميزهن عن غيرهن، ولعرفهن كل أحد، وعرف أعيانهن في معظم الأحوال" (٢) اهـ. واعلم؛ أن غاية ما يؤخذ من هذا الحديث بانفراده هو اشتراك أمهات

стр. 1282

المؤمنين مع سائر النساء في "مشروعية الحجاب"، وهذا موضع اتفاق مع المخالف، فإنه يستدل به على عموم هذه المشروعية، أما الوجوب ذاته فلا يستدل عليه بهذا الحديث بانفراده، وإنما بما سبق من الأدلة الكثيرة على عموم آية الحجاب، وعدم تخصيصها بأمهات المؤمنين، والله أعلم. ١٣- عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ ، فلما رجعنا، وحاذينا بابه إذ هو بامرأة لا نظنه عرفها، فقال ﷺ : "يا فاطمة من أين جئتِ؟ "، قالت: جئت من عند أهل الميت، رَحِمتُ إليهم مَيتهم، وَعَزَّيتهم. . . (١) الحديث. فقد ظن الصحابة ﵃ أن النبي ﷺ لم يعرف هذه المرأة التي مرت من عنده، لأنها كانت مستترة، ولكنه عرفها، وقال لها: "يا فاطمة" كما عرف عائشة ﵂ وسط الناس وهي منتقبة (٢) . *** (١) رواه الإمام أحمد (٢/ ١٦٩) ، والبيهقي في السنن (٤/ ٦٠) ، وفي الدلائل (١/١٩٢) ، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٧٣) ، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. (٢) وذلك - فيما يروى - حينما جاءت عائشة ﵂ لتنظر إلى صفية رضى الله عنها أول ما قدمت المدينة، (فتنكّرت، وتنقبت، فنظر رسول الله ﷺ إلى عينيها، فعرفها) الحديث رواه ابن ماجة، وله شاهد مرسل عن عطاء بن يسار ذكره ابن سعد.

стр. 1283

الباب السادس الفصل الأول: شبهات وجوابها الفصل الثاني: المذاهب الفقهية في حكم كشف الوجه والكفين

стр. 1284

الفصل الأول شبهات وجوابها لعل فيما تقدم من الأدلة الواضحة على وجوب الحجاب كفاية وبلاغًا لمن صدق الله في طلب الحق، وصدق مع نفسه. غير أنه بقيت بعض النصوص استدل بها المبيحون للسفور، نحاول فيما يلي - إن شاء الله - رفع الغشاوة عنها، ودفع الشبه فيها، مع حسن الظن بالمخالفين الذين بنوا عليها مذهبهم. غير أن هناك فريقَا من الذين في قلوبهم مرض، ممن هو على شعبة من النفاق في إيمانه بالله، تعرفهم في لحن القول، استغلوا هذه الشبهات ليبرروا بها دعوتهم إلى ما يسمُّى بـ "تحرير المرأة " (١) . إن الغرض مرض، وصاحب الغرض الخبيث يستطيع أن يقحم في كل سطر مما ذكره شبهًا وإشكالات يتعلق بها في إثبات عكس ما تقدم تحقيقه، ليتخذ السفور سلمَا إلى مآربه الأبليسية، وان كان يعلم من نفسه أنه كاذب

стр. 1285

في دعواه. (وصناعة التأويل في الكلام والتلاعب بالألفاظ ليست عسيرة، أتقنها بنو إسرائيل من قبل لنيل عَرَض من الدنيا قليل، ويتقنها كثير من المحامين اليوم لجمع مزيد من البضاعة نفسها، كما يتقنها كثير من المشتغلين ببضاعة العلم الشرعي ليتجملوا بذلك أمام من يملكون – في الظاهر - رعايتهم ودفعهم في سلم المناصب الدنيوية الفانية) (١) . يقول الإمام الشاطبي في "الموافقاتَ" بعد أن أستَعرض صورا ونماذج من حيل المبطلين في التلاعب بنصوص، الأدلة، والتحايل على قواعد الأحكام: "ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحدًا من المختلفين في الأحكام يعجز عن الاستدلال على مذهب بظواهر من الأدلة وقد مَرَّ من ذلك أمثلة بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة. . . " (٢) اهـ. ولكن ليس معنى هذا أن الطالب لمعرفة الحق يضيع بين تلبيس المخادعين ونصيحة العلماء الصادقين، فإن الصادق في طلب الحق لا يعدم أن يجد دلائل الحق في محكمات النصوص الواضحة النيرة، فإن تاه عن معرفة هذه النصوص لم يعدم أن يجد دلائله فيما اجتمع عليه السلف الصالح خلال القرون الماضية. يقول الإمام الشاطبي – ﵀ – معلقا على الفقرة السابقة: "فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه من العمل فهو أحرى بالصواب، وأقوم في

стр. 1286

العلم والعمل" (١) اهـ. فإن لم يعلم شيئَا عن. أخبار السلف؛ لم يعدم أن يجد دلائله في استقامة العالم الذي يفتيه، وحسن سيره وسيرته بين الناس، وثباته أمام مزالق الفتن والأهواء، فإن عدم من حقائق إسلامه ما يبصره بشيء من هذا كله، فإن بلاءه من نفسه قبل أن يكون من مكيدة المخادعين، أو مكر الضالين المضلين، إذ لا يكون مسلما حقُّا إلا بعد أن يكون على شيء من البصيرة بدينه، بحيث تشير له - ولو من بُعْدٍ - إلى معالم الحق، وتحذره - ولو في الجملة - من مهاوي الضلال، فإن على الحق نورًا. تدور شُبه المغرضين حول أقوالٍ لا رصيد لها من المعنى الذي يمكن أن يتقبله العقل السليم، لأنها من نوع ما يسميه علماء المنطق بالسفسطة التي لها شكل الحجة، وليست لها حقيقتها (٢) . وهي أقوال يراد بها إخضاع النفس، أكثر مما يراد بها إقناع العقل. هذا فيما يتعلق بالمغرضين من أعداء الدين الذين يتخذون السفور ذريعة لمقاصدهم السيئة، أما الفريق الآخر الذي يبيح السفور بناءً على اجتهاد فقهي مخلص في طلب الحق، فأغلب ما تعلقوا به: - إما أحاديث ضعيفة، لا تثبت عند أهل العلم بالحديث. - وإما وقائع أحوال لا عموم لها. - وإما نصوص يفهم منها إباحة السفور لكنها كانت قبل نزول الحجاب. - وإما نصوص يفهم منها حصول السفور في حالة من حالات الترخيص فيه مثل الخِطبة، والشهادة، والتطبيب، وغيرها، وهذه في الحقيقة تؤيد أن الأصل منع السفور، وإلا لما كان لهذه الاستئناءات

стр. 1287

معنى (١) . - وإما نصوص غير صريحة يطرقها الاحتمال، فيسقط بها الاستدلال. وقد تقدم الجواب عن بعض الشبهات (٢) ، وهذا أوان الشروع في الجواب عما تبقى من شبهات الفريقين، فنقول بتوفيق الله وحده: الشبهة الأولى * ما أخرجه أبو داود في "سننه" باب: فيما تبدي المرأة من زينتها، قال: حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: أخبرنا الوليد، عن سعيد بن بَشير، عن قتادة، عن خالد- قال يعقوب: ابن درَيك - عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه (٣) . قالوا: فهذا نص صريح في أنه يجوز للمرأة كشفُ وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب.

стр. 1288

جواب هذه الشبهة الأصل أنه لا يُتكلف الجوابُ عن الحديث حتى يصح، والضعيفُ يكفي في رَدِّه كونُه ضعيفا، فمن باب (أثبت العرش، ثم انقش) نناقش: * أولا: إسنادَ الحديث: في الحديث علل قادحة: العلة الأول: انقطاع سنده، كما صَرَّح بذلك الأمام أبو داود ﵀ نفسه، فقد قال عقب روايته الحديث: هذا مُرْسَل، خالد بن دُرَيْك لم يدرك عائشة. (١) وكذا قال أبو حاتم الرازي (٢) ، وعبد الحق في "أحكامه" (٣) . وقال ابن معين: مشهور، وقال مرة: ثقة، وقال النسائي. ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، في أتباع التابعين (٤) . وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": ثقة يرسل (٥) . العلة الثانية: أن في سنده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري (٦) ،

стр. 1289

قال الحافظ: "ضعيف" (١) . العلة الثالثة: أن فيه قتادة، وهو مدلس، وقد عنعنه، كما أن فيه الوليدَ ابنَ مسلم، قال الحافظ: "ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية" (٢) ، وقد عنعنه. والحديث رواه أبو داود في "المراسيل" عن محمد بشار، عن أبي داود، عن هشام الدستوائي، عن قتادة مرسلا: "إن الجارية إذا حاضت، لم يصلع أنه يُرى منها إلا وجهُها ويداها إلى المفصل". * ثانيا: فرض صحة الحديث: وعلى فرض صحة الحديث، أو تقويته بشواهده، فبماذا أجاب عنه العلماء القائلون بتحريم السفور؟ لقد اختلفت أجوبتهم عنه: ١- فمنهم من حمله على أنه كان قبل الأمر بالحجاب: * قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والسلف تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:

стр. 1290

فقال ابن مسعود: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخضاب. ثم بين ﵀ أن تشريع الحجاب مر بمرحلتين: أولاهما تغطية البدن ما عدا الوجه والكفين. والأخرى: حجاب جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان. ثم قال رحمه الله تعالى ما نصه: "فإذا كُنَّ مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أُمِرَت ألا تظهرها للأجانب، فما بقي يَحِل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين" (١) اهـ. إلى أن قال شيخ الإسلام: وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب " (٢) اهـ. * وقال الإمام ابن قدامة ﵀ في معرض الرد على من أباح النظر إلى الوجه والكفين محتجًا بحديث أسماء ﵂: وأما حديث أسماء فيحمل على أنه كان قبل نزول آية الحجاب، فنحمله عليه (٣) . * وقال القاري في شرح هذا الحديث: قولها "وعليها ثياب رِقَاق" بكسر الراء جمع رقيق، ولعل هذا كان قبل الحجاب (٤) .

стр. 1291

وقد ضعف الشنقيطي - رحمه الله تعالى – الحديث، ثم قال: "مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب" (١) اهـ. * وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي: "لو قدرَ أن حديث عائشة صحيح، فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب، وبناءً على هذا يكون منسوخا، لا يجوز العمل به" (٢) اهـ. * وقال الشيخ محمد علي الصابوني في "روائع البيان": ويحتمل أنه كان قبل آيات الحجاب، ثم نسخ بها (٣) . * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ثم على تقدير الصحة - أي صحة حديثه عائشة ﵂ يحمل على ما قبل الحجاب، لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه (٤) .

стр. 1292

٢- ومن العلماء من ذهب إلى وجوب تأويل حديث عائشة ﵂ إن صَحَّ: إذا ثبت لدينا دليل واحد يفيد تحريم كشف الوجه والكفين؛ ثم فرضنا جدلًا ثبوت حديث عائشة ﵂ الذي يبيح كشفهما؛ وافترضنا أيضا تكافؤ الدليلين من حيث الثبوت؛ وعلمنا أن الأصل في الدليل

стр. 1293

الشرعي الإعمال لا الإهمال؛ وأن الواجبَ - عند التعارض - أن لا يصار إلى ترجيح أحد الدليلين إلا عند تعذر الجمع بينهما، لأن إعمال الدليلين معا أولى من إلغاء أحدهما؛ إذن يتعين محاولة الجمع بينهما (١) ، وهذا ما فعله فريق من العلماء: * قال ابن رسلان في حديث عائشة ﵂: "والحديث مقيد بالحاجة إلى رؤية الوجه والكفين كالخطبة ونحوها (٢) ، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن

стр. 1294

سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساق (١) اهـ. * وقال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري: "ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لاسيما عند كثرة الفساد وظهوره" (٢) اهـ. * وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي: "لو ثبت أن حديث عائشة صحيح - مع العلم بأنه لم يثبت - فحينئذِ كشف المرأة وجهها لرجل أجني مقيد ذلك بالحاجة، والضرورة، لا مطلقا" (٣) اهـ. ومقصودهم - والله أعلم - أن المرأة إذا بلغت لم يحل أن يظهر من بدنها شيء لأنها كلها عورة، إلا أن تحتاج أو تضطر لكشف وجهها وكفيها فيحل لها ذلك حينئذ بقدره. أو: أن المرأة إذا بلغت حل لها أن تظهر وجهها وكفيها ما لم تُخَفْ الفتنه بهما، فإن خيفت الفتنة فعليها ستر ذلك. فإذا قيل: بل يتعين الترجيح لأن التكلف في الجمع بينهما غير خافٍ على من تأمله. قلنا: نحن أسعد بهذا المسلك منكم؛ إذ إن أدلة وجوب ستر الوجه والكفين ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مُقَدَّم كما هو معروف عند الأصوليين، وذلك لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه، فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل وتغييره إياه.

стр. 1295

ولذلك نقول: إن مع الناقل زيادةَ علم، وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي، والمثبِت مقدم على النافي، وهذا الوجه إجمالي ثابت حتى على تقدير تكافؤ الأدلة ثبوتَا ودلالة (١) . * فوائد: الأولى: أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل، على الخبر المبقي على البراءة الأصلية، وإليه الإشارة بقول صاحب "مراقي السعود" في مبحث الترجيح باعتبار المدلول: وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر على أباحة. . . إلخ لأن معنى قوله: (وناقل) أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على

стр. 1296

الخبر المبقي عليها، وعزاه في شرحه المسمى "نشر البنود، للجمهور، وهو المشهور عند أهل الأصول" (١) اهـ. واستدل الجمهور لمذهبهم بما يأتي: أولاً: أن الحديث المبقي للبراءة لا يستفاد منه فائدة جديدة، وذلك لأنه لا يفيد أكثر مما استفيد من البراءة الأصلية، أما الحديث الرافع للبراءة فيستفاد منه فائدة جديدة. ثانيا: أن الخبر الناقل عند ترجيحه يُقَدَّرُ متأخرا، وعليه فيكون ناسخا للخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية، وإنما هو مُقَرِّر لها، وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة. أما لو جعل لخبر المبقي للبراءة هو الراجح فسيقدر متأخرَا فيكلون ناسخا للناقل للبراءة، والناقل قد نسخ البراءة الأصلية لأنه غير مقرر لها فيلزم من ذلك النسخ مرتين، والنسخ خلاف الأصل، فالخبر الناقل مقلل له، وعليه يكون راجحا (٢) . الفائدة الثانية: ذهب جماعة من أهل الأصول إلى أنه إِذا تعارض خبران، وكان أحدهما دالا على الوجوب، والآخر دالا على الإباحة، ففي هذه الحالة يقدم الدال على الوجوب، وذلك لأن العمل به مقَدم للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ثم الدال على الإباحة - ويشمل غير الواجب - فيدخل فيه المسنون والمندوب لاشتراك الجميع على عدم العقاب على ترك الفعل (٣) .

стр. 1297

الفائدة الثالثة: أن المسلمة إن عملت بقول من أوجب ستر الوجه والكفين فأدت ذلك على سبيل الوجوب برئت ذمتها عند القائلين بأنه فرض وعند القائلين بأنه فضل كليهما، ولو أسفرت عن وجهها وكشفت كفيها، ولم تسترهما على سبيل الوجوب تبقى مطالَبَة بواجب على قول جمع كبير من العلماء، والنبي ﷺ يقول: "دع ما يَريبُك إلى ما لا يَرِيبُك" (١) ، ويقول: "فمن اتقَى الشُبُهاتِ فقد استبرَأ لدِينِه وعِرْضِهِ" (٢) . * ثالثًا: متن الحديث: قد عرفتَ ضعف هذا الحديث من حيث السند، أما من حيث معانيه وألفاظهُ فهو معارض للأدلة المتوافرة على وجوب الحجاب سواء في ذلك عموم آيات الحجاب، أو فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره، فهل يسوغ أن يؤخذ بظاهرِ حديثْ هذا حاله فيكون مخصصًا لكل ما ورد من عموم ألفاظ القرآن وما صح من فعل النبي ﷺ مع صفية، وتقريره لفعل سودة ﵄؟ أضف إلى ذلك مخالفة لفظه: "لا يصلح أن يرى منها" لحديث جرير بن

стр. 1298

عبد الله ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري" (١) . وقد كان إسلام جرير ﵁ في رمضان سنة عشر من الهجرة (٢) . كما أنه مخالف لحال أمهات المؤمنين ونسائهم، وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عملا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ" (٣) . وعن عائشة ﵂ قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ مُحرِمات، فإذا حاذَوْنا سَدَلت إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" (٤) . وعنها ﵂ قالت: "تَسدُل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (٥) . روى ابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل بن خالد عن أمه، قالت: كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية، فقلت لها: "يا أم المؤمنين! هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة"، فرفعت عائشة خمارها من صدرها، فغطت به وجهها (٦) - أي وجه المرأة المشار إليها. وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كنا نكون مع رسول الله ﷺ ونحن مُحرمات فيمر بنا الراكب فتَسدُل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها" (٧) .

стр. 1299

وعن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء ﵂" (١) . فلو كان لهن سعة من السفور؛ ولو كان حديث عائشة صحيحَا ومعمولًا به؛ لما كان النساء يلتزمن تغطية الوجوه، ولاسيما في حالة الإحرام. وحديث عائشة ﵂ أيضًا مخالف لما ثبت عن أسماء ﵂ نفسها: فقد قالت أسماء ﵂: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام" (٢) . و (عمل من نسب إليه الحديث بخلافه حتى عند الرخصة دليل على ضعف الحديث أو على الأقل نسخه) (٣) . * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: فتمسك أسماء بهذا يرد على من أخذ بحديث عائشة أن أسماء قد أمرها النبي ﷺ بأن لا تكشف إلا وجهها وكفيها (٤) اهـ. * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: وأيضًا فإن أسماء رضي الله تعالى عنها كان لها حين هجرة النبي ﷺ سبع وعشرون سنة، فهي كبيرة السن فيبعد أن تدخل على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين، فلابد على تقدير الصحة من أن يحمل على ما قبل الحجاب، لأن نصوص الحجاب ناقلة عن

стр. 1300

الأصل فتقدم عليه (١) اهـ. * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: "هذا الحديث - يقصد حديث عائشة ﵂ لا يصح العمل به، لأنه ضعيف هو وطرقه، وأيضا فغير سائغ أن تدخل أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ على رسول الله ﷺ بثياب رقاق تصف بَشرَتها، وذلك بالمدينة بعد أن نزل الحجاب، إلا أن يكون ذلك في مكة وقبل الهجرة، وقبل نزول الحجاب، وإذا كان كذلك، فلا يلتفت إليه، وليس بحجة" (٢) اهـ.
следующие страницы →