← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الخبر المبقي عليها، وعزاه في شرحه المسمى "نشر البنود، للجمهور، وهو المشهور عند أهل الأصول" (١) اهـ. واستدل الجمهور لمذهبهم بما يأتي: أولاً: أن الحديث المبقي للبراءة لا يستفاد منه فائدة جديدة، وذلك لأنه لا يفيد أكثر مما استفيد من البراءة الأصلية، أما الحديث الرافع للبراءة فيستفاد منه فائدة جديدة. ثانيا: أن الخبر الناقل عند ترجيحه يُقَدَّرُ متأخرا، وعليه فيكون ناسخا للخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية، وإنما هو مُقَرِّر لها، وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة. أما لو جعل لخبر المبقي للبراءة هو الراجح فسيقدر متأخرَا فيكلون ناسخا للناقل للبراءة، والناقل قد نسخ البراءة الأصلية لأنه غير مقرر لها فيلزم من ذلك النسخ مرتين، والنسخ خلاف الأصل، فالخبر الناقل مقلل له، وعليه يكون راجحا (٢) . الفائدة الثانية: ذهب جماعة من أهل الأصول إلى أنه إِذا تعارض خبران، وكان أحدهما دالا على الوجوب، والآخر دالا على الإباحة، ففي هذه الحالة يقدم الدال على الوجوب، وذلك لأن العمل به مقَدم للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ثم الدال على الإباحة - ويشمل غير الواجب - فيدخل فيه المسنون والمندوب لاشتراك الجميع على عدم العقاب على ترك الفعل (٣) .

стр. 1297

الفائدة الثالثة: أن المسلمة إن عملت بقول من أوجب ستر الوجه والكفين فأدت ذلك على سبيل الوجوب برئت ذمتها عند القائلين بأنه فرض وعند القائلين بأنه فضل كليهما، ولو أسفرت عن وجهها وكشفت كفيها، ولم تسترهما على سبيل الوجوب تبقى مطالَبَة بواجب على قول جمع كبير من العلماء، والنبي ﷺ يقول: "دع ما يَريبُك إلى ما لا يَرِيبُك" (١) ، ويقول: "فمن اتقَى الشُبُهاتِ فقد استبرَأ لدِينِه وعِرْضِهِ" (٢) . * ثالثًا: متن الحديث: قد عرفتَ ضعف هذا الحديث من حيث السند، أما من حيث معانيه وألفاظهُ فهو معارض للأدلة المتوافرة على وجوب الحجاب سواء في ذلك عموم آيات الحجاب، أو فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره، فهل يسوغ أن يؤخذ بظاهرِ حديثْ هذا حاله فيكون مخصصًا لكل ما ورد من عموم ألفاظ القرآن وما صح من فعل النبي ﷺ مع صفية، وتقريره لفعل سودة ﵄؟ أضف إلى ذلك مخالفة لفظه: "لا يصلح أن يرى منها" لحديث جرير بن

стр. 1298

عبد الله ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري" (١) . وقد كان إسلام جرير ﵁ في رمضان سنة عشر من الهجرة (٢) . كما أنه مخالف لحال أمهات المؤمنين ونسائهم، وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عملا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ" (٣) . وعن عائشة ﵂ قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ مُحرِمات، فإذا حاذَوْنا سَدَلت إحدانا جلبابَها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه" (٤) . وعنها ﵂ قالت: "تَسدُل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (٥) . روى ابن أبي خيثمة من طريق إسماعيل بن خالد عن أمه، قالت: كنا ندخل على أم المؤمنين يوم التروية، فقلت لها: "يا أم المؤمنين! هنا امرأة تأبى أن تغطي وجهها وهي محرمة"، فرفعت عائشة خمارها من صدرها، فغطت به وجهها (٦) - أي وجه المرأة المشار إليها. وعن أم سلمة ﵂ قالت: "كنا نكون مع رسول الله ﷺ ونحن مُحرمات فيمر بنا الراكب فتَسدُل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها" (٧) .

стр. 1299

وعن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء ﵂" (١) . فلو كان لهن سعة من السفور؛ ولو كان حديث عائشة صحيحَا ومعمولًا به؛ لما كان النساء يلتزمن تغطية الوجوه، ولاسيما في حالة الإحرام. وحديث عائشة ﵂ أيضًا مخالف لما ثبت عن أسماء ﵂ نفسها: فقد قالت أسماء ﵂: "كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام" (٢) . و (عمل من نسب إليه الحديث بخلافه حتى عند الرخصة دليل على ضعف الحديث أو على الأقل نسخه) (٣) . * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: فتمسك أسماء بهذا يرد على من أخذ بحديث عائشة أن أسماء قد أمرها النبي ﷺ بأن لا تكشف إلا وجهها وكفيها (٤) اهـ. * وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: وأيضًا فإن أسماء رضي الله تعالى عنها كان لها حين هجرة النبي ﷺ سبع وعشرون سنة، فهي كبيرة السن فيبعد أن تدخل على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين، فلابد على تقدير الصحة من أن يحمل على ما قبل الحجاب، لأن نصوص الحجاب ناقلة عن

стр. 1300

الأصل فتقدم عليه (١) اهـ. * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: "هذا الحديث - يقصد حديث عائشة ﵂ لا يصح العمل به، لأنه ضعيف هو وطرقه، وأيضا فغير سائغ أن تدخل أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ على رسول الله ﷺ بثياب رقاق تصف بَشرَتها، وذلك بالمدينة بعد أن نزل الحجاب، إلا أن يكون ذلك في مكة وقبل الهجرة، وقبل نزول الحجاب، وإذا كان كذلك، فلا يلتفت إليه، وليس بحجة" (٢) اهـ.

стр. 1301

* وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي: إن أسماء ﵂ عندها من التقوى، والخشية لله، والورع، والحياء، ما يمنعها أن تدخل على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق (١) . وعن محمد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ﵂: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: "تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيب ظهور قدميها" (٢) . وفي رواية أبي داود عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس لها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغَا يغطي ظهور قدميها" (٣) . فإذا عدَّ القدمين عورة، وأذن لها في الإسبال كي لا تنكشف القدمان، وأمر بعدم الضرب بالأرجل حتى لا يسمع صوت الخلاخل، أو تظهر الزينة الخفية، فإن أمره بتغطية الوجه الذي هو مجمع الحُسْن والفتنة أولى. فهذا من باب "التنبيه بالأدنى على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم"، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه. وأخيرًا: فإن هذا الحديث لو سلمنا صلاحيته للاحتجاج فهو حجة على أهل السفور، وذلك لأن هذا نص يقضي بأن المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز لها أن تكشف غير الوجه والكفين أمام أحدٍ كائنًا من كان، أبا أو

стр. 1302

أخا أو ابنَا، أو عما، أو غيرهم، ومعلوم أن الله قد أذن للمرأة في إبداء الزينة أمام المحارم، ومنع عنه أمام الأجانب، فما هي الزينة التي تبديها أمام المحارم، ولا تبديها أمام الأجانب؟ وبتعبير آخر: لما جاز لها كشف وجهها وكفيها أمام الأجانب، ولم يجز لها كشف شيء من أعضائها سوى الوجه والكفين أمام المحارم فأي فرق يبقى بين المحارم والأجانب؟ مع أن القرآن ينص على الفرق بينهما في صراحة باتة، فتفكر!، ولو قيل: إن هذا نص يجري فيه التخصيص من نصوص أخرى، قلنا: فما لناحية الحجاب والسفور لا يجري فيها التخصيص بالنصوص؟! " (١) . الشبهة الثانية * وهي ما رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢) ، قال رحمه الله تعالى: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال:. . . قالت عائشة ﵂: دخلت عَلَيَّ ابنةُ أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي ﷺ ، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: "إذا عركت (٣) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا"، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفِّ مثل قبضة أخرى. والحسين هو سُنَيْد بن داود المِصيصي المحتسب، قال الحافظ في "التقريب": ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يُلَقَّن حجاج بن محمد

стр. 1303

شيخَه" (١) اهـ. وقال الذهبي في "الميزان": حافظ له تفسير، وله ما يُنكَر، وقال: صدقه أبو حاتم، وقال أبو داود: لم يكن بذلك، وقال النسائي: الحسين بن داود ليس بثقة" (٢) اهـ. كما أن هذا الحديث معضل، لأن بين ابن جريج وعائشة رضي الله عنها مفاوز، فقد توفي ابن جريج بعد المائة والخمسين، ولم يدرك عائشة ﵂. ونقل الذهبي في "الميزان" عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قوله: "قال أبي: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها، يعني قوله: أخبِرت، وحُدثت عن فلان" (٣) ! وقال الحافظ في "التهذيب": "وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت فحسبك به،. . . وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني، فهو سماع، وإذا قال: أخبرني، فهو قراءة، وإذا قال: "قال" فهو شبه الريح" (٤) . وقال الدارقطني: "تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن

стр. 1304

عبيدة وغيرهما" (١) . وقال الإمام صلاح الدين العلائي: "يكثر من التدليس" (٢) . واعلم؛ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون شاهدا لحديث عائشة السابق وذلك لتخالف متن الحديثين، ولإعضال هذا الحديث كما أشرنا (٣) . الشبهة الثالثة * ما أخرجه البيهقي في "سننه" من طريق محمد بن رمح، ثنا ابن لَهِيعة، عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء ابنة عميس أنها قالت: "دخل رسول الله ﷺ على عائشة بنت أبي بكر ﵄، وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر ﵃، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج، فقالت عائشة ﵂: تَنَحَّي فقد رأى رسول الله ﷺ أمرًا كرهه، فتنحت، فدخل رسول الله ﷺ فسألته عائشة ﵂: لم قام؟ قال: "أو لم تَرَ إلى هيئتها؟! إنه ليس للمرأة

стр. 1305

المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا"، وأخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صُدْغَيْهِ حتى لم يَبْدُ إلا وجهه. قال البيهقي: إسناده ضعيف (١) . وعياض بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر هو الفهري (٢) ، من رجال مسلم، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجي: "روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر"، وقال يحيى بن معين: "ضعيف الحديث"، وقال ابن شاهين: "في الثقات"، وقال أبو صالح: "ثبت له بالمدينة شأن كبير، في حديثه شيء"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال الحافظ في "التقريب": "فيه لين" (٣) . لكن علة هذا الحديث ابن لَهِيعة، واسمه عبد الله الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي وهو ثقة فاضل، لكنه كان يحدث من كتبه فاحترقت، فحدث من حفظه فخلط (٤) . قال الهيثمي: "وفيه ابن لهِيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح" (٥) . وقال في موضع آخر: "ابن لَهِيعة حديثه حسن، وفيه ضعف" (٦) .

стр. 1306

وقال الإمام أبو محمد عبد الرحمن الرازي ابن الإمام أبي حاتم الرازي بعدما ساق سندين في كل منهما ابن لهيعة: "قلت لأبي: فأيهما أصح؟ قال: لا يضبط عندي، جميعا ضعيفين" (١) . وقال الجوزجاني: "لا يوقف على حديثه، ولا ينبغي أن يحتج به، ولا يغتر بروايته، وقال ابن حبان: سبرت أخباره، فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم" (٢) . وقال الألباني: "ضعيف من قبل حفظه" (٣) . وقال أيضًا. "وبعض المتأخرين يحسن حديثه، وبعضهم يصححه" اهـ. ثم قال: والذي لا شك فيه أن حديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن، وهذا منها" (٤) اهـ.

стр. 1307

وبعض من صحح أحاديث ابن لَهِيعة إنما صححها من رواية العبادلة (١) عنه. ومع تضعيف الإمام البيهقي ﵀ هذا الحديثَ، فإنه- إلى جانب ذلك - أعرض عن الاستشهاد به لتقوية حديث عائشة ﵂، مع أنه- دون غيره من المحدثين - أخرجهما معًا في سننه، فكأنه ﵀ لم يَعُدَّهُ صالحا في المتابعات والشواهد (٢) . أما احتجاجه ﵀ بما رُوِيَ عن ابن عباس ﵄، فقد تقدم الجواب عنه في تفسير قوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (٣) وبيان ضعفه سندا. فعلى هذا يكون تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالوجه والكفين محتاجًا إلى دليل صحيح، ودليلهم الذي بنوا عليه مذهبهم الحديث المرسل المروي عن عائشة رضي، الله عنها، فكيف يكون مجرد قولهم دليلا على صحة الحديث؟ وقد صح عن ابن مسعود ﵁ تفسير (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بالثياب، وإذا صح ما رُوي عن ابن عباس (٤) ﵄ يكون قول صَحابي

стр. 1308

خالفه صاحبي آخر، فوجب أن نختار أقرب القولين إلى الكتاب والسنة. واعلم؛ أن من حسَّن حديث عائشة ﵂ الذي رواه عنها خالد بن دريك، إنما حسنه - رغم انقطاعه - باعتبار حديث أسماء بنت عميس - هذا رغم ضعفه - شاهدا موصولًا له. ولو سلمنا بتحسين الحديثين، لكان الجواب عن حديث أسماء هذا كالجواب عن حديث عائشة ﵂، تماما كما تقدم (١) ، والعلم عند الله تعالى. الشبهة الرابعة حديث السفعاء الخدين * ذهب بعض الفضلاء إلى تحسين حديث أسماء السابق، وبعد أن صلح عنده الاحتجاج به قال: "وقد جرى العمل عليه عند النساء في عهد النبي ﷺ حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته ﷺ وهو لا ينكر ذلك، عليهن" اهـ. وهذا السياق لا يصح جملة وتفصيلا، بل ذهب بعض العلماء إلى القول بأن: "سياق هذا بأسلوب الجزم فيه افتئات في حق النبي ﷺ وحق النساء المؤمنات ﵅، لأن الأدلة التي كانت هي السند في سياقه لا تحمل أمورا قطعية، وإنما تضمنت احتمالات ضعيفة لا تقوم بها حجة على ما قاله، لأن مثل ذلك يحتاج إلى أدلة قطعية ومتواترة، ولا شيء من هذا

стр. 1309

كله" (١) اهـ. ومن هذه الأدلة التي استدل بها فضيلته على هذه الدعوى: * ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء (٢) فوعظهن، وذكَرهن، فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم"، فتكلمت امرأة من سطة النساء (٣) سفعاء الخدين (٤) ، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير"، قال: فجعلن يتصدقن من حُليّهن، يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن (٥) . قال: وقول جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين، يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين. والجواب *أولا: أن الحديث ليس فيه حجة لإثبات ما أورده من أجله.

стр. 1310

* قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: "وأجيب عن حديث جابر هذا بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي ﷺ رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ فعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه ﷺ رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك" اهـ (١) . * وقال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري حفظه الله تعالى: "وأما حديث جابر ﵁ فليس فيه أن النبي ﷺ رأى تلك المرأة سافرة بوجهها، وأقرها على ذلك، حتى يكون فيه حجة لأهل السفور، وغاية ما فيه أن جابرًا رأى وجه تلك المرأة، فلعل جلبابها انحسر عن وجهها بغير قصد منها، فرآه جابر، وأخبر عن صفته، ومن ادعى أن النبي ﷺ قد رآها كما رآها جابر، وأقرها فعليه الدليل" (٢) اهـ. * وقال الأستاذ درويش مصطفى حسن حفظه الله: "إن هذه المرأة كانت مبدية وجهها وهي في وسط النساء، وفي مصلاهن يوم العيد، ولا حرج عليها في ذلك، أما وقد سمعت رسول الله ﷺ حين أتاهن يخبرهن بأن أكثر النساء حطب جهنم، نسيت كل شيء، ولم تهتم إلا بأمر واحد دون ما عداه، وهو معرفة سبب هذا الأمر الخطير، فهمَّت تسأل رسول الله ﷺ ، وتغافلت حينا عن تغطية وجهها دون أن تقصد،

стр. 1311

فوقع نظر جابر - راوي الحديث - على حالتها تلك، فأخبر بهذا الوصف الذي رآه، لكي تعرف به هذه المرأة من غير أن يقصد النظر إليها" (١) اهـ. * ثانيًا: أنه قد روى هذه القصة المذكورة من الصحابة غير جابر ﵁، ولم يذكروا كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم "صحيحه" ممن رواها - غير جابر - أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وذكره غيره عن غيرهم، ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر إنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين (٢) . * قال الشيخ حمود التويجري حفظه الله: "ومما يدل على أن جابرًا ﵁ قد انفرد برؤية وجه المرأة التي خاطبت النبي ﷺ أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري ﵃ رَوَوْا خطبة النبي ﷺ وموعظته للنساء، ولم يذكر واحد منهم ما ذكره جابر ﵁ من سفور تلك المرأة وصفة خديها. فأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فرواه الإمام أحمد في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر النساء تصدقن ولو من حُلِيكُن فإنكن أكثر أهل جهنم"، فقالت امرأة ليست من عِليَةِ النساء: وبم يا رسول الله نحن أكثر أهل جهنم؟ قال: "إنكن يكثِرنَ اللعن وتكفرن العشير (٣) ".

стр. 1312

فوصف ابن مسعود ﵁ المرأة التي خاطبت النبي ﷺ بأنها ليست من علية النساء، أي ليست من أشرافهن، ولم يذكر عنها سفورًا ولا صفة الخدين. وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جَزْلَة: وما لنا يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير"، فوصف المرأة بأنها كانت جزلة، ولم يذكر ما رواه جابر من سَفْع خَدَّيها. قال ابن الأثير: امرأة جزلة أي تامةُ الخَلْق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل أي: قوي شديد. وقال النووي: جزلة بفتح الجيم وإسكان الزاي، أي ذات عقل ورأي، قال ابن درَيد: الجزالة العقلُ والوقار. وأما حديث ابن عباس ﵄، فرواه الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي، وفيه: فقالت امرأة واحدة لم يُجِبْهُ غيرها منهن: نعم يا نبي الله، لا يُدرى حينئذٍ من هي، قال: فتصدقن. . ." الحديث. قال النووي ﵀ في قوله "لا يدري حينئد من هي": معناه لكثرة النساء، واشتمالهن بثيابهن لا يدرى من هي؟ اهـ. فهذا ابن عباس ﵄ لم يذكر عن تلك المرأة سفورًا، ولا عن غيرها من النسوة اللاتي شهدن صلاة العيد مع النبي ﷺ ، وكان شهودُ ابن عباس ﵄ لصلاة العيد في آخر حياة النبي ﷺ . وأما حديث أبي هريرة ﵁ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح"، وفيه. "فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول الله؟ . . ." الحديث. وأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجاه في الصحيحين وفيه: "فقلن: وبم يا رسول الله؟ . . ." الحديث.

стр. 1313

فهؤلاء خمسة من الصحابة ﵃، ذكروا نحو ما ذكره جابر ﵁، من موعظة النبي ﷺ للنساء، وسؤالهن له عن السبب في كونهن أكثر أهل النار، ولم يذكر واحد منهم سفورًا، لا عن تلك المرأة التي خاطبت النبي ﷺ ولا عن غيرها، وهذا يقوي القول بأن جابرا ﵁ قد انفرد برؤية وجه تلك المرأة، ورؤيته لوجهها لا حجة فيه لأهل التبرج والسفور، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه رآها سافرة بوجهها، وأقرها على ذلك" (١) . * ثالثًا: * قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: وقوله: "فقامت امرأة من سطة النساء" هكذا هو في النسخ سِطة بكسر السين، وبفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ: واسطة النساء، قال القاضي: "معناه: من خيارهن، والوسط: العدل والخيار"، قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائي في "سننه"، وفي رواية لابن أبي شيبة: (امرأة ليست من علية النساء) ، وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: "سفعاء الخدين " وهذا كلام القاضي، وهذا الذي ادَّعَوْه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسَّره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن، قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال وسطت القوم أوسطهم وسطًا وسطة أي توسطتهم " (٢) اهـ. * قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي، ﵀: وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء: ألبتة على

стр. 1314

سفعاء الخدين المذكورة، ويحتمل أن جابرا ذكر سُفْعَةَ خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها (١) ، لأن سُفْعة الخدين قبح في النساء، قال النووي: "سفعاء الخدين: أي فيهما تغير وسواد"، وقال الجوهري في "صحاحه": والسُّفْعَة في الوجه سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة سفعاء، لما في عنقها من السُّفْعة، قال حميد بن ثور: من الورق سفعاء العلاطين باكرت ... فروع أشاء مطلع الشمس أسحما قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: السُّفْعَةَ في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب أنها سوادٌ وتغير فى الوجه من مرض أو مصيبة أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نُويرة التميمي يبكي أخاه مالكا: تقول ابنةُ العمري مالَكَ بعد ما ... أراك خضيبا ناعم البال أروعا فقلت لها طولُ الأسى إذ سألتِني ... ولَوْعَةُ وَجْد تترك الخدَّ أسفعا ومعلوم أن من السُّفْعَة ما هو طبيعي كما في الصقور، فقد يكون في خَدَّيِ الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سَلْمى: أهوى لها أسفعُ الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك والمقصود أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها، لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا" (٢) اهـ.

стр. 1315

* رابعا: أن هذه المرأة ربما تكون من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فلا تثريب عليها في كشف وجهها على النحو المذكور، ولا يمنع ذلك من وجوب الحجاب على غيرها، قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)) [النور: ٦٠] . يؤيد ذلك أن الراوي وصفها بأنها سفعاء الخدين، أي فيهما تغير وسواد فهي من الجنس المعذور في السفور حيث لم يكن بها داع من دواعي الفتنه. ويؤيده أيضَا ما تعارف عليه النساء غالبا من أن المرأة التي تجرؤ على سؤال الرجال هي أكبرهن سنا، والعلم عند الله تعالى (١) . * خامسا: أن هذا الحديث ليس فيه ما يدل على أن هذه القصة كانت قبل الحجاب أو بعده، فيحتمل أنها كانت قبل أمر الله تعالى النساء أن يضربن يخمرهن على جيوبهن، وأن يدنين عليهن من جلابيبهن. " قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: إما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها، أو يكون قبل نزول آية الحجاب، فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة، وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة (٢) .

стр. 1316

وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀: "من المعروف والمتقرر أن أحاديث رسول الله ﷺ لا تتعارض، ولا تتضارب، ولا يرد بعضها بعضا، لأنها من عند الله كما قال الرسول ﷺ : "أوتيت القرآن ومثله معه"، ولكن إذا حصل تعارض بين أحاديث الرسول فحينئذ لابد من سلوك طريق الجمع، فنقول: إذا ثبت أن رسول الله ﷺ رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها، وأنها لم تكن من القواعد (١) ، فالجمع هو أن حديث جابر كان قبل الأمر بالحجاب، فيكون منسوخًا بالأدلة التي ذكرناها، وهي أكثر من أربعين دليلًا، ومن ترك الدليل، ضل السبيل، وليس على قوله تعويل" (٢) اهـ. * وقال الشيخ عبد الله بن جار الله ﵀: "هذا وإن أدلة وجوب الحجاب ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم كما هو معروف عند الأصوليين، لأن مع الناقل زيادة علم، وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي" (٣) اهـ.

стр. 1317

* وقال الشيخ عبد العزيز بن [راشد] النجدي ﵀: "وأما حديث جابر فليس فيه أنه كان بعد نزول آيات الحجاب حتى يصلح دليلًا لما ذهب إليه مَن جوَّز كشف وجه المرأة، ولم يوجب حجبه عن الأجنبي منها باجتهاد وحسن نية، ولو علم ما جَرَّ على المسلمين وغيرهم من الإباحية والشر لما أفتى بذلك ولو ضرب بالسياط ما لم يشرف على الهلاك، ولو طَلَب منه أو من مقلديه زائروه وأصدقاؤه أن يُحْضرَ إليهم زوجته أو أخته أو إحدى محارمه فيْ مجلسهم عنده كاشفات الوَجوه أو محتجبات لَعَدَّ ذلك استخفافًا بحقه ودينه وسخرية منهم له، ولتسبب عن ذلك هَجره إياهم، ومقاطعتهُ لهم مادام عنده حياءُ الإسلام، والإيمان بالكتاب. يعلم ما ذكرنا قطعًا، ويجزم بحرمته وضرره على الرجال من لفت نظره سفورُ النساء في الطرقات، والمجامع كالمواصلات والمحاكم والمستشفيات إذ أول ما يُطْمِعُه فيهن كشفُ وجوههن، وما إليها من عنق وشعر وصدر تابعٌ للوجه في السفور والحجاب فعليك بالاحتياط لنفسك وعرضك لعلك تنجو من هذا الليل والفتن الجارفة، ولا تقولن: إذا أمِنَت الفتنه عند الأجنبي منها جاز لها كشفُه ولو نظر إليها، فإن الفتن لا تؤمن على أحد مادامت الشهوة تجري في دمه، ويطمع في تفريغها ما لم يكن معصومًا من قِبل الله بالنبوة أو تأييد إلهي، فإن لم يفتتن الناظر والمنظور بالوقوع في الفاحشة، فلن يُؤمَنَ عليها تعلقُ قلب أحدِهما بالثاني، والوقاية خير من العلاج" (١) اهـ. الشبهة الخامسة * عن ابن عباس ﵄ قيل له: شهدت العيدَ مع النبي ﷺ ؟

стр. 1318

قال: نعم، ولولا مكاني من الصغَر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلىَّ، فنزل نبي الله ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم، ثم أتى النساء ومعه بلال، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: "أأنتن على ذلك؟ " فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله، ثم قال: "هلم لكنَّ فداكن أبي وأمي"، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه، وفي رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال، ثم انطلق هو وبلال إلى بيته" (١) . قال ابن حزم: "فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن فصحَّ أن اليَدَ من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره" (٢) اهـ. والجواب: أنه ليس في الحديث ذكر الوجه بحال، فأين فيه ما يدل على أن وجه المرأة ليس بعورة؟ وفي الحديث ذكر الأيدي ولكن ليس فيه تمرير بأنها كانت مكشوفة حتى يتم الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة. غاية ما فيه أن ابن عباس ﵄ رآهن يهوين بأيديهن (٣) ، ولم يذكر حسرهن عن أيديهن، وإذا كان الحديث محتملًا لكل من الأمرين لم يصح الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة، فإن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، والله تعالى أعلم.

стр. 1319

الشبهة السادسة * عن عائشة ﵂ قالت: أومت – وفي لفظ: أومأت - امرأة من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله ﷺ ، فقبض رسول الله ﷺ يده، فقال: "ما أدري أيد رجل أم يد امرأة؟ " قالت: بل امرأة - وفي لفظ: بل يد امرأة -، قال: "لو كنتِ امرأة لغيرت أظفارك" - يعني بالحناء" (١) . * والجواب عنه من وجهين: أولاَ: أن في إسناده مطيعَ بن ميمون العنبري، قال في "التقريب": لين الحديث (٢) ، وقال في "التهذيب": روى عن صفية بنت عصمة. . . قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين، قلت: أحدهما في اختضاب النساء بالحناء" والآخر في الترجل والزينة، قال: وذكر له ثالثًا، وقال: وهما جميعا غير محفوظ " (٣) اهـ. وفيه أيضا: صفية بنت عصمة، قال س الحافظ في "التقريب": لا تعرف (٤) ، وقال المناوي: "رمز المصنف - أي السيوطي - لحسنه، ظاهر سكوته عليه أن مخرجه أحمد أخرجه وأقره، والأمر بخلافه فقد قال في "العلل": حديث منكر، وفي "الميزان": وعن ابن عدي أنه غير محفوظ، وقال في المعارضة: أحاديث الحناء كلها ضعيفة أو مجهولة" (٥) اهـ. وقد ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع الصغير" (٦) .

стр. 1320

ثانيا: وعلى فرض! صحته، ليس فيه دليل على إباحة السفور بل هو مختص بذكر اليد. *وعن عائشة ﵂ أن هند ابنة عتبة قالت: يا نبي الله بايعني، قال: "لا أبايعك حتى تغيري كفيك، كأنهما كفا سَبُع" (١) . * والجواب عنه كسابقه، مع أن هذا ليس فيه ما يفيد أن كفيها كانتا مكشوفتين، وفي سنده غبطة بنت عمرو المجاشعية البصرية، وعمتها، وجدتها، ثلاثتهن مجهولات. أما غبطة: فقد ذكرها الحافظ في "لسان الميزان" (٢) في (فصل في النساء المجهولات) وقال في "التقريب": "مقبولة" (٣) ، يعني إذا توبعت، وإلا فلَيّنة. وأما عمتها أم الحسن: فقال في "التقريب": "لا يعرف حالها" (٤) ، وأما جدتها: فقال الذهبي في "الميزان": أم الحسن عن جدتها عن عائشة، لا يدرى من هاتان (٥) . الشبهة السابعة * عن سهل بن سعد (٦) ﵁ "أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد منها شيئًا

стр. 1321

جلست. . ." الحديث (١) . * والجواب من وجوه: أحدها: ليس في الحديث أنها كانت سافرة الوجه، ونظر النبي ﷺ إليها لا يدل على سفورها، لأن تصويب النظر لا يفيد رؤية الوجه، فيمكن أن يكون نظرة إليها لمعرفة نبلها وشرفها وكرامتها، فإن هيئة الإنسان قد تدل على ذلك، الثاني: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي من أنه "يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده لكنها كانت متلفعة (٢) . وسياق الحديث يبعد ما قال سيما الأخير، بل إنه يشير إلى وقوع ذلك في أوائل الهجرة، لأن الفقر كان قد تخفف كثيرًا بعد بني قينقاع والنضير وقريظة، ومعلوم أن نزول الحجاب كان عقب قريظة، وفي الحديث إشارة إلى شدة فقر الرجل الذي تزوجها حتى أنه لم يكن يملك خاتما من حديد. الثالث: أن النبي ﷺ معصوم، ولا يقاس عليه غيره من البشر (٣) . الرابع: أنه ثبت في صحيح السنة أنه يباح للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة لقصد الخطبة، ويباح لها النظر إليه وكشف وجهها له، وعليه فلا حجة في الحديث على إباحة كشف الوجه لأجنبي غير خاطِب، ومن استدل به على ذلك فقد حمل الحديث على غير مَحْمله، والله أعلم.

стр. 1322

الشبهة الثامنة حديث سبيعة بنت الحارث ﵂ * عن سُبيعة بنت الحارث أنها كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع، وكان بدريًّا، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت (١) من نفاسها، وقد اكتحلت واختضبت وتهيأت، فقال لها: أربَعي (١) على نفسك - أو نحو هذا - لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك. قالت: فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك، فقال: "قد حللتِ حين وضعت" (٣) . قال الألباني: "أخرجه الإمام أحمد من طريقين عنها، أحدهما صحيح، والآخر حسن، وأصله في "الصحيحين" وغيرهما، وفي روايتهما: "تجملت للخطاب"، وفيها أن أبا السنابل كان خطبها فأبت أن تنكحه. والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينان على الأقل، وإلا لما جاز لسبيعة ﵂ أن تظهر ذلك أمام أبي السنابل لاسيما وكان قد خطبها فلم ترضه" (٤) اهـ.

стр. 1323

* والجواب بمعونة الملك الوهاب: أولا: ليس في الحديث دليل على أنها كانت سافرة الوجه حين رآها أبو السنابل بل غاية ما فيه أنه رأى خضاب يديها وكحل عينيها، ورؤية ذلك لا يستلزم رؤية الوجه. * قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: "والمستمسك من الحديث هو أنه عرف منها أنها كانت مكتحلة ومخضبة، وله أن يعرف أنها كانت مكتحلة حين تكون قد لوت الجلباب على وجهها، وأخرجت عينا كما وصف ابن عباس ﵄ فعل المؤمنات بعد نزول آية إدناء الجلابيب" (١) اهـ. وقد أشار الألباني في الحاشية إلى هذا الاحتمال بقوله: "والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذلك الوجه أو العينان على الأقل" اهـ. ثانيًا: قال الحافظ ابن حجر في الفوائد المستنبطة من قصة سبيعة: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، لأن في رواية الزهري التي فى المغازي: "فقال: ما لي أراك تجملت للخُطَّاب؟ "، وفي رواية ابن إسْحاق: "فتهيأت للنكاح، واختَضبت"، وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد: "فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت"، وفي رواية الأسود: "فتطيبت وتعطرت" (٢) اهـ. ويتضح من هذا أن إظهار زينتها إنما كان للخُطَّاب، وعليه ينبغي حمل هذه الروايات، وقد سبق ذكر جملة من النصوص في الترخيص في نظر الخاطب إلى المخطوبة بإذنها، أو بغير إذنها، فعلم أبو السنابل بخضابها واكتحالها، وقال لها: "ما لي أراك تجملت للخطاب"، وكان قد نظر إليها

стр. 1324

مريدا خطبتها لكنها أبت أن تنكحه. جاء في رواية البخاري أنه كان ممن خطبها، فأبت أن تنكحه، فقال لها ما قال، ولذا قال ﷺ : "كذب (١) أبو السنابل" رواه أحمد، وفي رواية الموطأ: فخطبها رجلان أحدهما شاب، وكهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: "لم تحلي"، وكان أهلها غَيَبًا فرجا أن يؤثروه بها" (٢) اهـ. فأين في الحديث جواز كشف الوجه والكفين لغير الخاطب؟ ثالثا: أما استدلال محدث الشام بقصة سبيعة على أن الكفين لم يكونا عورة في عرف نساء الصحابة: فيرده ما سبق ذكره (٣) مرارًا امن أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء على أن عرفهن الغالب كان الاستتار الكامل عن الرجال، ويرده كذلك قول سبيعة نفسها في رواية أخرى: "فلما قال لي ذلك - أي أبو السنابل - جمعتُ عَلَيَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك. . . الحديث". فقولها: "جمعت علي ثيابي" يوحى بأنها خرجت عن حال التزين المذكورة، وإذا ضممنا إليها قولها: "حين أمسيت" فهمنا عن سلوكها ﵂ حرصها الشديد على الاستتار عن الأجانب ليس فقط بالحجاب بل أيضا بظلام الليل.

стр. 1325

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما يستحي النساء من مثله، لكنْ خروجُها من منزلها ليلا، ليكون أستر لها كما فعلت سبيعة" (١) اهـ. الشبهة التاسعة * احتج المبيحون للسفور بنصوص وردت في الأمر بغض البصر على أن هذا يلزم منه أن تكون وجوه النساء مكشوفة، وإلا فعن ماذا يُغَض البصر إذا كانت النساء مستورات الوجوه؟ وذلك مثل قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)) [النور: ٣٠] . وقوله ﷺ : "يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" (٢) . وفي حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري" (٣) . فاستنبطوا من الآية القرآنية الآمرة بغض البصر أن في المرأة شيئا مكشوفًا، ثم أثبتوا- باجتهادهم- أن هذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، ثم استشهدوا لذلك بالأحاديث التي فيها أيضًا أمر بغض البصر. * والجواب بمعونة الملك الوهاب: أن هذا الأمر بغض البصر أمر من الله ، وأمر من

стр. 1326

رسول الله ﷺ يقضي بوجوب التزامه طاعة لله ولرسوله ﷺ ، أما كونه يقضي بأن هناك شيئًا مكشوفا للأجانب من المرأة المسلمة هو الوجه والكفان، فهذا قول غير صحيح يرده النقل والعقل، ويأباه الواقع، وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن المدينة المنورة في زمن التنزيل كان فيها نساء اليهود والسبايا والإماء، ونحوهن، وربما بقي النساء غير المسلمات في المجتمع الإسلامي سافراتٍ كاشفات الوجوه، فأُمِروا بغض البصر عنهن. وغاية ما في الأمر بغض البصر إمكان وقوع النظر على الأجنبيات، وهذا لا يستلزم جواز كشف الوجوه والأيدي أمام الأجانب. قال البخاري رحمه الله تعالى: قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ قال: اصرف بصرك عنهن، يقول الله : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) قال قتادة: عما لا يحل لهم (١) . والأمر بالحجاب منذ اللحظة الأولى لم يتوجه لغير المؤمنات، لأنهن مظنة الاستجابة لأمر الله ، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، [سورة الأحزاب: ٣٦] الآية، وقال جل وعلا: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)) [النور: ٥١] . وقال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) الآية [سورة الأحزاب: ٥٩] ، ولم يقل (ونساء أهل المدينة) . وقال ﵎: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) الآية، وقال

стр. 1327

سبحانه: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الآية، ولم يقل (وقل لنساء المدينة) ، لكن الأمر توجه لمن شرفهن الله تعالى بالإيمان مطلقا. والقرآن اليوم يخاطبنا كما خاطب رسولَ الله ﷺ وأصحابه ﵃ من قبل، فنحن اليوم أيضا لا نخاطب الكوافر والفواسق بستر الوجه وإنما نخاطب المؤمنين والمؤمنات، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت المرأة غير مسلمة، أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر الله، وتعمدت كشف زينتها - وهذا ما عمت به البلوى في زماننا - فالواجب هنا - على الأقل – أن يؤمر الرجل بغض البصر، مع العلم بأن هذا لا يقتضي أن ما فعلته هذه المرأة من كشف الوجه وغيره تجيزه الشريعة بغير عذر أو مصلحة. الثاني: أن الله ﵎ أمر بغض البصر، لأن المرأة - وإن تحفظت غاية التحفظ، وبالغت في الاستتار عن الناس - فلابد أن يبدو بعض أطرافها في بعض الأحيان كما هو معلوم بالمشاهدة من اللاتي يبالغن في التحجب والتستر، فلهذا أمر الرجال بغض البصر عما يبدو منهن في بعض الأحوال. وهذا الأمر بالغض لا يستلزم أنها تكشف ذلك عمدا وقصدا، فكم من امرأة تحرك الريح ثيابها، أو تقع فيسقط الخمار عن وجهها من غير قصد منها فيراها بعض الناس على تلك الحال، كما قال النابغة الذبياني: سَقَط النصِيف ولم تُرِدْ إِسقاطه ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وأتَّقَتْنا بالْيَدِ أي تناولته بيدٍ، واتقتنا فسترت وجهها باليد الأخرى. ومن هنا قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ولم يقل (إلا ما أظهرنه) لأن "أظهر" في معنى التعمد، بخلاف "ظهر" أي من غير قصد منها فهذا مَعفُوٌّ عنه، لا ما تظهره هي بقصد، فعليها حرج في تعمد ذلك، وكثيرا ما يصادف الرجل المرأة وهي غافلة، فيرى وجهها أو غيره

стр. 1328

من أطرافها، فأمره الشارع حينئدِ بصرف بصره عنها كما في حديث جرير ابن عبد الله ﵁، قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري) (١) فهذا هو موقع نظر الفجأة. وفي سؤال جرير عن نظر الفجأة دليل على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب وتغطية وجوههن عنهم، وإلا لكان سؤاله عن نظر الفجأة لغوًا لا معنى له، ولا فائدة من ذكره. الثالث: عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: فكان عثمان ينادي: ألا لا يدنوا إليهن أحد، ولا ينظر إليهن أحد، وهن في الهوادجِ على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشِّعب، وكان عثمان وعبد الرحمن بذنَب الشعب، فلم يصعد إليهن أحد (٢) . ومن المقطوع به أن أمهات المؤمنين كن يحتجبن حجابًا شاملا جميع البدن بغير استثناء، ومع هذا قال عثمان ﵁: "ولا ينظر إليهن أحد" يعني إلى شخوصهن لا إلى وجوههن لأنها مستورة بالإجماع، ومع ذلك نهى عن النظر إلى شخوصهن تعظيمًا لحرمتهن، وإكبارًا وإجلالًا لهن، وذلك لشدة احترام الصحابة رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين ﵅. ويستفاد من هذا أن مِنْ حِفظ حرمة المؤمنة المحجبة غضَّ البصر عنها - وإن تنقبت -، خاصة وأن جمالها قد يعرف، وينظر إليها -لجمالها وهي مختمرة، وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه، وقد يعرف وضاءتها وحسنها من مجرد رؤية بنانها كما هو معلوم، ولذلك فسَّر ابن مسعود ﵁ قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بأن الزينة هى الملاءة فوق

стр. 1329

الثياب، ومما يوضح أن الحسن قد يعرف مع الاحتجاب الكامل قول الشاعر: طافَتْ أُمامَةُ بالركبانِ آونَةً ... يا حُسْنَها مِن قوام ما وَمنْتَقِبا فقد بالغ في وصف حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفا، وهو يصفها بهذا الحسن أيضا مع كونها منتقبة. ومن ثم قال العلماء: إنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن المرأة نظر شهوة ولو كانت مستورة، لأن ذلك مدعاة إلى الافتتان بها كما لا يخفى، ووقوعه فيما سماه النبي ﷺ : "زنا العين"، قال ﷺ : "والعينان تزنيان، وزناهما النظر" (١) . ولا مخرج من ذلك إلا غض البصر عنها ولو كانت محجبة، لأنه إذا نظر إليها نظر شهوة - ولو كانت محجبة - لكان حرامًا عليه كما تقدم. الرابع: أنه قد تعرض للمرأة المحجبة ضرورات بل حاجات تدعوها إلى كشف وجهها، ويرخص لها في ذلك مثل نظر القاضي إلى المرأة عند الشهادة، والنظر إلى المرأة المشتبه فيها عند تحقيق الجرائم، ونظر الطبيب المعالج إلى المرأة بشروطه، والنظر إلى المراد خطبتها، وهذا كله يكون بقدر الحاجة فقط لا يجوز له أن يتعداها، فإن دعته نفسه إلى الزيادة عن قدر الحاجة فهو مأمور بغض البصر عنها، والله أعلم. الخامس: أن اعتبار أمر الله تعالى المؤمنين بغض الأبصار دليلا على أن وجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب مجرد وهم وظن، بدليل ترتيب آيات الحجاب حسب نزولها، وذلك لأن الأمر بالحجاب الكامل الذي جاء في قوله : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) الآية [الأحزاب: ٣٣] . وقوله : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ

стр. 1330

ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) [الأحزاب: ٥٣] . وقوله جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)) [الأحزاب: ٥٩] ، كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت في سورة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وشاع الحجاب بعدها في المجتمع المسلم بعد نزولها، وقبل الأمر بغض البصر، الذي نزل في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة من الهجرة (١) . ومما يدل على ذلك أيضا قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فى قصة الإفك: "بينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت - وفي رواية: فسترت - وجهي بجلبابي" (٢) . فهذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور متأخر عن الأمر بالحجاب الذي ورد في سورة الأحزاب التي نزلت في السنة الخامسة، ثم جاء الأمر بغض البصر في السنة السادسة بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر بالحجاب حتى صار هو القاعدة. ومن هنا يتضح أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولَا، وامتثله نساء المؤمنين، ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر،

стр. 1331

ولعّل الحكمة في ذلك أن الأمر بغض البصر مع بقاء الوجوه سافرة قد يشق على بعض النفوس، ولكنه مع الحجاب أيسر، ومن ثم فإن الأمر بغض البصر نزل تأكيدًا للحجاب القائم فعلًا، أي أنه - أي إطلاق البصر - لا يجوز للمرأة الأجنبية، وإن كانت محجبة سدّا للذرائع، ودرءًا للفتنة، فتناولت الشريعة الحكيمة إخماد الفتنة وسد ذريعتها من الجانبين: من جانب المرأة حيث كلفتها بالحجاب، ثم من جانب الرجل حيث كلفته بغض البصر. ولقد صار الحجاب بعد نزول الأمر بغض البصر في سورة النور أصلا من أصول النظام الاجتماعي في الدولة المسلمة، واستمر عليه المسلمون قرونا مديدة، ولم يستطع أحد أن يشكك في وجوب التزامه، ولم يطالب أحد ببتر جزء من هذا الحجاب خوفًا من تفريغ آية غض البصر من مضمونها، أو تعطيلها عن مجال عملها، تالله إنها لشبهة أوْهَى من بيت العنكبوت يغني فسادها عن إفسادها. السادس: سلمنا جدلا أن الأمر بغض البصر يُشِعر بأن هناك شيئًا مكشوفًا من المرأة هو الوجه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأمر بغض البصر يفيد تحريم النظر إلي وجه الأجنبية، ينتج أن النظر إلى الوجه المكشوف حرام. فلننتقل إلى السؤال التالي: كيف يكون الحكم لو شاع الفسق، وعاشت المرأة في مجتمع لا يتورع رجاله عن النظر إلى وجهها بشهوة، وأرادت هي أن لا تتسبب في حدوث هذا المنكر؟ والجواب لا يخرج عن أحد احتمالات: الأول: أن تلزم المرأة بيتها، ولا تغادره أبدًا، ولا يخفى ما فيه من مشقة لبعض النساء. والثاني: أنها إذا خرجت لحاجتها تكلف كل من تمر عليه من الرجال

стр. 1332

بأن يغمض عينيه، حتى لا تتسبب بسفورها في معصية النظر المحرمة، ولا يخفى ما فيه. والثالث: أنها إذا خرجت لحاجتها تغطي هي وجهها منعا لحدوث هذا المنكر الغالب على الظن وقوعه، ولا يخفى أن هذا أيسرها، والله أعلم. ومن هنا قال بعض العلماء: نعم، من تحققت من نظر أجنبي لها يلزم ستر وجهها عنه، وإلا كانت معينة له على حرام، فتأثم (١) . السابع: أن الأمر بغض البصر مطلق، فيشمل كل ما ينبغي أن يُغَضَّ البصر عنه، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ولم يبين الشيء الذي يُغَض عنه البصر، فدل على أن هذا الأمر مطلق فيشمل كل ما ينبغي غض البصر عنه، سواء أكان ذلك عن المسلمة المحجبة حتى في حالة احتجابها لشدة حرمتها، ودرءًا للفتنة، أو حينما يظهر شيء من بدنها عفوا من غير قصد، أو يقصد عند الضرورة أو الحاجة الشرعية، وسواء كان غض البصر عن الإماء المسلمات السافرات، أو عن نساء أهل الكتاب والسبايا اللائي لا يتحجبن، درءًا للفتنة بهن كذلك. ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن من مقاصد الأمر بغض البصر: أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وكذلك ألا تنظر المرأة إلى عورة المرأة. جاء في تفسير قوله تعالى (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) أن حفظ الفروج قسمان: أحدهما: حفظها عن أي شيء محرم سواء المباشرة كالزنا واللواط وإتيان الزوجة في الدبر أو المحيض وما إلى ذلك، فيكون موافقا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧))

стр. 1333

[المؤمنون: ٥ - ٧] ، وقال ﷺ : "إنا نُهينا أن تُرى عوراتنا" (١) . وأما الثاني: فأن يحفظوها عن أن تنكشف للناس، وقد بين رسول الله ﷺ ذلك حينما سأله معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه من الناس" (٢) . وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا. "لا ينظر الرجل الى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفْضِي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" (٣) . وبين ﷺ عورة الرجل الى ينبغي غض البصر عنها في قوله ﷺ : "الفخذ عورة" (٤) . وقوله لجرهد الأسلمي ﵁: "غط فخذك، فإن الفخذ عورة" (٥) .

стр. 1334

وقوله ﷺ : "ما بين السرة والركبة عورة" (١) . فإذا تبين لك أن هذه المقاصد كلها تندرج تحت الأمر بغض البصر تبين لك فساد قول السفوريين، وجواب تساؤلهم: ما معنى الأمر بغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة؟ والعلم عند الله . الشبهة العاشرة * وهي ما رواه عبد الله بن عباس ﵄ قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلْفه على عَجُزِ راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئَا، فوقف النبي ﷺ للناس يُفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنُها، فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها، فأخلف (٢) بيده فأخذ بذقن الفضل، فعدَّل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدْرَكَت أبي شيخا كبيرَا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم" (٣) . وفي رواية لعلي بن أبي طالب قال: ولوى عنق الفضل، فقال له

стр. 1335

العباس: يا رسول الله لمَ لويت عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شابًّا وشابة فلم آمن الشيطان عليهمَا" (١) . * تنوعت أجوبة العلماء عن هذا الحديث نذكر بعضها فيما يلي إن شاء الله: * قال الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي: قلت: لا حجة في الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين لأنه ﷺ أنكر على الفضل بن عباس إنكارًا باتا بأن لوى عنقه وصرفه إلى جهة أخرى، وكان في هذا الصنيع من رسول الله ﷺ إنكار واضح لأنه أنكر باليد (٢) . وقال الحافظ في "الفتح" مشيرًا إلى هذا الحديث: "ويقرب ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "كنت رديف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة" ثم قال الحافظ: فعلى قول الشابة: إن أبي، لعلها أرادت جدها لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوجها (٣) . ثم قال الحافظ وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر،
следующие страницы →