← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إلى تحرير المرأة، قال الأستاذ " أنور الجندي ": أما شعر " نزار قباني " الذي أوسعت له الصحافة العربية الصفحات فيكفيني في التعريف به ما كتبه " محمد سالم غيث " في كتاب له حول شعر " نزار " يقول: لقد خلع " نزار " ثياب الرجل كثيراً ولبس ثياب المرأة وتقمص شخصيتها وتحدث بلسانها وقال: إنه يفعل ذلك " دفاعاً عن المرأة التي حكم عليها هذا الشرق الغبي بالإعدام " حتى إنه ليقدم أحد كتبه الفاجرة إلى طالبات الجامعة الأمريكية ويقول: " إنه كتابكن كتاب كل امرأة حكم عليها هذا الشرق الغبي بالإعدام ونفذ حكمه فيها قبل أن تفتح فمها ولأن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة ويستعير كحلها وأساورها ليكتب عنها من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية "؟ ولا نستطيع أن نعلق على هذا إلا بما كتبه " صالح جودت " قائلاً: (لا رحم الله نزار: لقد مات كسوري ومات كعربي ومات كشاعر ومات كإنسان) (٢٦٩) اهـ. شعر: لا بوركت تلك الأكف فإنها ضربت على الألباب سداً عاتياً حجبت صديع (٢٧٠) الرشد عنها فارتمت تجتاب ليل الغي أسفع داجياً بعثوا الصحائف يلتوين كأنما بعثوا بهن عقارباً وأفاعيا صحف يزل الصدق عن صفحاتها ويظل جد القول عنها نابيا ليت الزلازل والصواعق في يدي فأصبها للغافلين قوافيا فنيت براكين القريض ولا أرى ما شفني من جهل قومي فانيا فلئن صمتُّ لأصمتن تجلدا ولئن نطقت لأنطقن تشاكيا (٢٧١)

стр. 142

موقف الإسلام من دعاة تحرير المراة إذا كان حال هؤلاء الدعاة والداعيات كما تقدم وولاؤهم لأعداء الإسلام كما وصفنا فهل يحتاج الأمر منا إلى كثير تدبر فيما ينبغي أن يكون عليه موقف كل مسلمة ومسلم من دعوتهم الأثيمة؟ أليس هؤلاء ممن قال تعالى فيهم: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) النور (١٩) وإذا كان القوم أشربت قلوبهم حب الكافرين وأولعوا بما هم عليه من الضلال المبين فأين أنت أيتها المسلمة من قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه) آل عمران (٢٨) وقوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) المجادلة (٢٢) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) آل عمران (١٤٩) وقوله تعالى:) وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (الأنعام (١٢١) وقوله تعالى:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم (المائدة (٥١) . قال حذيفة: " ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر لهذه الآية (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ". وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) المائدة

стр. 143

(٥٤) قال علي: " (أذلة على المؤمنين) أهل رقة على أهل دينهم (أعزة على الكافرين) أهل غلظة على من خالفهم في دينهم " وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) المائدة (٥٧) وقال تعالى: (ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون) المائدة (٨٠) وقال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود (١١٣) قال بن عباس: " (ولا تركنوا) ولا تميلوا ". قال بعض المفسرين في الآية: (فالنهي متناول للانحطاط في هوتهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزياراتهم ومداهنتهم والرضي بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم والركون هو الميل اليسير) اهـ وقال تعالى:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة (الآية الممتحنة (١) قال بن عباس: " من أحب في الله وأبغض في الله وعادى في الله ووالى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك " وقال تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) الأنفال (٧٣) . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله " لأبي ذر: يا أبا ذر أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: المولاة في الله والحب في الله والبغض في الله (٢٧٢) وعن أبي أمامة عن النبي " قال: من أحب لله وأغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان (٢٧٣) وقال ": المرء مع من أحب (٢٧٤) وقال ": ولا يحب رجل قوماً إلا جاء

стр. 144

معهم (٢٧٥) وإذا كان الله قد فرض علينا تلاوة سورة الفاتحة في اليوم والليلة سبع عشرة مرة في كل مرة ندعو الله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) ثم يبين سبحانه صفة هذا الصراط بقوله (غير المغضوب عليهم) وهم اليهود (ولا الضالين) وهم النصارى (الفاتحة ٧) فما ذاك إلا لأنه لا يمكن للمسلم أن يستقيم إلا إذا خالف أصحاب الجحيم وتميز عن هديهم وطريقهم (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الأنعام (١٥٣) . كيف إذاً نصدق هؤلاء الأفاكين وننقاد لأولئك المغررين من أعداء ديننا وأمتنا الذين يخبرنا سبحانه عما في قلوبهم بقوله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (البقرة (١٢٠) وقوله:) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (آل عمران (١١٨) . فيا أيتها الأخت المسلمة: إن أيديهم الماكرة الخبيثة الخادعة قد امتدت إليك في هذه الفتنة لتنزلك من علياء كرامتك وتهبط بك من سماء مجدك وتخرجك من دار سعادتك فاقطعيها بسرعة وبقوة فإنها يد مجرمة ظالمة واهتفي بما هتفت به من قبل " عائشة التيمورية " (٢٧٦) : بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أعلو على أترابي وبفكرة وقادة وقريحة نقادة قد كملت آدابي ما ضرني أدبي وحسن تعلمي إلا بكوني زهرة الألباب ما عاقني خجلي عن العليا ولا سدل الخمار بلمتي ونقابي (٢٧٧)

стр. 145

قولي كما قالت أختك من قبل: أيها القوم أصلحوا أنفسكم خاب من رام السفور اليوم خابا برقعي وسط محيطي شرفي لم أحد عنه ولو ذقت العذابا واحذري من الذين: قالوا ارفعي عنك الحجابا أو ما كفاك به احتجابا واستقبلي عهد السفور اليوم واطرحي النقابا عهد الحجاب لقد تباعد يومه عنا وغابا ألقميهم الحجارة وأخرسيهم قائلة: فأجبتهم والضحك ملء ... فمي ولم أعدم جوابا مهلا فما هذا الذي ... قد غركم إلا سرابا أو لا ترون الغرب كيـ ... ـف غدا الرجال به ذئابا أو لا ترون عري الأ ... خلاق تنشعب انشعابا كم نظرة للوجه تو ... رث في الحشا جمرا مذابا إن ترغبوا لنسائكم ... صونا وعيشا مستطابا فدعوا السفور لأهله ... وارخوا عليهن النقابا (٢٧٨)

стр. 146

السفور مَطِيَّة الفجور عن النواس بن سمعان عن رسول الله " أنه قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " (٢٨١) . وعن حذيفة أنه قيل له: (في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟) قال: (لا ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء ركبوه حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه) (٢٨٢) . ومعلوم أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها فكلما فرط من العبد معصية قالت أخرى إلى جانبها: (اعملني أيضاً) فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا حتى تصير المعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة بحيث لو عطل المسيء سيئاته لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت وأحس من نفسه أنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه ولا يزال المسكين يألف المعاصي حتى ينسلخ من قلبه استقباحها فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له بل يحبها حتى يرسل الله عليه الشياطين تؤزه إليها أزاً فيكونون أعواناً عليه.

стр. 147

وقال شيخ من أهل الشام:) من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولاً لم ينج آخراً وإن كان جاهداً) (٢٨٣) وفي بعض الآثار: (إذا استشرفت للفتن استشرفت لك) ومن هنا قال أبو السعود في " مراقي السعود ": سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم إن الذي يسمح لقدمه أن تنزلق خطوة واحدة في أول الطريق لا يدري إلى أين تسوقه قدماه وإلى أين ينتهي به المسير لذا كان علينا أن نضع للأشياء حدوداً لا نسمح لأنفسنا بتخطيها. سنة إبليسية: (لقد نهج دعاة التحرير نفس منهج إمامهم الأول إبليس لعنه الله إذا ما كان من إبليس إلا أن زيف للأبوين الحقيقة وألبس الحق لباس الباطل والباطل لباس الحق لم يأت الشيطان ليقول للإنسان: كل من الشجرة المحرمة كي يغضب الله عليك ويطردك من جنته وينزلك إلى دار الشقاء بل قال له: إن في الأكل من الشجرة سعادتك وهناءك وخيرك وقال له: إن أنت أكلت من الشجرة حصلت على الملك العظيم والحياة الخالدة وتحولت إلى ملك غير قابل للفناء. وزيادة في الإضلال وإمعاناً في التغرير بآدم أقسم له ولزوجه أنه صادق فيما يقول وأنه ناصح لهما يقدم لهما الخير ويدلهما على الطريق الحق (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) طه (١٢٠) ، (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما

стр. 148

إني لكما لمن الناصحين) وما النتيجة؟ (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) الأعراف (٢٠: ٢٢) . (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (٢٨٤) . وهكذا تذرع الشيطان إلى الفجور الذي نراه اليوم ونعاني ويلاته بالسفور كخطوة أولى يستنزل بها المرأة المسلمة من عليائها وعفتها وما كان للمسلمة أن تطيعه أبداً إذا دعاها صراحة وهي في قمة الاحتجاب والتعفف إلى ما نراه الآن مثلاً على شواطئ البحار وفي دور الخيالة لكن الخبيث تدرج معها ابتداءً بأن السفور (كشف الوجه) جائز شرعاً وانتهاءً بأن خير الهدي هدي أوربا وأمريكا. قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في معرض كلامه عن أثر كشف المرأة وجهها في وقوع الافتتان بها: (.. ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان) (٢٨٥) اهـ. جاء في ترجمة عبيد بن عمير المكي من " ثقات العجلي " قال: (كانت امرأة جميلة بمكة كان لها زوج فنظرت يوماً إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحداً يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ قال: نعم فقالت: من؟ قال: عبيد بن عمير قالت: فأذن لي فلأفتننه! قال: قد أذنت لك فأتته فاستفتته فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام قالت: فأسفرت عن مثل فلقة القمر فقال لها:" يا أمة الله اتقي الله ") (٢٨٦) . ومن قبل قال (بعض) أهل الأهواء في تصوير فتنة السفور أو الحجاب " النصفي ":

стр. 149

قل للميلحة في الخمار المذهب أذهبت دين أخي التقى المتعبد نور الخمار ونور وجهك ساطع عجباً لوجهك كيف لم يتوقد تمسك المصريين بالحجاب: لقد بلغ تمسك المسلمين في مصر بالحجاب مبلغاً عظيماً إلى حد دفع الشاعر (حافظ إبراهيم) يعبر عن عجز المتفرنجين عن إزاحة النقاب عن وجه المرأة المسلمة ويأسه هو نفسه من استجابة الشعب لتلك النعرة بقوله (وبئس ما قال) : فلو خطرت في مصر حواء أمناً يلوح محياها لنا ونراقبه وفي يدها العذراء يسفر وجهها تصافح منا من ترى وتخاطبه وخلفها موسى وعيسى وأحمد وجيش من الأملاك ماجت مواكبه وقالوا لنا: رفع النقاب محلل لقلنا لهم: حق ولكن نجانبه (٢٨٧) مع أن (حافظاً) هو نفسه القائل: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً بين الرجال يجلن في الأسواق يدرجن حيث أردن لا من وازع يحذرن رقبته ولا من واقي يفعلن أفعال الرجال لواهياً عن واجبات نواعس الأحداق في دورهن شؤونهن كثيرة كشئون رب السيف والمرزاق (٢٨٨) سياسة " تكسير الموجة " ولما كان تمسك المسلمين بالحجاب أصلاً من أصول نظامهم الاجتماعي نهج أعداء المرأة المسلمة سياسة تكسير الموجة شيئاً فشيئاً وهي سياسة استعمارية

стр. 150

معروفة (٢٨٩) فكانت الخطوة الأولى إبراز فكرة جديدة كنقطة انطلاق يتبعها ما وراءها وتضفي عليها الصبغة الدينية الشرعية حتى لا تصدم شعور العامة ويكون التذرع بالدين وفتح باب الاجتهاد سبيلاً إلى قبولها ولابد في ذلك من استدراج بعض الشيوخ والعلماء لكي يدلوا بدلوهم في القضية باعتبار أنها خلاف فقهي فيه راجح ومرجوح ومن هنا تبدأ القابلية للتردد وزلزلة الأفكار، أجل! لابد أن يبدأ الزحف بصحبة الشيوخ الذين تقدسهم العامة والذين يستغلون في البداية كأسلحة مؤقتة ولا بأس أيضاً بالتنقيب في الأسفار والبحث هنا وهناك عن عبارات وفتاوى مبتورة تبرر الانحراف عن الشريعة ثم بعد ذلك وبعد تمكن الفكرة الجديدة من القلوب وشن الحملات على ما يخالفها من الأوضاع الاجتماعية السائدة يبدأ الانخلاع من الدين شيئاً فشيئاً لتختفي النبرة الإسلامية حيناً ثم تأتي مرحلة الهدم والضرب العشوائي الذي يحطم كل شيء. لقد بدأت حركة (تحرير المرأة) على أيدي المتفرنجين فقلدهم بعض الخطباء الجهلة والكتاب الفسقة ونشبت المعركة أول ما نشبت حول (كشف وجه المرأة) أي السفور وأقام العلماء الناصحون الدنيا وأقعدوها ليحبطوا تلك الدعوة إلى السفور لا لأنه الحكم الراجح في المسألة فحسب ولكن لأنهم فطنوا لحقيقة الخطة المدمرة التي تستهدف القضاء على المرأة المسلمة وتحطيم كيانها لقد نادوا بتخليص المرأة من الحجاب ولزوم البيت والخضوع للآباء والخنوع للأزواج والبعد عن الحياة الاجتماعية والسياسية وواتت هذه الحركة فرصة وجود الأمة المسلمة مستعبدة للأجنبي الكافر مستعمرة له ترزح تحت نيرانه وتأن تحت كلكله تتوجب لما يصب عليها من جم غضبه وما يسومها من سوء عذابه فنسبوا - مكراً وخديعة - كل ما حل بالأمة

стр. 151

المسلمة من تأخر وضعف وهون ودون إلى حجاب المرأة وعفتها وحيائها وبعدها عن التعليم العقيم والسياسة الفاجرة والحياة الاجتماعية الفاسدة. وانخدع كثير من النساء وأوليائهن بتلك الدعاوى المعسولة المسمومة وأخذت الفتاة المسلمة تتمرد على الحجاب وتحاول التخلص منه فبدأت لأول مرة بإلقاء البرقع الذي كان على وجهها ونزع النقاب من الوجه كذلك فظهرت الوجوه ما يحجبها برقع ولا يغطيها نقاب - وإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كانت خطوة جريئة من المرأة يومذاك صفق لها دعاة السفور وعباد الشهوات ورواد الفجور. سنة سيئة: ثم كان أن خطا الناس إلى أبعد مما نادى به " قاسم أمين " فقد زعم أنه إنما يدعو إلى الوقوف بالحجاب عندما أمر الله به ولم يدع قط إلى كشف العورات كالأذرع والسوق وغيرها ولم يدع صراحة إلى الاختلاط بالرجال ومراقصتهم كلا ولا دعا إلى شيء مما نراه الآن من انحطاط وتهتك ولكن قاسم أمين - وإن لم يدعو إلى شيء من ذلك صراحة - هو الذي فتح الباب لهذه الدعوات وهو الذي سن تلك السنة القبيحة سنة السفور لتكون ذريعة إلى ما تلاها من فساد وهو الذي خطا بالمرأة المسلمة في طريق يعلم كل عاقل أن الناس لابد أن يسيروا فيه من بعده خطوات وخطوات.. ويعلم كل مدرك واع أن الخلف بين المسلمين وبين الغربيين في هذه القضية خاصة مما لا يرجى معه اتفاق إلا بفناء أحد المذهبين في الآخر تماماً وبلا قيود وبلا حد وسط.

стр. 152

" ومعظم النار من مستصغر الشرر ": أخذت الأمور تتطور سريعاً حتى استنفدت " دعوة قاسم أمين " - في وقت وجيز - كل أغراضها وسارت الحال على سنة التدرج المعروفة واندفع الناس إلى ما وراء السفور في سرعة غير منتظرة فقد بدأت الفتنة العظمى بان خلعت المرأة النقاب وخلعت معه ما هو أغلى منه وأثمن ألا وهو ثوب الحياء الذي طالما صان وجهها أن يكون معروضاً ومبذولاً لكل من شاء أن يراه من أجنبي أو فاسق أو كافر ثم استبدلت المرأة المعطف الأسود بالحبرة (٢٩٠) وما هي إلا فترة من الزمن حتى امتدت يد التحرر إلى الخمار الذي كان لا يزال يستر شعر الرأس وبدا - لأول مرة - شعر المسلمة مكشوفاً لا شيء عليه يستره عن أعين الناس من أجانب وأقارب وبذلك شل جسم الحياء في المرأة ولم يعد قادراً على منعها من أن تحدث وتجالس أو تصافح وتضاحك من شاءت من الرجال عامة وأصدقاء وأقارب الزوج خاصة وإن بعدوا أو سفلوا. وتأتي بعد ذلك الخطوة الأكثر جرأة إذ تعمد المرأة إلى ملاءتها أو عباءتها أو معطفها فتلفها كالثوب الخرق وترمي بها بعيداً عن ساحة الحياة وتخرج المرأة المسلمة لأول مرة في تاريخ إسلامها في درع سابغ مزين بالألوان المزخرفة تحته غلالة لطيفة وما فوقه شيء ... ثم إذا بالمقص يتحيف هذه الثياب في الذيول والأكمام وفي الجيوب (٢٩١) ولم يزل يجور عليها فضيقها على صاحبتها حتى أصبحت كبعض جلدها ثم أنها تجاوزت ذلك كله إلى الظهور على شواطئ البحر في المصايف بما لا يكاد يستر شيئاً ولم تعد

стр. 153

عصمة النساء في أيدي أزواجهن ولكنها أصبحت في أيدي صانعي الأزياء في باريس وغيرها من اليهود ومشيعي الفجور. وقطعت المرأة مراحل التعليم المختلفة واقتحمت الجامعة مخالطة للرجال في الطرقات والمواصلات والمدرجات مزاحمة فيما يلائمها وفيما لا يلائمها من ثقافات وصناعات وشاركت في وظائف الحكومة ثم لم تقف مطالبها عند حد في الجري وراء ما سماه أنصارها " حقوق المرأة " أو " مساواتها بالرجل " وكأنما كان عبثاً خلق الله الذكر والأنثى وأقام كل منهما فيما أراد بحكمته جل وعلا، وامتلأت المصانع والمتاجر بالعاملات والبائعات وحطم النساء الحواجز التي كانت تقوم بينهن وبين الرجال في المسارح وفي الترام وفي كل مكان فاختفت المقاعد التي جرت العادة بتخصيصها للسيدات بعد أن أصبحن لا يستحيين من مشاركة الرجال. تتابعت هذه التطورات في سرعة مذهلة ولم تدع فرصة للمعارضة وأعان على اندفاعها جو الثورة التي تلت الحرب وما كان يوحي به من جرأة ومن تمرد على كل قديم وقد ظهرت طلائع ذلك في مظاهرة النساء المشهورة في مارس سنة ١٩١٩ التي طافت بشوراع القاهرة هاتفة بالحرية في طريقها إلى دار المعتمد البريطاني لتقدم إليه احتجاجا مكتوباً على تعسف سلطات الاحتلال وقد كان عدد المتظاهرات يربو على الثلاثمائة وعلى رأسهن " صفية زغلول " و " هدى شعراوي " (٢٩٢) وهذه المظاهرة هي التي قال فيها " حافظ إبراهيم " يصف تعرض الجيش البريطاني لها متهكماً (٢٩٣) :

стр. 154

خرج الغواني يحتججن ورحت أرقب جمعهنه فإذا بهن تخذن من سود الثياب شعارهنه وظللن مثل كواكب يسطعن في وسط الدجنه وأخذن يجتزن الطريق ودار سعد قصدهنه يمشين في كنف الوقار وقد أبن شعورهنه وإذا بجيش مقبل والخيل مطلقة الأعنه وإذا الجنود سيوفها قد صوبت لنحورهنه وإذا المدافع والبنادق والصوارم والأسنه والخيل والفرسان قد ضربت نطاقاً حولهنه والورد والريحان في ذاك النهار سلاحهنه فتطاحن الجيشان ساعات تشيب لها الأجنه فتضعضع النسوان والنسوان ليس لهن مُنَّه (*) ثم أنهزمن مشتتات الشمل نحو قصورهنه فليهنأ الجيش الفخور بنصره وبكسرهنه فكأنما الأ لمان قد لبسوا البراقع بينهنه وأتوا (بهندنبرج) (٢٩٤) مختفياً بمصر يقودهنه فلذاك خافوا بأسهن وأشفقوا من كيدهنه وتجرأت المرأة منذ ذلك الوقت على المشاركة في القضايا الوطنية (٢٩٥) وفي مختلف

стр. 155

الميادين الاجتماعية فتألفت لجنة مركزية للسيدات الوفديات شاركت مشاركة فعالة في حركة المقاطعة الاقتصادية سنة (١٩٢٢) وتزعمت " صفية زغلول " حرم زعيم الثورة الأول وكريمة مصطفى فهمي باشا هذه الحركة الأولى التي طفرت بالمرأة إلى وضع لم يحلم به " قاسم أمين " أن تبلغه في مثل هذه المدة الوجيزة وبهذه السهولة وغفلت عين المعارضين من المحافظين عن هذه الخطوات الجريئة التي أضفى عليها جو الثورة لون من النبل حفظها من أن تهاجم أو تمس. ثم تنبه المعارضون فإذا المراة ماضية قدماً في استئناف الطريق التي وضعت قدمها على أوله باشتراكها في ثورة (١٩١٩) فأخذت تؤسس الجماعات وتقيم الحفلات وتعقد الندوات والمحاضرات وتزعمت هذه الحركة النسوية " هدى شعراوي " وتجرأت هذه المتزعمة على ما لم تتجرأ عليه امرأة مسلمة من قبل فسافرت إلى باريس وإلى أمريكا لدراسة شئون المرأة وأخذت تلقي بالتصريحات والأحاديث لمندوبي الصحف وجزع المحافظون لما صحب هذه الحركة من ميل إلى التبرج ومن نزوع إلى التحرر والانطلاق وأنكروا ما رأوا من تغير حال المراة ومن جرأتها على التقاليد وتمردها على سلطة الأب والزوج وراحوا يتابعون في ذهول تطور الزي وتقلص الثوب فوق جسدها في سرعة تجاوزت كل ما يتخيلون من حدود. يقول عبد المطلب ناعياً على النساء تقصير الثياب والتبرج (٢٩٦) : ما في بنات النيل من أرب لذي غرض نبيل أصبحن عاباً في الزمان وسوأة في شر جيل ما هذه الحبرات تهفو في الخمائل والحقول

стр. 156

نكر العفاف ذيولها ومن الخنى قصر الذيول إن ينتسبن إلى الحجاب فإنه نسب الدخيل يختلن أبناء الهوى بالدل والنظر الختول من كل خائنة الحليل تهيم في طلب الخليل ما لأبنة الخدر المصون وربة المجد الأثيل أودى شفيف نقابها بكرامة الأم البتول (٢٩٧) وعلى رنين حجولها أسفاً على الذيل الطويل فإذا مشت النقاب محاسن الوجه الجميل ولقد ينم عبيرها فتحسه من نحو ميل ترتاد خائنة العيون بلحظ فاتنة قتول يا هل درى (ذاك) الغيور بما جرى!؟ ويح الجهول (٢٩٨) أهي التي فرض الحجاب لصونها شرع الرسول؟ جعل الحجاب معاذها من ذلك الداء الوبيل يا منزل القرآن نوراً للبصائر والعقول! عميت بصائر أهل وادي النيل عن وضح السبيل ذهلوا عن الأعراض لو يدرون عاقبة الذهول! كان تيار السفور والتبرج جارفاً لم تستطع صيحات المحافظين أن تقف في وجهه بل لم تستطع أن تقلل من حدته أو تخفف من سرعته ولكن ذلك لم يكن ليثنيهم عن التنبيه والتحذير على كل حال ...

стр. 157

صيحة نذير: وهذا هو " شكيب أرسلان " (٢٩٩) ينشر مقالاً عن (السفور والحجاب) (٣٠٠) يحاول أن يقدم للناس درساً يستنبط فيه العظة من تطورات السفور في تركيا فيعرض للمراحل التي مر بها ليبين أن الدعوة إلى نزع الحجاب هي مرحلة تهيئ لما يليها من الدعوات التي ترمي إلى هدم أحكام الإسلام فيقول فيما يقول: (عند إعلان الدستور العثماني سنة ١٩٠٨ قال " أحمد رضا " بك من زعماء أحرار الترك: " ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علناً مع المرأة التركية على جسر غلطة (٣٠١) وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستوراً ولا حرية " فكانت هذه المرحلة الأولى وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب "رفقي بك" الذي كان كاتباً عند " جمال باشا " في سورية كتب: " إنه ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت ولو كان من غير المسلمين (٣٠٢) بل

стр. 158

ما دامت لا تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلماً كان أو غير مسلم فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقياً " فهذه هي المرحلة الثانية) ثم يقول " شكيب أرسلان ": (فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجئ كيفما تشاء بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل بعضها ببعض لابد من أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها فإذا كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة فعليه أن يقبلها بحذافيرها ... أما أن نجمع بين حرية المراة وعدم حريتها وأن نطلق لها الأمر تذهب حيث أرادت وتحادث من أرادت وتضاحك من أرادت وتغامز من أرادت ثم إذا صبا قلبها إلى رجل من غير جنسنا فذهبت وساكنته وكان بينها وبينه ما يكون بين الرجل وزوجته أقمن القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا: يا للحمية يا للأنفة يا للغيرة على العرض! فهذا لا يكون! وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون) . ثم يقول: (والنتيجة التي نريدها قد حصلت وهي أن سلوكنا مسلك الأوربيين حذو القذة (٣٠٣) بالقذة في هذه المسألة هذا له توابع ولوازم لابد أن نقبلها ولا يبقى معها محل لكلمة: " أعوذ بالله " كلا! لا يوجد هناك " أعوذ بالله " بل تلك مدنية وهذه مدنية تلك نظرية وهذه نظرية وعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما استتبعت من الأمور التي كان يقال في مثلها عندنا: أعوذ بالله) اهـ. وقد كان الذي قاله " شكيب أرسلان " وتوقعه في سنة ١٩٢٥ صحيحاً

стр. 159

تماماً فلم تمض عليه ثلاث عشرة سنة حتى ارتفع صوت يقول تحت عنوان: " بعد السفور " (٣٠٤) : (إننا لم نخط بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا إن نساءنا العصريات المتعلمات اللواتي يطالعن الصحف ويقرأن القصص ويغشين المسارح ودور السينما ما يزال يحال بينهن وبين الظهور في المجتمعات البيتية أمام رجل غريب فنحن قد سلمنا بمبدأ تعليم نسائنا ولكنا لم نسلم بعد بقدرة هؤلاء النساء على الانتظام في حفل كبير يضم عدداً من أفراد الجنسين ويتألف منه مجتمع مصري مختلط أشبه بالمجتمعات الأوربية التي نشهدها في مصر ونحسد الأجانب عليها) . ويزعم الكاتب الكاثوليكي أن ذلك راجع إلى أن (ثقة الرجل المصري بالرجل المصري لا تزال معدومة) ثم يقول: (وقد ترتب على ذلك أنك أصبحت ترى امرأة صديقك السافرة في الشارع وفي المحل التجاري وفي دار المسرح أو السينما ثم لا تستطيع أن تراها في بيتها لتتفهم حقيقة شخصيتها وتعرف كيف تعيش؟ وكيف تشعر؟ وكيف تفكر؟ أصبحت تبصرها في الحياة العامة وتعجب بها ولكنك متى أردت تهذيب عواطفك وصقل إحساساتك ومشاعرك بالجلوس إليها والتحدث معها وإشراكها في المسائل التي تشغل عقلك وعقل مواطنيك حيل بينك وبينها واتهمت بفساد النية وسوء القصد) . ثم يزعم الكاتب في مقاله أن (المجتمع المختلط هو الذي يقرر مسافة الخلف بين الجنسين ويقيم علاقات بين الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري العاطفي) .

стр. 160

ثم يدعو الكاتب المصريين لأن يطردوا من عقولهم: (الاعتقاد الشرقي الشائع بأن الرجل والمرأة متى التقيا فلابد أن ينهض الشيطان بينهما وينفث في نفسيهما سموم الرذيلة والشر (٣٠٥) هذا هو سر تأخرنا وهو بقايا عصور الجهل والخوف والظلام) أهـ كلامه. شعر: من عذيري من معشر هجروا العقل وحادوا عن طرقه المستقيمة لا يرون الإنسان قد نال حظاً من صلاح حتى يكون بهيمة (٣٠٦) وإذا كانت هذه أدنى ثمرات السفور فلننظر إلى أقصى ثمراته المريرة لندرك الهدف الذي يدعو إليه (المتحررون) : جاء في مجلة " صباح الخير " ما نصه: (إن نظام الزواج في وطننا العربي هو نظام مضحك يدعو إلى السخرية: مهر وعقد.. مظاهر جوفاء تقتل فيها الإرادة وتقتل المشاعر الإنسانية) (٣٠٧) اهـ والآن يا أختي المسلمة: هل أدركت مدى فطنة فقهائنا لما حرموا السفور سداً للذريعة؟ وهل لك أن تسمعي هذه النصيحة من شيخ ناصح أمين (٣٠٨) : (إن بداية السفور والتبرج الجاهلي الذي عليه جل نساء المؤمنين اليوم في ديار المسلمين إنما بدأ من كشف الوجه بإزالة البرقع والنقاب عنه حتى بات وأصبح

стр. 161

وأضحى وظل وأمسى من المعلوم بالضرورة: أن من كشفت من الفتيات عن وجهها اليوم ستكشف غداً حتماً عن رأسها وصدرها وساقيها وحتى فخذيها ولا يجادل في هذا أو لا يسلمه إلا مغرور مخدوع أو مضلل مغرر مخادع يعمل لحساب الماسونية العالمية التي جعلت من أهدافها القضاء على الإسلام عقيدة وبيتاً ومجتمعاً ودولة.. وبناء على هذا فإن اليد التي تحاول أن تحسر الحجاب عن وجه فتياتنا اليوم ينبغي الضرب عليها وإن اللسان الذي يدعو فتاتنا إلى نزع الحجاب بإسقاط ملاءتها ينبغي أن يقطع) ويقول فضيلته محذراً من المغررين (٣٠٩) : (إنهم اليوم لا يطلبون منك أكثر من كشف وجهك وبحجة أن كشف الوجه مختلف فيه بين أهل العلم في كونه الزينة التي يجب أن تخفيها المسلمة أو من غير الزينة مما لا يجب عليها إخفاؤها.. غير إنهم يعلمون علم اليقين - بحكم التجارب الطويلة العديدة - أنك يوم تكشفين عن وجهك ويذهب ماؤه وحياؤه ستكشفين لهم عما عدا ذلك) اهـ. وصدق الشيخ " سعيد الجابي " ﵀ إذ قال: رفع النقاب وسيلة إن حبذت ضمت إليها للفجور وسائل فالاختلاط فمرقص فتواعد فالإجتماع فخلوة فتواصل (٣١٠) وصدق الشاعر " أحمد شوقي " حين قال: صداح يا ملك الكنار ويا أمير البلبل إن طرت عن كنفي وقعت على النسور الجهل حرصي عليك هوى ومن يحرز ثميناً يبخل (٣١١)

стр. 162

وقال آخر: يا أخت سابغة البراقع في الأباطح والوعور قري فديتك حيث لا تؤذيك لا فحة الهجير ودعي الجنوح إلى السفور وخففي ألم العشير النمر لو لزم الشرى (٣١٢) من كان يطمع في النمور؟ والطير تأخذها شباك الصيد في ترك الوكور (٣١٣) عبرة والآن فلنتوقف - إلى حين - لنطالع هذه (العبرة) كما حكاها الكاتب الأديب " المنفلوطي " في مقال له في مسألة الحجاب (٣١٤) قال ﵀: ﴿ذهب فلان إلى أوربا وما ننكر من أمره شيئاً فلبث فيها بضع سنين ثم عاد وما بقي مما كنا نعرف منه شيء: ذهب بوجه كوجه العذراء ليلة عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلة الماطرة وذهب بقلب نقي طاهر يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر وعاد بقلب ملفف مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنها وعلى السماء وخالقها وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئاً فوقها ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها وذهب بنفس مملوءة حكمة ورأياً وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملأه إلا الهواء المتردد وذهب وما على الأرض أحب إليه من دينه ووطنه وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه منهما وكنت أرى أن هذه الصور الغريبة التي يتراءى بها هؤلاء الضعفاء من الفتيان العائدين

стр. 163

من تلك الديار إلى أوطانهم إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم إفراغاً لا تلبث أن تطلع عليها شمس المشرق حتى تنصل وتتطاير ذراتها في أجواء السماء وأن مكان المدنية من نفوسهم مكان الوجه من المرآة إذا انحرف عنها زال خياله منها فلم أشأ أن أفارق ذلك الصديق فلبسته على علاته وفاء بعهده السابق ورجاء لغده المنتظر متحملاً في سبيل ذلك من حمقه ووسواسه وفساد تصوراته وغرابة أطواره ما لا طاقة بمثلي باحتمال مثله حتى جاء في ذات ليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب فكانت آخر عهدي به دخلت عليه فوجدته واجماً مكتئباً فحييته فأومأ إلي بالتحية إيماء فسألته ما باله؟ ... فقال: " ما زلت منذ الليلة من هذه المرأة في عناء لا أعرف السبيل إلى الخلاص منه ولا أدري مصير أمري فيه " قلت: " وأي امرأة تريد؟ " قال: " تلك التي يسميها الناس زوجتي وأنا أسميها الصخرة العاتية في طريق مطالبي وآمالي " قلت: " إنك كثير الآمال يا سيدي ففي أي آمالك تَحَدَّث؟ " قال: " ليس لي في الحياة إلا أمل واحد وهو أن أغمض عيني ثم أفتحها فلا أرى برقعاً على وجه امرأة في هذا البلد " قلت: " ذلك ما لا تملكه ولا أرى لك فيه " قال: " إن كثيراً من الناس يرون في الحجاب رأيي ويتمنون في أمره ما أتمنى ولا يحول بين نزعه عن وجوه نسائهم وإبرازهن إلى الرجال يجالسنهم كما يجلس بعضهم إلى بعض إلا العجز والضعف والهيبة التي لا تزال تلم بنفس الشرقي كلما حاول الإقدام على أمر جديد فرأيت أن أكون أول هادم لهذا البناء العادي (٣١٥) القديم الذي وقف سداً دون سعادة الأمة وارتقائها دهراً طويلاً وأن يتم على يدي ما لم يتم على يد أحد غيري من دعاة الحرية وأشياعها فعرضت الأمر على زوجتي فأكبرته وأعظمته وخيل إليها أنني جئتها بإحدى النكبات العظام والرزايا الجسام وزعمت إنها إن برزت للرجال فإنها لا تستطيع أن تبرز إلى النساء بعد ذلك حياءاً منهن وخجلاً ولا خجل

стр. 164

هناك ولا حياء ولكنه الموت والجمود والذل الذي ضربه الله على هؤلاء النساء في هذا البلد أن يعشن في قبور مظلمة من خدورهن وخمرهن حتى يأتيهن الموت فينقلهن من مقبرة الدنيا إلى مقبرة الآخرة فلابد لي أن أبلغ أمنيتي وأن أعالج هذا الرأس القاسي المتحجر علاجاً ينتهي بإحدى الحسنيين إما بكسره أو بشفائه " فورد علي من حديثه ما ملأ نفسي هماً وحزناً ونظرت إليه نظرة الراحم الرائي: " أعالم أنت أيها الصديق ما تقول؟ " قال: " نعم أقول الحقيقة التي أعتقدها وأدين نفسي بها واقعة من نفسك ونفوس الناس جميعاً حيث وقعت " قلت: " هل تأذن لي أن أقول لك أنك عشت فترة طويلة في ديار قوم لا حجاب بين رجالهن ونسائهن فهل تذكر أن نفسك حدثتك يوماً من الأيام وأنت فيهم بالطمع في شيء مما لا تملك يمينك من أعراض نسائهم فنلت ما تطمع فيه من حيث لا يشعر مالكه؟ " قال: " ربما وقع لي شيء من ذلك فماذا تريد؟ " قلت: " أريد أن أقول لك إني أخاف على عرضك أن يلم به من الناس ما ألم بأعراض الناس منك " قال: " إن المرأة الشريفة تستطيع أن تعيش بين الرجال وهي من شرفها وعفتها في حصن حصين لا تمتد إليه المطامع " فداخلني ما لم أملك نفسي منه وقلت له: " تلك هي الخدعة التي يخدعكم بها الشيطان أيها الضعفاء والثلمة التي يعثر بها في زوايا رؤوسكم فينحدر منها إلى عقولكم ومدارككم فيفسدها عليكم الشرف كلمة لا وجود لها إلا في قواميس اللغة ومعاجمها فإن أردنا أن نفتش عنها في قلوب الناس وأفئدتهم قلما نجدها والنفس الإنسانية كالغدير الراكد لا يزال صافياً رائقاً حتى يسقط فيه حجر فإذا هو مستنقع كدر والعفة لون من ألوان النفس لا جوهر من جواهرها وقلما تثبت الألوان على أشعة الشمس المتساقطة " قال: " أتنكر وجود العفة بين الناس؟ " قلت: " لا أنكرها لأني أعلم أنها موجودة بين البله والضعفاء والمتكلفين ولكنني أنكر وجودها عند الرجل القادر المختلب والمرأة الحاذقة المترفقة إذا

стр. 165

سقط بينهما الحجاب وخلا وجه كل منهما لصاحبه في أي جو من أجواء هذا البلد تريدون أن تبرز نساؤكم لرجالكم: أفي جو المتعلمين وفيهم من سئل مرة: " لِمَ لم تتزوج؟ فأجاب: نساء البلد جميعاً نسائي " أم في جو الطلبة وفيهم من يتوارى عن أعين خلانه وأترابه حياءاً وخجلاً إن خلت محفظته يوماً من الأيام من صور عشيقاته وخليلاته وأقفرت من رسائل الحب والغرام أم في جو الرعاع والغوغاء وكثير منهم يدخل البيت خادماً ذليلاً ويخرج صهراً كريماً؟ وبعد فما هذا الولع بقصة المرأة والتمطق (٣١٦) بحديثها والقيام والقعود بأمرها وأمر حجابها وسفورها وحريتها وأسرها كأنما قمتم بكل واجب للأمة عليكم في أنفسكم فلم يبق إلا أن تفيضوا من تلك النعم على غيركم هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نساءكم فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز أبواب الفخر أمامكم كثيرة فاطرقوا أيها شئتم ودعوا هذا الباب موصداً فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلاً عظيماً وشقاءاً أروني رجلاً واحداً منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه إنكم تكلفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبون عندها ما لا تعفونه عند أنفسكم فأنتم تخاطرون بها في معركة الحياة مخاطرة لا تعلمون أتربحونها من بعدها أم تخسرونها وما أحسبكم إلا خاسرين ما شكت المرأة إليكم ظلماً ولا تقدمت إليكم في أن تحلوا قيدها وتطلقوها من أسرها فما دخولكم بينها وبين نفسها وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟ إنها لا تشكوا إلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها ووقوفكم في وجهها حيث سارت وأينما حلت حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلاً إلا أن تسجن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها فأوصدت من دونها بابها وأسبلت أستارها

стр. 166

تبرماً بكم وفراراً من فضولكم فواعجباً لكم تسجنونها بأيديكم ثم تقفون على باب سجنها تبكونها وتندبون شقاءها! إنكم لا ترثون لها بل ترثون لأنفسكم ولا تبكون عليها بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرجاً وسفوراً ويتدفق خلاعة واستهتاراً وتودون بجدع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك لقد كنا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء فما زلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ثقباً والعفة تسيل منه قطرة قطرة حتى تقبض وتكرش ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلوا وكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها هادئة مطمئنة في بيتها راضية عن نفسها وعن عيشها ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها أو وقفة تقفها بين يدي ربها أو عطفة تعطفها على ولدها أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها وتستبثها سريرة قلبها وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها ونزولها عن رضاهما وكانت تفهم معنى الحب وتجهل معنى الغرام فتحب زوجها لأنه زوجها كما تحب ولدها لأنه ولدها فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج رأت هي أن الزواج أساس الحب فقلتم لها: " إن هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلاً ولا أفضل رأياً ولا أقدر على النظر لك من النظر لنفسك فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك " فازدرت أباها وتمردت على زوجها وأصبح البيت الذي كان بالأمس عرساً من الأعراس الضاحكة مناحة قائمة لا تهدأ نارها ولا يخبو أوارها وقلتم لها: " لابد لك أن تختاري زوجك بنفسك حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك " فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها فلم يزد عمر سعادتها عن يوم وليلة ثم الشقاء الطويل بعد ذلك والعذاب الأليم وقلتم لها: " إن الحب أساس الزواج " فما زالت تقلب عينيها في وجوه الرجال مصعدة مصوبة حتى شغلها الحب عن الزواج فغنيت به عنه وقلتم لها: " أن سعادة المرأة في

стр. 167

حياتها أن يكون زوجها عشيقها " وما كانت تعرف إلا أن الزوج غير العشيق فأصبحت كل يوم تبغي زوجاً جديداً يحيي من لوعة الحب ما أمات الزوج القديم فلا قديماً استبقت ولا جديداً أفادت وقلتم لها: " لابد أن تتعلمي لتحسني تربية ولدك والقيام على شئون بيتك " فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها والقيام على شئون بيتها وقلتم لها: " نحن لا نتزوج من النساء إلا من نحبها ونرضاها ويلائم ذوقها ذوقنا وشعورها شعورنا " فرأت أن لابد لها أن تعرف مواقع أهوائكم ومباهج انظاركم لتتجمل لكم بما تحبون فراجعت فهرس حياتكم صفحة صفحة فلم تر فيه غير أسماء الخليعات المستهترات والضحكات اللاعبات والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن وتخلعت واستهترت لتبلغ رضاكم وتنزل عند محبتكم ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف تعرض نفسها عليكم عرضاً كما تعرض الأمة نفسها في سوق الرقيق فأعرضتم عنها ونبوتم عنها وقلتم لها: " إنا لا نتزوج النساء العاهرات " لأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعاً ساقطات إذا سلمت لكم نساؤكم فرجعت أدراجها خائبة منكسرة وقد أباها الخليع وترفع عنها المحتشم فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت كذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعاً وتمشت الظنون بين رجالها ونسائها فتعاجز الفريقان وأظلم الفضاء بينهما وأصبحت البيوت كالأديرة (٣١٧) لا يرى فيها الرائي إلا رجالاً مترهبين ونساء عانسات. ذلك بكاؤكم على الرمأة أيها الراحمون وهذا رثاؤكم لها وعطفكم عليها نحن نعلم كما تعلمون أن المرأة في حاجة إلى العلم فليهذبها أبوها وأخوها أنفع لها من العلم (٣١٨) وإلى اختيار الزوج العادل الرحيم فليحسن الآباء اختيار الأزواج لبناتهم وليجمل الأزواج عشرة نسائهم وإلى النور والهواء تبرز إليهما وتتمتع فيهما برؤية الحياة

стр. 168

فيأذن لها أولياؤها بذلك وليرافقها رفيق منهم في غدواتها وروحاتها كما يرافق الشاه راعيها خوفاً عليها من الذئاب فإن عجزنا أن نأخذ الآباء والأزواج بذلك فلننفض أيدينا من الأمة جميعاً نسائها ورجالها فليست المرأة بأقدر على إصلاح نفسها من الرجل على إصلاحها. أعجب ما أعجب له من شئونكم أنكم تعلمتم كل شيء إلا شيئاً واحداً هو أدنى إلى مدارككم أن تعلموه قبل كل شيء وهو أن لكل تربة نباتاً ينبت فيها ولكل نبات زمن ينمو فيه رأيتم العلماء في أوربا يشتغلون بكماليات العلوم بين أمم قد فرغت من ضرورياتها فاشتغلتم بها مثلهم في أمة لا يزال سوادها الأعظم في حاجة إلى معرفة حروف الهجاء ... ورأيتم الرجل الأوربي حراً مطلقاً يفعل ما يشاء ويعيش كما يريد لأنه يستطيع أن يملك نفسه وخطواته في الساعة التي يعلم فيها أنه قد وصل إلى حدود الحرية التي رسمها لنفسه فلا يتخطاها فرأيتم أن تمنحوا هذه الحرية نفسها رجلاً ضعيف الإرادة والعزيمة يعيش في حياته الأدبية في رأس منحدر زلق إن زلت به قدمه مرة تدهور من حيث لا يستطيع أن يستمسك حتى يبلغ الهوة ويتردى في قرارتها ورأيتم الزوج الأوربي الذي أطفأت بيئته غيرته وزالت خشونة نفسه وحرشتها يستطيع أن يرى زوجته تخاصر من تشاء وتصاحب من تشاء وتخلو بمن تشاء فيقف أمام ذلك المشهد موقف الجامد المتبلد فأردتم من الرجل الشرقي الغيور المتلهب أن يقف موقفه ويستمسك استمساكه ورأيتم المرأة الأوربية الجريئة المتفتية تستطيع في كثير من مواقفها مع الرجال أن تحتفظ بنفسها وكرامتها (*) فأردتم من المرأة المصرية الضعيفة الساذجة أن تبرز للرجال بروزها وتحتفظ بنفسها احتفاظها وكل نبات يزرع في أرض

стр. 169

غير أرضه أو في ساعة غير ساعته إما أن تأباه الأرض فتلفظه وإما أن يستنبت فيها فيفسدها. إنا نذرع إليكم باسم ... الحرمة الدينية أن تتركوا تلك البقية من نساء الأمة آمنات مطمئنات في بيوتهن ولا تزعجوهن بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهن فكل جرح من جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف فإن أبيتم إلا أن تفعلوا فانظروا بأنفسكم قليلاً ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم لتستطيعوا أن تعيشوا في حياتكم سعداء آمنين ". فما زاد الفتى أن ابتسم في وجهي ابتسامة الهزء والسخرية وقال: " تلك حماقات إلا لنعالجها فلنصطبر عليها حتى يقضي الله بيننا وبينها " وقلت له: " لك أمرك في نفسك وأهلك فاصنع بهما ما تشاء وائذن لي أن أقول لك إني لا أستطيع أن اختلف إلى بيتك بعد اليوم إبقاءً عليك وعلى نفسي لأن الساعة التي ينفرج لي فها جانب ستر من أستار بيتك عن وجه امرأة من أهلك تقتلني حياءً وخجلاً ثم انصرفت وكان هذا فراق ما بيني وبينه. وما هي إلا أيام قلائل حتى سمعت الناس يتحدثون أن فلاناً هتك الستر في منزله بين نسائه ورجاله وأن بيته أصبح مغشياً لا تزال النعال خافقة ببابه فذرفت عيني دمعة لا اعلم هل هي دمعة الغيرة على العرض المزال أو الحزن على الصديق المفقود. مرت على تلك الحادثة ثلاثة أعوام لا أزوره ولا يزورني ولا ألقاه في طريقه إلا قليلاً فأحييه تحية الغريب للغريب من حيث لا يجري لما كان بيننا ذكر ثم أنطلق في سبيلي. وإني لعائد إلى منزلي ليلة أمس - وقد مضى الشطر الأول من الليل - إذ رأيته خارجاً من منزله يمشي مشية الذاهل الحائر وبجانبه جندي من جنود الشرطة كأنما هو

стр. 170

يحرسه أو يقتاده فأهمني أمره ودنوت منه فسألته عن شأنه فقال: " لا علم لي بشيء سوى أن هذا الجندي قد طرق الساعة بابي يدعوني إلى مخفر الشرطة ولا أعلم لمثل هذه الدعوة في مثل هذه الساعة سبباً وما أنا بالرجل المذنب ولا المريب فهل أستطيع أن أرجوك يا صديقي بعد الذي كان بيني وبينك أن تصحبني الليلة في وجهي علني أحتاج بعض المعونة فيما قد يعرض لي هناك من الشئون؟ " قلت: " لا أحب إلي من ذلك " ومشيت معه صامتاً لا أحدثه ولا يقول لي شيئاً ثم شعرت كأنه يزور في نفسه كلاماً يريد أن يفضي به إلي فيمنعه الخجل والحياء ففاتحته الحديث وقلت له: " ألا تستطيع أن تذكر لهذه الدعوة سبباً؟ " فنظر إلي نظرة حائرة وقال: " إن أخوف ما أخافه أن يكون قد حدث لزوجتي الليلة حادث فقد رابني من أمرها أنها لم تعد إلى المنزل حتى الساعة وما كان ذلك شأنها من قبل " قلت: " أما كان يصحبها أحد؟ " قال: " لا " قلت: " ألا تعلم المكان الذي ذهبت إليه؟ " قال: " لا " قلت: " ومم تخاف عليها؟ " قال: " لا أخاف شيئاً سوى أني أعلم أنها امرأة غيور حمقاء فلعل بعض الناس حاول العبث في طريقها فشرست عليه فوقعت بينهما واقعة انتهى أمرها إلى مخفر الشرطة " وكنا وصلنا إلى المخفر فاقتادنا الجندي إلى قاعة المأمور فوقفنا بين يديه فأشار إلى جندي أمامه إشارة لم نفهمها ثم استدنى الفتى إليه وقال له: " يسوءني أن أقول لك يا سيدي إن رجال الشرطة قد عثروا الليلة في مكان من أمكنة الريبة برجل وامرأة في حال غير صالحة فاقتادوهما إلى المخفر فزعمت المرأة أن لها بك صلة فدعوناك لتكشف لنا الحقيقة في أمرها فإن كانت صادقة أذنا لها بالانصراف معك إكراماً لك وإبقاءً على شرفك وإلا فهي امرأة عاهرة لا نجاة لها من عقاب الفاجرات وها هما وراءك فانظرهما " وكان الجندي قد جاء بهما من غرفة أخرى فالتفت وراءه فإذا المرأة زوجته وإذا الرجل أحد أصدقائه فصرخ صرخة رجفت لها جوانب المخفر وملأت

стр. 171

نوافذه وأبوابه عيوناً وآذاناً ثم سقط مكانه مغشياً عليه فأشرت على المأمور أن يرسل المرأة إلى منزل أبيها ففعل وأطلق سبيل صاحبها ثم حملنا الفتى في مركبة إلى منزله " ثم ذكر السيد المنفلوطي ﵀ وحاصلها أن الفتى مات كمداً وحسرة من هذه الفضيحة التي اختتم بها حياته ...

стр. 172

" طه حسين " عميد التغريب في الفكر المعاصر دوره في " تحرير المرأة " وجرائمه في حق الإسلام (٣١٩) في يناير ١٩٥٠ م: حمل " حسين سري " (رئيس الديوان) إلى الملك " فاروق " مشروع التشكيل الوزاري الذي سلمه إليه " مصطفى النحاس " رئيس حزب الوفد أخذ الملك في مراجعته ولما بلغ اسم " طه حسين " قال فاروق: (مستحيل مستحيل أنتم لا تعرفون خطورة هذا الرجل) وقال أيضاً: (من المحال أن أوافق على أن يكون وزيراً للمعارف بالذات مستحيل) وتدخل " كريم ثابت " الصليبي وأقنع الملك بالعدول عن موقفه. فمن هو ذلك الرجل الذي أشفق الطاغية " فاروق " من خطره؟ لعل أغلب أبناء هذا الجيل طرق أسماعهم اسم " طه حسين " الموصوف زوراً بأنه " عميد الأدب العربي " وتخيلوه - من جراء الدعاية المسلطة على عقولهم - الرجل المسلم الوقور تحيطه هالة من الشهرة المدوية والتاريخ الحافل بالأمجاد. إن من الواجب على أبناء اليقظة الإسلامية المعاصرة أن يمحصوا حقيقة ذلك

стр. 173

الرجل حتى لا ينخدعوا بالدعايات الكاذبة التي تملأ الآفاق مدحاً في " طه حسين " وتمجيداً له في حين أنه كان صنيعة لأعداء الإسلام وداعية للتبعية المطلقة للمدنية الغربية بكل مفاسدها وشرورها. إن " طه حسين " مسئول عن كثير من مظاهر الفساد والتحلل التي ينوء بها المجتمع اليوم ولقد خاض معركة بل معارك من أجل " تسميم " الآبار الإسلامية وتزييف مفهوم الإسلام والتاريخ الإسلامي معتمداً على سياسة المستشرقين في التحول من المهاجمة العلنية للإسلام إلى خداع المسلمين بتقديم طعم ناعم في أول الأبحاث ثم دس السم على مهل متستراً وراء دعوى " البحث العلمي " و " حرية الرأي "!! وليس المقام مقام (الترجمة) لطه حسين ولكنه مقام التنبيه إلى دوره الخطير في محاربة الإسلام وتهديد حصونه من داخلها ثم سرد مقتطفات من أقواله وأفعاله التي تبين مدى حقده على هذا الدين وعلى هذه الأمة ولا أجد أصدق في التعبير عن ذلك من حكم أستاذه " التلمودي " المستشرق " ما سينيون " عليه. فقد قال الدكتور زكي مبارك: (وقف المستشرق ماسنيون يوم أديت امتحان الدكتوراة وقال: إنني حين أقرأ بحثاً لطه حسين أقول: " هذه بضاعتنا ردت إلينا ") (٣٢٠) اهـ وهاك أمثلة من أقواله الكفرية ومواقفه الإبليسية: ١ - فمن ذلك: تكذيبه القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية في قوله: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام

стр. 174

واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى) اهـ. ٢ - ومن ذلك قوله: (أن القرآن المكي يمتاز بالهروب من المناقشة والخلو من المنطق) تعالى الله عما يقول الملحدون علواً كبيراً. ٣ - ومن ذلك قوله: (إن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها) (إن الدين حين يقول بوجود الله ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لا يعترف بهما العلم) اهـ. ٤ - ومن ذلك قوله: (إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى والمصري فرعوني قبل أن يكون عربياً ولا يطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها وإلا كان معنى ذلك: إهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام وانسي نفسك واتبعينا لا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي مصر لن تدخل في وحدة عربية سواء كانت العاصمة القاهرة أم دمشق أم بغداد وأؤكد قول أحد الطلبة القائل: " لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه ") اهـ. ٥ - ومنه قوله في مجلة " كوكب الشرق " (١٢ أغسطس ١٩٣٣) : (لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد ولم يستشرني أولئك وهؤلاء في هذا النص الذي اشتمل عليه الدستوران جميعاً والذي يعلن أن للدولة المصرية ديناً رسمياً هو الإسلام ولو قد استشارني أولئك وهؤلاء لطلبت إليهم أن يتدبروا وأن يتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور) اهـ. ٦ - ومن ذلك أنه دعا طلاب كلية الآداب إلى اقتحام القرآن في جرأة ونقده بوصفه كتاباً أدبياً يقال فيه: هذا حسن وهذا (كذا) تعالى الله عن

стр. 175

زندقته علواً كبيراً فقد حكى عنه (عبد الحميد سعيد) قوله: (ليس القرآن إلا كتاباً ككل الكتب الخاضعة للنقد فيجب أن يجري عليه ما يجري عليها والعلم يحتم عليكم أن تصرفوا النظر نهائياً عن قداسته التي تتصورونها وأن تعتبروه كتاباً عادياً فتقولوا فيه كلمتكم ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب ويبين ما يأخذه عليه) (*) اهـ. ٧ - ومن ذلك: حملته الشديدة على الأزهر الشريف وعلمائه الأفاضل ورميهم جميعاً بالجمود وحثه على: (استئصال هذا الجمود ووقاية الأجيال الحاضرة والمقبلة من شره) على حد تعبيره. ٨ - ومن ذلك أيضاً تشجيعه لحملة (محمود أبو رية) على السنة الشريفة ومن ذلك أيضاً تأييده لـ (عبد الحميد بخيت) حين دعا إلى الإفطار في رمضان وثارت عليه ثائرة علماء المسلمين. ٩ - ومنه: مطالبته بإلغاء التعليم الأزهري وتحويل الأزهر إلى جامعة أكاديمية للدراسات الإسلامية وقد أطلق عليها (الخطوة الثانية) وكانت " الخطوة الأولى " هي إلغاء المحاكم الشرعية التي هلل لها كثيراً. ١٠ - قوله: (خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضاً) اهـ. ١١ - ومن ذلك أنه أعاد خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها والتزيد في هذه الإسرائيليات والتوسع فيها. ١٢ - ومن ذلك: حملته على الصحابة ﵃ وعلى الرعيل الأول من الصفوة المسلمة وتشبيههم بالسياسيين المحترفين الطامعين في

стр. 176

السلطان - وحاشاهم ﵃ وذلك في محاولة منه لإزالة ذلك التقدير الكريم الذي يكنه المؤرخون المسلمون لصحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم. ١٣ - ومن ذلك: عمله على إعادة طبع رسائل " إخوان الصفا " وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة إحياء هذا الفكر الباطني المجوسي المدمر وإحياؤه شعر المجون والفسق والحديث عن شعرائهما بهالة من التكريم كأبي نواس وبشار وغيرهم وكذا ترجمة القصص الفرنسي الإباحي الماجن وطعنه في ابن خلدون والمتنبي وغيرهما. ١٤ - ومن ذلك قوله: (أريد أن أدرس الأدب العربي كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان والنبات ومالي أدرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنة وذم المعتزلة من الذي يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشراً للإسلام أو هادماً للإلحاد) اهـ. ١٥ - ومنه قوله: (إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمناً وكافراً في وقت واحد مؤمناً بضميره كافراً بعقله فإن الضمير يسكن إلى الشيء ويطمئن إليه فيؤمن به أما العقل فينقض ويبدل ويفكر أو يعيد النظر من جديد فيهدم ويبني ويبني ويهدم) اهـ. ١٦ - ومن ذلك قوله: (علينا أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أنداداً فنأخذ الحضارة خيرها وشرها وحلوها ومرها وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب) اهـ. ١٧ - ومن ذلك قوله في تصوير سر إعجابه " بأندريه جيد ": (لأنه شخصية متمردة بأوسع معاني الكلمة وأدقها متمردة على العرف الأدبي وعلى القوانين الأخلاقية وعلى النظام الاجتماعي وعلى النظام السياسي وعلى

стр. 177

أصول الدين) وذكر أنه يحب " أندريه جيد " ويترسم خطاه ويصور نفسه من خلال شخصيته. ١٨ - ومن ذلك: وصفه لوحشية المستعمرين الفرنسيين وقسوتهم في معاملة المسلمين المغاربة: بأنها (معانة ومشقة في سبيل بسط الحضارة الفرنسية والمدنية على تلك الشعوب المتوحشة التي ترفض التقدم والاستنارة) . ١٩ - ومن ذلك: استقدامه لبعض المستشرقين المحاربين لله ورسوله الطاعنين في القرآن الكريم لإلقاء محاضرات حول الإسلام في الجامعة المصرية لتشكيك الطلاب في القرآن والإسلام. ٢٠ - ومن ذلك: تشجيعه تيار التنصير في الجامعة وحينما اكتشف هذا المخطط التنصيري قال: (ما يضر الإسلام أن ينقص واحداً أو تزيد المسيحية واحداً) وعندما تكشف أن هناك كتباً مقررة في قسم اللغة الإنكليزية تتضمن هجوماً على الإسلام ورسوله " قال: (إن الإسلام قوي ولا يتأثر ببعض الآراء) واكتفى بهذا في حين ترك للأساتذة الإنكليز مطلق الحرية في هذا العمل. ٢١ - ثم عمد " طه حسين " إلى إخراج كل من له رأي أو أصالة من كلية الآداب واستبقى أعوانه الذين سار بهم إلى الطريق الذي رسمه وعانه على ذلك " لطفي السيد " الذي كان مديراً للجامعة وفي نفس الوقت تابعاً لخطط " طه حسين " وخاصة في خطة إنشاء معهد " التمثيل والرقص الإيقاعي " ودعوة الطالبات إلى الاختلاط وتحريضهن على ذلك ومعارضة الجبهة المسلمة التي حاولت أن تدعو إلى الدين والأخلاق وهكذا تحولت الجامعة إلى مجتمع متحلل من قيود الأخلاق الإسلامية فأقيمت حفلات رسمية في دار الأوبرا خليت لها الراقصات المحترفات ومن ثم عرفت

стр. 178

حفلات الرقص والسمر في البيوت مما قصت أخباره بعض الخريجات وغيرها والرحلات المشتركة وما كان يجري في اتحاد الجامعة ورابطة الفكر العالمي من محاضرات مادية إلحادية ومقطوعات فرنسية على البيانو وروايات تمثيلية تقوم على الحب والغرام.. وقد وصل الأمر إلى حد أن أحد الأساتذة " الأجانب " ضاق ذرعاً بذلك الفساد فكتب يقول: (إنه خليق بالجامعة أن تمثل المثل الأعلى - " يعني للطلاب " - لا أن تمثل فيهم دور السكير) !. وكان " طه حسين " يرعى ذلك ويقول: (إن هذا النوع من الحياة الحديثة يمضي عليه وقت طويل في مصر حتى يغير العقلية المصرية تغييراً كبيراً) . ٢٢ - وتتابعت خطوات " طه حسين " في كلية الآداب في سبيل خطته فأقام حفلاً لتكريم " رينان " الفيلسوف الفرنسي الذي هاجم الإسلام أعنف هجوم ورمى المسلمين والعرب بكل نقيصة في آدابهم وفكرهم وكذلك جعل " طه حسين " الشعار الفرعوني هو شعار الجامعة وقد لقي من ذلك كله معارضة شديدة وخصومة واسعة وصلت إلى كل مكان في البلاد العربية وأرسل إليه الأستاذ " توفيق الفكيكي " من العراق برقية قال فيها: " إن شعاركم الفرعوني سيكسبكم الشنار وستبقى أرض الكنانة وطن الإسلام والعروبة برغم الفرعونية المندحرة ". ٢٣ - وذكرت مجلة " النهضة الفكرية " في عددها الصادر في ٧ نوفمبر ١٩٣٢ م: (أن الدكتور " طه " تعمد في إحدى كنائس فرنسا وانسلخ من الإسلام من سنين في سبيل شهوة ذاتية) (٣٢١) .

стр. 179

صراع حركة اليقظة مع "طه حسين " ولقد هوجم " طه حسين " منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير لم تتوقف حركة اليقظة عن متابعته وكشف شبهاته وتزييف آرائه ودحر مخططه ولكنه مع كل ذلك كان يقبض الثمن ويكافأ بكل إصرار على خدماته لأعداء الإسلام فلقد ظل يترقى في المناصب رغم الحملات التي شنها عليه علماء الإسلام في كافة البقاع الإسلامية ظل يترقى في مخطط مرسوم من أستاذ إلى عميد إلى مدير جامعة إلى مستشار فني إلى وزير وظل حتى اللحظات الأخيرة من حياته مشرفاً على اللجنة الثقافية في الجامعة العربية ورئيساً لمجمع اللغة العربية وله نفوذه الواسع في وزارة المعارف والجامعات وذلك مصداق قول " هاملتون جب " المستشرق: (سواء قوبلت آراء " طه حسين " بالموافقة أم لم تقابل فلابد أن يقضي نفوذه الواسع الذي يتمتع به إلى توطيد المبادئ التي يدعو إليها) اهـ. وقال المستشرق " كاممفاير ": (إن المحاولة الجريئة التي قام بها " طه حسين " ومن يشايعه في الرأي لتخليص دراسة العربية من شباك العلوم الدينية هي حركة لا يمكن تحديد آثارها على مستقبل الإسلام) اهـ بل قال هو عن نفسه: (إنني أفكر بالفرنسية وأكتب بالعربية) اهـ. وفي تقرير خطير يصف المكر اليهودي الأمريكي لإبادة الجيل المسلم وبصورة مكشوفة يطالب التقري بوجوب الإفادة من آراء " طه حسين " ومؤلفاته. ﴿وقد دعا هذا التقرير إلى وجوب تأليف " لجنة مكافحة الإسلام " تنبع من وكالة الأمن القومي الأمريكي وقد استعانت هذه اللجنة بعدة شخصيات منها نائب ما يسمى بـ (البابا المسئول عن التبشير مع الجمعيات الدينية كما استعانت بتقرير الإدارة

стр. 180

البريطانية وغيرها من تقارير الدول الاستعمارية في الغرب والشرق. وقد جاء في توصيات اللجنة السابقة بالحرف الواحد: " وجوب تسليط الدعاية والإعلام على مجددي الدين المزعومين كطه حسين وأمثاله "﴾ (٣٢٢) اهـ. هذا وقال الأستاذ الشيخ " عبد ربه مفتاح " من علماء الأزهر في مقالة نشرها الكوكب مخاطباً " طه حسين ": (وكيف تزعم أيها الدكتور أن " بعض " العلماء أثار هذا الأمر- أمر كفرك - وهاأنا ذا أصرح لك - والتبعة في ذلك علي وحدي - بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولا تجوز وأتحداك وأطلب منك بإلحاح أو رجاء أن تدلني على واحد منهم " وواحد فقط " يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر وأتحمل تبعة هذا الاتهام وعليك تبرئة نفسك من هذا الاتهام الشائن والمطالبة بما لك من حقوق نحوي) (٣٢٣) اهـ. وأخيراً: فهذه لمحة خاطفة عن " طه حسين " الرجل الذي تشهد كتبه بأنه لم يكن إلا بوقاً من أبواق الغرب وواحداً من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير يروج لثقافاته ويعظمها ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم (ويوطد دعائم الود والتفاهم بين الحمار وراكبه وهي دعائم تفيد الراكب دائماً ولا تفيد الحمار!) (*) .
следующие страницы →