٨ - في سوريا:
(طرح " حافظ الأسد " فكرة تعديل قانون الأحوال الشخصية وفكرة التجنيد الإجباري للمرأة كما مزق الحجاب في شوارع دمشق ومنع المحجبات من دخول المدارس بحجابهن) (**) اهـ
٩ - في تونس:
(نادى " بورقيبة " بتخليص المرأة من قيود الدين وجعلها رسولاً لمبادئه العلمانية) (٣٦٦)
(وفي حديث " للحبيب بو رقيبة " بأهرام ٢٠ / ١٢ / ١٩٧٥م صرح الرئيس التونسي بأنه أصدر في سنة ١٩٥٦ م قانوناً بمنع تعدد الزوجات يعتبر التعدد جنحة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة سنة وغرامة مالية " ٢٤٠ " ديناراً) (٣٦٧) اهـ
١٠ - في الصومال:
(شددت حكومة " سياد بري " حملتها ضد الإسلام في الصومال وقد طردت مؤخراً كل طالبة ترتدي الزي الإسلامي من المدارس كما ألغت تفسير القرآن الكريم من المناهج وتقوم بطرد الطلاب الذين يقبض عليهم وهم يؤدون الصلاة أو يقرؤون القرآن الكريم من المدارس)
(٣٦٨)
١١ - في ماليزيا:
جاء في (أخبار اليوم) تاريخ السبت (٧محرم ١٤٠٦ هـ) الموافق (٢١ / ٩ / ١٩٨٥ م)
: (أصدرت الجامعة التكنولوجية في ماليزيا قراراً بإيقاف تسع طالبات عن الدراسة بحجة ارتدائهن الحجاب الذي تمنعه وزارة التعليم الماليزية وذكر مسؤول كبير في الجامعة أن قرار إيقاف الطالبات سيظل سارياً مادام هؤلاء الطالبات يرتدين الحجاب) اهـ
стр. 212
١١ - في مصر:
وضع عبد الناصر وزبانيته كتاب " الميثاق " متأسياً في ذلك بإمامه الأول جنكيز خان حيث وضع الأخير كتابه (الياسق) (٣٦٩) ليصد به الناس عن القرآن وكان مما جاء بصدد المرأة في (الميثاق) :
(المرأة تتساوى بالرجل ولابد أن تسقط بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك الرجل بعمق وإيجابية في صنع الحياة) اهـ
وبوحي من هذه الفلسفة العلمانية المادية اتخذت إجراءات وخطوات حاسمة في هذا الصدد وصدرت قوانين تقضي:
- بفرض ثلاثين نائبة على الأقل في مجلس الشعب.
- بفرض خمسة وعشرين بالمائة من النساء على الأقل في عضوية جميع المجالس الشعبية والمحلية.
- بجعل الانتخاب والتصويت إجبارياً على كل أنثى تبلغ الثامنة عشرة من عمرها مع كونهما ليسا إجباريين على الرجل.
وأخيراً صدر قانون تعديل أحكام قوانين الأحوال الشخصية الذي خططوا له طويلاً وتحقق أمل " مرقص فهمي " و " قاسم أمين ".
стр. 213
الحركة النسائية في ظل النظام الجمهوري (*)
﴿ظهرت الحركة النسائية في ظل الحكم الجمهوري بمظهر يغاير نظيره في العهد الملكي فبينما كانت المرأة تطالب أو تحرض على المطالبة بما أسمته " حقوقها " منذ بدأت حركتها في منتصف القرن العشرين سارعت حكومات العهد الجمهوري باستقطابها والاستفادة منها في حقل الإنتاج هذا من ناحية
أما الجانب الآخر فقد بات واضحاً أن أهم المسائل التي تشغل الحكومة قبل المرأة تنحصر في شيئين هامين هما: حق العمل للمرأة وهذا الحق مؤدٍّ بالضرورة لحق آخر وهو التمثيل النيابي والمشاركة في حل القضايا الاجتماعية ومن ثم لم تعد المرأة هذا المخلوق الضعيف الذي يطالب بل صارت المخلوق القوي الذي يمنح ويعطي كل ما يمنحه ويعطيه الرجل تماماً.
وهذا الرأي بالضرورة لا يتناقض مع فشل حركة المرأة عند قيامها بأعنف مظاهرة لها في تاريخها الحديث في ١٢ مارس ١٩٥٤ م أي في بداية العهد الجمهوري لأن اللاتي قمن بهذه المظاهرة كن ينتمين للعهد السابق " الملكي " ويرتبطن به ثقافياً وسياسياً واجتماعياً ولا يرتبطن بأوهى رباط بالعهد الجديد وقيمه وإن بدا في الأفق - وقتها - أن الحكومة الجمهورية راضية عن هذا العمل رضاء تاماً حينما أعلن اللواء " محمد نجيب " رئيس الجمهورية الاستعداد للاستجابة لهن وأن حقوقهن في أيدي أمينة وأنه سيشكل لجنة مختصة للنظر في تكوين الجمعية التأسيسية للنظر في مطالبهن وكان ذلك في ٢١ مارس ١٩٥٤ م.
وبعد ذلك اختفت الحركة التي تزعمتها " درية شفيق " واختفت معها زعيمتها ولم تعد للظهور أبداً حتى فاجأ الطاغوت " جمال عبد الناصر " خلف محمد
стр. 214
نجيب الناس في يوم (١٦ يناير ١٩٥٧)
بخطاب أعلن فيه منح المرأة لأول مرة حقوقها السياسية (لأن الحقوق التي اكتسبها الشعب بالثورة باشرتها المرأة أيضاً كما باشرها الرجل فقد وقفت المرأة مع الرجل جنباً إلى جنب طوال كفاحه المرير واستشهدت بعض نسائنا في سبيل الكفاح المشترك من أجل الحرية والحياة وكما كافحت المرأة من أجل الحصول على حق الشعب فمن حقها أن تسترد حقوقها كاملة) (٣٧٠)
وكان دستور (١٩٥٦) قد نص على (أن الانتخاب حق للمصريين على الوجه المبين في القانون وأن مساهمتهم في الحياة العامة واجب وطني عليهم) (٣٧١)
فجاء خطاب الطاغية بمثابة البيان لهذا النص الذي تأكد عملياً في العام نفسه في أول انتخابات تجرى في العهد الجمهوري عام (١٩٥٧) إذ انتخبت سيدتان لمجلس الأمة هما: " أمينة شكري " في الإسكندرية و " راوية عطية " في حي الجيزة.
ثم كان أكبر دفعة لتحرير المرأة ما جاء في " الميثاق الوطني " سنة ١٩٦٢ لينص على أن (المرأة تتساوى بالرجل ولابد أن تسقط بقايا الأغلال التي تعوق حركتها الحرة حتى تستطيع أن تشارك بعمق وإيجابية في صنع الحياة) (٣٧٢)
ذلك أن الميثاق وهو دليل العمل في الستينات نظر للمرأة على إنها كم اقتصادي كالرجل سواء بسواء.
وكان الطاغية عبد الناصر الموصوف بأنه صاحب الإرادة الوحيد في تلك الفترة قد مهد لهذا من قبل فقال وهو يخطب في معسكر للفتيات في رشيد في (٢٨ يوليو ١٩٥٩)
: (كان لابد لنا بعد أن اكتشفنا أنفسنا أن نكتشف نصف شعبنا - المرأة - ونعطيها جميع حقوقها وقد وضعنا هذا موضع التنفيذ) (٣٧٣) ثم
стр. 215
أكد ذلك في خطابه في معسكر الفتيات للتدريب العسكري بالورديان بالإسكندرية في (٤ أغسطس ١٩٥٩) معلناً شعوره بالفخر (لأن المرأة العربية اليوم نصف المجتمع وعليها مسئولية كبرى لتشارك الرجل في بناء هذا الوطن وفي بناء المصانع وفي التعليم الفني وفي التدريب العسكري (٣٧٤) وفي اليوم نفسه زار معسكر فتيات المكس بالإسكندرية وطالب فيه بضرورة تضافر جهود كل فرد من المواطنين جميعاً من الرجال والنساء (٣٧٥)
كان عبد الناصر قادراً على أن يبرر للشعب أهمية مساواة المرأة بالرجل في كل المجالات: في الإنتاج وفي التدريب العسكري وغير ذلك لأن الوطن يحتاج إلى تضافر الجنسين معاً نساءً ورجالاً ومن ثم فقد نادى في جلسات المؤتمر الوطني للقوى الشعبية في شرح الميثاق:
(بوجوب عمل المرأة لأن في عملها يمكنها أن تحافظ على نفسها إذا كانت غير متزوجة)
(٣٧٦) !!
وفي المؤتمر نفسه أبدى عزمه على (تعيين المرأة في كل الأعمال ابتداء من الأعمال اليدوية حتى الوزارة) (٣٧٧)
وبعد ليلتين أي في مساء ٢٨ / ٥ / ١٩٦٢ رأى عبد الناصر تحرير المرأة بدنياً ومعنوياً برفضه لطلب مواطن سأله بصفته رئيساً للجمهورية أن يوجه نظر الناس إلى أهمية الحجاب الشرعي للمرأة " الخاص بالملبس فقط " لأنه على حد تعبيره (لا يريد أن يدخل معركة كبيرة جداً مع ٢٥ مليون من المواطنين " هم كل تعداد مصر في ذلك الوقت " أو مع نصفهم على الأقل) (٣٧٨)
وهكذا أعطى عبد الناصر المرأة ما طلبت وما لم تطلب وفوق ما كانت تطمع بل أعطاها تصريحاً بالإمعان في السفور
стр. 216
واختفت القيادات النسائية القديمة لأنهن لا يستطعن التجاوب مع الفكر الجديد أو التفاعل معه وظهرت نجمات أخريات استقطبتهن القيادة السياسية الجديدة التي قادت البلاد تعتنق الفكر الجديد وهو ليس كفكر " درية شفيق " المتعالي " فكر المرأة سيدة الدار " المترفع على الرجل " طاهيها " (٣٧٩) لأنه لا يتناسب مع روح الاشتراكية الجديدة هذا بالإضافة إلى أن القيادة الجديدة للحركة النسائية لم تكن في يد هذا الصنف من النساء اللاتي ينتمين لطبقة الأعيان التي كان منها الوزراء وأصحاب المراكز الهامة الحاكمة في الدولة وزعيمات الحركة النسائية في العهد الملكي ولكن الريادة في هذه المرة انتقلت إلى نوع آخر من المثقفات الجامعيات اللائى نشأن ودرجن في أحضان الطبقة الشعبية العاملة مثل الدكتورة " حكمت أبو زيد " التي بدأ ظهورها وبروزها في المجتمع في أكتوبر ١٩٦٢ أي بعد إعلان الميثاق الوطني بثلاثة شهور وعينت وزيرة للشئون الاجتماعية في أول حكومة تتولى حكم البلاد بعد إعلان القوانين الاشتراكية سنة ١٩٦١ والميثاق الوطني سنة ١٩٦٢ ومنذ ذلك التاريخ صارت وزارة الشئون الاجتماعية قصراً على النساء بحيث لم يعد يخطر على قلب رجل أن يفكر في ولوج بابها.
وتحت رعاية الحكومة أو من استأمنتهم الحكومة على حراسة الفكر الجديد تحدد وضع المرأة في النظام الجديد كله على أنها أصبحت " كمًّاً إنتاجياً " في ميدان الاقتصاد دون النظر إلى التأثير السلبي الناتج عن ذلك والذي أثر تأثيراً سيئاً في وضع المرأة نفسها في مجالات أخرى أكثر أهمية لوجودها الاجتماعي نفسه كما ان المؤتمرات النسائية التي عقدت في تلك الفترة بدعوة من الحكومة نفسها أعطت إشارة البدء لإعلان أفكار جذرية تخص حركة المرأة نفسها نابعة من الفكر الاشتراكي الذي بينه الميثاق وبوحي من
الفلسفة المادية العلمانية ومن هنا نظر الناظرون الجدد إلى
стр. 217
الطريقة القديمة وأسلوب العمل الذي كانت تمارسه الحركة النسائية منذ ظهور " هدى شعراوي " وانتهاء بـ
" درية شفيق " نظرة ازدراء وعدوها طريقة عفنة لمعالجة القضايا لا تليق بالمرحلة
" الثورية " التي تعيشها البلاد ورأوا أن المرأة منذ ظهور " هدى شعراوي " حتى الآن لم تتمكن من تحقيق التحرر الفعلي لها وكل ما حققته لم يتجاوز الحقوق الشكلية لمقاصد المرأة المتعالية المرفهة.
إن الذين يفكرون بالطريقة الجديدة يرفضون النظر إلى المرأة - بزعمهم - (من خلال مفاهيم رومانسية للأمومة والشرف وتربية الأجيال ومن خلال مفاهيم قبلية أو رعوية حول الشرف والعرض وإطاعة الزوج والسهر على راحته) (٣٨٠) وهم يطالبون بالقضاء على النظام الاجتماعي الأبوي الذي يسيطر فيه الرجل - رب العائلة - والقضاء على سلطة الرجل في أي شكل كان (زوجاً أو أخاً أو رئيساً) على المرأة لأن هذا النظام يعطل تحرير المرأة وللقضاء على هذه السيطرة يجب السيطرة على النظام كله المتمثل في " سيطرة الأب والنظام الطبقي الرأسمالي " (٣٨١) ولهذا فإن هؤلاء ينظرون إلى المجتمع الذي يقوم على الأسرة المستقرة على أنه مجتمع تسلطي يجب أن يعاد النظر في بحث أهم قضاياه " وهي قضية سلطة الرجل على المرأة سلطة الذكر على الأنثى " (٣٨٢) .
ومن هنا فهم يحرضون المرأة (على أن لا يقتصر دورها على إنجاب الأبناء الذين يحملون عادة اسم الأب وأن لا يقتصر أيضاً على العمل المنزلي لأنه غير مقيم اقتصادياً وأيضاً الإشباع الجنسي والعاطفي للرجل وهذا الدور الأخير بالذات يناط بها من خلال عقد الزواج المكرس في قوانين واضحة) (٣٨٣) وهو ما يجب أن ترفضه.
стр. 218
والخلاصة:
أنهم يريدون أن يتحقق للمرأة الاستقلالية الكاملة وهي لا تتحقق إلا إذا تمسكت بالوسائل الآتية:
١ - أن تحصل المرأة على الأمن الاقتصادي والبدني (وإن فرضت عملية الزوجية - واللفظ لهم - طاعة الزوج تستطيع أن تتحول بشكل غير مباشر إلى باردة عاطفياً)
(٣٨٤)
٢ - أن تحصل كذلك على الأمن الاجتماعي (المرأة غير آمنة كلية من الناحية الاجتماعية ويصل الأمر إلى أنها لا تستطيع أن ترتاد وحدها بعض الأماكن) (٣٨٥) وتتصرف بحرية كاملة كالرجل.
٣ - أن تخرج من استغلالية الرجل بتوفير العمل لها (في كل الميادين العملية مع ضمان أن لا يكون الرجل هو المتحكم في الدخل أو الأجر الذي تتقاضاه المرأة وبذلك تخرج من وضعها المقهور أو المكبوت) (٣٨٦)
٤- قيام حركة نسائية موجهة ضد الرجل ( ﴿المطلق﴾ ويكون هو المقصود بها فعلاً)
(٣٨٧)
٥ - أن تحرير المرأة يحتاج إلى القضاء على النظام الطبقي كما يحتاج إلى تغيير النظام الأبوي في الأسرة ويحتاج إلى قوانين مدنية عادلة ﴿لا شرعية﴾ تسوي بين المواطنين ﴿فالمرأة يجب أن تسمى مواطناً لا امرأة﴾ وإلى قوانين علمانية لا دينية مدنية تطبق في الأسرة (٣٨٨) .
والأمر الذي يجدر ملاحظته ان حركة المرأة سارت منذ البداية مع حركة التغيير
стр. 219
الاجتماعي في ظروفه المختلفة سواء جنحت به هذه الظروف نحو الغرب أو نحو الشرق ففي حركة المرأة الأولى التي بدأت من " منتدى الأميرة نازلي فاضل " بريادة الشيخ محمد عبده وانتهاء بإضراب النساء عن تناول الطعام سنة ١٩٥٤ كانت حركة المرأة تواكب حركة التغيير في كل الميادين في مصر في ميلها نحو الغرب وانجذابها له وعندما اتجهت وجهة المجتمع في بداية الستينات إلى اعتناق الاشتراكية اتجهت معها الحركة النسائية إلى وجهتها وبدأت تظهر قيادات نسائية تؤمن بالثقافة الاشتراكية وتعتنقها وتبرز دور المرأة المشارك لعملية الإنتاج وتقييم المرأة على أنها كم اقتصادي
على أن المرأة في كل من المرحلتين كانت تابعة للرجل فهو الذي يحرضها على أن تطلب ثم يمنح فهو المانح دائماً بينما اقتصر دورها على قبول هذا المنح غير أن الرجل في الحالة الأولى - حالة الاتجاه التغريبي - حافظ للمرأة على شخصيتها الاعتبارية فبدت للعيان - على أقل تقدير - أنها هي التي كافحت من أجل ما تسميه حقوقها التي حصلت عليها بينما اختلفت الأمور في الحالة الثانية - حالة التطبيق الاشتراكي - فقد عمل الرجل على إذابتها في الجماعة فهو الذي أشار عليها أن تقبل منحه وأرغمها على ألا ترفضه فهو الذي فرض عليها ان تكون عضواً في المجالس النيابية والمحلية وهو الذي فرض عليها أن تكون وزيرة وسفيرة وشاغلة لمناصب الرجال دون أن يعطيها فرصة إبداء رأيها أو معرفة رأيها الحقيقي فيما آلت إليه حياتها) اهـ.
تكلف ... واصطناع:
ومن يتأمل حال القوم يدرك أن اعتراضاتهم على الشرائع الإسلامية تأتي لمجرد الاعتراض فهذه المطالب التي تلهث المتحررات وراءها لمجرد إسماع الناس أصواتهن وهذه المنازعات الوهمية بين الرجل والمرأة كل هذه مشاكل مصطنعة وأزمات مختلقة
стр. 220
فهم يخالفون لمجرد المخالفة لا لحاجة أوجبت هذا الاختلاف والمرأة لا توضع حيث
تدعو الحاجة - صحيحة كانت أو مزعومة - إلى أن توضع ولكنها توضع لمجرد إثبات وجودها في كل مكان ولإقحامها على كل ما كان العقل والعرف ينادي بعدم صلاحيتها له فلم يكن المقصود بتوظيفها مثلاً في تلك الأيام سد حاجة موجودة ولكن كان المقصود هو مخالفة عرف راسخ وتحطيم قاعدة قائمة مقررة وإقامة عرف جديد في الدين وفي الأخلاق وفي الذوق وابتداع المبررات التي تجعل انسلاخنا من ديننا أمر واقع وتجعل دخولنا في دين الغرب ومذاهبه وفسقه أمر واقع كذلك.
وقصة " دعاة التحرير " هنا في مصر وغيرها تشبه (قصة ذلك الرجل الذي قدم إلى أبرز ساحة في العاصمة فملأ وسطها بالأنقاض ثم جاء بسارية رفع عليها مصباح أحمر
وجعل الناس ينظرون بدهشة إلى عمله ... وسأله بعضهم: ماذا تريد بهذا المصباح؟ فأجاب: تنبيه الناس إلى الخطر لكي لا يصطدموا بالأنقاض فلما سألوه: ولما جئت بهذه الأنقاض أجاب: لكي أرفع هذا المصباح) (٣٨٩) .
وإذا أردنا أن نشرح دور السياسة في معركة الحجاب في مصر فلا شك يقفز إلى أذهاننا الدور الذي لعبه " صديق إسرائيل " (٣٩٠) و " خادم أمريكا " و" حليف الشيطان " الذي تهكم بالحجاب علناً ووصفه بأنه " خيمة " وجرائم
стр. 221
هذا المخلوق في حق الإسلام ثم في حق وطنه كثيرة لا تكاد تخفى على أحد وقد ختم حياته " النضالية " ضد أمة محمد " بتلك الإجراءات التعسفية والحرب المسعورة ضد المحجبات عموماً والمنقبات خصوصاً فكان رجاله يتعرضون للمنقبات في الطرقات وكانت صحفه ناراً تصب حميمها على المنقبات وفرض عليهن الخيار بين السفور وبين الفصل من وظائفهن ولم تنج النساء من حملة الاعتقالات الواسعة التي عمت البلاد واصطف جنود الشرطة البواسل صامدين رابضين كالأسود على بوابات الجامعة ودور التعليم للتصدي
لأي طالبة منقبة تسول لها نفسها دخول الجامعة بهذا النقاب الساتر وذلك الجلباب السابغ الذي وصفه بأنه خيمة:
فرعون حقير يرقد الآن في مزبلة التاريخ وحسابه على الله.
بل هذه زوجة هذا الفرعون تدلي قبل أن تدور عليها دائرة السوء وهي في قمة غرورها - ولا أقول مجدها - بحديث إلى مجلة " ماري كلير " الفرنسية المتخصصة في شئون المرأة حول ما يتعلق بالمرأة الشرقية من عرف وتقاليد متوارثة كالحجاب وختان الفتيات (٣٩١) وجريمة الزنا وذلك خلال أربعة أسئلة وجهتها الصحافية الفرنسية " كاتي برين " التي زارت مصر أخيراً لإجراء هذا الحوار وكان السؤال الأول:
﴿انتشرت عادة الحجاب بين الفتيات في مصر فما رأي السيدة " جيهان السادات " في تلك الظاهرة؟ فأجابت: (أنني ضد الحجاب لأن البنات المحجبات يخفن الأطفال بمنظرهن الشاذ وقد قررت " بصفتي مدرسة بالجامعة " أن أطرد أي طالبة محجبة في محاضرتي فسوف آخذها من يدها وأقول لها: " مكانك الخارج " وفي نظري فإن المسئولية تقع على عاتق أساتذة الجامعات فهم سبب في انتشار هذه الظاهرة فإذا قام أستاذ بطرد فتاة واحدة من محاضراته مرة واثنين فسوف تقلع الفتيات عن ارتداء الحجاب.
стр. 222
وتستطرد قائلة: إن التحجب ليس بالشكل وبارتداء الأقنعة فالإسلام لم يدع إلى ارتداء الحجاب إنما تلك مسائل تفصيلية بعيدة عن جوهر الإسلام وعن مبادئه الأساسية ثم تذكر في نهاية الحوار أنها تعمل ليل نهار حتى تحقق للمرأة المصرية بعض حقوقها وأن أبرز ما أنجزته هو صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد ثم ذكرت أنها دائماً " تعاكس " زوجها في طلباتها للمرأة ولكنه يجيب بقوله: " إن هذه ليست هي اللحظة المناسبة " وتقول: " ولكنني أعاود وألح عليه في طلباتي من أجل المرأة " (٣٩٢)
ويتضح من هذا الحديث أن ظاهرة "عودة الحجاب " كانت قد أخذت في الانتشار السريع وكادت تفرض نفسها كواقع يكشف الحقيقة للمخدوعين والمخادعين على السواء لولا أن " الأكابر بدءوا يبيتون " وأد " هذه " العودة " قبل أن يفلت الزمام فبدأت الدوائر
السياسية والصحافية تمهد للحملة المجنونة التي توجتها السلطة بمذبحة " سبتمبر ١٩٨١م " ومن هذه الإرهاصات المقالة التالية:
" الغزالي حرب " وحربه ضد الحجاب:
" الغزالي حرب " مفتش أول اللغة العربية بشمال القاهرة إنسان أقلقه كثيراً مظهر الحجاب الإسلامي وشيوعه وسط الفتيات يوماً بعد يوم فشهر قلمه ليدلي بدلوه مع إخوانه من دعاة السفور فنشر في الأهرام أكثر من مقال يهاجم فيه الحجاب ويحرض فيه
" الأكابر " على تشريع جديد يصفه بأنه (قرار حاسم يحقق التوازن والاعتدال في أزياء الطالبات والمدرسات بين التفريط والإفراط وبين الانغلاق والانضباط)
ويفتتح إحدى مقالاته بقوله: (منذ بضعة أيام اتصل بي تليفونياً الشيخ الدكتور عبد المنعم النمر ليحدثني عن بعض الطالبات في إحدى المدارس الأجنبية الثانوية ممن
стр. 223
يحرصن على ارتداء ما يسمينه " الزي الإسلامي " أو " الزي الشرعي " ولقد اتفقنا في هذا الحوار التليفوني على أن تغطية الوجه بالنقاب أو البرقع للطالبات تطرف لا يقره الشرع الإسلامي ولا ترتاح إليه اللوائح والتعليمات المدرسية أو الجامعية وما هو إلا شذوذ مظهري مريب)
ثم يقول: (فهذا الزي المبرقع أو المنقب ليس إلا زياً من صميم الأزياء الجاهلية البائدة التي عفى عليها الزمان ولم يعد لها اليوم مكان إلا في بعض البلاد المتخلفة أو النامية ولن يبقى فيها طويلاً أمام التطور الوثاب الذي يؤكد ما قاله داعية تحرير المرأة الأول في مصر والشرق العربي " قاسم أمين " من أن هذا الزي الشاذ يمثل دوراً من الأدوار التاريخية لحياة المرأة في العالم ومن العبث الذي لا طائل من ورائه أن تتشبث بعض المدرسات أو الطالبات متمسحات في ذلك بالإسلام الذي يدعو المرأة - ولا شك - إلى الاحتشام المنضبط الذي يقره العرف القويم والذوق السليم لا إلى الاحتشام " المنغلق " المثير للشبهات ولا سيما شبهة محاولة " إخفاء الشخصية (٣٩٣) "
ثم يستطرد قائلاً (ما أروع الحديث النبوي الشريف القائل: " ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ - طلب البراءة والسلامة - لدينه وعرضه) وخاصة في ظروفنا الحاضرة التي تمس فيها الحاجة دائماً إلى التحقق من كل طالب وطالبة حرصاً على استتباب الأمن والنظام وسيادة الأمن العام وحرام - والله - أن نضيع مثقال ذرة من الوقت الغالي
الثمين بلابسات البراقع والجدل حولهن باسم الإسلام الذي يقول بلسان الرسول ﵊:
" ما غضب الله على قوم إلا ابتلاهم بالجدل وصرفهم عن العمل " (٣٩٤)
..... حرام والله - أن تشغلنا هذه " الظاهرة المرضية " عن النصح
стр. 224
لكريماتنا وأخوتنا المنتقبات أن يكن في أزيائهن منضبطات متفتحات لا منغلقات أو مبرقعات وأن يذكرن - والذكرى تنفع المؤمنين والمؤمنات - أنه عندما نهض قاسم أمين بدعوته المتحررة باركها باسم الإسلام أستاذنا " الإمام محمد عبده " حاربه الجامدون والمتنطعون داعين النساء إلى ارتداء النقاب والبرقع اتقاء للفتنة فانتهزت ملاهي أوربا هذه الفرصة وأخذت تعرض رقصة أسمتها " رقصة برقع الإسلام " وهكذا التقى جد الرجعيين وهزل العابثين في اتهام الإسلام بأنه دين البراقع) .
ثم يذكر معنى الحجاب في الإسلام في نظره فيقول: (وما هو إلا دين الاحتشام المعتدل المشرق بأنوار العفة والفضيلة والحياء وفي ضوئها وهداها التقى الجنسان على سواء معتصمين بحجاب الوازع الخلقي والضمير الحي)
إلى أن يبتهل داعياً المولى في نهاية مقاله قائلاً: (واللهم أبعد عن مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا وطرقاتنا وسائر مجالاتنا شبح الجمود والممات وشبح الظواهر المرضية المثيرة للفتن والخلافات والانقسامات) (٣٩٥) انتهى
ولا يقل عنه تحاملاً الصحافية " منى رمضان " التي كتبت مقالاً في مجلة " أكتوبر " تحت عنوان " طبيبات ولكن محجبات " تبدؤها بقولها:
(عاد الحجاب مرة أخرى كظاهرة على وجوه الفتيات والسيدات في مصر وهذه ليست آخر صيحة في عالم الموضة كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه نوع من الحشمة وإحياء التقاليد (٣٩٦)
стр. 225
الإسلامية التي تطلب من النساء أن " يدنين عليهن من جلابيبهن ")
وتحت صورة التقطت لمحجبتين تكتب قائلة:
(النقاب الذي ترتديه فتاة الجامعة يقربها إلى الرهبانية ولا رهبنة في الإسلام) لكنها حرصت على أن تنشر ثلاث صور إحداها على غلاف المجلة لفتاتين سافرتين ترتديان
" الحجاب النصفي " أو " الحجاب العصري " الضيق المزين والثانية لثلاث فتيات سافرات ولكن في عرفهن
стр. 226
" محجبات " يرتدين ثياباً لا يقرهن عليها مسلم عالم وقد علقت مسرورة بثيابهن قائلة:
(الحشمة الغير مبالغ فيها مطلوبة داخل الجامعات المصرية بدلاً من التقليعات الدخيلة علينا)
والثالثة لفتاة متزينة بالحجاب العصري الفتان وقد علقت الصحافية تحتها:
(هكذا تكون الفتاة الجامعية: علم وإيمان) .
تقول الكاتبة الحائرة القلقة: (والحشمة هنا نابعة من داخل المرأة وعلى أساسها فصَّلت هذه الثياب وفضلت أن تخرج بها إلى الشارع وإلى الجامعة.. وقد تكون هذه الظاهرة عودة إلى عصر الحريم (*) لا ينقصها إلا " قاسم أمين " جديد ليطلق صرخته مرة أخرى.. وربما تكون نوعاً من الموضة تأخذ مداها ثم تتلاشى بعد فترة طالت أو قصرت وقد تكون حنيناً على العودة إلى رحاب الروحانيات بعد أن طغى سلطان المادة على نواح كثيرة في حياتنا إلى آخر هذه التساؤلات التي تتبادر إلى أذهاننا جميعاً)
ثم تعبر عن حسرتها وقلقها قائلة: (إن هذه الظاهرة انتشرت وبصورة أكثر وأوسع داخل كليات الطب في الجامعات الثلاث) .
ثم تنقل الكاتبة في حوارها كلمة " دكتور يوسف عبد الرحمن " رئيس قسم الفسيولوجيا بطب القاهرة:
(باعتباري رجلاً مسلماً أفضل الزي الإسلامي فهو
стр. 227
" مستحب " لأنه حشمة ويخفي عورة المرأة وهذا الزي كما أعرف لا يعوق المرأة عن العمل أما النقاب الذي ظهر حالياً فهو غير مستحب ولا أفضله أبداً فهو يقترب بالمرأة من الرهبانية ولا رهبانية في الإسلام) ثم يقول:
(وما دامت المرأة قد خرجت إلى الشارع والعمل فلابد أن يتعرف عليها المدرس وكمسري الأتوبيس وكل من يتعامل معها أما النقاب فهذا غريب وغير عملي في هذا العصر وأنا أعلم أن النقاب كان موجود في العصور المظلمة فقط) انتهى كلامه.
وهذه (مها عثمان) تكتب في " آخر ساعة " مقالاً بعنوان
(ظاهرة الحجاب: لماذا؟)
وتقول: (ظاهرة الحجاب من الظواهر اللافتة للنظر الآن ليس فقط في الشارع المصري وإنما في الدواوين والمصالح الحكومية والكثير من مواقع العمل والظاهرة تتنامى ويأخذ معها الحجاب أشكالاً متعددة.
والأسئلة التي تثيرها تلك الظاهرة عديدة وفي مقدمتها: لماذا الحجاب؟ وماذا وراء تلك الظاهرة؟ ثم ما هو الفرق بين الحجاب والنقاب؟ وتحاول الكاتبة الإيحاء بأن الحجاب تقليد مملوكي أو تركي.
ثم تقول: (وظلت المرأة تحرص على وضع النقاب على فمها وأنفها عند ظهورها في المجتمعات الراقية واستمر حجاب المرأة بهذه الطريقة حتى دعا " قاسم أمين " إلى السفور عام "١٩١٢" (٣٩٧) والتحرر من قيود هذه الأغطية وغيرها) .
وتتسلل روح التغريب وكراهية الحضارة الإسلامية بين السطور فتقول الكاتبة:
(ويمكننا فهم دعوة " قاسم أمين " للسفور وإلغاء الحجاب على إنها دعوة للإنسان للأخذ بقيم الحضارة الغربية على حساب حضارة أخرى وهي الحضارة التي تمثلها الدولة العثمانية)
فما هي تلك الحضارة " الأخرى " التي تمثلها الدولة العثمانية إن لم
стр. 228
تكن الحضارة الإسلامية؟
ثم تمضي الكاتبة قائلة: (وقد نجحت دعوة " قاسم أمين " حيث كان الجو العام مهيئاً.. وأصبح هذا النمط السائد في التعليم والملبس والمسكن و " القانون " و " السياسة " والفلسفة لكن إذا كان هذا هو ما حدث في فترة تاريخية معينة فما هو تحليل " عودة الحجاب " مرة أخرى؟) .
стр. 229
المركز القومي للبحوث الاجتماعية في حالة (طوارئ) بسبب عودة الحجاب
تقول الدكتورة " زينب رضوان " رئيسة وحدة البحوث الدينية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية:
(إن هذه الظاهرة من أهم الظواهر التي اهتم المركز برصدها وتحليلها ولذلك فقد أجري بحثاً حول عوامل هذه الظاهرة وأسبابها والتفاعلات الاجتماعية المرتبطة بها والصلات التي تربط الحجاب بالعوامل الاقتصادية والثقافية والدينية وتلك التي تتعلق بالتنشئة الاجتماعية.
وقد ضم هذا البحث تقريرين أحدهما يتعلق بالطالبات والثاني يهتم بالموظفات وقد تناول البحث حوالي ٨٠٠ من الفتيات ما بين محجبات وغير محجبات.. واهتمت الأسئلة
بالدوافع بالنسبة لكل من الطالبة والسيدة المتزوجة.. وهل هي واحدة أم أنها مختلفة؟ وهل هذه الدوافع دينية أم أنها لأسباب أخرى؟)
وتضيف الدكتورة " زينب رضوان ": إنه ينبغي لنا أن نسجل ملاحظة هامة وهي:
(أن الإنسان يتصرف وفق ما يعتقد أنه صحيح لا وفق ما هو صحيح بالفعل ولذلك فبعض المحجبات يرفضن المساواة بالرجل مستشهدات بالآية الكريمة ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ وهذا تفسير نختلف عليه.. والحجاب ليس مجرد مظهر ولكنه سلوك إسلامي حضاري..) ثم تستطرد قائلة:
(إنه إذا أردنا ان نضع هذه الظاهرة داخل إطار معين وأن نفسرها فسنجد أن هناك ثلاثة تفسيرات مختلفة:
стр. 230
التفسير الأول: يرى أن الحجاب في مصر يدخل ضمن مجموعة من الظواهر التي يمكن التأريخ لها عام (١٩٦٧) وأنه دليل على اتجاه المجتمع للبحث عن " بديل " للفكر والقيم والسلوكيات العلمانية التي نقلها مجتمعنا عن الغرب ولهذا فإن هذه الظاهرة ما هي في الحقيقة إلا جزء من فكر " بديل " ألا وهو البديل الديني) اهـ.
لا.. لا أيتها الباحثة! حاشا أن يكون دين الإسلام " بديلاً " فبئس ما قلت إنما العودة إلى الإسلام عودة إلى الله بعد أن طغى سلطان " اللادينية " في ظل " انقلاب يوليو ١٩٥٢ " وليس الإسلام في ذلك بديلاً كأي بديل ولكنه سير على الطريق الوحيد الموصل إلى سعادتي الدنيا والآخرة فكل طريق إلى الجنة مسدود إلا طريقاً على رأسه رسول الله ﷺ .
وقد قال رسول الله ﷺ : (الإسلام يجب ما كان قبله) (٣٩٨)
وليس الإسلام (بديلاً) ولكنه هو الأصل وما عداه طارئ بل ما عداه " زبد " حانت له الفرصة يوماً ما أن يطفو على السطح ثم لم يلبث أن تلاشى كأن لم يكن
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ (الرعد ١٧) .
قال فضيلة الأستاذ الدكتور " مصطفى حلمى " حفظه الله في تحليل ظاهرة عودة الشباب إلى الدين:
(وكما يفيق المغمى عليه ويعود إلى نفسه كذلك أخذت الطلائع الشابة الواعية ترقب فشل الأنظمة المستوردة من الشرق أو الغرب التي أدى تطبيقها إلى المزيد من الفشل والهوان وأدركت أن هذا الفشل يرجع إلى بعد الأمة عن طريقها وانقطاع صلتها بالعقيدة والتراث وأخذ صوت الإسلام يدوي بين الصفوف لم الاستغراب إذن
стр. 231
من عودة ظهور التدين بين شباب الإسلام؟ إن العقيدة لم تختف أصلاً بل ظلت باقية كل ما هنالك أنها اختفت وراء ستر رقيق ذلك أنه ينبغي التمييز بين العوامل الجوهرية للنهوض بالأمم واندثارها وبين مظاهر التدهور والضعف التي تنتابها بين حين وآخر كعوارض مرضية تظهر لتختفي) (٣٩٩) اهـ.
ثم تقول الكاتبة:
(التفسير الثاني: يحاول أن يتجاوز الواقع المصري إلى الواقع الإسلامي بأكمله فهو يرى أن الحجاب ما هو إلا نوع من الإحياء للحضارة والثقافة الإسلامية في مواجهة الطابع الإنساني للعلاقات التي سقطت فيها الحضارة الغربية.
أما التفسير الثالث والأخير: فهو يرى أن الحجاب شكل من أشكال الرفض التلقائي للظواهر الاستهلاكية التي بدأت تسود مجتمعنا والتي تحول هذه المجتمعات إلى أسواق استهلاكية تابعة للحضارة الرأسمالية الغربية المنتجة فهي صحوة تحاول الحفاظ على " طهارة " الذات القومية في مقابل الترف الاستهلاكي) اهـ.
ولن نشغل أنفسنا بمناقشة هذه التفسيرات الهزيلة لأن هدفها واضح وهو إضعاف الصبغة الإسلامية لعودة الحجاب والتشويش على نوايا الفتيات المخلصات لربهن المعتزات بإسلامهن و " الانحراف " بهذه الظاهرة الإسلامية الواضحة إلى مفاهيم مائعة تفت في عضد الملتزمات وتوهن عزيمة الراغبات في التحجب وهيهات هيهات.
стр. 232
(ولتعرفنهم في لحن القول) سورة محمد (٣٠)
(ردة ونكسة ومأساة) زكي نجيب محمود (*)
أعداء الإسلام من المنافقين المتمسلمين الكارهين لما أنزل الله الصادين عن سبيل الله الآمرين بالمنكر والناهين عن المعروف لا يملون ولا يكلون من ممارسة هوايتهم الرخيصة في إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا والترويج للذرائع المفضية إلى مزيد من
الفساد والإفساد لهذه الأمة الغافلة عما يراد بها إنهم لا يألون جهداً في قطع صلتنا بأسلافنا ووصل الحبال مع أعداء ديننا الكارهين - أيضاً - لما أنزل الله.
نشرت جريدة الأهرام في عددها الصادر بتاريخ ٩ / ٤ / ١٩٨٤ م مقالاً بعنوان (ردة في عالم المرأة) للفيلسوف الهرم (الذي أفنى عمره داعية لثقافة الغرب وكارهاً للحياة في ظلال الإسلام إنه الرجل الذي رشح لاقتعاد محل الصنم الضال " طه حسين " بعد هلاكه الذي أنفق ردحاً من عمره في دراسة الفكر المادي الذي كانت قمته كتابه المعروف بـ (خرافة الميتافيزيقا) أي بمعنى آخر: اتهام مفهوم (الغيب) بأنه (خرافة) وإنكار كل ما سوى المحسوس تبعاً لمدرسة الفيلسوف الملحد " أوجست كنت " تلك المدرسة التي يفاخر فيلسوفنا الهرم بأنه يمثلها) (٤٠٠)
إنه الكاتب الذي (باع عقله للهوى وانضوى تحت لواء الأعداء فهو جندي من جنود الاستعمار الفكري والانحراف الخلقي) (٤٠١) إنه الرجل الذي لم يستح أن يجهر في
" الأهرام " بقوله: (من الخطأ الظن بأن التشريع الإلهي قد غطى كل معضلات الحياة) (٤٠٢)
стр. 233
لقد أثار الفيلسوف الهرم في مقاله " قضية المرأة " ومن خلال هذه القضية أثار قضية أخرى أخطر وأهم وهي قضية ارتباط جيلنا بدينه وأسلافه المسلمين أكثر من ارتباطه بجيل الآباء ورأى الكاتب في هذا الارتباط خطراً وبيلاً على الفكر والأمة والمستقبل.
وأول ما يفجع القارئ أن يرى الكاتب يعنون مقالته بقوله " ردة في عالم المرأة " فلربما يستبشر القارئ ويخيل إليه من أول وهلة أن الكاتب يقصد استنكار الحال الذي وصلت إليه بعض النساء اللاتي ارتددن عن الإسلام بأن تكون منهن - مثلاً - من قد أنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة أو استحلت شيئاً حرمه الله أو أنها اتهمت شرع الله بالنقص أو طعنت في حكمه أو اتهمت الإيمان بالغيب بأنه (خرافة) مثلاً
ولكن القارئ لا يلبث أن يصدم شعوره حين يرى الكاتب منكوس القلب منكوس الرأي مطموس البصيرة مركوس السريرة قد رأى الأشياء على عكس حقائقها كالمريض الذي فسد مزاجه فإنه يحس بالأشياء على خلاف طبائعها:
وما على العنبر الفواح من حرج أن مات من شمه الزبال والجعل
فتراه كالجعل الذي اعتاد الخبائث فهو يندفع إليها ويسقط عليها وينفر غاية النفرة أو يموت من الروائح الطيبة.
فالمرأة المسلمة عنده (مرتدة) لأنها كفرت بفكر (مرقص فهمي) و (قاسم أمين) و (سعد زغلول) وأمثالهم ورضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
والمرأة المسلمة في نظره قد أصابتها (نكسة) لأنها كفرت بهدى شعراوي وصفية
стр. 234
زغلول ودرية شفيق وأمينة السعيد ومن على شاكلتهن في حين أنها عادت تلتمس القدوة في أمهات المؤمنين ونساء وبنات المهاجرين والأنصار ومثيلاتهن من خيرات نساء العالمين الطاهرات المحصنات المؤمنات الخاشعات ﵅.
والمرأة المسلمة عنده (نكصت على عقبيها) لأنها سترت عورتها وحجبت بدنها وأطاعت زوجها ووقفت حياتها على أولادها ورفضت أن تقتدي بهدى شعراوي التي ألقت حجابها في البحر عند شواطئ الإسكندرية وأبت أن تتأسى برائدات (الفن) من الراقصات الفاسقات وداعيات (الموضة) من الصهيونيات والماسونيات.
ويبدو أن الرجل لا يقصد بمقاله المرأة وحدها بل يقصد إدانة الاتجاه العام السائد بين الشباب والذي يرمي إلى استلهام التصور الإسلامي في بعث الأمة الإسلامية والوصول بها إلى واقع جديد يختلف عن واقع الهزيمة والتخلف والظلم وها هو يهاجمنا - نحن المسلمين - في أخص ما نملك وأعز وأغلى ما عندنا إلا وهو ديننا الحنيف ومن هنا وقبل أن نتتبع أقواله ينبغي:
أولاً: أن نرفع اللبس والإبهام والتعتيم عن كلمة (المرأة المصرية) التي يتحدث عنها فنقول إنه يعني بالمرأة المصرية (المرتدة الناقصة على عقبها المنتكسة الرجعية التي تعيش مأساة ... إلخ) المرأة المسلمة.. فالمرأة المسلمة المصرية وحدها هي المقصودة وهي المستهدفة بسهامه المسمومة وأفكاره المحمومة وفتنته المضلة التي تطل برأسها بين الحين والحين والتي (زرعت في أرحام بلاد غير بلادنا وولدت في أكناف غير أكنافنا ولكنها زرعت خصيصاً للمسلمين وولدت خصيصاً للمسلمين وصدرت منهم خصيصاً للمسلمين) . (٤٠٣)
стр. 235
ثانياً: أن تحدد هدف هذا المقال وهو كما يمكن استخلاصه من عباراته: التصدي لظاهرة (عودة الحجاب) والدعوة صراحة إلى الخلع الحجاب وإلقائه في البحر وإغراقه في اليم ليصبح نسياً منسياً وبالتالي: محاكاة المرأة الغربية في كل ما تأتي وتذر
بيد أن الهدف يتسلل بين السطور على استحياء ويدخل على الناس ممتطياً حلو الكلام ولين الحديث وبريق الخداع قال تعالى في وصف المنافقين: (وإن يقولوا تسمع لقولهم) المنافقون (٤) وقال ﷺ : (إن من البيان لسحراً) (٤٠٤) .
ولعل أبرز ما يتميز به الكاتب أنه يتقن الصنعة اليهودية القديمة وهي حرفة " التبديل " وعكس المعاني فإنك لو عكست أكثر كلامه لكان هذا الأكثر هو الحق فهو كمن " يمشي مكباً على وجهه " وهو كالذين (يحرفون الكلم عن مواضعه) المائدة (١٣) ̧في صده عن سبيل الله وتنفير المسلمات عن الحجاب وطاعة الله ورسوله ﷺ مثل
الذي (ينهى عبداً إذا صلى) العلق (١٠) ومثل الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون) التوبة (٦٧) وبقوله سبحانه: (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) آل عمران (١١٨) وبقوله :
(ولتعرفنهم في لحن القول) محمد (٣٠) .
فالكاتب في الحقيقة هو المنتكس المرتد إلى الجاهلية حين يرى طاعة الله ورسوله ردة قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة (٥٠) وقال تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) الأحزاب (٣٣)
والكاتب الذي يصف عودة المرأة المسلمة إلى
стр. 236
الله وعودتها إلى الحجاب بأنها قد
خرجت بذلك من ضوء النهار إلى غسق الظلام والله يقول: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) البقرة (٢٥٧)
والله تعالى يقول: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) الأعراف (٣) هو الناكص على عقبيه.
والكاتب الذي يدعو المرأة إلى دخول عصر النور الذي بدأ في زعمه بإلقاء الحجاب في البحر على شواطئ الإسكندرية وانتهى إلى ما نعلمه اليوم على شواطئ الإسكندرية هو شيطان الظلام وليس الدعاة إلى الإسلام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر
والمأساة التي يتصور الكاتب أن المراة المسلمة تعيشها اليوم لا وجود لها إلا في قوله الفاسد ورأيه الكاسد وإنما هي من صنع نفسه التي سولت له أن المجتمع يرفض دعوته ودعوة أمثاله من شياطين الإنس ولن يؤثر في عقل المراة اليوم وسوسة شيطان يدعي أنها بهذا الاختيار تكون " تابعة " أو " خاضعة " لأحد من البشر إنما هي متبعة لأوامر ربها وخاضعة لحكم الله رب العالمين تتحجب صيانة لنفسها واستجابة لشرع الله وترفض السفور لأنه دعوى الشياطين ووسوسة الذين في قلوبهم مرض.
إن " المأساة حقاً " هي التي تعيشها المرأة في التعليم المختلط والنوادي المختلطة والشواطئ المتجردة من ثوب الحياء.
إن (المأساة) حقاً هي واقع أمثاله من دعاة (تدمير المرأة) الذين وقفوا حياتهم على هدم حصون الإسلام وعرقلة مسيرة الصحوة الإسلامية أما أن تعيش المسلمة في مأساة لأنها تحجبت بمحض أختيارها فقد: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً) الكهف (٥) .
стр. 237
يقول صاحب (الردة) : (المرأة اليوم - بعد كل ما صنعته أخوات لها من بنات الجيل الماضي لترفع عنها نير الهوان - تتبرع سلفاً بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بحجاب والد
أو زوج فكأنها بذلك الحجاب الطوعي تقف على مئذنة لتصيح في الناس: ها هي ذي سلعة من عهود الحريم لمن يشتري) اهـ
ويلك يا شيخ التغريب! لقد قلبت الأمور رأساً على عقب.
ما مقصودك بهذا؟
أنت مطالب ببيان الفرق بين " الإنسان " وبين " السلعة " ثم إثبات ان المسلمين قد عاملوها معاملة السلعة ببراهين وأدلة صحيحة أما الكذب والفجور فكل خبيث ساقط منسلخ من الدين لا يعجز عنه ولايهابه لأنه غذاء قلبه وروحه:
لي حيلة فيمن ينم وليس لي في الكذب حيلة
من كان يخلق قوله فحيلتي فيه قليلة
إن مجرد إحصان المرأة في البيت لا يقضي بكونها سلعة فإن السلعة لا تختص بالأحراز في البيوت بل أكثر السلع تعرض في الأسواق والمجامع وفي كل مكان بل السلع التي تحرز أنفس من السلع التي تعرض في كل محل وليس مجرد المعاوضة يوجب التشبيه بالسلع.
ومن المسلم به في عالم التجارة وفي قانون العرض والطلب أن على أصحاب السلعة أن يحسنوا عرضها على الناس فيكشفوا عنها حتى يتعرف الراغبون في شرائها على مزاياها والأمر هنا مختلف جد الاختلاف إذ أن المرأة في حياتنا هذه تخفي مفاتنها وتحجب عن الناس رؤية وجهها وهو أمارة الجمال وعلامته فهي إذن لم تحاول عرض نفسها كسلعة تباع وتشترى ولم تناد من فوق مئذنة بصوت خفيض أو
стр. 238
جهوري لأنها أكرم على نفسها من هذا الوصف المهين الذي لا يليق بالمسلمة المحجبة ولكنه أليق بتلك التي خلعت حجابها على شواطئ الإسكندرية لتدخل " عصر النور " في زعمك فأنت في الحقيقة الذي جعلتها سلعة لأنك أعرضت عن كل ما شرعه لها ربه ورسولها ﷺ من الحقوق التي هي في غاية العدل والإحسان من العفة والإحصان والصيانة والتكريم والتعليم الصحيح وأنت الذي سلكت فيها مسلك السلع المبتذلة وطلبت منها أن تخرج من بيتها لتخالط الرجال بادية عوراتها وأن تنطلق إلى عصر " النور " لتكون رائدة في " الفن والموسيقى والرقص " وأن تعمل " مضيفة في الطائرة وبائعة في المحلات وسكرتيرة في الإدارات وأن تمرح وتسرح وتذهب وتجئ كالسائمة المهملة كيف شاءت شهواتها.. أليس هذا هو شأن " بعض " السلع المبتذلة؟!
كلا ليس التوبة ردة وليس النور ظلاماً وليست اليقظة مأساة بل هي " صحوة " مباركة أدركت المرأة بعد أن عثرت على ذاتها التي ضاعت في عصر " الثورة " فلما عاد إليها صوابها أدركت بعقلها وسليقتها وفطرتها حاجتها إلى أن تحتمي بنور الإيمان فأسبغت على نفسها ملابسها وغطت رأسها وبذلك عادت إليها روحها أصيلة وهي راضية حيث
رجعت من تلقاء نفسها إلى طاعة ربها (قبل أن يأمرها بذلك والد أو زوج) كما يعترف الفيلسوف الهرم وهذا هو السمو الخلقي والروحي الذي لا سمو يعلو عليه.
فما الذي رابك أيها العجوز من ستر الأجساد وصيانة الأعراض؟
وما الذي تعيبه على نساء مسلمات عرفن أن الله هو ربهم الواحد الجدير بأن يطاع لا شياطين الشرق والغرب من أعداء الله ورسوله والمؤمنين؟!
فإن كنت ترثي للمحجبات لأنهن في زعمك (مرتدات) فأولى بك أن ترثي لنفسك وقد تماديت في غيك وضلالك وأنت ابن الثمانين ولم يزدك تطاول السنين إلا
стр. 239
تهوراً واستكباراً عن الرجوع إلى الله والتكفير عن الصد عن سبيل الله قال رسول الله ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة) رواه البخاري
وقال رسول الله ﷺ : (لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة لقد أعذر الله إليه) رواه الحاكم عن أبي هريرة ﵁
والمقصود أنه سبحانه لم يبق فيه موضعاً للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة.
إن المسلمة المحجبة يهمها أولاً أن تنجو من عذاب النار وغضب الواحد القهار ولا يهمها بعد ذلك أن تنجو من اتهام الأقزام أمثالك بالردة او الرجعية أو النكسة أو النكوص على الأعقاب أو التزمت أو التطرف.
فإن المؤمنين والمؤمنات تعودوا على هذا المسلك من أعداء الدين فيما مضى ولابد من أن يعيد التاريخ نفسه (ولكل قوم وارث) وقد سبق الكاتب من هم على شاكلته بهذه السخرية وذلك الاستهزاء كما قال تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) المائدة (٥٨)
وقال تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) الآيات (المطففين ٢٩) فالمهم من يضحك أخيراً (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) هود (٣٨)
وقال : (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) البقرة (٢١٢) .
هذا وإن هذه الدعاوي التي رمى بها (الفيلسوف الهرم) والمهانة التي ألحقها بكرامة المرأة المسلمة لو أن أكفر يهودي أدعاها على شعب أو أمة لكان لابد أن تعامله معاملة أعدى عدو لها فكيف بأمة الإسلام وكيف بنساء المسلمين!.
ويتمادى الكاتب في عدوانه ليصف ظاهرة عودة الحجاب بأنها (موجة رجعية عاتية نثرت رذاذها في كل اتجاه حتى أصاب المرأة ما أصابها)
стр. 240
نقول: إن التقدم الفكري ليس له صلة بكشف العورات أو إلهاب الشهوات لأن الشهوة هي التي تطفئ العقل وتذهب باللب وإلا فأن الحيوانات العارية التي تقارف الشهوة في قارعة الطريق أدنى - في نظرك - وبهذا المنطق الممسوخ إلى التقدم الفكري وكأنك بهذا النهج الذي يدل على (التخلف الفكري) تصف النساء المسلمات منذ عصر النبوة
حتى بدأ غزو الحضارة الغربية بالتخلف والجمود والانحطاط ولا يستبعد صدور هذا من أمثالك.
ولعمر الحق.. إن أقل امرأة منهن - ولو كانت أمية جاهلة بفلسفتك - لهي أدنى إلى الحق والصواب والحكمة منك لأنها آمنت بدين الله والتزمت أوامر الله بفطرتها أما أنت فقد فسدت فطرتك حين ضيعت عمرك في فلسفة أكثرها سفه وأعرضت عن علم الوحي والحكمة واستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير إن عودة المرأة إلى جادة الصواب ليس رجعية ولكنه تعبير فطري بجانب أنه تعبير عقائدي تسعى إليه الفطرة السليمة التي تأبى الفوضى الاجتماعية.
وعقد الكاتب مقارنة هزيلة بين (الليلة) و (البارحة) في حياة (المرأة المصرية) فقال - عامله الله بعدله - (ألا ما أبعد الفرق في حياة المرأة المصرية بين الليلة والبارحة ففي بارحتها ألقت بحجابها في مياه البحر عند شواطئ الإسكندرية إيذاناً بدخولها عصر النور وأما في ليلتها هذه فباختيارها تطلب من شياطين الظلام أن ينسجوا لها حجاباً يرد عنها ضوء النهار) اهـ.
نقول: نعم! (إن المرأة المصرية حين ألقت بحجابها في بداية القرن العشرين في مياه البحر عند الإسكندرية إنما ألقته عندما كان البحر الأبيض المتوسط في حالة الجزر فانحسرت الأمواج عن شواطئ الإسكندرية وهي تحمله فوق زبدها فلما أسبل الليل سدوله انتشر الظلام وهبت الريح العاتية وخضع البحر لعوامل المد فزحف الموج عائداً إلى الشاطئ حاملاً مع ما فوقه من الزبد الميني جيب فالتقطه قلة
стр. 241
من المصريات وفرحن به فارتدينه أسوة بأخوات لهن في أوربا وأمريكا فكشفت كل واحدة منهن عن ساقيها وسرن بهذا اللباس في الطرقات وذهبن به إلى بعض أماكن العمل ثم دار الزمان دورة أخرى وجاء ليل مظلم آخر وسيطر على البحر عامل المد مرة ثانية وزحف الموج كعادته عندما يعم الظلام قاصداً شواطئ الإسكندرية وحاملاً " ملابس البحر فوق زبد الموج الزاحف فهرعت إليه قلة قليلة من فتياتنا وأعجبن به كما أعجبت به من قبل أخوات لهن في أوربا وأمريكا فارتدينه وسرن به شبه عاريات على بعض شواطئ الإسكندرية واستمر سيرهن على هذا الحال..) (٤٠٥) اهـ
حتى شاء الله أن يعود لهؤلاء الفتيات أو لقسم كبير منهن (الوعي) بحقائق الإسلام التي جهدت مدرسة (السفور) أن تطمسها.. وعاد الوعي بأباطيل خصوم الإسلام ومؤامراتهم.. وعاد الوعي بحقيقة (الرائدات) والرواد الذين أضرموا فتنة ما يسمى بـ (تحرير المرأة) .. وكانت نتيجة ذلك كله ضرورة أن (عاد الحجاب) .
إن الفرق بين نهار المرأة المسلمة المحجبة وليلتها البارحة هي أنها أدركت أنكم يا شياطين الظلام تعيشون في حالة (ردة) عن دين الله القويم إلى الجاهلية الأولى
و (نكسة) إلى الفرعونية الوثنية و (مأساة) يرثى لكم من أجلها من أنعم الله عليهن بالهداية إلى الصراط المستقيم.
ولعل من أغرب ما في كلام الفيلسوف الهرم أن أكثر ما يشعل النار نار الغيظ في قلبه هو أن الفتيات يرتدين الحجاب طوعاً لا كرهاً بمحض اختيارهن وقناعتهن الذاتية و (حريتهن الشخصية) فإذا كان هو أحد دعاة احترام (الحرية الشخصية) و (حرية الرأي) فما الذي يغيظه ويكيده سوى الحقد الأعمى على الإسلام والمسلمين
стр. 242
والكيد الرخيص لمعاندة شرع الله (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) ولما لم تصدر منه عبارة واحدة في استنكار صور الانحراف الأخلاقي في المجتمع وما أكثرها وإنما الذي استحق أن يلفت نظره هو فتيات آمنَّ بالله سبحانه وصدقن في اتباع رسوله ﷺ وحجبن عوراتهن عن نظر قوم فاسقين لا خلاق لهم ولا خلق لا تعني
" حرية الرأي " عندهم إلا " حرية الفسق والفجور ".
ثم عقد الفيلسوف الهرم مقارنة أخرى بين الشباب الثائر في العالم وبين الشباب المسلم في بلادنا فقال: (بينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج السلف) (٤٠٦) اهـ.
هكذا يرتمي الكاتب ثانية في أحضان أوربا وأمريكا ويجتهد في التمسح بالغرب حتى في فساد عقول شبابه.
إن الفرق جد واضح بين هذا وذاك.
إن ثورات الشباب في أمريكا ظهرت بالانحلال وعدم المبالاة والجري اللاهث وراء
" اللامعقول " بل محاولة كل ما ليس بمعقول فظهرت هناك - والكل يعلم ذلك - فرق الخنافس والهيبز وسائر الفرق الحشرية ... وانتشر بينها تعاطي الماريجوانا والحشيش وعقاقير الهلوسة وشاع بين أفرادها الفحش والانحراف والانتحار الجماعي..إلخ.
ولسنا بصدد الحديث عن (مظاهر) تلك الفوضى تاريخاً وأسباباً ولكن نريد أن نثبت أن: التنطع على أبواب الغرب والتمسح بعتبات الغرب مرض استشرى في كثير من كتابنا.
стр. 243
فهل الذين يعبدون الله وحده لا شريك له ... متأثرون بثورات الشباب الغربي الماجن؟
وهل المسلمة التي تتحجب ابتغاء رضوان الله متأثرة بالفتيات الأوربيات التي لا يعلم كثيرات منهن أباً أو أماً أو بيتاً ويتسكعن على الأرصفة هنا وهناك في أزقة عالمهن المادي الكافر؟
وهل من يتأثر باطنه بظاهره فيصدق الحديث ويفي بالعهد ويؤدي الأمانة ويصبح - هو أو هي - عضواً نافعاً في الجماعة التي يحيا بينها ويشيع الطمأنينة والراحة النفسية بينه وبين كل من يتعامل معهم
هل نقول عنه: إنه متأثر بثورات الشباب الذي يدفعه اليأس والضلال كل يوم إلى مزيد من العنف والجرائم الخلقية ومزيد - كذلك - من الانتحار؟!! أم كنت أيها الفيلسوف الهرم تحب أن يكون شبابنا وبناتنا كهؤلاء حتى لا يكون " الصدى جاء عندنا - كما تقول - ليعكس الترتيب الطبيعي للأوضاع "؟؟
ويثير صاحب " الردة " شبهة طالما يحلو لأمثاله أن يرددوها وهي أن هذا الحجاب
(نموذج نقل إلينا عن آخرين فوجد ذلك النموذج ترحيباً من الشباب اليائس) اهـ.
نقول: إن كان قصدك بالآخرين: صحابة رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم ونساءهم ﵅ والتابعين لهم بإحسان من المؤمنين والمؤمنات الممتثلين والممتثلات لشرع الله في أي مكان وجدوا أو في أي زمان عاشوا منذ أن كان الصحابة وإلى زماننا هذا ...
فنحن نوافقك في ذلك تمام الموافقة مع تصحيح بسيط جداً وهو أن الذين رحبوا بهذا
(النموذج المبارك) ليسوا هم الشباب (اليائس) لكنهم الشاب (المؤمن)
стр. 244
والمؤمن لا ييأس أبداً لقوله تعالى:
(ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) يوسف (٨٧)
فمهما بلغ الأمر بالعاصين والمفرطين فهم لا يزالون يستمعون وينصتون إلى قول الله ﵎: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) الزمر (٥٣) .
وإن كان قصدك بالآخرين الذين نقل عنهم ذلك النموذج غير هؤلاء.. فخبرنا بربك عنهم.. لتزداد سعادتنا نحن المسلمين بهم ونزهو بكثرة أتباع رسول الله ﷺ الذين تعرفهم أنت وحدك.
ثم يؤرخ صاحب النكسة لبداية ظهور مأساة عودة الحجاب فيقول:
(لقد بدأت هذه الموجة المتحفظة مع شبابنا - ذكوراً وإناثاً - بعد نكسة ١٩٦٧ م ثم أخذت في التضخم والاتساع حين وجدت من ينفخ لها النار حتى أصبحت " ظاهرة " في حياتنا الاجتماعية) اهـ
ثم يحاول صاحب (الردة) أن يعلل هذه الظاهرة الخطيرة التي أقضت مضجعه فيقول: (ماذا حدث فأحدث في حياتنا الاجتماعية تلك المفارقة؟ والذي حدث - أولاً - هو هزيمة ١٩٦٧ م فنتج عن تلك الهزيمة - ثانياً - شعور قوي بالإحباط واليأس وانسداد الطريق أمام الشباب قبل سواهم) اهـ.
والخطأ الأول الذي وقع فيه صاحب الردة هو في تحديد تاريخ امتثال المؤمنات لأوامر الله ولا نقول تاريخ الظاهرة..فإنه لم يبدأ بعد النكسة ولكن قبلها ومنذ زمن بعيد بعيد جداً.
ولكن صاحب الردة لا يعرف ذلك التاريخ وهو أمر سيئ.
أو: يعرف ولكنه يغالط ويغش ويخدع.. وهو أمر أسوأ.
стр. 245
وعلى كلا الاحتمالين: فلقد بدأ الامتثال:
١ - يوم أنزل الله تعالى على عبده ورسوله محمد ﷺ في سورة الأحزاب: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) الأحزاب (٥٩) .
٢ - يوم أن أمر الله نبيه محمداً ﷺ فقال في سورة النور:
(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) النور (٣١)
٣ - يوم أن قال تعالى آمراً أمهات المؤمنين: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) الأحزاب (٢٣) ولسائر المؤمنات فيهن أسوة.
٤ - ويوم أن أمر الله المؤمنين بقوله في حق أمهات المؤمنين: (وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) الأحزاب (٥٣) وغيرهن من المؤمنات أولى بذلك.
٥ - ويوم أن أثنت أم المؤمنين عائشة ﵂ على الممتثلات لأمر الله في قولها: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أكف مروطهن فاختمرن بها) .
ويوم ... ويوم ... ويوم ...
فإن كنت تعرف تلك (الأيام الكثيرة الحافلة) خاصة وأنك تزعم أن القرآن
стр. 246
كتابك كما هو كتابنا.. فأنت تخدع نفسك وتكذب على ربك وتغش القارئين.
وإن كنت لا تعرف: فأنت - بالتالي - لا تقدر ما تقول قدره.
المهم: أن المسلمين حافظوا على هذا الامتثال - ذكوراً وإناثاً - غير من شذ منهم وعصى الله وخالف تعاليم النبي ﷺ .
وظل الأمر على ذلك: حتى كانت تلك الفترة التي تغدق عليها آيات التمجيد وتعطرها بالفخر والثناء وهي الخمسون سنة التي بدأت مع مطلع هذا القرن وهي التي أسميتها
" بارحة المرأة المصرية ".
وفيها.. وبعد التزام المرأة المسلمة المصرية لتشريع الله تعالى طيلة هذه القرون..رأينا: أول امرأة مصرية منتسبة إلى الإسلام.. تخلع الحجاب (٤٠٧)
ورأينا كذلك: أول زوجة زعيم سياسي عربي - تقريباً - تظهر معه سافرة الوجه في المحافل والصور (٤٠٨) وتبعهما في ذلك من تبع..
ورأينا من ينفخ لهن النار..نار تلك الفتنة من أمثال صاحب (الردة) بيد أنه قد بقيت الكثرة الغالبة منهن: تؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً في كل ما تأتي وتذر وذلك قبل نكسة (٦٧) وبعد نكسة (٦٧) وستظل كذلك بإذن الله إلى ما شاء ربك..دون أن تحتاج إلى من ينفخ لها النار كما يدعي صاحب
(الردة) .
أما عن علاقة النكسة بـ (عودة الحجاب) ..
стр. 247
فلا ننكر أنها قد أثرت في تقوية هذا الاتجاه لدى كثرة كثيرة من الناس أيقنت بصدق شيئين وهما:
أولاً: أن نكسة ٦٧ واحدة من الآثار المشئومة والنتائج الحتمية لبارحة المرأة المصرية التي أخذت تتغشى المجتمع المصري كله بفسادها وضلالها وانحرافها تحت ستار
" تحرير المرأة " وبعبارة أخرى: إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام.
ثانياً: أن الخلاص من تلك البارحة التي انساق المجتمع كله في تيارها وسرت فيه عدواها وأن التخلص من آثارها ونتائجها الوخيمة لا يكون ولن يكون - إلا بالعودة إلى الله تعالى والالتجاء إلى حماه والالتزام بشرعه والامتثال لمنهجه - توسلاً لمرضاته تعالى وطاعة رسوله ﷺ .
وبعبارة أخرى: أن التخلص من آثار (العدوان) اليهودي لن يتم إلا بالتخلص من آثار العدوان العلماني على شريعة الله وأن الصوت الوحيد الذي ينبغي أن يعلو كل صوت هو الذي يدوى قائلاً: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف (٤٠)
وقد ظهر ذلك كله في الجنود المسلمين يوم دكوا خط (بارليف) بصيحة " الله أكبر " قبل أن يدكوها بسلاحهم ويوم تجاوبت أصداء البلاد بالمطالبة بالحكم بما أنزل الله وتحرير البلاد من الاستعمار (التشريعي) ويوم كانت عودة المرأة إلى الحجاب (رمزاً صامتاً) يصفع أحلام الرائدات والرواد الأول ويتحدى مؤامرات اللاحقين من دعاة
" النهضة " النسائية - استغفر الله -: بل (الكبوة) الشيطانية.
стр. 248
صدق وهو كذوب:
ومن عجيب أمر صاحب الردة أنه فهم من أمر الحجاب معنا زائداً على ما يفهمه كثير من بسطاء المسلمين في هذا الزمان وهم الذين يصفون كل ما يمت إلى المظهر الإسلامي بصلة كالحجاب واللحية ... إلخ بأنه (قشور وفرعيات) لا ينبغي أن تشغل حيزاً من اهتمام المسلمين.
أما صاحب الردة فقد فطن إلى أن الحجاب (رمز له دلالته) في قوله:
(ولم يكن أحد ليعلق بكلمة واحدة على قطعة من ثياب امرأة اختارتها كما يختار أي إنسان ثيابه التي تلائم ذوقه لكن الموقف يتغير إذا أريد بقطعة معينة من الثياب أن تكون رمزاً له دلالته) اهـ.
وهذا حق.. فإن " الحجاب " عند نساء المسلمين و " اللحية " عند رجالهم وغيرهما من المظاهر الإسلامية المتميزة بجانب أنها طاعة لله ولرسوله ﷺ إلا أنها أيضاً " رمزاً لتحدي الواقع الجاهلي الحريص على طمس معالم الشخصية الإسلامية وهي " تعبير صامت " عن الحنين إلى جذورنا الأصيلة الضاربة في أعماق التاريخ والتي جعلت من سلفنا خير أمة أخرجت للناس وهي أخيراً (راية) على وجوه المسلمين رجالاً ونساءاً تؤكد استعلاءهم على مؤامرات أعداء الإسلام الذين يقف معهم صاحب الردة في خندق واحد حاملاً (قوسه المشدود إلى صدر الإسلام وقد شحن بالتحفز حتى إذا ما ارتخت عنها قبضة الرامي ارتدت إلى نحره وكان فيها حتفه بإذن الله) ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ الشعراء (٢٢٧)
ولما كان من المستحيل أن يجمع الإنسان بين إيمانه بالإسلام كما فهمه السلف الصالح وعملوا له وبين الإيمان بمبادئ " العلمانية " و " الليبرالية " (٤٠٩) ولما كان
стр. 249
الاقتداء بالسلف الصالح ينافي دعوة " المتغربين " إلى الاقتداء بفلاسفة الغرب ورجالاته..
ولما كانت قوة المسلمين منوطة بمدى انتهاجهم النهج السلفي القويم.. رأينا
" شيخ التغريب " لا يفوته أن يربط (عودة الحجاب) بـ (سلفية الشباب والفتيات) على أن هذا الرباط من الأمور التي أزعجته وجعلته يجرد قلمه المسموم ليحذر من هذه
(الموجة الرجعية العاتية) فيقول:
(لقد أصبحت هذه الموجة المتحفظة ظاهرة في حياتنا الاجتماعية ولا أظن أن لها شبيهاً في بلدان أخرى كثيرة والظاهرة التي أعنيها هي أن يكون الجيل الأكبر في معظم الأسر أو قل في كثير منها أقل نزوعاً إلى تلك المحافظة من الجيل الأصغر ففي حالات كثيرة نرى الأم سافرة وابنتها محجبة ... وفي حالات كثيرة أيضاً ترى الوالد حليق اللحية وأبنه مرسلها على هذا النحو أو ذاك وإنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع: أن ترى الجيل
الأصغر سلفياً بدرجة تزيد على الحد المألوف وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية - في ظاهرة على الأقل - من أبنائه وبناته) اهـ.
وقال في بريده الغاضب: (بينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج السلف) اهـ
لقد أتي الفيلسوف الهرم من عقدة الخضوع للمفاهيم الغربية الشائعة والانسياق ورائها ظناً منه أنها مطابقة للتصورات المماثلة في المجتمعات الإسلامية فمال هو وأمثاله إلى الغض من الاتجاه السلفي وأصحابه ونفروا الناس منه وقاموا بحملة تشهير ظالمة ضده
стр. 250
ولنقف هذه الوقفة مع هذا المصطلح الشريف:
(السلفية) (٤١٠) .
(فمن حيث المصطلح أصبحت السلفية علماً على أصحاب منهج الاقتداء بالسلف من الصحابة والتابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى وكل من تبعهم من الأئمة كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن وشمل شيوخ الإسلام المحافظين على طريقة الأوائل مع تباين العصور وتفجر مشكلات وتحديات جديدة أمثال ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وكذلك أصحاب أغلب الاتجاهات السلفية المعاصرة بالجزيرة العربية والقارة الهندية ومصر وشمال أفريقيا وسوريا وكانت ذات أثر واضح في تنقية مفاهيم الإسلام ودفعه إلى الأمام لمواجهة الحضارة والتطور وللكشف عن جوهر الثقافة العربية والإسلامية الأصيلة القادرة على الحياة في كل جيل وكل بيئة) .
(ومن حيث المضمون تعني السلفية في الإسلام التعبير عن منهج المحافظين على مضمونه في ذروته الشامخة وقمته الحضارية كما توجهنا إلى النموذج المتحقق في القرون الأولى المفضلة وفيها تحقق الشكل العلمي والتنفيذ الفعلي ومنه استمدت حضارة المسلمين أصولها ومقوماتها ممثلة في العقيدة خضوعاً للتوحيد وبياناً لدور الإنسان في
هذه الحياة وتنفيذاً لقواعد الشريعة الإلهية بجوانبها المتعددة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وروابط الأسرة وفضائل الأخلاق.
والسلفية كمصطلح تعني أيضاً في مدلولها الخاص - الاقتداء بالرسول ﷺ فإن أمتنا تنفرد بمزية لا تشاركها فيها أمة أخرى في الماضي أو الحاضر أو المستقبل تلك هي تحقق القدوة في شخصه ﷺ إذ حفظت سيرته كاملة محققة بكافة