← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كتابك كما هو كتابنا.. فأنت تخدع نفسك وتكذب على ربك وتغش القارئين. وإن كنت لا تعرف: فأنت - بالتالي - لا تقدر ما تقول قدره. المهم: أن المسلمين حافظوا على هذا الامتثال - ذكوراً وإناثاً - غير من شذ منهم وعصى الله وخالف تعاليم النبي ﷺ . وظل الأمر على ذلك: حتى كانت تلك الفترة التي تغدق عليها آيات التمجيد وتعطرها بالفخر والثناء وهي الخمسون سنة التي بدأت مع مطلع هذا القرن وهي التي أسميتها " بارحة المرأة المصرية ". وفيها.. وبعد التزام المرأة المسلمة المصرية لتشريع الله تعالى طيلة هذه القرون..رأينا: أول امرأة مصرية منتسبة إلى الإسلام.. تخلع الحجاب (٤٠٧) ورأينا كذلك: أول زوجة زعيم سياسي عربي - تقريباً - تظهر معه سافرة الوجه في المحافل والصور (٤٠٨) وتبعهما في ذلك من تبع.. ورأينا من ينفخ لهن النار..نار تلك الفتنة من أمثال صاحب (الردة) بيد أنه قد بقيت الكثرة الغالبة منهن: تؤمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن كتاباً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً في كل ما تأتي وتذر وذلك قبل نكسة (٦٧) وبعد نكسة (٦٧) وستظل كذلك بإذن الله إلى ما شاء ربك..دون أن تحتاج إلى من ينفخ لها النار كما يدعي صاحب (الردة) . أما عن علاقة النكسة بـ (عودة الحجاب) ..

стр. 247

فلا ننكر أنها قد أثرت في تقوية هذا الاتجاه لدى كثرة كثيرة من الناس أيقنت بصدق شيئين وهما: أولاً: أن نكسة ٦٧ واحدة من الآثار المشئومة والنتائج الحتمية لبارحة المرأة المصرية التي أخذت تتغشى المجتمع المصري كله بفسادها وضلالها وانحرافها تحت ستار " تحرير المرأة " وبعبارة أخرى: إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام. ثانياً: أن الخلاص من تلك البارحة التي انساق المجتمع كله في تيارها وسرت فيه عدواها وأن التخلص من آثارها ونتائجها الوخيمة لا يكون ولن يكون - إلا بالعودة إلى الله تعالى والالتجاء إلى حماه والالتزام بشرعه والامتثال لمنهجه - توسلاً لمرضاته تعالى وطاعة رسوله ﷺ . وبعبارة أخرى: أن التخلص من آثار (العدوان) اليهودي لن يتم إلا بالتخلص من آثار العدوان العلماني على شريعة الله وأن الصوت الوحيد الذي ينبغي أن يعلو كل صوت هو الذي يدوى قائلاً: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يوسف (٤٠) وقد ظهر ذلك كله في الجنود المسلمين يوم دكوا خط (بارليف) بصيحة " الله أكبر " قبل أن يدكوها بسلاحهم ويوم تجاوبت أصداء البلاد بالمطالبة بالحكم بما أنزل الله وتحرير البلاد من الاستعمار (التشريعي) ويوم كانت عودة المرأة إلى الحجاب (رمزاً صامتاً) يصفع أحلام الرائدات والرواد الأول ويتحدى مؤامرات اللاحقين من دعاة " النهضة " النسائية - استغفر الله -: بل (الكبوة) الشيطانية.

стр. 248

صدق وهو كذوب: ومن عجيب أمر صاحب الردة أنه فهم من أمر الحجاب معنا زائداً على ما يفهمه كثير من بسطاء المسلمين في هذا الزمان وهم الذين يصفون كل ما يمت إلى المظهر الإسلامي بصلة كالحجاب واللحية ... إلخ بأنه (قشور وفرعيات) لا ينبغي أن تشغل حيزاً من اهتمام المسلمين. أما صاحب الردة فقد فطن إلى أن الحجاب (رمز له دلالته) في قوله: (ولم يكن أحد ليعلق بكلمة واحدة على قطعة من ثياب امرأة اختارتها كما يختار أي إنسان ثيابه التي تلائم ذوقه لكن الموقف يتغير إذا أريد بقطعة معينة من الثياب أن تكون رمزاً له دلالته) اهـ. وهذا حق.. فإن " الحجاب " عند نساء المسلمين و " اللحية " عند رجالهم وغيرهما من المظاهر الإسلامية المتميزة بجانب أنها طاعة لله ولرسوله ﷺ إلا أنها أيضاً " رمزاً لتحدي الواقع الجاهلي الحريص على طمس معالم الشخصية الإسلامية وهي " تعبير صامت " عن الحنين إلى جذورنا الأصيلة الضاربة في أعماق التاريخ والتي جعلت من سلفنا خير أمة أخرجت للناس وهي أخيراً (راية) على وجوه المسلمين رجالاً ونساءاً تؤكد استعلاءهم على مؤامرات أعداء الإسلام الذين يقف معهم صاحب الردة في خندق واحد حاملاً (قوسه المشدود إلى صدر الإسلام وقد شحن بالتحفز حتى إذا ما ارتخت عنها قبضة الرامي ارتدت إلى نحره وكان فيها حتفه بإذن الله) ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ الشعراء (٢٢٧) ولما كان من المستحيل أن يجمع الإنسان بين إيمانه بالإسلام كما فهمه السلف الصالح وعملوا له وبين الإيمان بمبادئ " العلمانية " و " الليبرالية " (٤٠٩) ولما كان

стр. 249

الاقتداء بالسلف الصالح ينافي دعوة " المتغربين " إلى الاقتداء بفلاسفة الغرب ورجالاته.. ولما كانت قوة المسلمين منوطة بمدى انتهاجهم النهج السلفي القويم.. رأينا " شيخ التغريب " لا يفوته أن يربط (عودة الحجاب) بـ (سلفية الشباب والفتيات) على أن هذا الرباط من الأمور التي أزعجته وجعلته يجرد قلمه المسموم ليحذر من هذه (الموجة الرجعية العاتية) فيقول: (لقد أصبحت هذه الموجة المتحفظة ظاهرة في حياتنا الاجتماعية ولا أظن أن لها شبيهاً في بلدان أخرى كثيرة والظاهرة التي أعنيها هي أن يكون الجيل الأكبر في معظم الأسر أو قل في كثير منها أقل نزوعاً إلى تلك المحافظة من الجيل الأصغر ففي حالات كثيرة نرى الأم سافرة وابنتها محجبة ... وفي حالات كثيرة أيضاً ترى الوالد حليق اللحية وأبنه مرسلها على هذا النحو أو ذاك وإنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع: أن ترى الجيل الأصغر سلفياً بدرجة تزيد على الحد المألوف وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية - في ظاهرة على الأقل - من أبنائه وبناته) اهـ. وقال في بريده الغاضب: (بينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة وبطء حركتها نحو المستقبل الجديد المأمول رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى عودة بها إلى نموذج السلف) اهـ لقد أتي الفيلسوف الهرم من عقدة الخضوع للمفاهيم الغربية الشائعة والانسياق ورائها ظناً منه أنها مطابقة للتصورات المماثلة في المجتمعات الإسلامية فمال هو وأمثاله إلى الغض من الاتجاه السلفي وأصحابه ونفروا الناس منه وقاموا بحملة تشهير ظالمة ضده

стр. 250

ولنقف هذه الوقفة مع هذا المصطلح الشريف: (السلفية) (٤١٠) . (فمن حيث المصطلح أصبحت السلفية علماً على أصحاب منهج الاقتداء بالسلف من الصحابة والتابعين من أهل القرون الثلاثة الأولى وكل من تبعهم من الأئمة كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن وشمل شيوخ الإسلام المحافظين على طريقة الأوائل مع تباين العصور وتفجر مشكلات وتحديات جديدة أمثال ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وكذلك أصحاب أغلب الاتجاهات السلفية المعاصرة بالجزيرة العربية والقارة الهندية ومصر وشمال أفريقيا وسوريا وكانت ذات أثر واضح في تنقية مفاهيم الإسلام ودفعه إلى الأمام لمواجهة الحضارة والتطور وللكشف عن جوهر الثقافة العربية والإسلامية الأصيلة القادرة على الحياة في كل جيل وكل بيئة) . (ومن حيث المضمون تعني السلفية في الإسلام التعبير عن منهج المحافظين على مضمونه في ذروته الشامخة وقمته الحضارية كما توجهنا إلى النموذج المتحقق في القرون الأولى المفضلة وفيها تحقق الشكل العلمي والتنفيذ الفعلي ومنه استمدت حضارة المسلمين أصولها ومقوماتها ممثلة في العقيدة خضوعاً للتوحيد وبياناً لدور الإنسان في هذه الحياة وتنفيذاً لقواعد الشريعة الإلهية بجوانبها المتعددة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وروابط الأسرة وفضائل الأخلاق. والسلفية كمصطلح تعني أيضاً في مدلولها الخاص - الاقتداء بالرسول ﷺ فإن أمتنا تنفرد بمزية لا تشاركها فيها أمة أخرى في الماضي أو الحاضر أو المستقبل تلك هي تحقق القدوة في شخصه ﷺ إذ حفظت سيرته كاملة محققة بكافة

стр. 251

تفاصيلها فنحن نعلم عنه كل شيء وفقاً لما نقل إلينا في كتب وعلوم مصطلح الحديث بأدق منهج تاريخي علمي عرفه المؤرخون. وهكذا فإن السيرة النبوية حية في كياننا ونحن نعيشها كل يوم وهي تمثل القمة للسلفيين وتطبيق الشريعة الإسلامية ممتد على طول الزمن لا يتعلق بعصر دون آخر بل إن كل جيل من المسلمين مطالب بتنفيذ أصولها النصية مع الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص عند مواجهة أحوال الحياة المتغيرة كما هو معروف في أصول الفقه. وإزاء خطط الغزو الفكري ومظاهر الاشتباك العقلي مع خصوم الإسلام صمد السلفيون للمحافظة على جوهر الإسلام وأصوله إيماناً بأنه لم يظهر زيف هذه العقائد والنحل إلا بطريقة السلف أنفسهم مهما تغيرت الأزمنة والأعصار لأنها طريقة موضوعية ذات أسس عليمة منهجية تعتمد على النصوص الشرعية الموثقة فهناك مسائل ثابتة لا تتغير: كفطرة التوحيد ومخاطبة العقول البشرية للبرهنة على النبوات عامة ونبوة رسول الله ﷺ خاصة والرد على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كل ما انحرفوا به عن الشرع المنزل مع دحض شبهات الملحدين والمشركين. هذا فضلاً عن ثبات الفضائل الأخلاقية وقواعد التحليل والتحريم في المأكل والمشرب والملبس وتنظيم العلاقات الاجتماعية في الأسرة والمجتمع وإقامة العلاقات الدولية مع سائر الأمم وفقاً لأصول الشرع ولقد أصبحت الحركة السلفية هي الحركة الكبرى التي جددت الدعوة الإسلامية ولولاها لهان على الغرب أن يستعبد الشرق روحياً وفكرياً إلى أمد بعيد. فإذا كان المسلمون يتلمسون اليوم طريقاً للنهوض فليس لهم من سبيل إلا وحدة جماعتهم ووحدة الجماعة ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح والإسلام الصحيح مصدره القرآن والسنة وهذه خلاصة الاتجاه السلفي: عودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 252

وفي العصر الحديث يعمل السلفيون على استئناف الحياة الإسلامية على أساس هذا الفهم وطبقاً للنظرة الرحبة الفسيحة لكل جوانب الإسلام كمنهج رباني شامل لا يعتوره نقص في أي من مجالات الحياة. وقد اتفق المسلمون السلفيون على قاعدة اضطراد العلاقة بين تقدم المسلمين واستمساكهم بالإسلام وعلى العكس تدهورهم وضعفهم عند الانسلاخ منه فالعلاقة بينهما علاقة المد والجذر مع الإسلام والإيمان. السلفية والتقدم: يزعم خصوم الإسلام بعامة والسلفية بخاصة أنها دعوة رجعية وهو زعم خاطئ من جذوره فلا تتعارض السلفية مع التقدم لأن التقدم في الإسلام تقدم أخلاقي يمضي قدماً في تحقيق الرسالة التي نيطت بهذه الأمة مع الأخذ بأسباب العمران المادي في نواحي الحياة كلها. والقديم في تاريخ أوربا تعبير يطلق على العصور المظلمة في القرون الوسطى السابقة لعصر النهضة ورفض أوربا لتاريخها القديم موقف عادي يتلاءم مع رغبتها في التقدم لأن الماضي يعد سبباً لتخلفها. " وإذا قارنا الإسلام بمختلف ديانات العالم عرفنا أن عقائدها منعت معتنقيها من التقدم الحضاري عندما استمسكوا بها ودارس التاريخ يلاحظ أن أهل أوربا والبوذيين في اليابان على سبيل المثال لما كانوا راسخين في معتقداتهم الدينية كانوا على أسوأ ما يكون من أدوار التخلف ولما أحرزوا لأنفسهم الرقي والتقدم في حياتهم العلمية والعقلية والمادية ما عادوا مؤمنين بمعتقداتهم المسيحية والبوذية إلا اسماً. أما المسلمون فعندما كانوا أقوياء في إيمانهم بمعتقداتهم صاروا أكثر أمم الأرض تقدماً وازدهاراً وقوة ومجداً وما أن دب دبيب الضعف في إيمانهم بها حتى تخلفوا في

стр. 253

ميادين العلم وضعفوا في صراعهم للرقي الدنيوي وتحكمت فيهم واستولت عليهم أمم أجنبية وهذا فرق عظيم بين معتقدات الإسلام ومعتقدات الديانات الأخرى في العالم " (٤١١) . فالأمر عكسي بالنسبة لنا تماماً: فإن تاريخنا يعبر عن تقدم حضاري في كافة المجالات وإذا نحن طالبنا (بالترقي) إلى مستوى السلف فإننا نعني بذلك التمسك بالمفاهيم الإسلامية الشاملة للعقيدة والعبادة والشريعة وسائر الأنشطة الإنسانية التي منها - بلا شك - الحقل العلمي. ولكننا في الوقت نفسه لا نزعم - ولا نظن أن عاقلاً يخطر له على بال - أن نضع الأمة الإسلامية في متحف للتاريخ! بمعنى أن نطالب بإرجاعها للأخذ بوسائل العصور السابقة في الحياة العمرانية بأساليبها في الإنتاج والنقل والتعليم والتطبيب وتشييد المدن وتجهيز الجيوش وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات....إلخ. ويتضح لكل دارس للإسلام أن المفهوم الإسلامي للحضارة أرقى بكثير من التصور الغربي فلا نحن نرضى بتخلف المسلمين الحالي عن تحقيق النموذج الإسلامي ولا نرضى في الوقت نفسه بتقليد الغرب في فلسفته ومضامينه الفكرية الشاملة. أما نبذ السلفية بحجة التسابق مع الزمن واللحاق بكل ما هو جديد فمنهج خاطئ قائم على مفاهيم غربية متصلة بفلسفتها فإن ما نراه اليوم جديداً سيصبح غداً - وحتماً - قديماً فليست الموازنة إذن بين قديم وجديد موازنة صحيحة ولكن ينبغي أن تتم بالمقارنة بين الحق والباطل أياً كان العصر والزمان لأن القيم لا تتغير ولا تتبدل فليس الجديد مقدماً بالضرورة عن سلفه. ولعلنا نصدم أصحاب دعوى التجديد المتغربين النابذين للسلفية عندما نضع

стр. 254

أمامهم الحديث النبوي: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (٤١٢) والتجديد إنما يكون بعد الدروس فالتجديد ارتقاء وتقدم بالأمة لتسلك طريقها مرة أخرى كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث. ونحن نرفض تقليد الغرب ونبحث عن الأصالة ولا تأتي الأصالة بترقيع الشخصية بل بالارتباط بالعقيدة التي كانت حجر الزاوية في كيان هذه الأمة وينبغي هنا التمييز بين تقليد (مقومات الشخصية والعقائد والتصورات) وبين النتائج العلمية فلا وطن للعلم ولا جنسية للاكتشاف والأبحاث الإنسانية في الميادين المختلفة.. ولكن المشكلة هي اختلافنا الأساسي معهم على قواعد جوهرية تتناول عقيدة التوحيد والإيمان بالله وإفراده بالألوهية والربوبية وما هية الإنسان والغرض من خلقه وبيان مآله في اليوم الآخر وما هي وسائله لسلوك أحسن السبل الممكنة في الحياة والارتقاء بها؟ وتأتي آفة التقليد عندما ننسى أصالتنا ولذا ينبغي التنبيه إلى الحكمة النبوية في الحديث الذي رواه البخاري (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون " الأمم " قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟) (٤١٣) . وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عنه ﷺ أنه قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى ولو دخلوا جحر ضب خرب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن غيرهم!) (٤١٤) .

стр. 255

إذا عرفنا كل هذا أصبح هدف السلفية واضحاً أمامنا كضوء الشمس وهو يتلخص في: تطهير العقيدة من شوائب البدع وتربية الشخصية الإسلامية وفتح الذهن البشري لقبول كل جديد في ميادين العلوم التجريبية وإحياء العقيدة من منابعها بعيداً عن المذهبية الضيقة بصورتها الأخيرة أو تطويع العقيدة والشريعة في الإسلام لدعاوي التطوير الخاطئة ورفض فكرة لا دينية الدولة. وأخيراً: أسعفت الفيلسوف الهرم ذاكرته فتذكر أن هناك قرآناً يستدل المسلمون بآياته على حتمية الحجاب فقال: (ثم وجدت هذه اللفتة السلفية من يربطها للشباب بالدين وهنا تأتي النقطة الرابعة التي سأجعلها الأخيرة) وهذه النقطة المؤخرة عنده - أخره الله وأخزاه - هي آيات القرآن المجيد الآمرة بالحجاب وكان ينبغي أن يبدأ بما انتهى به وأن يقدم ما أخره فإن حق كلام الله أن يقدم على كل كلام لو كان صدقاً فكيف إذا كان لغواً وزوراً وافتراءً على الله كتلك المئات من السطور التي سودها ذلك المنافق يصد بها الناس عن القرآن؟! قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الآية (الحجرات: ١) وقال : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) الآية (الحشر: ٧) وقال ﵎: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون) (الأعراف: ٣) ولقد ذم الله قوماً يعرضون عن آياته فقال : (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: ٣٠) وقال سبحانه: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن

стр. 256

يضلهم ضلالاً بعيداً وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً) إلى قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) النساء (٦٠ - ٦٥) . ثم إن الفيلسوف الهرم لم يكتف بذلك بل تجاهل آيات القرآن تماماً فضلاً عن مناقشة تفسيرها وترقى إلى ما هو أبعد من ذلك - رماه الله في المهالك - حين تقول على الله بغير علم وفكَّر وقدَّر فقتِل كيف قدَّر ثم قتل كيف قدر ثم حكم ببطلان أن الحجاب أمر تحتمه الشريعة الإسلامية فقال - قاتله الله - (أوردت الرسائل في سياقها آيات قرآنية كريمة يستشهد بها أصحاب الرسائل على أن فتور الهمة نحو العلم ونحو العمل في امرأة هذا الجيل وميلها نحو العودة إلى البيت ونحو أن تتحجب - أو على الأقل أن تضع فوق رأسها رمزاً يشير إلى معنى الحجاب - هو أمر تحتمه الشريعة الإسلامية وأقول إنه لو كان ذلك صحيحاً لكنت أول الداعين إليه ولكن هل هو صحيح؟) اهـ وهنا بدأت نبرة الكاتب تتحول إلى الإنسحاب الهادئ فبعد أن طعن الدين في الصميم وشعر أنه أسرف في الكذب والافتراء وجد نفسه مضطراً إلى ممارسة (فن التلون الحربائي) فإذا به يتوارى ويتحصن في الدين فيقول: (لو كان ذلك - يعني أن القرآن يحتم الحجاب - صحيحاً لكنت أول الداعين إليه) ونحن إذا أحْسَنَّا الظن به حملنا أمر الفيلسوف " الكبير "! على أنه لم يقرأ القرآن مرة واحدة أو أنه قرأه ثم نسيه لانشغاله عنه بفلسفة أكثرها سفه وإلا فهو عدو للإسلام والمسلمين متآمر ضد أمة محمد ﷺ قال تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) القتال (٣٠)

стр. 257

ثم يذكر الكاتب دليله على قطع الصلة بين القرآن والحجاب فيقول: (أكانت تلك الشريعة معطلة حتى جاء شباب هذا الجيل ليعيدها إلى الحياة؟) اهـ نقول: كلا بل ما زالت شريعة القرآن نافذة وسائدة طوال عصور الإسلام وما زالت قلوب المسلمين رجالاً ونساءً تخفق بالاعتزاز بها والإذعان لها إلى أن هجمت جيوش الغزو الفكري متترسة بالفلاسفة والعملاء والعميلات اللائى أسميتهن (رائدات الجيل الماضي) ليرفعوا الحجاب عن وجه المرأة ويعطلوا الشريعة الحنيفية شكلاً ثم موضوعاً وواقعاً فجاء شباب هذا الجيل ليصحح الأوضاع ويعود إلى حظيرة الإيمان ويجدد معالم دينه الذي ارتضاه الله له فما الذي يغيظك من ذلك كله؟ وإذا كنت محباً لهذه الأمة المحمدية ومخلصاً لهذه الملة الحنيفية فلماذا تنزعج هكذا من عودة الشباب على الإسلام وعودة المسلمات إلى الحجاب؟ ثم يمضي غمام الضلالة مدعياً مرتبة الاجتهاد المطلق بل ها هو ذا يقدم نفسه على كل أئمة الهدى في كافة عصور الإسلام ويبرهن على ذلك بقوله: (إنني مهما تواضعت في قدر نفسي فلا أظنني أصل بذلك التواضع درجة تحرمني من فهم الآيات الكريمة التي سيقت في الرسائل شواهد على ما أراده أصحابها فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي) اهـ أقول: لو أن هذا المختال الفخور درس القضية في ضوء الكتاب العزيز والسنة المطهرة لوجد فيها من الشفاء والهدى والنور ما يغنيه عن ظلماته وضلالاته التي أوقعته في مهواة البلاء والعجب بنفسه وتكبره الذي دعاه إلى أن يضرب بسهم مع الأفاضل وأرباب التقوى مع أنه كما قال القائل: نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل

стр. 258

وكما قال القائل: أيها المدعي لسلمى انتساباً لست منها ولا قلامة ظفر والفيلسوف الزائغ ليس من أهل الترجيح لأقوال أهل العلم بعضها على بعض بل لا يصلح أن يكون حكماً بين صبيين فضلاً عن أن يكون حكماً بين العلماء الربانيين: ما أنت بالحكم الترضي حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل فإن من شرط الحكم أن يكون عالماً بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومذاهب المجتهدين فمن أين لهذا الزائغ من هذه العلوم وهو بالنسبة إلى الأئمة الذين " قضوا بالحق وكانوا به يعدلون " طفل راقد في مهد طفوليته؟! بل أين المخلصون المجاهدون في سبيل الإسلام من الطاعنين فيه الصادين عن سبيله؟! قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) النساء (١١٥) وقال : (ألم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) ص (٢٨) أما قول صاحب (الردة) : (فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي) فما أشبهه بقول من حكى الله عنهم: (ويحلفون بالله أنهم لمنكم وما هم منكم) التوبة (٥٦) وقوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) المنافقون (١) فعادة المنافقين " الاستجنان " بالإيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون) المنافقون (٢) فيتخذون حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة تحميهم مما يعامل به الكفار وأخبر سبحانه عن صفتهم وشأنهم فقال: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) المنافقون (٤)

стр. 259

لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم إلى أن قال (هم العدو) أي هم الكاملون في العداوة والراسخون فيها فإن أعدى الأعادي العدو المداجى الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي (فاحذرهم) لكونهم أعدى الأعادي ولا تغترن بظاهرهم فلا تقنع بأول ما تراه فأول طالع فجر كذوب فمن هذا الباب قول الكاتب (فالقرآن الكريم كتابهم وكتابي) نقول: إن القرآن حق في نفس الأمر وليس هو محتاجاً لأن يحامي مثلك عنه والمحاماة عن القرآن تكون بإقامة البراهين ودفع الشبهات الباطلة أما تحريف معناه وتغييره أما تجاهله والإعراض عنه أما مراغمة نصوص القرآن ومعاكستها ووصف الممتثلين لها بوصف (الردة والنكسة والمأساة) وما إلى ذلك من العبارات الشنيعة فهذا كله إفساد للقرآن وصد عن سبيله واستحلال لحرماته واستهزاء بآياته: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون) الأنبياء (١٨) ولئن جاز أن يتسامح المسلمون مع الكاتب فيما كتب - وهذا بعيد جداً - فلا يمكن أن يتسامحوا معه بأي وجه من الوجوه حينما (أبى واستكبر وعاند) الآيات التي بلغها إليه القراء في رسائلهم الغاضبة ثم إذا به يضرب بها كلها عرض الحائط ويتبجح في عتو عناد بمقولة تعيد إلى أذهاننا عناد صناديد قريش: (إنني لم أجد في تلك الرسائل جميعاً ما يحملني على أن أغير حرفاً مما كتبته ولو أعدت الكتابة لكررت ما قلته كلمة كلمة) اهـ فإذ لم يرفع بآيات الله الآمرة بالحجاب رأساً فإنا نذكره بقول الله ﵎: (ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين) الجاثية (٧ - ٩) .

стр. 260

وقوله : (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون) السجدة (٢٢) . وقوله : (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً) سورة المدثر (١٦) . ثم نقول كون هذه الآراء صحيحة عندك وأنك مؤمن بها لن تتراجع عن كلمة منها لا يدل على صحتها في نفسها فكل حيوان يستطيب ريقه وإن كان خبيثاً وقد قال تعالى في إخوانك من قبل: (ويحسبون أنهم على شيء ألا انهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (المجادلة: ١٨ - ١٩) وما أحسن ما قيل في مثله: ولقد أقول لمن تحرش بالهدى عرضت نفسك للبلا فاستهدف آخر: يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أرفق على الرأس لا ترفق على الجبل (*)

стр. 261

فنسألك اللهم أن تخلع من أعداء الحق وثائق قلوبهم وأفئدتهم وأن تباعد بينهم وبين أزودتهم وأن تحيرهم في سبلهم وأن تضللهم عن وجههم وأن تقطع المدد عنهم وأن تنقص منهم العدد وأن تملأ أفئدتهم بالرعب وتقبض أيديهم عن البسط وتحرم ألسنتهم عن النطق وتشرد بهم من خلفهم وتنكل بهم من وراءهم وتقطع بحربهم أطماع من بعدهم اللهم عقم أرحام نسائهم ويَبِّس أصلاب رجالهم وعجل لهم الوبال والنكال وأخرس منهم عضو المقال وفرق جمعهم وشتت شملهم وأفسد رأيهم وأخمد أنفاسهم وهدِّم أساسهم إنك على ما تشاء قدير.

стр. 262

حقاً.. إنها معركة مارق يتحدى مشاعر المسلمين ويستعدي " السلطة" على المحجبات إنه المدعو " حسين احمد أمين " (*) الذي فتحت له الصحافة أبوابها على مصراعيها فصال وجال داعياً إلى البهتان العظيم والعدول عن صراط الله المستقيم ومناقضة ما جاء به رسول الله ﷺ وصَدَحَ به كتاب الله المبين جاء هذا الغبي الجاهل المكابر فأعرض عن الحق الصريح الظاهر وكتب المقالات المطولة التي حشاها من الكذب والافتراء والظلم والعدوان وشتم أهل الحق وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات والصد عن سبيل الله . ويبدو أن الدور الذي شاء له أسياده ووقع اختيارهم عليه لأجل إنجازه هو " محاربة الحجاب ".. ذلك الحجاب الذي أشعلت عودته نار الحقد والغيظ في قلبه فأنشأ يسوِّغ محاربته إياه قائلاً: (رأيت ظاهرة تنتشر في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم هي ظاهرة الحجاب وسمعت أنصارها يربطون بينه وبين الإسلام فأحببت أن أتحقق بنفسي مما إذا كان القرآن قد أمر به وقد توصلت إلى أن حجاب المرأة ليس من الإسلام) اهـ وقال في موضع آخر (٤١٥) : (ليس للحجاب أي علاقة بالإسلام) ! ثم يزعم أن الحجاب إنما عرف عند

стр. 263

الفرس ويقول: (ومن المعروف أن أول مفسرين للقرآن الكريم على الإطلاق كانوا من الفرس (*) ومن الطبيعي أن يتأثر المفسرون بالتقاليد والقيم التي نشأوا عليها. لقد درست الآيات القرآنية التي ورد ذكر الحجاب بها ووجدت أنه ليس هناك آية واحدة تفرض الحجاب على المسلمات) اهـ . ونراه يبين منهجه الذي انتهجه في هذا " التحقيق الفذ " فيقول: (إنني أعتمد على أمهات الكتب وأدرس ما اتفق عليه العلماء والأئمة الأربعة وغيرهم غير إني لا أعتبر نفسي ملزماً إلا بما انتهى إليه تفكيري ... ولا يضيرني أن أكون أول من قال بهذا الرأي أو ذاك دون أن أستند إلى مرجع) (٤١٦) والفقهاء كلهم - في نظره - (لا قولهم حجة ولا من الواجب الأخذ به) بل إنه يرد على مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف حمزة قائلاً: (نعم يا سيدي المفتي أنا زعيم لك بأني أهل لأن أنافس الأئمة المجتهدين وأن أدلي بدلوي كما أدلوا بدلائهم) اهـ (٤١٧) فانظروا أيها المسلمون ما يقول ذلك (الإمام المجدد) والعبقري الفذ والمجتهد المطلق! الذي نفتق عنه القرن الرابع عشر الهجري وحلَّق في آفاق الاجتهاد حتى أنه ليشهد لنفسه بملء فمه أنه أهل لأن " ينافس " أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد وسفياناً وسائر الأئمة وأن تتمخض عبقريته عن آراء واكتشافات كان هؤلاء جميعاً في غفلة عنها بل مخطئين فيها ومن أعظم هذه " الاكتشافات " أن حجاب المرأة ليس من الإسلام!! قال اخزاه الله (٤١٨) :

стр. 264

(متى نشأ في مجتمع معين وفي زمن محدود ما لا يمكن وصفه إلا بأنه ظاهرة متفشية تنطوي إلى حد ما على عنصر المفاجأة فلابد لنا من أن نلتمس التفسير أو بعضه على الأقل في أسباب خارج نطاق الموضوع محور الظاهرة فعودة الكثير من نسائنا (٤١٩) - بمحض إرادتهن - لا نتيجة ضغط من آبائهن أو أزواجهن " بل أحياناً ضد رغبة آبائهن وأزواجهن ورغم استهجان السلطة في بلدهن " يمكن أن نحدد لبدايتها تاريخاً لا يزيد على ستة عشر عاماً (٤٢٠) ثم انتشرت منذ ذلك الحين وفي هذه الحقبة القصيرة انتشار النار في الهشيم مثل هذا الانتشار المفاجئ لظاهرة ما إن كان يمكن تفسيره في بعض الأحيان بظهور نبي جديد (٤٢١) أو قيام حكومة ثيوقراطية في بلد معين فليس بالوسع الاقتصار في تفسيره على الإشارة إلى رغبة عامة مفاجئة في التمسك بتعاليم الدين علماً بأن القرآن كان دائماً بين أيدينا وكانت تعاليم الدين دوماً في متناول الجميع (٤٢٢) فلم ظهر الأمر فجأة إذن؟ ولم اتخذ صورة الظاهرة المتفشية خلال سنوات قلائل؟ لا مفر إذن من تفسير هذا النوع الذي ذكرناه في بداية المقال وإن كره الكارهون وغضب الغاضبون) اهـ. ولعمر الحق لو كان هذا مخلصاً للإسلام محباً لأهله لشغلته الفرحة والابتهاج بتوبة العاصيات وإنابتهن إلى ربهن عن البحث في أسباب الظاهرة التي إن بحث فيها المخلص إنما ليدعمها ويسعى في تمكينها وتدعيمها لا تهوينها والتنفير عنها كما يفعل الذين في قلوبهم مرض وحتى ندرك الفرق بين الفريقين نضرب المثال بقول أحد الدعاة

стр. 265

المسلمين في تحليل نفس الظاهرة (٤٢٣) (أ) قال حفظه الله: (على الداعية الإمساك بهذه الظاهرة - ظاهرة تدين الشباب واستمساكه بالإسلام - وجعلها باعثاً لتحقيق الآمال في النفوس فما الشباب إلا تجسيد لآمال المستقبل وتعبير عن استعادة الأمة لحيويتها بسواعد أبنائها على أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود فما ظهور الشباب المتدين إلا بمثابة مولود جديد خرج إلى الحياة بعد آلام المخاض التي عانت منها الأمة الإسلامية ما عانت فإذا لم يحظ بالعناية الكافية ربما حدثت ردة لا يعلم إلا الله مدى آثارها) اهـ كلامه. ثم يستمر الكاتب - حسين أمين - في تحليل أسباب تمسك البعض بالحجاب فيقول: (إن ظاهرة عودة نسائنا إلى الحجاب لا يمكن وصفها بأنها شأن عادي ولا القول بأن العائدات إليه - في مجموعهن - وكطائفة نساء عاديات ولا عجب في هذا أن نجد من بينهن الكثيرات من الفتيات والنسوة العاديات اللواتي خضعن لتأثير أو ضغط أو دفعهن إلى التحجب نزوع إلى تقليد أو اتجهن إلى التدين ثم سألهن من يعتقدن أنهم أفقه منهن في أمور الدين فاخترن ما ذكر لهن أنها ثياب إسلامية يأمر الشرع بها فالمهم هنا ليس أن المتحولة إلى هذا النوع من الثياب امرأة عادية إنما المهم هو نوعية ممارسي الضغط والتأثير في المناخ العام الذي جعل هذا الضغط وهذا التأثير شائعين) اهـ. وكأن الكاتب الحاقد يشير بكلمات مسمومة هدفها الواضح: أن هذه الثياب لا علاقة لها بالإسلام وإنما هناك ضغوط خفية مؤثرة يجب البحث عنها والقضاء عليها. ثم يؤكد في مقاله على القيم التي يرى من وجهة نظره أن تكون أساساً لاختيار المرأة ثيابها فيعتبر جمال الوجه والقوام أساس اختيار الثوب أما اختيار الثوب طبقاً

стр. 266

لأحكام الإسلام وأوامر القرآن فهذه عنده سلوك غير عادي ويجب محاربته يقول: (ولو أن امرأة اختارت ارتداء الثوب الإسلامي على أساس أنه أجمل أو أنسب لوجهها وقوامها ولا شيء غير ذلك لكان سلوكها عادياً ولما كان الأمر محل جدل ومثار مناقشات عنيفة وسبب احتكاك عائلي وشجارات وطلاق ومنع من دخول الجامعات إلى آخره غير أن الواقع أن تبنى الرجل أو المرأة للزي الإسلامي ليس نابعاً من مزاج إنما هو موقف ... يراه البعض شاذاً مستنكراً وجديراً بالمحاربة ويراه أصحابه الموقف السليم الوحيد الذي ينبغي محاربة غيره واستئصاله) اهـ. وكأن العبقري الفذ الذي يقول: (أهلاً وسهلاً ومرحباً بطاعة " بيوت الأزياء " الصهيونية الفاجرة ولا مرحباً بطاعة الله ورسوله ﷺ يريد أن يذكرنا بمسلكه الوخيم هذا بمن قال فيه الله ﵎: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً) الفرقان (٤٣، ٤٤) وقوله : (وإذا ذكر الله وحده أشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) الزمر (٤٥) . ثم يحاول ذلك الشيطان الإنسي أن يبث بذور الفرقة والعداوة ويوطد دعائم " الحواجز النفسية " الحاقدة بين المحجبة وغير المحجبة حتى لا تتأثر الأخيرة بدعوة الأولى لها إلى الحجاب يوماً ما فيقول: (إنه يكاد يكون من المؤكد أنه ما من امرأة محجبة تجلس إلى غير محجبة إلا ونظرت كل منهما إلى الأخرى نظرة الارتياب هذه في استنكار وتحفز وتلك في حيرة وتساؤل كما أنه من الصعب أن نتخيل قيام علاقة عادية بين الاثنين) اهـ ثم يدعي أنه قابل منذ أيام عاملاً ميكانيكياً بسيطاً ومرت بهم امرأة محجبة وينسب إلى ذلك الميكانيكي " الملهم ... الأديب ... " تعليقه على منظرها قائلاً في

стр. 267

امتعاض: (أنا لست ضد الدين وأنا وامرأتي نصلي ونصوم ولله الحمد ولكن هذا الشيء (٤٢٣) (ب) من ديننا في شيء هؤلاء - لاحظ استخدامه لكلمة "هؤلاء" في معرض الحديث عن واحدة (٤٢٤) - قوم يبغضوننا ويتربصون بنا وينتظرون أن تكون لهم الغلبة حتى يخسفوا بنا الأرض - أنا لست ضد الحجاب في حد ذاته.. فليتحجب من شاء.. ولكني ضد ما يخفيه هذا الحجاب من مشاعر سوداء.... تسألني ماذا لقيت منهن؟ لم ألق منهن شيئاً ولكني أحس إحساساً قوياً بما تشعر به نحوي وهي تنظر إليَّ وأعرف ما تهددني به " إننا " نتركهن يرتدين ما يردن ويتصرفن كما يحلو لهن ولكن أتظن متى وصلت جماعتهن إلى السلطة يتركننا نلبس ما نشاء ونتصرف كما نريد؟) ثم يمضي الكاتب ينفث سمومه السوداء وأحقاده الدفينة قائلاً: (وقد هالني أن أرى الشبه الشديد بين موقفه هذا من المرأة المحجبة وموقف الرومان خلال القرون الثلاثة الأولى بعد مولد المسيح من المسيحيين في الإمبراطورية لقد كان يسود الإمبراطورية خلال تلك القرون تسامح ديني نادراً ما عرف العالم نظيراً له غير أنهم استثنوا المسيحيين من هذا التسامح وكان هذا الاستثناء راجعاً إلى مخالفة المسيحيين لهم في العقيدة إنما إلى عداء المسيحية لكل من عاداها من عقائد مما دفع الرومان إلى تسمية أتباعهم بأعداء الجنس البشري، كانت روح المسيحية خطراً على تقاليد......... ..... على تقاليد المجتمع الروماني وأسسه ومع ذلك فقد كانت كراهية عامة الشعب للمسيحيين أقوى منها عند الأباطرة والسلطات فالجمهور قد أزعجه أن يرى أتباع هذا الذين يكرهون آلهتهم ويصلون من أجل نهاية العالم ويفرحون متى لحقت الهزيمة بجيوش الإمبراطورية وكانت العامة تنسب الكوارث التي تحل بها كالفيضانات

стр. 268

والمجاعات والحرائق إلى ما يمارسه المسيحيون من سحر أسود وكانت تدرك أن المسيحيين يبغضون كافة مظاهر الحضارة التي يعيشون في ظلها وأنهم إن تمت لهم الغلبة فسيسحقون أنظمة الدولة وآلهتها ولن يبدوا تجاه الأديان المخالفة ذلك التسامح الذي يطالبون به لأنفسهم فاستثناؤهم إذن من تطبيق مبدأ التسامح الديني إنما كان لحماية مبدأ التسامح الديني) (٤٢٥) اهـ. يتضح من هذا أن الكاتب يحاول أن يقيم أدلة على أن " الشبه شديد " بين موقف " الميكانيكي " من " المحجبات " وبين موقف " الرومان " من

стр. 269

" المسيحيين " ويلزم من قياسه أن يرمي المسلمين في واقعنا زوراً بأنهم " أعداء الجنس البشري "وأنهم (يصلون من أجل نهاية العالم) وأنهم " يبغضون كافة مظاهر الحضارة التي يعيشون في ظلها ". وذلك كله كي يصل إلى نتيجة وهي: أنه يجب على الحكومات استثناء المسلمين من مبدأ " التسامح " تماماً كما فعل الرومان مع المسيحيين (*) وقياسه هذا باطل من أوجه عديدة لا تخفى على المخلصين لدينهم المؤمنين بأن الحق واحد لا يتعدد وبأن هؤلاء النصارى إن كانوا على دين الحق الذي بعث الله به عيسى ﵇ وهو دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه التي منها " الإنجيل " فإنما هم مسلمون موحدون مؤمنون يحررون ولائهم لله وحده ويتبعون رسولهم المسيح ﵇ ويصبرون على أذى الرومان ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه الحنيف فعداوة (الإسلام) لما عداه من العقائد الكفرية أمر لا ينكره إلا من لا حظ له في الإسلام قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) البقرة (٢٥٦) فالعروة الوثقى هي " كلمة لا إله إلا الله " المتضمنة لإفراد الله سبحانه وحده باستحقاق العبادة والكفر بكل طاغوت يعبد من دون الله .. وهذا هو جوهر الإسلام ولبه، فأين أنت منه يا صاحب القياس؟ ثم يستطرد ذلك الشيطان قائلاً: (أعود فأقول إن ما يدفع البعض إلى اعتبار المرأة المحجبة امرأة غير عادية هو أن الزي الذي تبنته يفصح عن موقف عقلي غير عادي وعن مفاهيم وقيم يراها الآخرون غير عادية فخلاصة اعتقاد مثل هذه المرأة هي: أن النظر سهم من سهام إبليس مسموم ولا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل حيث إن قصدها منه كقصده منها،..فالمرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها.. والكشف عن غير الوجه

стр. 270

والكفين مدعاة للافتتان فإن كانت المرأة جميلة الوجه وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك.. إلى آخره مما نقلناه من تفسيرات القرطبي فالمرأة التي تعتقد مثل هذا في أيامنا هذه حين أصبح بالإمكان أن يجلس الرجل إلى المرأة دون أن تخطر ببال أيهما فكرة جنسية والتي ترفض أن تصافح الرجل بيد عارية خشية أن تثور لدى أيهما إحساسات جنسية محرمة والتي تشغل بالها مشكلة ما إذا كان ظاهر قدمها سيثير عند الرجل في الطريق رغبات حيوانية امرأة غير عادية) ثم ذكر فوق هذه التعبيرات الساخرة عبارات " فاحشة " ننزه قلمنا وأسماع إخواننا عن تسطيرها بل لم يكتف - أخزاه الله - بهذا بل ها هو يصف المحجبات " بالكبت بدل أن يصف فعلهن " بالتعفف " والامتثال لأوامر رب العالمين بل تصل الجرأة وسوء الأدب أقصاهما حين يصف معنى الحجاب الوارد في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب﴾ الأحزاب (٥٣) بأنه معنى " ضيق " ثم يمضي فيتهم المحجبات العفيفات المحصنات - بارك الله فيهن - بأنهن لا يفكرن إلا فيما سماه " الجنس " وأنها - أي المحجبة - ترتدي الحجاب (ليقيها من هذه المثيرات التي تسببت من قبل في إحداث تهيج شديد عندها لم يكن لها طاقة به.. بمعنى أنها قبل أن ترتدي الحجاب قد تأثرت بهذه المثيرات التي أحدثت لها هذا التهيج الجنسي الذي استجابت له ولم تستطع مقاومته ... ) اهـ إلى هذا الحد يطعن هذا الفاجر في سلوك المحجبات نسأل الله أن يجعله هو وأمثاله من أعداء الدين عبرة لمن يعتبر وأن يحبط كيدهم ويرده في نحورهم وأن يشغلهم بأنفسهم عن أهل محبته وطاعته وأن يجعل تدبيرهم في تدميرهم إنه سميع مجيب. ثم يتحدى مشاعر المسلمين جميعاً قبل المسلمات بقوله: (ولو كانت مرتديات الحجاب صريحات مع أنفسهن لاعترفن في النهاية بأن سبب ارتدائهن له هو تعرضهن لاختبار صعب أو موقف صعب لم تكن لهن به طاقة) اهـ.

стр. 271

ثم يشير إلى أن هدف المتمردين على التقاليد هو (أن يشد بعضهم من أزر بعض حتى أصبح مجرد سيرهم في الطريق ورؤيتهم فيه لأمثالهم يشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في خضم الصراع فإذا بإرادتهم الاستمرار في المقاومة تثبت وإذا ثابتهم يدفع غيرهم إلى التشبه بهم فيكثرون وإذا الكثرة تبهجهم فيشجعون والحجاب في مجتمعنا يؤدي الغرض نفسه) اهـ. ثم يمضي الكاتب متحفزاً مستنفراً إخوانه من أعداء الإسلام مستعدياً إياهم على أولياء الله قائلاً: (فإذا كان منا من يعلم هذا كله ويرى مع ذلك ضرراً اجتماعياً خطيراً في العودة إلى الحجاب فعليه أن يضع في حسبانه - فوق كل اعتبار آخر - أن انتهاج سبيل العنف مع هؤلاء كوسيلة للحل ليس فقط من قبيل العبث إنما هو أمر يرحب به هؤلاء فما من سعادة يرونها أعظم من سعادة الاستشهاد في سبيل العقيدة) اهـ ويختتم مقاله مستنهضاً همم إخوانه من دعاة العري والانحلال قائلاً: (ليست الحكومة وحدها المطالبة بالتصدي لتصحيح الأوضاع التي دفعت هؤلاء إلى مثل هذا الموقف والمسلك.. فالأفراد والجماعات كافة - حتى ميكانيكي السيارات الذي تحدثت عنه - مطالبون هم أيضاً بالمساهمة وهي مساهمة نوجزها في جملة واحدة: كبح جماح النفس قبل أن يأتي اليوم الذي يذهب بنفوسهم) انتهى كلامه عليه من الله ما يستحقه ونحن لا نملك إلا أن نقول له: (اخسأ فلن تعدو قدرك) هذه نفثة مقهور وأنه معثور ﴿موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ آل عمران (١١٩) . ولتكونن " عودة الحجاب " شجى في حلقك وقذى في عينك وريبة في قلبك إلى أن يقطع الله دابرك وصدق الله العظيم: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ غافر (٥١ - ٥٢) فاللهم وعدك الذي وعدت به عبادك المؤمنين (ولقد

стр. 272

سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾ الصافات (١٧١ - ١٧٣) ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾ المجادلة (٢٠ - ٢١) . لقد هذا الموتور أنه بهذه الترهات والقحة الزائدة ينال من أهل الإسلام ويشفي غيظه.. وهيهات ﴿وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾ غافر (٢٥) . وهل حط قدر البدر عند طلوعه إذا ما كلاب أنكرته فهرت وما إن يضر البحر إن قام أحمق على شطه يرمي إليه بصخرة (٤٢٦) وما أحرى ذلك المأفون بقول الشاعر: ألا أيها الغمر (٤٢٧) الذي غره الكبر ترديت من عال وناسبك القعر تفكر طويلاً يا جهولاً ترادفت عليه المخازي فهي في متنه أسر نبذت نفيس الدر واخترت ضده ومن يكره الياقوت يعجبه البعر فأصبحت مصبوباً عليك شتائم كما كان مشبوباً على قلبك الجمر ظننت خداع الله في الدين هيناً ولن يخرج الله الذي كنه الصدر؟ فجئت بأقوال النفاق مخادعاً فقد بان ما تخفيه وانهتك الستر تحارب دين الله يا شر ملحد وتلصق آراء به ما لها قدر وتسلك في أمر النسا شر مسلك إباحية صلعاء ليس لها ستر

стр. 273

ألا يا نصير الكفر ويلك فاتئد ولا تنطح الصفوان يدمغك الصخر لقد ضل من أغراك بالسب والهجا كما زل من أغواك نيته المكر أتحسب أن الدين سهلاً أساسه ستنزله أقوالك الجور والفجر أتحسب أن الدين تخفى ضياءه عجاجتك (٤٢٨) الهوجا وآثارها الكدر أتحسب أن الناس قد غاب عنهم مقاصدك السوءى وأفعالك المر فما أنت في دعواك إلا منافق كأصـ ـحابك النوكى (٤٢٩) وهم في الورى كثر فأنتم فساد الناس في كل أمة وجرثومة يضنى بها الجسم والفكر لحي الله (٤٣٠) قوماً صانعوك غباوة لأهواء نفس نالها الخوف والذعر فلا تجعل العدوان للدين راحة فبعداً وسحقاً عاقك العسر والخسر فإنك لن تشفى من الغيظ والبلا بلى إن هذا الوحر (٤٣١) يلهبه الوحر فمهلاً قليلاً إنك اليوم غافل ستندم في الدنيا ومن بعدها القبر (٤٣٢) ومن بعد ذا يوم عسير حسابه به يعلم الإنسان ما أثمر العمر وكل بذي الأيام يلقى جزاءه فليس بها هضم لحق ولا جور (٤٣٣)

стр. 274

اعرف عدوك يتحلى أغلب أعداء الحجاب بخاصية " الجهل المركب " فهم ليسوا فقط جُهالاً بل يجهلون أيضاً أنهم جُهال ... وقديماً قالوا " عدو عاقل خير من صديق جاهل " فإذا اجتمعت في شخص العداوة مع الجهل ترى كيف يكون حاله وماذا يكون مقاله؟ نورد فيما يلي ما كتبته الطبيبة النفسية والكاتبة (نوال السعداوي) تحت عنوان: " ليس هناك نص ... أتحدى " (٤٣٤) : (إن ما هو طبيعي وما هو إنساني أن تعامل المرأة كعقل وجسد وتتعامل مع الآخرين من هذا المنطلق أنا ضد أن نحكم على المرأة بالزي فحجاب المرأة ونقابها ما هو إلا اختزال لإنسانيتها وأنا ضده بالذات حين يكون باسم الدين.. .. والذين ينادون بأن تتحجب المرأة لم يفهموا المرأة المسلمة ولم يدرسوا أحاديث الرسول ولم يقرأوا القرآن قراءة صحيحة ولم يطلعوا على التاريخ بل أخذوا أشياء دخيلة على الإسلام الحقيقي وعلى الحضارة المصرية والعربية الحقيقية، فأنا لي خمسة وعشرون عاماً أدرس الدين الإسلامي وأقارن.. ولا توجد آية قرآنية واحدة تنص على تحجيب المرأة.. زوجات سيدنا محمد لم يكن محجبات وأتحدى أي شخص يقول بأن السيدة خديجة مثلاً - كانت محجبة أو أن سيدنا محمد فرضه عليها ... والحجاب تاريخياً بدأ في الدين اليهودي الذي يرى أن حواء ترمز إلى الخطيئة الأولى وما هي إلا جسد فقط على عكس آدم الذي يرمز للعقل لذلك يجب أن تشعر بطبيعتها الناقصة وتغطي رأسها خجلاً وعاراً) اهـ.

стр. 275

شيوخ في المعركة ﴿إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية﴾ عمر بن الخطاب ﵁ طال الأمد على المسلمين وتم تحريف تصوراتهم بتأثير هذه الهجمات واعتادت قلوبهم وعيونهم رؤية المنكر فلا يحركون ساكناً ولا يتمعر لأكثرهم وجه غضباً الله تعالى وتضاعفت المحنة حينما وقع بعض الشيوخ أسرى للغزو الفكري المسموم فراحوا يرددون دعاوى انهزامية لا تليق أن تصدر من أفواه ورثة النبي ﷺ وأدلوا بدلوهم في فتنة (تحرير المرأة) عن طريق السخرية والتهكم أحياناً وعن طريق دعاوى علمية زائفة أحياناً أخرى فمن الأول قول الكاتب محمد الغزالي: (إن المحجبة تظهر في سمت عفريت) وأن الدعاة إلى حجاب المرأة وقرارها في البيت (قوم غلبهم الهوى الجنسي وأنهم أصحاب عقد نفسية وأنهم يصدرون في غيرتهم عن ضعف جنسي أو شبق جنسي) ويتساءل: (لماذا تحترم الراهبات ولا تحترم المحجبات وزيهما واحد) (٤٣٥) ومن الثاني قول بعضهم: (إن النقاب

стр. 276

بدعة لا أصل لها في كتاب ولا سنة ولا مذهب إمام من

стр. 277

الأئمة) (٤٣٦) ومنهم من يحمل المنقبة على خلع النقاب وينفرها منه. وهؤلاء جميعاً يهرفون بما لا يعرفون يثبطون ولا يثبتون وكان الأحرى بهم -إذ قصرت هممهم عن همم هؤلاء الفتيات المؤمنات الصابرات على دينهن القابضات على الجمر - أن يتمثلوا ما قاله النبي ﷺ لأبي بكرة ﵁: " زادك الله حرصاً " (٤٣٧) أي على الخير وقد مضت السنة أن من رأى شخصاً على عمل صالح فليثبته عليه فعن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: (اعملوا فإنكم على عمل صالح) (٤٣٨) وعنه ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ (٤٣٩) فشرب وسقى فضله أسامة وقال: (أحسنتم كذا فاصنعوا) (٤٤٠) . نعم كان الأولى بهم أن يحفظوا قوله ﷺ لجابر بن سليم الهجيمي ﵁: (اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئاً) (٤٤١) وليتهم قلدوا العلماء الذين يبيحون كشف الوجه ورغبوا في النقاب باعتباره فضلاً لا فرضاً ولكن هؤلاء

стр. 278

ادَّعوا أن الانتقاب بدعة لا فرض ولا فضل واستباحوا السخرية والتهكم من المنقبات وهذا ما لم يسبقهم إليه عالم. ومن تناقضاتهم أنهم يعيبون دعوة " قاسم أمين " وينددون بها وبالويلات التي جرتها على الأمة ثم هم يفكرون بعقلية " قاسم أمين ". ألا إن كل من يدعو المرأة إلى كشف وجهها وإلى الخروج للعمل والمشاركة في الحياة العامة مخالطة للرجال إنما هو " قاسم أمين " جديد مهما كان اسمه بلا فرق بين الأصل والصورة في هذه الدعوة الأثيمة فلا تحاربوا يا قوم " قاسم أمين " وأنتم من حيث لا تشعرون تدعون بدعوته. أخطاء ... أم خطايا ؟ : هذا وإن الذي يدفعنا إلى التنبيه على دور هؤلاء الشيوخ في المعركة أنهم جهروا بهذه الآراء ونشرت لهم على نطاق واسع خلال الصحف التي حرصت - خلال المعركة - على أن تخلط دائماً ذهبنا بعملتها المزيفة لتتناولها الأيدي متسترة وراء هذه الأسماء. ومما يبعث على الأسف أن العديد ممن تصدروا وترأسوا في هذا الزمان يدعون احترام الأئمة والعلماء - وقد ذابوا في تعظيم الأجانب - ثم هم يخرجون على الأمة بآراء انهزامية أمام افتتانهم بالحضارة الغربية العاتية وكأنهم يحملون تحت العمائم أدمغة أصحاب القبعات.... ثم هم يفرضون هذا الفكر المنهزم على الدعوة الإسلامية الفتية الناهضة ويحكمون على مخالفيهم بما يحلو لهم من عقوبات ظالمة يستبيحون في سبيل تطبيقها حتى أساليب الأحزاب السياسية وبذلك يقفون غصة في حلق دعوة الحق ويقهرون العمل الإسلامي والإصلاح السلفي " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ".

стр. 279

إن هذا الأمر دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكم قال البخاري ﵀ في أول كتاب الفرائض من "صحيحه": قال عقبة بن عامر ﵁: " تعلموا قبل الظانين " قال البخاري: يعني الذين يتكلمون بالظن، وقال النووي رحمه الله تعالى: " ومعناه: تعلموا العلم من أهله المحققين الورعين قبل ذهابهم ومجيء قوم يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي " (٤٤٢) اهـ. وقال الإمام العلامة أبو شامة ﵀ (٤٤٣) : (وفي الحديث عن ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ") (٤٤٤) . قال الإمام الطرطوشي ﵀: (وقد صرَّف عمر ﵁ هذا المعنى تصريفاً فقال: " ما خان أمين قط ولكن ائتمن غير أمين فخان " قال: ونحن نقول: " ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم فضل وأضل " وكذلك فعل ربيعة، قال مالك رحمه الله تعالى: بكى ربيعة يوماً بكاءاً شديداً فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ قال: لا ولكن استفتى من لا علم عنده وظهر في الإسلام أمر عظيم) اهـ.

стр. 280

شعر: وكنا نستطب إذا مرضنا فصار هلاكنا بيد الطبيب آخر: بالملح يصلح ما يخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير آخر: إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء؟ آخر: فلو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري ونحمد الله أن تكفل ببقاء طائفة أهل الحق من العلماء الربانيين الذين أضطلعوا بواجبهم وأنكروا على الخالفين المخالفين وألفوا كتباً ورسائل وأصدروا فتاوى تفضح خطط المتآمرين على المرأة المسلمة وتدعوها إلى الحرية الحقيقية الممثلة في العبودية الكاملة لله رب العالمين وتوجب على المرأة قرارها في البيت ولزوم الانتقاب والحجاب الكامل عند خروجها للحاجة (*) .

стр. 281

بشائر عودة الحجاب ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الرعد (١٧) أرأيت من ينطح برأسه الصخر ويشرب بفيه البحر؟ إنه هذا الذي يتنكر للإسلام ويسعى في إذابة أهله وصدَّهم عن دين ربهم.. إنه لا يحطم الصخر ولا يجفف البحر.. ولكنه يمشي على رأسه إلى القبر.. السيادة لقانون الله: علمنا - مما تقدم - أن السفور حالة طارئة بدأت على استحياء منذ ما يقرب من خمسين عاماً وبلغت أوجها منذ ثلاثين عاماً ثم بدأ صعودها البياني في التوقف ثم الهبوط ولا يزال آخذاً في الهبوط السريع منذ عشر سنوات تقريباً ويلاحظ الجميع أن المؤشرات كلها تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة وستبقى بإذن الله السيادة لقانون الله وأمره بالحجاب ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ التوبة (٤٠) . إن الشارع المصري يخبرنا أنه قد آن الأوان لهذا المرض الطارئ - السفور وملحقاته - أن ينقشع وتبرأ منه أمتنا ككل باطل مصيره الهزيمة والاندحار مهما طال الأمد. فطوبى لمن تنزع عنها غلالة الرجعية الجاهلية وتعود من غربتها واغترابها وتأتي اليوم وغداً بالحجاب ومعها العلم والوعي والبصيرة والحرية الحقة من عبودية العبيد، قائلة

стр. 282

لشياطين الإنس الذين يزينون لها معصية الله ورسوله ﷺ : ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ يونس (١٥) وجهة نظر صحافي ألماني: قال الكاتب الألماني هيلمنسدورفر في كتابه " العبور العظيم والروح الجديدة لمصر ": (لقد عشت في القاهرة كمراسل صحفي من عام ١٩٥٦ م حتى عام ١٩٦١ م ومنذ هذا التاريخ كانت طبيعة عملي وراء حضوري إلى المنطقة بين الحين والحين وكنت أفضل دائماً الإقامة بجوار النيل إن التغيير الهائل الذي طرأ على القاهرة عاصمة الملايين معروف للجميع فقد انتقلت هذه المدينة الضخمة من الطابع الشرقي حيث كانت النساء يرتدين الأحجبة والرجال يرتدون الطربوش إلى عاصمة كبرى ولم تعد الفتيات اللواتي يرتدين البنطلونات والملابس العصرية يلفتن نظر أحد أو يقابلن بدهشة واستغراب وأصبحت العلاقات بين الجنسين علاقة سوية لا تتخللها رواسب الجاهلية التي استمرت فترات طويلة في الشرق ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عام فقط كان (٩٠) في المائة من الرجال في القاهرة يرتدون الجلباب وكانت كل النساء تقريباً يرتدين الحجاب أما اليوم فإن القاعدة العامة هي ارتداء البدل العصرية وعلى أحدث موضة في الغرب وبالنسبة للنساء فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب) (٤٤٥) اهـ لقد فرح ذلك الصحافي الألماني.. ولم يكن يدري أنها فرحة.. لن تتم فتلك طبيعة هذه الدعوة وتلك سنة الله في خلقه.. أن دولة الباطل ساعة.. ودولة الحق إلى قيام الساعة بل لعله فرح لأنه لم يبلغه رأي أخيه (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي منذ سنوات مضت:

стр. 283

أقوى من فرنسا: ففي ذكرى مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر وقف الحاكم الفرنسي في الجزائر يقول: (يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم) (٤٤٦) .. وبعد ذلك بسنوات قلائل: (قامت فرنسا - من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر - بتجربة عملية فتم انتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات أدخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية ولقنتهن الثقافة الفرنسية وعلمتهن اللغة الفرنسية فأصبحن كالفرنسيات تماماً. وبعد أحد عشر عاماً من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحافيون.. ولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري.. فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: " ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاماً؟! " أجاب (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي: (وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟!) (٤٤٧) .

стр. 284

رجع الصدى.. وترديد الببغاوات: قالوا: إن العودة إلى الحجاب عودة إلى الجاهلية الأولى.. وقالوا: إن الحجاب لا يصلح إلا في مجتمع قبلي جاهلي.. وقالوا: إن الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة.. وقالوا: إن الحجاب تطرف وتنطع يأباه الإسلام.. وراحوا يبحثون عن علة هذه الظاهرة فمن قائل: إنه اكتئاب حط على القلوب الشابة حتى لجأن إلى الحجاب يتوارين فيه. ومن قائل: بل هو تطرف مفاجئ نتج عن الفراغ السياسي والعاطفي عقب النكسة. العودة إلى الحجاب.. عودة إلى الله لقد فعلوا - كما تقدم آنفاً - شتى الحيل ليصدوا المسلمة عن دينها ويوقعوها في شراكهم ويذبحوا على أعتاب جامعاتهم ومصانعهم ومتاجرهم حياءها قرباناً لأغراضهم وقد استجاب لهم كثيرات وكثيرات. ولكن لم تعدم أمتنا من يقمن الحجة على هؤلاء الكثيرات ويحيين السنة المطهرة فخرج من بينهن فتيات عفيفات طاهرات يهتفن من أعماق سويدائهن بنداء صارم بدد أطماع الأعداء فردهم خاسئين: (رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً) وبعائشة الصديقة بنت الصديق وفاطمة الزهراء وأسماء ذات النطاقين والخنساء أسوة وقدوة لعلنا نحشر في زمرتهن يوم القيامة قال ﷺ : (المرء مع من أحب) (٤٤٨) .

стр. 285

وإذا بالفتيات المسلمات في كل مكان تهوى قلوبهن لهذا النداء العزيز وتنضم الواحدة تلو الأخرى إلى موكب العفاف والفضيلة بعد أن تهجر الفسق والرذيلة.. ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن البطل كان زهوقاً﴾ الإسراء (٨١) . وأنى لباطل أعداء الإسلام أن يصبر أمام الحجة والبرهان؟ إن باطلهم ظلام وحجتنا نور وبرهان وأنى تصبر جيوش الظلام أمام جحافل الحق. ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ الأنبياء (١٨) . إن الرد على دعاوى المبطلين قريب وأقوى رد هو تخلى المرأة المسلمة عن هؤلاء بعد أن انخدعت بهم زمناً طويلاً وخلعت الحجاب وخالطت الرجال وذاقت ويلات جاهلية القرن العشرين وجرت في دروب التقدميين والاشتراكيين طويلاً فما وجدت عندهم إلا الشقاء والضنك فعادت المسلمات - زرافات ووحداناً - مستغفرات تائبات خاشعات قانتات ما لهن هجيرى سوى. ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ البقرة (٢٨٥) . يا أعداء الإسلام! موتوا بغيظكم: لقد اغتاظ أدعياء التحرر وصارت (عودة الحجاب) غصة في حلوقهم فراحوا يتابعون هذه الظاهرة في حسرة وقلق (٤٤٩) .
следующие страницы →