بشائر عودة الحجاب
﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث
في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ الرعد (١٧)
أرأيت من ينطح برأسه الصخر ويشرب بفيه البحر؟
إنه هذا الذي يتنكر للإسلام ويسعى في إذابة أهله وصدَّهم عن دين ربهم..
إنه لا يحطم الصخر ولا يجفف البحر..
ولكنه يمشي على رأسه إلى القبر..
السيادة لقانون الله:
علمنا - مما تقدم - أن السفور حالة طارئة بدأت على استحياء منذ ما يقرب من خمسين عاماً وبلغت أوجها منذ ثلاثين عاماً ثم بدأ صعودها البياني في التوقف ثم الهبوط ولا يزال آخذاً في الهبوط السريع منذ عشر سنوات تقريباً ويلاحظ الجميع أن المؤشرات كلها تؤكد أن السفور يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة وستبقى بإذن الله السيادة لقانون الله وأمره بالحجاب ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ التوبة (٤٠) .
إن الشارع المصري يخبرنا أنه قد آن الأوان لهذا المرض الطارئ - السفور وملحقاته - أن ينقشع وتبرأ منه أمتنا ككل باطل مصيره الهزيمة والاندحار مهما طال الأمد.
فطوبى لمن تنزع عنها غلالة الرجعية الجاهلية وتعود من غربتها واغترابها وتأتي اليوم وغداً بالحجاب ومعها العلم والوعي والبصيرة والحرية الحقة من عبودية العبيد،
قائلة
стр. 282
لشياطين الإنس الذين يزينون لها معصية الله ورسوله ﷺ :
﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾ يونس (١٥)
وجهة نظر صحافي ألماني:
قال الكاتب الألماني هيلمنسدورفر في كتابه " العبور العظيم والروح الجديدة لمصر ":
(لقد عشت في القاهرة كمراسل صحفي من عام ١٩٥٦ م حتى عام ١٩٦١ م ومنذ هذا التاريخ كانت طبيعة عملي وراء حضوري إلى المنطقة بين الحين والحين وكنت أفضل دائماً الإقامة بجوار النيل إن التغيير الهائل الذي طرأ على القاهرة عاصمة الملايين معروف للجميع فقد انتقلت هذه المدينة الضخمة من الطابع الشرقي حيث كانت النساء يرتدين الأحجبة والرجال يرتدون الطربوش إلى عاصمة كبرى ولم تعد الفتيات اللواتي يرتدين البنطلونات والملابس العصرية يلفتن نظر أحد أو يقابلن بدهشة واستغراب وأصبحت العلاقات بين الجنسين علاقة سوية لا تتخللها رواسب الجاهلية التي استمرت فترات طويلة في الشرق ويكفي أن تعلم أنه منذ عشرين عام فقط كان (٩٠) في المائة من الرجال في القاهرة يرتدون الجلباب وكانت كل النساء تقريباً يرتدين الحجاب أما اليوم فإن القاعدة العامة هي ارتداء البدل العصرية وعلى أحدث موضة في الغرب وبالنسبة للنساء فإنه حتى في أكثر المناطق شعبية لم نعد نرى الحجاب) (٤٤٥) اهـ
لقد فرح ذلك الصحافي الألماني.. ولم يكن يدري أنها فرحة.. لن تتم فتلك طبيعة هذه الدعوة وتلك سنة الله في خلقه.. أن دولة الباطل ساعة.. ودولة الحق إلى قيام الساعة بل لعله فرح لأنه لم يبلغه رأي أخيه (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي منذ سنوات مضت:
стр. 283
أقوى من فرنسا:
ففي ذكرى مرور مائة عام على احتلال فرنسا للجزائر وقف الحاكم الفرنسي في الجزائر يقول:
(يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم حتى ننتصر عليهم) (٤٤٦) ..
وبعد ذلك بسنوات قلائل:
(قامت فرنسا - من أجل القضاء على القرآن في نفوس شباب الجزائر - بتجربة عملية فتم انتقاء عشر فتيات مسلمات جزائريات أدخلتهن الحكومة الفرنسية في المدارس الفرنسية ولقنتهن الثقافة الفرنسية وعلمتهن اللغة الفرنسية فأصبحن كالفرنسيات تماماً.
وبعد أحد عشر عاماً من الجهود هيأت لهن حفلة تخرج رائعة دعي إليها الوزراء والمفكرون والصحافيون..
ولما ابتدأت الحفلة فوجئ الجميع بالفتيات الجزائريات يدخلن بلباسهن الإسلامي الجزائري..
فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت: " ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة وثمانية وعشرين عاماً؟! "
أجاب (لاكوست) وزير المستعمرات الفرنسي:
(وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟!) (٤٤٧) .
стр. 284
رجع الصدى.. وترديد الببغاوات:
قالوا: إن العودة إلى الحجاب عودة إلى الجاهلية الأولى..
وقالوا: إن الحجاب لا يصلح إلا في مجتمع قبلي جاهلي..
وقالوا: إن الحجاب تقليد من التقاليد البالية العتيقة..
وقالوا: إن الحجاب تطرف وتنطع يأباه الإسلام..
وراحوا يبحثون عن علة هذه الظاهرة فمن قائل: إنه اكتئاب حط على القلوب الشابة حتى لجأن إلى الحجاب يتوارين فيه.
ومن قائل: بل هو تطرف مفاجئ نتج عن الفراغ السياسي والعاطفي عقب النكسة.
العودة إلى الحجاب.. عودة إلى الله
لقد فعلوا - كما تقدم آنفاً - شتى الحيل ليصدوا المسلمة عن دينها ويوقعوها في شراكهم ويذبحوا على أعتاب جامعاتهم ومصانعهم ومتاجرهم حياءها قرباناً لأغراضهم وقد استجاب لهم كثيرات وكثيرات.
ولكن لم تعدم أمتنا من يقمن الحجة على هؤلاء الكثيرات ويحيين السنة المطهرة فخرج من بينهن فتيات عفيفات طاهرات يهتفن من أعماق سويدائهن بنداء صارم بدد أطماع الأعداء فردهم خاسئين:
(رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً)
وبعائشة الصديقة بنت الصديق وفاطمة الزهراء وأسماء ذات النطاقين والخنساء أسوة وقدوة لعلنا نحشر في زمرتهن يوم القيامة قال ﷺ : (المرء مع من أحب) (٤٤٨) .
стр. 285
وإذا بالفتيات المسلمات في كل مكان تهوى قلوبهن لهذا النداء العزيز وتنضم الواحدة تلو الأخرى إلى موكب العفاف والفضيلة بعد أن تهجر الفسق والرذيلة..
﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن البطل كان زهوقاً﴾ الإسراء (٨١) .
وأنى لباطل أعداء الإسلام أن يصبر أمام الحجة والبرهان؟ إن باطلهم ظلام وحجتنا نور وبرهان وأنى تصبر جيوش الظلام أمام جحافل الحق.
﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ الأنبياء (١٨) .
إن الرد على دعاوى المبطلين قريب وأقوى رد هو تخلى المرأة المسلمة عن هؤلاء بعد أن انخدعت بهم زمناً طويلاً وخلعت الحجاب وخالطت الرجال وذاقت ويلات جاهلية القرن العشرين وجرت في دروب التقدميين والاشتراكيين طويلاً فما وجدت عندهم إلا الشقاء والضنك فعادت المسلمات - زرافات ووحداناً - مستغفرات تائبات خاشعات قانتات ما لهن هجيرى سوى.
﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ البقرة (٢٨٥) .
يا أعداء الإسلام! موتوا بغيظكم:
لقد اغتاظ أدعياء التحرر وصارت (عودة الحجاب) غصة في حلوقهم فراحوا يتابعون هذه الظاهرة في حسرة وقلق (٤٤٩) .
стр. 286
الصنم الذي تحطم:
كتبت جريدة الأهرام بتاريخ (٢٩ / ٤ / ٧٧) تقول:
(أمس مر (٧١) عام على وفاة " قاسم أمين " محرر المرأة الذي دعا إلى تحرير المرأة ورفع الحجاب)
ثم يقول الكاتب مغتاظاً متحسراً متأسفاً:
(الغريب أنه بعد مرور (٧١) سنة على وفاته - وفي نفس الوقت الذي نحتفل فيه بذكراه - تقوم الدعوة إلى رجوع المرأة إلى البيت وحجبها عن المشاركة في الحياة العامة) اهـ
الإسلام يعود من الجامعة:
وهذا الصحافي (مصطفى أمين) يقلقه انتشار المد الإسلامي بين الفتيات في مصر خاصة في الجامعات وبين أعلى الطبقات ثقافة فيقول:
(حارب الأحرار في هذا البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها ويظهر أن بعض الناس يريدون العودة بها إلى الوراء وقد يحدث هذا في أي مكان لكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر) (٤٥٠) اهـ.
ذهب مع الريح:
وقال أحدهم في " صباح الخير" وقد تلقى بعض الردود المفحمة من فتيات محجبات عن آرائهن في ما يسمى (الحب) فلم ترقه إجاباتهن:
(أي جامعة هذه؟ وأي طالبات جامعيات هؤلاء في النصف الثاني من القرن العشرين!؟ حيث المرأة مساوية للرجل وتصعد إلى الفضاء إن كل ما يفعله المجتمع وكل ما تفعله الحكومة من تعليم البنت وتشغيلها وما تفعله زعيمات النشاط النسائي
стр. 287
في مصر لتأكيد هذه المساواة وتربية المرأة المصرية على الخروج على عقلية الحريم تهدمه مثل هذه الأساليب في التربية والرعاية في المدن الجامعية للطلاب) (٤٥١) اهـ.
لا.. لجيل " هدى شعراوي ":
وجاء في مجلة أكتوبر عدد (٢٢) : نشرت صحيفة " كريستيان مونتيور " بحثاً عن الإنجازات التي حققتها المرأة المصرية في ميادين العلم والدراسات الاجتماعية وقالت الصحيفة: (شيء غريب في مصر لقد كانت الأمهات من جيل " هدى شعراوي " أكثر تحرراً وتقدماً من بعض الفتيات في مصر الآن.. الفتيات المحجبات والمتشددات! ومعنى ذلك أن هدى شعراوي وجيلها كن أكثر تحرراً وتطوراً من فتيات اليوم بنات وحفيدات هدى شعراوي) اهـ.
وهذه جريدة " الأهالي " الشيوعية تتابع الظاهرة في قلق وغيظ وتفرد لها بحثاً جاء في أثنائه على لسان " د / زينب رضوان " قولها: (انتشر الحجاب بين الطبقة المثقفة قبل العوام وهذا على عكس ما هو متعارف عليه ونفس هذه الطبقة المثقفة هي التي رفضت الحجاب في زمن " هدى شعراوي " وخلعته وداسته (٤٥٢) وهي ذاتها التي عادت تنادي به وبالعودة إلى الأصالة بالإضافة إلى أن الغالبية العظمى من المحجبات من الطبقة الوسطى وهي الطبقة التي تقود التغيير في أي مجتمع صحيح أنه انتشر أيضاً بين الطبقة الأرستقراطية ولكن بنسبة أقل) (٤٥٣) اهـ.
وهذه (أمينة السعيد) تصف الحجاب بأنه ثياب ممجوجة وتقول وقد ملأتها الحسرة:
(فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها زي
стр. 288
إسلامي لم أجد ما يعطيني مبرراً منطقياً معقولاً لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لف أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء) (٤٥٤) .
عاد الحجاب:
وكتبت " منى رمضان " في (أكتوبر) :
(عاد الحجاب مرة أخرى كظاهرة على وجوه الفتيات والسيدات في مصر وهذه ليست آخر صيحة في عالم الموضة كما قد يتبادر إلى الذهن ولكنه نوع من الحشمة و " إحياء " التقاليد الإسلامية التي تطلب من النساء أن " يدنين عليهن من جلابيبهن " والحشمة هنا نابعة من داخل المرأة وعلى أساسها فصلت هذه الثياب) اهـ.
سلفيات.. لا مرتدات:
حقاً إنهم حائرون.. وهذا فيلسوفهم الهرم " زكي نجيب محمود " يتباكى على تبرج الجاهلية الذي انقشع أمام الصحوة الإسلامية فيقول:
(أصابت المرأة المصرية في أيامنا هذه نكسة ارتدت بها إلى ما قبل.. هناك اليوم عشرات الألوف من النساء المرتدات ينزلقن تطوعاً إلى هوة الماضي.. والمأساة أن المرأة اليوم تتبرع سلفاً بحجاب نفسها قبل أن يأمرها بالحجاب والد أو زوج.
إن أبشع جوانب هذه الردة في حياة المرأة المصرية ليس أن أحداً يتدخل في شئون حياتها ليس هو أنها تريد أن تتعلم إلى آخر المدى فيمنعها أحد لأن أحداً لا يمنعها من ذلك وليس هو أنها تريد أن تعمل بما تعلمته فيمنعها أحد لأن أحداً لا يقفل في وجهها أبواب العمل وإنما الجانب البشع من تلك الردة هو أن المرأة اليوم تريد أن
стр. 289
تجعل من نفسها - وبمحض اختيارها - حريماً يتحجب وراء الجدران أو يتستر وراء حجب وبراقع) (٤٥٥) .
ثم يصف زمن السفور متحسراً عليه قائلاً: (ذلك زمن أوشك على الذهاب مع رائدات الجيل الماضي) ، ويستطرد قائلاً:
(إن في طائفة كبيرة من نساء هذا الجيل وبناته نكوصاً على الأعقاب بالقياس إلى الطموح الذي تميزت به أمهاتهن في الجيل الماضي وأنها لمفارقة شديدة في أي مجتمع أن ترى الجيل الأصغر منه سلفياً بدرجة تزيد على الحد المألوف وترى الجيل الأكبر منه أقل سلفية..
وبينما الشباب الثائر في البلاد الأخرى كان يحتج على أوضاع الحياة الراهنة رأينا ثورة شبابنا تحتج هي الأخرى على أوضاع الحياة الراهنة وتدعو إلى العودة بها إلى نموذج السلف) (٤٥٦) .
وفي فرنسا أيضاً قلقون:
فقد كان أول سؤال وجهته الصحافية الفرنسية " كاتي برين " إلى " سيدة مصر الأولى والأخيرة ": (انتشرت عادة الحجاب بين الفتيات في مصر فما رأي السيدة " جيهان " في هذه الظاهرة؟)
فتجيب - وكأنه أسقط في يدها أمام قوة انتشار هذه الظاهرة:
(في نظري أن المسئولية تقع على عاتق أساتذة الجامعات فهم سبب في انتشار تلك الظاهرة فإذا قام أستاذ واحد بطرد فتاة واحدة من محاضراته مرة واثنتين فسوف تقلع الفتيات عن ارتداء الحجاب ... ) اهـ.
стр. 290
أمريكا وإسرائيل تحذران الغرب:
" الإسلام قادم ونحن على خطر عظيم ":
في مقال عن قلق أمريكا وإسرائيل من الصحوة الإسلامية كتبت صحيفة " فورتشن " تقول: (إنه حتى في الجامعات العبرية في إسرائيل بدأ الطلاب العرب المسلمون يبدون اهتماماً متزايداً بالعودة إلى دينهم وبدءوا يمارسون ضغوطاً على السلطات اليهودية للسماح بفتح كليات للثقافة الإسلامية والشريعة الإسلامية في الجامعات اليهودية كما بدأ العديد منهم يطلقون لحاهم ويؤدون العبادات الإسلامية في الجامعات اليهودية في حين بدأت الفتيات المسلمات في ارتداء الزي الإسلامي الشرعي) (٤٥٧) .
" عسى أن يكون قريباً "
وفي مقال آخر تقول الصحيفة نفسها: (إن الاتجاه الديني في مصر يرسخ أقدامه يوماً بعد يوم فالشباب المصري مفتون بالصحوة الإسلامية الثورية كما أن الفتيات المصريات يبدين اهتماماً متزايداً بالإسلام وفي جامعة القاهرة يزيد عدد الطالبات الملتزمات بالزي الشرعي وقد يأتي يوم لا تبقى فيه طالبة مصرية واحدة إلا وقد ارتدت الزي الشرعي الإسلامي) (٤٥٨) اهـ.
المعركة مستمرة:
أعداء الحق في كل عصر على وتيرة واحدة وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشئون وعلى المسلمة الصادقة أن توقن أن المعركة بين الحجاب والسفور بين الحق والباطل بين الإيمان والكفر لا تنقطع فإن التاريخ يعيد نفسه وإن هذه سنة الله في خلقه ﴿ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾ فاطر (٤٣) .
ألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تبطلن من عند يوم ولا غد خلاف الذي مرت به السنوات
стр. 291
قال تعالى:
﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾
(٤٥٩) التوبة (٧٣) .
وعن كعب بن مالك مرفوعاً:
" اهجوا بالشعر إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله
والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحوهم بالنبل " (٤٦٠)
فيا كتائب الحق في كل مكان:
جردوا أسنة العزائم والرد واستعينوا على رد الباطل بالواحد الفرد اكشفوا ما في مناهجهم من المؤاخذات وبينوا ما فيها من الخطأ والغلطات ليظهر جهل أعداء الحق وفساد أقوالهم للناظرين ولا عدوان إلا على الظالمين.. فتالله ما بارز جنود الحق قط قرن إلا كسروا قرنه فقرع من ندم سنه ولا ناحرهم خصم إلا بشروه بسوء منقلبه وسدوا عليه طريق مذهبه لمهربه.
فاللهم من أراد الإسلام وأهله بسوء فاردد عليه دائرة السوء ورد كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره - اللهم اغفر لجامعه ولوالديه
و ﴿ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾
ولإخوانه في الله ولمن نظر فيه فدعا له بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك مجيب الدعوات وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله القسم التاريخي من " عودة الحجاب " ويليه بإذن الله القسم الخاص بمكانة المرأة وموضوعه:
المرأة
بين تكريم الإسلام
وإهانة الجاهلية
الإسكندرية في
السبت ١٢ من ربيع الثاني ١٤٠٤ هـ
الموافق ١٧ من ديسمبر ١٩٨٣ م
стр. 292
المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية
تأليف محمد بن احمد إسماعيل المقدم
عفا الله عنه
دار ابن الجوزي
القاهرة
стр. 293
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٦ هـ/٢٠٠٥ م
رقم الإيداع: ٨٧١٣/٢٠٠٥
دار ابن الجوزي
للنشر والتوزيع
جمهورية مصر العربية
٢٢ درب الأتراك خلف الجامع الأزهر
القاهرة
ت: ٠٠٢٠٢٥١٤٣١٤١
تليفاكس: ٠٠٢٠٢٥١١١٧٥٠
стр. 294
أنت نصف الأمة. .
ثم إنك. .
تلدين لنا النصف الآخر. .
فأنت أمة بأسرها. .
стр. 295
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 296
مقدمة الطبعة الخامسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على فضله ونعمائه، والصلاة والسلام على خير أصفيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه، وبعد:
فهذه هي الطبعة الخامسة من "المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية" وقد أضيف إليها زيادات وتحقيقات نافعة إن شاء الله.
وهذا الكتاب كان قد أدرِجَ ضمن مجموعة "عودة الحجاب" مع أن تعلقه به غير مباشر، وربما كان الدافع إلى ذلك درء ما يدعيه أعداء الإسلام وأدعياؤه من أن الحجاب بمعناه الشرعي الشامل يشل حركتها، ويعوق رسالتها، وهذا الزعم مبني على افتراض أن المرأة داخل بيتها خلية فارغة، وهذه الدراسة مما يؤكد بطلان هذه النظرة، ومناقضتها للحقيقة، فهي تبين للمنصف أن للمرأة في بيتها وظيفة مقدسة، ورسالة سامية، تجعل من هذا البيت قلعة من قلاع العقيدة، وحصنا من حصون الإسلام، وتبين أيضا مدى الجرم الذي ترتكبه الأمهات والزوجات "الهاربات" من ساحة "جهادهن المقدس" الذي هو "حسن التبعل" و "صناعة الأبطال" و "إعداد أمهات المستقبل".
إن جوانب عظمة الإسلام لا حصر لها، وإذا ما جئته من أي النواحي متأمِّلا ما فيه من الحكمة والإبداع لازددت يقينَا بأن هذا دين الله ، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وهذا الكتاب محاولة لتوكيد هذه الحقيقة من خلال الأحكام التشريعية، ومن خلال النماذج التطبيقية الواقعية التي
стр. 297
أثمرتها التربية الربانية لخير أمة أخرجت للناس.
والله ﵎ هو المسئول المرجو الإجابة أن يتقبله بقبول حسن، وأن ينفع به النفع العميم، في الدنيا ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
الإسكندرية في الأحد
٩/٤/١٤١١ هـ
٢٨/١٠/١٩٩٠ م
стр. 298
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* الباب الأول *
تمهيد
الحمد لله مستحق الحمد وأهلِه، ومبين الهدى بإيضاح سبله، أحمده حمدًا دائمًا بلا فترة، وأشكره على نعمه التي لا تحصى كثرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها نجاة من عذاب الحفرة، وسلاماً من العدو في العسرة واليسرة.
أحمده على نعماه، وأصلي على عبده ورسوله محمد الذي اختاره واجتباه، وأحبه وارتضاه، وعظَّمه وكرمه، ورفعه على من سواه..
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداه.
لا يخفى على أي مؤمن صادق ما آل إليه أمر الإسلام وحال المسلمين في زماننا هذا من الغربة، فالموافق المتابع فيه على وصفه الأول قليل، والمخالف هو الكثير، وقد اندرست رسوم كثير من الشرائع أو كادت، حتى مدت الفتن أعناقها، واستطار شررها، وعم ضررها، والتبست الأمور على الجمهور، فظهر مصداق قول رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة (*) الحديث، وقوله ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ،
стр. 299
فطوبى للغرباء" (١) .
وفي رواية: " قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس" (٢) .
وفي رواية للإمام أحمد: "الذين يصلحون إذا فسد الناس" (٣) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: " طوبى للغرباء، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصهم أكثر ممن يطيعهم" (٤) ، وفي رواية:
стр. 300
"من يُبْغِضُهم أكثر ممن يحبهم".
وعن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر" (٥) .
قال المناوي ﵀: "شبه المعقول بالمحسوس، أي الصابر على أحكام الكتاب والسنة يقاسي بما يناله من الشدة والمشقة من أهل البدع والضلال مثلَ ما يقاسيه من يأخذ النار بيده، ويقبض عليها، بل ربما كان أشد، وهذا من معجزاته ﷺ ، فإنه إخبار عن غيب، وقد وقع (٦) .
وقال المباركفوري ﵀: (قال الطيبي: (المعنى: كا لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده، كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه، لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإيمان" انتهى، وقال القاري: (الظاهر أن معنى الحديث: كما لا يمكن القبض على الجمر إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة، كذلك في ذلك الزمان لا يُتَصَورُ حفظُ دينهِ ونورِ إيمانه إلا بصبر عظيم" انتهى) (٧) اهـ.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن من ورائكم زمانَ صبر، للمتمسك فيه أجْرُ خمسين شهيدا منكم" (٨) .
стр. 301
ويروَى عن أبي أمامة الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشَني ﵁ قال: قلت: (يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: (عليكم أنفسَكم) ؟ (المائدة ١٠٥) ، قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحًّا مطاعًا، وهوى متبعا ودُنيا مُؤثَرة، وإعجابَ كل ذى رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيامَ الصبرِ، الصبر فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم") (٩) ، زاد أبو داود في حديثه: "قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلًا منكم".
وعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " العبادة في الهَرج كهجرة إليَّ" (١٠) ، قوله: "العبادة في الهرج" أي الفتنة واختلاط أمور الناس، "كهجرة إليَّ" قال النووي ﵀: "وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد" (١١) اهـ.
стр. 302
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن من حديث خالد بن الوليد أن رجلا قال له: يا أبا سليمان! اتق الله، فإن الفتن ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حيٌّ فلا، إنما تكون بعده، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، فتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة أيام الهرج) (١٢) اهـ، وقال المناوي ﵀: ("كهجرة إليَّ " في كثرة الثواب، أو يقال: المهاجر في الأول كان قليلا لعدم تمكن أكثر الناس من ذلك، فهكذا العابد في الهرج قليل، قال ابن العرفط: وجه تمثيله بالهجرة أن الزمن الأول كان الناس يفرون فيه من دار الكفر وأهله إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعيَّن على المرء أن يفر بدينه من الفتنة إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم وتلك الحالة، وهو أحد أقسام الهجرة) (١٣) اهـ.
стр. 303
[فصل]
المرأة
سلاح ذو حدين
أخذت الأرض زخرفها وازينت.. وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وانصرف الناس عن دينهم إليها، وانقاد السواد الأعظم لغرورها، وافتتنوا بحضارة الغرب وزخارف الشرق، وصادف هذا كله غفلة دعاة الحق، وكتمان البعض- الا من رَحِمَ الله- ما أنزل الله من البينات والهدى، لكن أعداء الإسلام لم يغفلوا عنا، فحملوا بخيلهم ورجلهم، وجردوا الحملات المسلحة بسهام الشهوات وسموم الشبهات لتعيث في قلوب المسلمين فسادًا، وتجوس خلال ديارهم، لتسلخهم من دينهم الحق الذي ارتضى الله لهم ... وقد كان هؤلاء الأعداء خبثا ماكرين، في حربهم، إذ تفرسوا في أسباب قوة المسلمين وحدَّدوها، ثم اجتهدوا في توهينها وتحطيمها بكل ما أوتوا من مكر ودهاء..
علموا أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، وهم يعلمون أيضا أنها سلاح ذو حدين، وأنها قابلة لأن تكون أخطر أسلحة الفتنة والتدمير، ومن هنا كان النصيب أكبر من حجم المؤامرات التي بدأت بإسقاط الخلافة، وانتهت - حتى الآن - بأعلام تحمل "نجمة داود" ترفرف في عواصم إسلامية (١٤) .
стр. 304
١٥
قال محمد طلعت حرب في كتابه "تربية المرأة والحجاب": (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في الشرق - لا في مصر وحدها - إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل. . بل الفساد الذي عم الرجال في الشرق) (١٥) اهـ.
إن المرأة تملك مجموعة من المواهب الضخمة الجديرة بأن تبني أمة، وأن تهدم أمة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" (١٦) .
وعن أسامة بن زيد وسعيد بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء" (١٧) .
وروى أبو نعيم في "الحلية" بسنده عن حسان بن عطية قال: "ما أتيت
стр. 305
١٦
أمة قط إلا من قبل نسائهم " (١٨) .
وقد كان للمرأة المسلمة دور رائع في بناء الصرح الإسلامي نفرده بالبسط في فصول مقبلة إن شاء الله، وقد انتفعت الأمة بهذا الحد النافع من سلاح المرأة في قرونها الخيرية، ثم لم تلبث الحال أن تدهورت شيئا فشيئا وجرحت الأمة بالحد المهلك من "سلاح المرأة" (١٩) وهل ننسى أن المعز الفاطمي - بعد أن فتح ما يلي إفريقية من البحر المحيط أخذ يرنو إلى غزو مصر واجما متهيبا حتى جاءته الأنباء متواترة عن "استهتار" نساء الإخشيد، فتحرك للعمل وأرسل قائده جوهرا لفتح مصر وقال: "اليوم فتحت مصر، الآن لا يصدنا عنها شيء"، فكان الأمر وفق ما قال (٢٠) .
وكذلك لا ننسى أن انحراف المرأة أو الانحراف بالمرأة كان السبب الأول في أن حضارات عتيقة انهارت وتمزقت كل ممزق ونزل بأهلها العقاب الإلهي، والأوجاع والأمراض الفتاكة كما وقع قديما لليونان والرومان والفرس والهنود وبابل وغيرها من الممالك (٢١) ، أما في عصرنا الحاضر فقد ذخر التاريخ الحديث بعبر وَمَثُلات تزيد يقين المؤمن بشؤم هاتيك المعاصي والشهوات التي غرق فيها الغربيون، وتبعهم عليها كثير من الأمم، الأمر الذي ينذر بسوء العاقبة، ويحق لنا معه أن نتساءل:
(أليس حسبنا أن نرى - مثلا - حاملة لواء هذه الفوضى اللاأخلاقية "فرنسا" تركع أمام خصومها وتحت أقدام أعدائها مستسلمة في سرعة
стр. 306
١٧
عجيبة (٢٢) ، حتى قال لهم قائد حربهم الماريشال "بيتان" يقرعهم، ويوبخهم: " زنوا خطاياكم بني قومي - إن خطاياكم ثقيلة، إنكم لم تريدوا أطفالا، وهجرتم حياة الأسرة، ونبذتم الفضيلة، وكل المثل الروحية، وانطلقتم إلى الشهوات تطلبونها في كل مكان، فانظروا إلى أي مصير قادتكم الشهوات؟ ") (٢٣) .
ويحق لنا أيضا أن نتعجب ونتساءل:
(ألم يكن جديرا بهذا الغرب أن يلحظ العبرة في مصاير تلك الأمم التي سبقته إلى عبادة الجسد؟ . . ألم يسمع بمصير اليونان والرومان وهما أقرب السابقين إليه؟!
وصح عن التابعي الجليل جبير بن نفير ﵀ أنه قال: (لما فتحت قبرص فرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، ورأيت أبا الدرداء ﵁ جالسا وحده يبكي، فقلت: "يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! "، قال: "ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى! ") (٢٤) .
عبرة من "بومبي":
ولعمري إن في "بومبي" (٢٥) وحدها ما يكفي لإيقاظ ضميره لو أن
стр. 307
١٨
في ضميره بقية من حياة.
لقد أخبرنا التاريخ بهلاك هذه البلدة في غمرة مفاجئة من حمم "فيزوف" طمستها في دقائق معدودة، ولكنه لم يعرفنا شيئا عن هذه المدينة سوى أنها بلد الفن الإيطالي حتى إذا شاء الله أن يكشف عبرتها، هدى الإنسان إلى إبرازها من تحت الركام، فإذا هناك عجب.. شعب بأكمله استحال إلى محنطات لم يبل منها شيء، ولم يتغير وضع، حتى الخباز لترى في يديه لوحا مستخرجا به الخبز.. وحتى السكارى ليمسكون بكؤوس الخمر على شفاههم ... وحتى الفاسقون في أشنع حالات الفحشاء.
وكان من بالغ عبر بومبي ما يراه السائحون هناك فوق مداخل بعض القصور: رسوم موازين منحوتة في الصخر في إحدى كفتي الواحد منها أكداس من الجواهر، يقابلها في الأخرى "رمز اتخذوه للفاحشة"، راجحا على تلك الأكداس، إشارة إلى أن الشهوة عندهم هي غاية الحياة. إن مَثُلات القدر لم تنته من الأرض، فلئن هلك بعض الأمم الظالمة بالخسف أو النسف أو الجوع أو المسخ ... إن ذلك لمستمر لم ينقطع بعد ولن ينقطع (٢٦) .. وإلا فما هذه الزلازل تقرع البشر هنا وهناك؟ ... وما هذه السيول تجرف المدن والقرى في الشرق والغرب؟ ... وما هذه الأمراض الفتاكة تجتاح الإنسان في كل مكان؟ وقد عجز العلم عن استئصالها، فما يكاد أن يستريح من غارة حتى يستأنف التعبئة لدفع غارة!
стр. 308
أما المسخ فما أكثره في هذا العصر ... الذي مُسِخَ فيه معظم البشر آلاتٍ تحرك آلات.. فلا وفاء ولا حنان ولا عدالة ولا أمان ... فكأن الأرض كلها على فُوَّهة بركان!
من "أوربة" تأتي الفتن:
وليس الغرب وحده هو المسئول عن شيوع الفاحشة في قديم العالم وحديثه ... فكثير من الأم مشتركة في تبعة هذا الاتجاه الرهيب.. ولكنْ لا مراء أن الغرب مسئول إلى حدّ كبير عن انتصار الرذيلة، وامتداد ظلماتها على أنحاء العالم في عصرنا الراهن، وذلك بما سخر من علومه، ومواهبه للدعاية إلى هذه الفاحشة، وتزيينها في أعين المغفلين.. وبخاصة من هذا الشرق.
ولعل سرور الغرب بنجاحه في إفساد أخلاقنا أعظم بكثير من سروره باستنزاف أموالنا في منتجاته الصناعية الكمالية وغيرها، كما يشهد بذلك المنصر الأمريكي "بيارد دودج" حين يقول في محاضرة له عن الإسلام: ".. ويلوح في أن هوليود قد أثرت في الجيل الحاضر من المسلمين أكثر من تأثير مدارسهم الدينية " (٢٧) .
ونحن العربَ- مع الخجل الكبير- لم نقصر في الترويج لهذه المفاسد قديما وحديثًا، ولكن الرذيلة هي الرذيلة سواء انتسبت إلى الشرق أو إلى الغرب، وعندما تهاجم النار دارا لا يسأل أهلها: " من أين جاءت؟ "، قبل أن يبذلوا وسعهم في إخمادها، ونحن عندما نشير إلى الغرب في كلامنا عن أخطار التحلل الأخلاقي المشهود، فلكي ندل على المنفذ الكبير الذي يجب إغلاقه لنتمكن من حصر الخطر، وقد كان لنا عبرة في ماضينا الوجيع
стр. 309
يوم أهمل الناس أمثال هذه المقاصد، فتركوها تستشري ثم تتجمع، فتتحول إلى سيول ما لبثت أن نسفت سدودنا، فأسلمت مواريثنا الضخمة في الشرق والغرب لقمة سائغة إلى متوحشة التتار، وإلى متعصبة الأسبان والصليبيين. وليس من الإخلاص لديننا وأمتنا أن ندع العابثين يبثون ألغامهم في "تحصيناتنا الأخلاقية" لِيُحَوِّلوا الملايين من أبنائنا وشبابنا إلى "عناصر هزيمة " تخدم أهداف أعدائنا في تقويض صرح الأمة، بتحطيم شبابها، وشحن أعصابهم بالمواد الناسفة.
وقد أدرك أحفاد التتار والصليبيين والرومان أن من اكبر ما لقيه آباؤنا الأولون من العون في فتوحهم لفارس والروم - بعد الإيمان- إنما جاء من انحلال الأخلاق في هاتين الدولتين، فكان الدم الجديد ممثلًا في تلاميذ مدرسة النبوة، ينازل الدم الفاسد المهترئ، ممثلا في جنود الإمبراطوريتين، فلم يكن عجيبًا أن يقهر الإيمان الكفر، وأن تغلب القوة الضعف، وأن تهزم الصلابة الميوعة ...
ثم لقد علم هؤلاء الموتورون أننا لم نخسر أمجادنا العظيمة إلا عندما فتحنا قلوبنا وعقولنا وبيوتنا لسموم هذه الأمم، تكتسح بميوعتها صلابتنا، وتذيب برذائلها رجولتنا، فكانت هزيمتنا يوم ذاك هزيمة الخلائق قبل أن تكون هزيمة المعارك) (٢٨) .
ومن هنا:
كانت المخططات التي رسمها الأعداء ترمي إلى شل المرأة المسلمة عن وظيفتها البناءة سلبًا، ثم الزج بها إلى مواقع الفتنة وتدمير الأخلاق إيجابًا،
стр. 310
تحت ستار خداع من المصطلحات البراقة كالتحرير والتجديد والتقدم. وهذا أحد أقطاب المستعمرين يقول: "كأس وغانية تفعلان في تحطيم الأمة المحمدية أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرِقوها في حب المادة والشهوات) .
وقال أحد كبراء الماسونية: (يجب علينا أن نكسب المرأة، فأي يوم مدت إِلينا يدها فزْنا بالحرام، وتَبدَّد جيش المنتصرين للدين) .
وجاء في " بروتوكولات حكماء صِهْيُون": (يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا، إن "فرويد" منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر هو إرواء غريزته الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه) (٢٩) اهـ.
وتقول المنصرة " آن ميليجان":
(لقد استطعنا أن نجمح في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن باشوات وبكوات، ولا يوجد مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وبالتالي ليس هنالك من طريق أقربَ إلى تقويض حصن الإسلام من هذه المدرسة) (٣٠) اهـ. لقد عز عليهم أن تجود المرأة المسلمة على أمتها كما جادت من قبل بالعلماء العاملين والمجاهدين الصادقين، فصار همهم أن يعقموها أن تلد مثل عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، وعائشة بنت الصديق، وسمية بنت خُبَّاط، وأسماء ذات النطاقين، والخنساء.
стр. 311
لقد ظلت المرأة المسلمة طيلة القرون الخالية مصونة متربعة على عرشها قارةً داخل مصنع رهبان الليل، وفرسان النهار"، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها، فراح أعداؤها الموتورون يحيكون المؤامرة تلو المؤامرة، وينصبون لها الشباك، ويحتالون بشتى الحيل، إلى أن تم لهم - في زمن قياسي - ما أرادوا، ولم يرفعوا أيديهم عن أمتنا، ويسحبوا جيوشهم من بلادنا إلا وقد اطمأنوا أنهم خلفوا وراءهم جيشًا أمينا على مآربهم، حفيظًا لعهودهم، ممثلًا في قادة الفكر والأدب و "الفن" من المغررين المبددين الذين أطلق عليهم - زورا - المحررين المجددين، فتراهم يستخفون تحت العمائم، وتارة يلبسون مسوح العلماء والناسكين، وتارة يسفرون عن وجوههم الحقيقية ليجهروا بالعداوة والبطش بالذين يأمرون بالقسط من الناس، وهم أنفسهم الذين ادَّعَوْا يوما أنهم حماة الدين، ورافعو لواء العلم، ودعاة الإيمان.
أرى الإيمان دعوى يعجب الناسَ حسنها ... ويخدعُهم عنها الحديث الملفق
أكاذيب يزجيها الفتى وهو عالم ... إذا ما ادعاها أنه ليس يصدق
стр. 312
[فصل]
القضية الأم
القرآن والسلطان
اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس،
وما لا أصل له ... فمهدوم،
وما لا حارس له ... فضائع.
الأمام أبو حامد الغزالي
إن الإسلام كل لا يتجزأ، وليست مظاهر الانحراف عن هذا الدين في معظم المجالات إلا نتيجة ضياع "السلطان" الذي جاء فيه عن عثمان بن عفان رضي عنه قوله: "ما يزعُ الناسَ السلطانُ أكثرُ مما يزعهم القرآن " (٣١) .
ونظًرا لما يمنحه الإسلام للسلطان من صلاحيات يحرس بها الدين،
ويذود عن حماه، ويسوس الدنيا بالدين، فيؤتمن على مصاير البلاد، ومصالح العباد، فطن أعداء الإسلام أيضًا لهذا المصدر العظيم من مصادر قوة الأمة، فحرصوا على نقض هذه العروة الوثقى من عرى الإسلام، وقد تم لهم ما أرادوا حين أفلحوا في الإجهاز على آخر شكل صوري للخلافة العثمانية، فتحقق مصداق قول الصادق المصدوق ﷺ : " لتنْقَضَن عُرَى الإسلام
стр. 313
عُرْوَة عروةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناسُ بالتي تليها، فأوَّلهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة" (٣٢) فكان سقوط الخلافة أول دركة انحطت بعدها الأمة إلى ما يليها من دركات سلخهَا من خصائصها المتميزة التي طالما احتفظ بها المسلمون رغم تقلبات القرون والمحن، تلك الخصائص التي أورثتهم عبر الأجيال عزة ومنعة أذلوا بها رؤوس الجبابرة، وكسروا ظهور الأكاسرة، وقصموا رقاب القياصرة.. وهذا شوقي يصرخ عقب انهيار الخلافة متوقعا ما يمكن أن تتمخض عنه تلك الفتنة (٣٣) :
فَلَتَسمَعُن بكلِّ أرض داعيًا ... يدعو إلى "الكذاب" أو لِسَجَاحِ (٣٤)
وَلَيُشْهَدَنَّ بكل أرض فِتْنةٌ ... فيها يبَاعُ الدينُ بيع سَمَاحِ
ورحم الله الإمام عبد الله بن المبارك إذ قال: (٣٥)
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... منه بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان معضلة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا
стр. 314
لقد غدت عودة الحكم الإسلامي والسلطان المسلم أملًا يراود المسلمين في شتى بقاع الأرض، وتوحدت عليه قلوبهم، ولكنهم اختلفوا أيما اختلاف في كيفية هذه العودة المرتقبة، التي وعد الله بها في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (٣٦) ، ووعد بها رسول الله ﷺ في غير ما حديث" (٣٧) .
ومع تباين السبل المقترحة للوصول إلى هذا الهدف واختلاف أصحابها إِلا أنه يكاد يتفق الجميع على أن الخطوة الأولى هي أن نصلح أنفسنا فإن الهداية فرع الاهتداء، والإصلاح فرع الصلاح، "ولا يستقيم الظل والعود أعوج"، فمن هنا كان لزامًا علينا أن نصحح فهمنا للإسلام الذي نجاهد لتمكينه، والذي تأثر كثيرا بحملات الغزو الفكري في كثير من المجالات، ثم نلتزم بما يمليه علينا هذا التصحيح.
ومن هذه المجالات الخطيرة وضع المرأة ... إنها قضية لا تحتمل التأجيل إلى ما بعد تحقيق الأمل المنشود بإذن الله ، لسبب رئيسي ألا وهو أن قيام الدولة الإسلامية وبعث الأمة المسلمة منوطان بوضع المرأة المسلمة في كثير من الجوانب. . .
فالمرأة هي أم المجاهدين، وبنت المجاهدين، وزوج المجاهدين، وأخت المجاهدين، وبدون "المرأة المسلمة" و "البيت المسلم" لا يمكن أن تقوم "الدولة المسلمة"، وعودة الإسلام لن تكون إلا على أيدي وأكتاف أولي عزم يقيمون الإسلام في أنفسهم وبيوتهم، ويحكمون بما أنزل الله في خاصة أنفسهم وأهليهم أولًا، حتى يستحقوا تنزل النصر عليهم، وحتى يأمنوا أن
стр. 315
يخذلهم الله في مواطن اللقاء مع الأعداء (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد: ١١) .
ونحن - المسلمين - مكلفون بتطبيق "ما أنزل الله" متعلقا بنظم الحياة الإسلامية الشاملة في مجتمعاتنا، فإذا تنَحلْنا المعاذير لتقصيرنا في هذه الفريضة، فماذا عسى أن يكون عذرنا إذا لم نحكم "بما أنزل الله" في بيوتنا؟ وماذا يكون عذرنا ونحن قادرون بعون الله على أن نستقي فهمنا للإسلام، ولقضية المرأة - على وجه الخصوص - من منابع الإسلام الصافية؟
إنه لا يسوغ لنا، ولا يليق بنا أن نتلفت حيارى بحثًا عن الطريق، وبين أيدينا المعين الذي لا ينضب في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، فنكون:
كالعِيس (٣٨) في البيداء يقتلها الظَّما ... والماء فوق ظهورها محمولُ
стр. 316
[فصل]
بين الترقيع ... والأصالة
إن "الترقيع" و "التقليد" مرفوضان في طريق الإصلاح الإسلامي، فوضع المرأة الحالي الذي يحاول أن يسَوغَهُ بعضُ المنهزمين بنصوص إسلامية، إنما هو "ترقيع" في أحكام الإسلام التي لا تحتاج إلى عملية "تجميل" ليقبل عليها الناس، لأن هذه الأحكام الربانية السامية تحمل في طياتها جاذبية كامنة تهوى إليها أفئدة المؤمنين والمؤمنات الذين رَضوْا بالله ربُّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولًا.
إن تقليد أغلب المسلمين والمسلمات لغيرهم إنما هو أمارة الانهزام الداخلي الذي ينعكس في هذه التبعية العمياء التي أودت بأصالتهم، وأفقدتهم " العزة الإسلامية"، وجعلتهم يهونون على ربهم، ويهونون على أنفسهم. " ويل للمغلوب من الغالب":
ولله دَر العلامة ابن خلدون ﵀ إذ عقد فصلًا خاصا في "مقدمته" (٣٩) جعله بعنوان:
"المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وبين فيه أن الذي يقلد غيره إنما هو الضعيف والناقص والمغلوب والجاهل، فقال:
стр. 317
" ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمالَ فيهم، حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسرى إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة أي (الأسبان) ، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحْوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يَسْتَشْعِر من ذلك الناظرُ بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله" اهـ.
وصدق ابن خلدون ﵀، فلقد توقع استيلاء الإفرنج على الأندلس الإسلامية، وخروج المسلمين منها قبل أن يقع ذلك بنحو مئتي سنة، ولم يكن له دليل على ذلك إِلا مشاهدته تشبه المسلمين بالأعداء في ملابسهم وشاراتهم وعاداتهم وأحوالهم.
إن الاعتزاز بالإسلام، والفخر بأحكامه الإلهية، والاستعلاء بها على كل ما خالفها من نظم ومناهج، هو مفتاح عودتنا إلى الإسلام، وعودة الإسلام إلى حياتنا.
"الإسلام يَعلُو، ولَا يُعلى" (٤٠) :
وتأمل مَعي هذه القصة التي رواها الحاكم من طريق ابن شهاب قال:
стр. 318
أخرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالًا لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" (٤١) ، وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره) .
وهذا ربعي بن عامر يرسله سعد ﵁ قبل القادسية رسولا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى
стр. 319
عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (٤٢) .
(وحينما كانت البعثات الطلابية النصرانية تفد إلى ديار الإسلام وحواضره لتلقي العلم رغما عن رجال الكنيسة كان ذوو هؤلاء الطلاب ورجال الكنائس التي يتبعونها يبذلون كل جهدهم لوضع حواجز نفسية في نفوس هؤلاء الطلاب وعقولهم تحول دون تأثرهم بالفكر الإسلامي وبحياة المسلمين، ولقد بلغ من حرص الكنيسة على هذا أنها أصدرت قرارَا كنسيا تقول فيه: " إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين ييدأون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان. ." وأما اليهود فتلمودهم وشروحه وتعاليم أحبارهم حافلة بكل ما من شأنه إيجاد الحواجز المادية والنفسية بينهم وبين سواهم، ولولا هذه الحواجز- بغض النظر عن خطئهم أو إصابتهم فيها- لذاب اليهود منذ قرون في سواهم من الأمم، ولانتهى وجودهم) (٤٣) .
"موشى ديان".. واعظًا:
(لقى وزير الدفاع الإسرائيلي في إحدى جولاته شابا مؤمنًا في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: "أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آتٍ
стр. 320
بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ : " لتقاتلن اليهود أنتم شَرْقِي النهر، وهم غَرْبِيه"، فابتسم ديان الماكر، وقال: "حقا! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلا. . . ولكن متى؟ " واستطرد اليهودي الخبيث يقول: "إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه.. عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل ") (٤٤) .