← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

[فصل] بين الترقيع ... والأصالة إن "الترقيع" و "التقليد" مرفوضان في طريق الإصلاح الإسلامي، فوضع المرأة الحالي الذي يحاول أن يسَوغَهُ بعضُ المنهزمين بنصوص إسلامية، إنما هو "ترقيع" في أحكام الإسلام التي لا تحتاج إلى عملية "تجميل" ليقبل عليها الناس، لأن هذه الأحكام الربانية السامية تحمل في طياتها جاذبية كامنة تهوى إليها أفئدة المؤمنين والمؤمنات الذين رَضوْا بالله ربُّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولًا. إن تقليد أغلب المسلمين والمسلمات لغيرهم إنما هو أمارة الانهزام الداخلي الذي ينعكس في هذه التبعية العمياء التي أودت بأصالتهم، وأفقدتهم " العزة الإسلامية"، وجعلتهم يهونون على ربهم، ويهونون على أنفسهم. " ويل للمغلوب من الغالب": ولله دَر العلامة ابن خلدون ﵀ إذ عقد فصلًا خاصا في "مقدمته" (٣٩) جعله بعنوان: "المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، وبين فيه أن الذي يقلد غيره إنما هو الضعيف والناقص والمغلوب والجاهل، فقال:

стр. 317

" ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله، وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمالَ فيهم، حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها، فيسرى إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير، كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة أي (الأسبان) ، فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحْوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت، حتى لقد يَسْتَشْعِر من ذلك الناظرُ بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء، فالأمر لله" اهـ. وصدق ابن خلدون ﵀، فلقد توقع استيلاء الإفرنج على الأندلس الإسلامية، وخروج المسلمين منها قبل أن يقع ذلك بنحو مئتي سنة، ولم يكن له دليل على ذلك إِلا مشاهدته تشبه المسلمين بالأعداء في ملابسهم وشاراتهم وعاداتهم وأحوالهم. إن الاعتزاز بالإسلام، والفخر بأحكامه الإلهية، والاستعلاء بها على كل ما خالفها من نظم ومناهج، هو مفتاح عودتنا إلى الإسلام، وعودة الإسلام إلى حياتنا. "الإسلام يَعلُو، ولَا يُعلى" (٤٠) : وتأمل مَعي هذه القصة التي رواها الحاكم من طريق ابن شهاب قال:

стр. 318

أخرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلتهُ نكالًا لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله" (٤١) ، وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره) . وهذا ربعي بن عامر يرسله سعد ﵁ قبل القادسية رسولا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلي الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى

стр. 319

عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (٤٢) . (وحينما كانت البعثات الطلابية النصرانية تفد إلى ديار الإسلام وحواضره لتلقي العلم رغما عن رجال الكنيسة كان ذوو هؤلاء الطلاب ورجال الكنائس التي يتبعونها يبذلون كل جهدهم لوضع حواجز نفسية في نفوس هؤلاء الطلاب وعقولهم تحول دون تأثرهم بالفكر الإسلامي وبحياة المسلمين، ولقد بلغ من حرص الكنيسة على هذا أنها أصدرت قرارَا كنسيا تقول فيه: " إن هؤلاء الشبان الرقعاء الذين ييدأون كلامهم بلغات بلادهم، ثم يكملون كلامهم باللغة العربية لنعلم أنهم تعلموا في مدارس المسلمين، هؤلاء إن لم يكفوا عن ذلك فستصدر الكنيسة ضدهم قرارات حرمان. ." وأما اليهود فتلمودهم وشروحه وتعاليم أحبارهم حافلة بكل ما من شأنه إيجاد الحواجز المادية والنفسية بينهم وبين سواهم، ولولا هذه الحواجز- بغض النظر عن خطئهم أو إصابتهم فيها- لذاب اليهود منذ قرون في سواهم من الأمم، ولانتهى وجودهم) (٤٣) . "موشى ديان".. واعظًا: (لقى وزير الدفاع الإسرائيلي في إحدى جولاته شابا مؤمنًا في مجموعة من الشباب في حي من أحياء قرية عربية باسلة، فصافحهم بخبث يهودي غادر، غير أن الشاب المؤمن أبى أن يصافحه، وقال له: "أنتم أعداء أمتنا، تحتلون أرضنا، وتسلبون حريتنا، ولكن يوم الخلاص منكم لابد آتٍ

стр. 320

بإذن الله، لتتحقق نبوءة الرسول ﷺ : " لتقاتلن اليهود أنتم شَرْقِي النهر، وهم غَرْبِيه"، فابتسم ديان الماكر، وقال: "حقا! سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلا. . . ولكن متى؟ " واستطرد اليهودي الخبيث يقول: "إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قيمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه.. عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل ") (٤٤) .

стр. 321

[فصل] وضع المرأة ومسئولية الولاة "عندما تميد الأرض تحت أقدام الناس لا تجد بينهم من يستطيع تحديد موقفه ولا مصيره، إذ يكون الجميع مأخوذين بدهشة المفاجأة، - فليس لدى أحدهم فرصة لسؤال غيره، بل لا يخطر في بال أحد أن يسأل غيره. والعين التي تستطيع تسجيل هذه الحركة العامة يجب أن تكون خارج المجال، وفِى وضع معزول تماما عن تأثيره. ويبدو أن العقل الذي صنع قصة جحا وهو يقطع الغصن في وضع معكوس إنما يريد إعطاء هذه الصورة.. صورة فقدان الوعي الذي يصاحب مثل هذه الحركة في مجالها العين، فجحا يقف على طرف غصن يعمل هو في قطعه من ناحية الجذع، دون أن ينتبه إلى حتمية السقوط الذي سيصير إليه، فإذا مر به من ينبهه إلى هذا المصير، الذي انتهى إليه فعلًا بعد قليل، نهض يعدو خلفه ليقول له: لقد عرفت أمر سقوطي قبل حصوله ... فلن أدعك حتى تنبئني بنهايتي متى تحين! هذه الصورة تمثل واقع المرأة المسلمة اليوم، في اندفاعها المحموم وراء المجهول، الذي لم تجرب قط أن تسأل نفسها عن غايته ومحتواه.. وهو واقع لا يتاح التخلص من ضغطه إلا للإنسان الذي استطاع أن يعزل نفسه عن مؤثراته، ضمن حصانة من الفكر الحر المزود بمقاييس الطوارئ " (٤٥) .

стр. 322

والمؤلم في هذا الواقع المرير أن المرأة قد رضيت أن تُؤلفَ نقطة الضعف، فهى ملقية بزمامها إِلى التيار يقذف بها حيث اتجه وسار، دون أن تفكر بالمقاومة، وأصبحت كل طاقاتها موجهة للاندفاع وراء هذا التيار فأصبحت كحجرة الانفجار في محرك السيارة، لا عمل لها الا الدفع، ولكنه الدفع الذي يسوق إلى الهاوية. بل بلغ الاستخفاف بها مداه حين صوروا لها أنها بهذا المسلك ترتفع إلى أعلى وأعلى، ولم تفطن إلى أنها في حقيقة الأمر قد صارت كالكرة الطائرة، تتقاذفها أيدي اللاعبين فتتهادى في كل اتجاه.. ولعلها مع ذلك لو نطقت لفاخرت بأنها ترفع على أكف المعجبين إلى عليين! لقد جاهرت المرأة الجديدة بالإعراض عن دينها، وقد يلتمس المتكلفون لها عذرًا لنقص عقلها ودينها، ولكن ما هو العذر الذي قد يلتمس للرجال الذين استغلوا نقصها، فنقصوا عنها عقلًا ودينًا أيضًا، وراحوا يدفعونها بإصرار إلى هلاكها بما يخالف العقل والنقل والفطرة. لقد جاء اليوم الذي يدفع فيه الرجال زوجاتهم وبناتهم دفعًا إلى مخالطة الرجال والعمل في محافلهم، فما أجدرهم بقول الشاعر: جرد السيفَ لرأس ... طارت النَّخوةُ منه إن الحديث عن المرأة لا ينتهَي، لأنها نصف البشرية، والذي يهمنا أن نؤكده هو أن كل ما نسطره في حق المرأة إنما هو من منطلق غيرتنا بصفتنا مسلمين على أخواتنا في الإسلام، وحرصنا على صيانتهن وحمايتهن، وليس انطلاقًا من "عداوة" للمرأة، فإنه لا يتصور رجل سَوِيٌّ يكون عدوُّا للمرأة، أليست المرأة هي أمه أو زوجه أو ابنته أو أخته أو قريبته، فكيف يكون عدوا لهؤلاء؟! وكذا ينبغي ألا ننخدع بأكاذيب من يَدَّعون "صداقة المرأة"،

стр. 323

ويقومون على دعوة تحريرها، ويقودون تجمعاتها، وهم في الحقيقة ألدُ أعدائها، يتاجرون بقضيتها، وينتفعون بانحلالها، مموِّهين على ضحاياهم ببريق المصطلحات الخداعة، وما هي في الحقيقة إلا كساتر الدخان الذي يطلقه المحاربون لتغطية الزحف، ثم لا تلبث النفوس الضعيفة أن تخر صريعة تحت مطارق أوهام "الحرية والتحرير"، وقد تبلورت على أيدى هؤلاء الأنصار والأصدقاء، في معانٍ طريفة من الفوضى المنظمة. فتش عن اليهود: [لقد ترقت المفاهيم السياسية في هذا العالم الفسيح حتى أصبح كل ذى بصيرة يملك من قوة الحَدس ما يكشف له اليد الصهيونية (٤٦) وراء انهيار صرح الأخلاق في كثير من الأمم والشعوب، فما بالنا نغفل عن تدبير هذه اليد المختفية وراء قضايانا الاجتماعية عامة، وقضية المرأة المسلمة خاصة،

стр. 324

إن المشكلة في حقيقتها صارت تخضع من جراء التكتيك الصهيوني الصليبي لإيحاءات تسلطها على مشاعرنا المختبرات والأجهزة المختصة، حتى لا نستطيع أن نوجه سلوكنا الفكري طبقًا للمقاييس التي تحددها عقولنا وتعيها ضمائرنا، وهذا أمر من حقه أن يستوقف أولي البقية من الإيمان والحياء ليثير تفكيرهم فيما وراءه من جوائح لا تبقِي ولا تَذَر. إن ثمة توجيهًا خفيا يستهدف وضع المرأة المسلمة في ظروف مقصودة تسلبها الثقة بنفسها ومقوماتها، ولا جَرَمَ أن الهدف من وراء ذلك خطير رهيب، إنه تحطيم السدود الروحية التي حفظت لهذه الأمة حتى الآن مشاعر العزة والحرية الدافعة إلى الجهاد والبذل في سبيل الله، ثم اجتثاث الجذور التي تربطنا في أعماق التاريخ برسالة المجد الإلهي، التي جعلت من أمتنا خير أمة أخرجت للناس. لقد بات وضع المرأة المسلمة في مهب الأعاصير، فليس من الحكمة أن يترك زمامه للأمواج تقذف به حيث يشاء أولو الأهواء، ولا ريب أن الواجب يضع على كل عاتق نصيبه من المسئولية، لا يُستَثنى من ذلك صغير ولا كبير، ولا حاكم ولا محكوم. على أن الخطر بات من " الإحكام" بحيث لا يصلح لدرئه عمليا سوى " الكبار" الذين وضع الله في أيديهم مصاير البلاد، ومصالح العباد، فرب حكمة من مسئول تكون كالسد في طريق السيول. ولا نريد أن نكذب على الحقيقة فنقول: "إن الأمة تريد"، فالأمة غافلة عما يراد بها من كيدٍ بهذه الانحرافات الاجتماعية المُبَيَّتة، وما دامت في غمرة الرجفة، فعسير عليها- إن لم نقل: مستحيل- أن تدرك واقعها.. وإنما نقول: إن واجب الديانة ثم مصلحة الأمة يهيبان بالمسئولين أن

стр. 325

يضغطوا على كابح القاطرة، قبل أن تصير إلى حافة الهاوية، وأين موضع هذا الكابح إن لم يكن في التشريع الذي يفرض على المرأة أن تكف عن السباق المجنون الذي تمارسه في حلبة التقليد الأعمى.. التشريع الذي يقول لمعاول الهدم من أصحاب الفنون الهابطة: "ارتفعوا عن هذه الأوحال، فليس في حياة الأمم الجادة مجال لرقاعات السفهاء وثرثرات السخفاء"، التشريع الذي يقول للمرأة: "مهلا، لقد ملأتِ بتهتككِ دروبَ الناس ألغاما، فاقني حياءك، والزمي حدود الحشمة التي حتمتها تعاليم السماء على لسان جميع الأنبياء، فإن لم تفعلي ذلك مختارة فعلتِهِ مكرهة". فليست أمريكا وهي مزرعة الرذائل اليهودية بأغير على الآداب من أمة المسلمين (٤٧) ، وليس " بيتان " ابن باريس أم الفسوق والفجور بأحرص على هذه الآداب من أمة القرآن] (٤٨) .

стр. 326

اهـ (٤٩) [لقد فقدنا شخصيتنا المميزة، فبات كل ما نستطيعه هو تقليد هذا الغرب الذي آمنا بتفوقه، وأقبلنا نعدو وراءه دون وعي، فإذا نحن أسرع منه هبوطًا إلى أسفل، وإذا نحن نتلقى كل أخطائه الاجتماعية بالقبول والتطبيق، لا نشك في أنها خير ما أبدعه التقدم البشري، حتى إذا وجد من كبار رجال الغرب من يكشف فضائح هذه الأخطاء أغلقنا أسماعنا دون صوته! .. ولا عجب في ذلك، فالانحدار أيسر من الصعود، وليس من السهل أن تكلف من يهوي في السفح أن يتماسك فجأة عند نقطة الخطر، فضلًا عن أن تأمره بالصعود، وقديما صور الشاعر هذا المعنى بقوله: سُبُل الغَي سهلة واسعات ... وطريق الهدى كَسَمِّ الخِياط مصعد شَق لا تُكَلفه الضُّمَّرُ ... إلا مضروبةً بالسياط ومن هنا كان إصلاح الأمم المتخلفة موقوفًا بالدرجة الأولى على قادتها السياسيين، الذين بيدهم مقاليد الإصلاح. وحق ما قاله حكيم العرب (أكثم) قديمًا من أن (إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي) .. ولكن صحة هذا الرأي مقيدة بنسبة الأوضاع؛ فالشعوب الواعية هي التي تملي خطط الحكام، ومن وعيها السياسي يستمد هؤلاء اتجاهاتهم، ولكن الجماعات التي لم تستكمل نضجها السياسي، ولم تستبن لها الأهداف في وضوح، وبخاصة إذا كانت حديثة

стр. 327

النهوض من عثرات قرون وقرون.. هذه الجماعات لا تقبل الإصلاح إلا بقوانين، وكل دعوة فيها إلى الخير ينبغي أن تسبق بالأسوة الصالحة أولًا في شخص الحكام ومَن حولهم (٥٠) ثم بالمؤيدات القانونية التي تحسن التأديب لمن يند عن طريق الجماعة ... ولقد كان من سنة الفاروق ﵁ كلما أراد أن يشيع في الناس أمرًا، أن يجمع أهل بيته ويقول لهم: " إني آمرٌ الناسَ بكَذا، وإنهم لينظرون إليكم؟ تنظر الطير إلى اللحم، فوالله لا أعلم بمخالفة أحدكم لهذا الأمر إِلا أضعفت له العقوبة"] (٥١) .

стр. 328

[فصل] موقف دعاة الإسلام من قضية المرأة (٥٢) (والله يقول الحق وهو يهدى السبيل) : إن دعاة الإسلام يدعون أولًا إلى الرجوع إلى حقيقة الإسلام ثم إلى صورة الإسلام، ثم إنهم يعتقدون أنهم يخاطبون أحد رجلين: إما كافر مكذب، فمهمتهم الأولى إزاءه دعوته إلى التصديق والإقرار بحقيقة التوحيد والرسالة، وإما مؤمن مصدق فواجبهم نحوه إقامة الدليل على حكم الله وحكم رسوله ﷺ من الكتاب المجيد والسنة المطهرة، وعليه أن يقول حينئذ (سمعنا وأطعنا) ، إنهم لا يحَكمون آراءهم في " قضية المرأة"، ولا في أي قضية قال الله سبحانه فيها قولا، وحكم فيها حكمًا، شعارهم الذي يرفعونه دائمًا قول الله : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وقوله سبحانه: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) وقوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) الآية. ولذلك تراهم لا يُحَكّمون أهواءهم بل كلام الحكيم الخبير العليم،

стр. 329

ولا يَحكُمون لصالح الرجل ضد مصلحة المرأة، ولا لمصلحة المرأة ضد مصلحة الرجل، ذلك بأن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، إنه ليس في صالح المرأة ولا في صالح المجتمع أن تحيا مع الرجل حياة مواجهة وصراع، كذلك الذي وقع في أوربا وأمريكا إلى حد أن قامت هناك منظمات رجالية تدافع عن حقوق الرجال ضد تسلط المرأة، إن المرأة إذا سارت في الطريق الذي يريده لها أعداء دينها فلن تكسب شيئًا وستخسر كل شيء، إن الله ﵎ خلق المرأة للمهمة ذاتها التي خلق من أجلها الرجل، قال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) ، وأناط ﷻ السعادة بتحقيق كل منهما لهذه المهمة، والشقاء بالإعراض عنها، قال جل وعلا: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) الآيات. عبودية هي أعلى مراتب الحرية: لقد ألزم الإسلام الرجل والمرأة بالعبودية لله وحده في صورة الخضوع لمهجه ودينه، وهذه العبودية هي أرقى مراتب الحرية، فالإنسان من خلال توجهه إلى الله وحده يتحرر من كل سلطان فلا يوجه قلبه، ولا يطأطئ رأسه إلا لخالق السموات والأرض (٥٣) . والمسلم بالإسلام يتحرر من سيطرة الهوى والشهوة، والسلطان الذي يسيطر عليه إنما هو سلطان الشرع الحنيف، قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) . إذن هي حرية في صورة العبودية، ولا يمكن للبشرية أن تتحرر حقُّا إلا بتحقيق هذه العبودية.

стр. 330

إن الحرية في غير الإسلام تصبح حرية جوفاء لا معنى لها، بل هي العبودية المذلة المهينة، وإن بدت في صورة الحرية، إن الخضوع للطواغيت من الزعماء والرؤساء والمناهج والقوانين والنظم وما تهواه الأنفس بعيدًا عن تشريع الخالق إنما هو عبودية لغير الله وأي عبودية: هَرَبوا من الرق الذي خلِقُوا له ... فَبُلُوا بِرِق الكفرِ والشيطانِ كلانا مظلوم: إن التشريعات الإسلامية منزهة عن الظلم والإجحاف: (إن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ، ولئن ساء وضع المرأة المسلمة في بعض الظروف، فإن السبب الحقيقي لهذا لم يكن التزامها بأحكام الإسلام- حاشا وكلا- بل هو في المقام الأول انحرافها عن الإسلام. وإن الظلم الواقع على المرأة في ديارنا كالظلم الواقع على الرجل سواءً بسواء، ليس سببه الإسلام الذي ندين به، بل سببه البعد عن الإسلام، وفصل الدين الحنيف عن واقع الحياة ونظمها. لا نسَوغُ الأخطاء: نحن أيضا لا نسوغ ما حاق فعلًا بالمرأة من ظلم وأوضاع فاسدة، فهناك من يكلفها فوق طاقتها، ولا يرحم ضعفها، هناك الآباء القساة، والأزواج الجهلة الذين يضربون بناتهم وأزواجهم ضرب غرائب الإبل، هناك من يهملون المرأة إهمالًا تامَا، ويهدرون حقوقها، ونحن لا نتعامى عن ذلك، ولكننا نعلم أيضًا أنه مرض من أمراض كثيرة تحيط بالأمة في رجالها ونسائها وأطفالها، ونحمد كل مسعى لإصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، ولكن لا نريد علاج الخطأ بخطأ آخر، ولا نريد أن ننتقل من إفراط إلى تفريط،

стр. 331

ومن ضلال إلى ضلال، ورحم الله الإمامَ مالكًا القائل: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها". ونحن أيضا حريصون على أن لا نشارك في هذا الظلم فنلقي اللوم كله على المرأة المظلومة أو الجاهلة.. فما أكثر هؤلاء النساء اللائي صُوِّر لهن أن خروجهن للتعليم - بوضعه الجاهلي - والعمل أيا كان نوعه، وأن خروجهن للمحافل والمجتمعات المختلطة واجب شرعي أو مستحب وأنه حق ينبغي لها أن لا تفرط فيه بحال، وأن قرارها في بيتها سجن وقيد وأغلال، وأنه شلل لطاقاتها العظيمة، وأن وظيفتها في هذا العصر صارت خارج البيت لا داخله، وما أكثر دعاوى علماء السوء الذين ضللوا الكثيرات بفتاواهم، وما أكثر النساء الصادقات النية في الالتزام بما يمليه عليهن دينهن لولا تشويش علماء السوء، ولولا قهر الآباء " التقدميين " والأزواج "العصريين"! ما أكثر المسلمات اللائي أطعن الله ورسوله، وأرضين الله ورسوله فسخط عليهن الآباء أو الأزواج وراحوا يذيقونهن صنوف الأذى والعذاب، فاضطررن اضطرارًا للخضوع لقهرهم وإكراههم، وعسى أن يعذرهن الله : ومن يَأت الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا (٥٤) والحق أن الخطاب ينبغي أن يتوجه في المقام الأول إلى الرجال آباء أو أزواجا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارَا وقودها الناس والحجارة) الآية. (سورة التحريم: ٦) . وقال ﷺ : " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسئول عن

стр. 332

رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها" (٥٥) الحديث. شرع الله فوق الأمر الواقع: [ونحن لا ننكر أن الهوة فسيحة بين ما نحن عليه، وبين ما ينبغي أن نكون عليه، ويخطئ من يعتذر عن هذا بأن خروج المرأة إلى ميادين العمل ومغادرتها حصنها الحصين مخالطةً للرجال قد أصبح أمرًا واقعا وقاعدة مقررة، فلا نملك إلا الخضوع لها، والجريان وراء التيار. ولكننا نقولها لكل مسلمة ترجو الله واليوم الآخر، وتعلم أنها مسئولة غدَا بين يدي ربها : إن هذا الذي يسمى (بالأمر الواقع، سوف يظل في ميزان إسلامنا الحنيف باطلًا منقوضًا مهما طال العهد عليه لأنها سنن الله الكبرى التي لا تتبدل ولا تتحول، والمعاند لها هالك لا محالة، فالحق واحد لا يتغير، ومهما يتقادم العهد على الباطل فسيظل باطلًا، ومهما يجر العمل على غير الحق فسيظل الحق هو هو وإن حاد عنه كل الناس، ثم إنه لا يبقى على توالي الأزمان إلا الحق، لأن الباطل زهوق لا تدوم له دولة، والحق هو الناموس، هو قانون الله الذي لا يتبدل، هو فطرة الله التي فطر عليها الخلق، هو ما ركبه الله سبحانه في طبائع الأشياء حين أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، (ولن تجد لسنة الله تبديلًا) ، ولكن الذي يحول ويزول هو المعاند لسنة الله وفطرته، والذي يعارض الناموس ويخرج

стр. 333

على الفطرة كالوعل الأحمق الذي وصفه الأعشى قديمًا حين قال: كناطِح صخرةً يومًا ليُوهِنَها ... فلم يَضِرْها وَأوهَى قَرْنَه الوَعْلُ] (٥٦)

стр. 334

الباب الثاني إهانة الجاهلية للمرأة (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أوءَاذان يسمعون بها فإنها لا تعمَى الأبصارُ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج (٤٦) " بالضد تتبين الأشياء": يجدر بنا إذا أردنا أن نبحث عن علاج لتقويم الوضع الذي وصلت إليه المرأة المسلمة في هذا الزمان وقد سقطت صريعةَ التبرج الجاهلي المعاصر: أن نعود إلى الماضي البعيد لنتتبع وضع المرأة في " الجاهلية الأولى " عند عرب الجاهلية، بل عند الأمم الأخرى التي انفصلت عن هدي الرسالات الإلهية، لندرك أن هناك " إجماعا عالميا " قد تجاوز حدود الزمان والمكان على ظلم المرأة وتجريدها من كافة حقوقها الإنسانية. ثم إذا نحن تأملنا كيف حرر الإسلام المرأة ورفع شأنها، وكرمها قرآنا وسنة، وقلبنا صفحات التاريخ لِنَدْرُسَ" سيرة المرأة المسلمة" وكيف تأثرت بالإسلام مؤمنةً عابدة، وانفعلت به مجاهدةً صابرةً، ثم كيف أثرت في الإسلام أمُّا وبنتا وزوجة وعالمة. عند ذلك نستطيع أن ندرك: - زيف الدعاوى التي يروجها أعداء المرأة المسلمة حول "وضع المرأة في الإسلام".

стр. 335

- وحقيقة المهانة التي تعرضت لها المرأة عند غير المسلمين، وتتعرض لها الآن مما لا يحس به إلا سليم الحس والبصيرة والذوق. وعند ذلك أيضًا نستطيع أن نستشعر ويستشعر معنا أمهاتنا ونساؤنا وبناتنا نعمة الإسلام العظيمة ورحمته التي لا حد لها، وتكريمه للمرأة المسلمة، فنرفع عقيرتنا نهتف بها قائلين: "أيتها المسلمة لا تبدلي نعمة الله كفرًا".

стр. 336

[الفصل الأول] المرأة عند الآخرين (٥٧) لا جرم أن الباحث في وضع المرأة قبل الإسلام لن يجد ما يسره، إذ يرى نفسه أمام إجماع عالمي على تجريد هذه المخلوقة من جميع الحقوق الإنسانية: (١) المرأة عند الإغريق: كانت محتقرة مهينة، حتى سموها رجسًا من عمل الشيطان، وكانت عندهم كسَقَطِ المتاع، تباع وتشترى في الأسواق، مسلوبة الحقوق، محرومة من حق الميراث وحق التصرف في المال، ومما يذكر عن فيلسوفهم (سقراط) قوله: (إن وجود المرأة هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار في العالم، إن المرأة تشبه شجرة مسمومة حيث يكون ظاهرها جميلَا، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالًا) . ويحدثنا التاريخ عن اليونان في إدبار دولتهم كيف فشت فيم الفواحش والفجور، وعُدَّ من الحرية أن تكون المرأة عاهرًا، وأن يكون لها عشاق، ونصبوا التماثيل للغواني والفاجرات، وقد أفرغوا على الفاحشة ألوان القداسة بإدخالها المعابد حيث اتخذ البغاء صفة التقرب إلى آلهتهم، ومن ذلك أنهم

стр. 337

اتخذوا إلها أسموه (كيوبيد) أي (ابن الحب) ، واعتقدوا أن هذا الإله المزعوم ثمرة خيانة إحدى آلهتهم (٥٨) (أفروديت) زوجها مع رجل من البشر. وتحكى بعض المصادر أنه كان للمرأة الإسبرطية الحق في أن تتزوج بأكثر من رجل واحد. (٢) المرأة عند الرومان: كان شعارهم فيما يتعلق بالمرأة: " إن قيدها لا ينزع، ونيرها لا يخُلع " (٥٩) ، وكان الأب غير ملزم بقبول ضم ولده منه إلى أسرته ذكرًا كان أم أنثى، بل كان يوضع الطفل بعد ولادته عند قدميه، فإذا رفعه وأخذه بين يديه كان ذلك دليلًا على أنه قبل ضمه إلى أسرته، وإلا فإنه يعني رفضه لذلك، وحينئذ يؤخذ الوليد إلى الساحات العامة، أو باحات هياكل العبادة فيطرح هناك، فمن شاء أخذه إذا كان ذكرًا، وإلا فإن الوليد يموت جوعا وعطشًا وتأثرا من حرارة الشمس أو برودة الشتاء، وكان لرب الأسرة أن يدخل في أسرته من الأجانب من يشاء، ويخرج منها من أبنائه من يشاء عن طريق البيع، ثم قيد قانون الاثني عشر لوحًا حق البيع بثلاث مرات، فإذا باع الأب ابنه ثلاث مرات متوالية كان له الحق في التحرر من سلطة رئيس الأسرة، أما البنت فكانت تظل خاضعة له ما دام حيًّا، وكانت قوانين الاثني عشر لوحًا تعد الأنوثة من أسباب حرمان الأهلية، ومن عجيب ما ذكرته بعض المصادر- وهو مما لا يكاد يصدق- أن (مما لاقته المرأة في العصور الرومانية تحت شعارهم المعروف "ليس للمرأة روح " تعذيبها بسكب الزيت الحار على بدنها، وربطها بالأعمدة، بل كانوا يربطون البريئات بذيول الخيول، ويسرعون بها إلى أقصى سرعة حتى تموت) (٦٠) .

стр. 338

(٣) المرأة عند الصينيين القدماء: شبهت المرأة عندهم بالمياه المؤلمة التي تغسل السعادة والمال، وللصيني الحق في أن يبيع زوجته كالجارية، وإذا ترملت المرأة الصينية أصبح لأهل الزوج الحق فيها كثروة، وتورث، وللصيني الحق في أن يدفن زوجته حية! (٤) المرأة في قانون حمورابي: كانت المرأة تحسب في عداد الماشية المملوكة، ومن قتل بنتًا لرجل كان عليه أن يسلم بنته ليقتلها أو يتملكها. (٥) المرأة عند الهنود: في شرائع الهندوس أنه: " ليس الصبر المقدر، والريح، والموت، والجحيم، والسم، والأفاعي، والنار، أسوأ من المرأة) . ويقول الدكتور مصطفى السباعي ﵀: (ولم يكن للمرأة في شريعة "مانو" حق في الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها، فإذا مات هؤلاء جميعا وجب أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها، وهى قاصرة طيلة حياتها، ولم يكن لها حق في الحياة بعد وفاة زوجها بل يجب أن تموت يوم موت زوجها، وأن تحرق معه وهي حية على موقد واحد، واستمرت هذه العادة حتى القرن السابع عشر حيث أبطلت على كرهٍ من رجال الدين الهنود، وكانت تقدم قربانا للآلهة لترضى، أو تأمر بالمطر أو الرزق، وفي بعض مناطق الهند القديمة شجرة يجب أن يقدم لها أهل المنطقة فتاة تأكلها كل سنة "؟! ") (٦١) .

стр. 339

ويذكر " جوستاف لوبون " أن المرأة في الهند (تعد بعلها ممثلًا للآلهة في الأرض، وتُعَدُ المرأة العَزَبُ (٦٢) ، والمرأة الأيم (٦٣) على الخصوص من المنبوذين من المجتمع الهندوسي، والمنبوذ عندهم في رتبة الحيوانات، ومن الأيامى الفتاة التي تفقد زوجها في أوائل عمرها، فموت الرجل الهندوسي قاصم لظهر زوجته فلا قيام لها بعده، فالمرأة الهندوسية إذا آمت- أي فقدت زوجها- ظلت في الحداد بقية حياتها، وعادت لا تعاملٍ كإنسان، وعُدَّ نظرها مصدرًا لكل شؤم على ما تنظر إليه، وعدت مُدَنسَة لكل شيء تمسه، وأفضل شيء لها أن تقذف نفسها في النار التي يحرق بها جثمان زوجها، وإلا لقيت الهوان الذي يفوق عذاب النار) (٦٤) .

стр. 340

الحق في أن يبيعها قاصرة، وما كانت ترث إلا إذا لم يكن لأبيها ذرية من البنين وإلا ما كان يتبرع لها به أبوها في حياته، وحين تحرم البنت من الميراث لوجود أخ لها ذكر يثبت لها على أخيها النفقة والمهر عند الزواج، وإذا كان الأب قد ترك عقاراً فيعطيها من العقار، أما إذا ترك مالًا منقولًا فلا شيء لها من النفقة والمهر ولو ترك القناطير المقنطرة. وإذا آل الميراث إلى البنت لعدم وجود أخ لها لم يجز لها أن تتزوج من سبط آخر، ولا يحق لها أن تنقل ميراثها إلى غير سبطها، واليهود يعتبرون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم، وعندما يصيبها الحيض لا يجالسونها ولا يؤاكلونها (٦٦) ولا تلمس وعاء حتى لا يتنجس، وكان بعضهم ينصب للحائض خيمة، ويضع أمامها خبزًا وماء، ويجعلها في هذه الخيمة حتى تطهر. (٨) المرأة عند الأمم النصرانية: هال رجال النصرانية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات وما آل إليه المجتمع من انحلال أخلاقي شنيع، فاعتبروا المرأة مسئولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتع بما

стр. 341

تشاء من اللهو، وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء، فقرروا أن الزواج دنس يجب الابتعاد عنه وأن العزب أكرم عند الله من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأن العلاقة بالمرأة رجس في ذاتها، وأن السمو لا يتحقق إلا بالبعد عن الزواج، قال (ترتوليانا الملقب بالقديس (٦٧) : (إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة للرجل) . وقال: " سوستام" الملقب بالقديس: (إنها شر لابد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة) . وفي القرن الخامس اجتمع بعض اللاهوتيين ليبحثوا ويتساءلوا في "مجمع ماكون": (هل المرأة جثمان بحت أم هي جسد ذو روح يناط به الخلاص والهلاك؟) وغلب على آرائهم أنها خِلْو من الروح الناجيهّ، وليس هناك استثناء بين جميع بنات حواء من هذه الوصمة إلا مريم (٦٨) ﵍ أم المسيح " عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ". وعقد الفرنسيون في عام ٥٨٦ م- أي في زمان شباب رسول الله ﷺ مؤتمرًا للبحث: هل تعد المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ وهل لها روح أم ليس لها روح؟ وإذا كانت لها روح فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وإذا كانت روحًا إنسانية فهل هي على مستوى روح الرجل أم أدنى منها؟ وأخيرًا: قرروا أنها إنسان، ولكنها خُلقت لخدمة الرجل فحسب.

стр. 342

فالدين النصراني المحرف الذي ينتمي إليه العالم الغربي اليوم يرى أن المرأة ينبوع المعاصي، وأصل السيئة والفجور، ويرى أن المرأة للرجل باب من أبواب جهنم من حيث هي مصدر تَحَرُّكه وحمله على الآثام، ومنها انبجست عيون المصائب على الإنسانية جمعاء، يقول الدكتور " سفر الحوالي" حفظه الله: [ولما كانت المرأة- حسب رواية سفر التكوين- هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء، باعتبارها أصل الشر، ومنبع الخطيئة في العالم، لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات، وقتل كل الميول الفطرية، والرغبات الطبيعية، والاحتقار البالغ للجسد وشهواته " اهـ (٦٩) . ومن أساسيات النصرانية المحرفة التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، واحتقار وترذيل الصلة الزوجية وإن كانت حلالًا، حتى بالنسبة لغير الرهبان، يقول أحد رجاك الكنيسة: " بونا فنتور" الملقب بالقديس: (إذا رأيتم امرأة، فلا تحسبوا أنكم ترون كائنًا بشريا، بل ولا كائنًا وحشيًّا، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذي تسمعون به هو صفير الثعبان) (٧٠) اهـ. (إن القس يجب أن يكرس حياته لله وبني الإنسان، وإن مستواه الأخلاقي يجب أن يعلو على مستوى أخلاق الشعب، وأن يضفي على مستواه هذه المكانة التي لابد منها لاكتساب ثقة الناس، وإجلالهم إياه (٧١)) اهـ. ويقول صاحب كتاب " المشكلة الأخلاقية والفلاسفة" معلقًا على هذه التعاليم الكنسية التي تدعو إلى أن نقتل فينا كل ميل دنيوي:

стр. 343

"عظمة وعلاء، ولكنه قضاء قاس على الإنسانية، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة، والنساء من جهة أخرى، ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهالى للنوع الإنساني] (٧٢) اهـ. (وأصدر البرلمان الإنكليزى قرارا في عصر هنري الثامن ملك انكلترا، يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب (العهد الجديد) أي الإنجيل، لأنها تعتبر نجسة) . وتذكر بعض المصادر أنه قد شكل مجلس اجتماعي في بريطانيا خصيصًا لتعذيب النساء، وذلك سنة ١٥٠٠ م، وكان من ضمن مواده تعذيب النساء، - وهن أحياء بالنار (!) . ونص القانون المدني الفرنسي (بعد الثورة الفرنسية) على أن القاصرين هم الصبي والمجنون والمرأة، حتى عدل عام ١٩٣٨، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة. وظلت النساء طبقا للقانون الإنكليزي العام- حتى منتصف القرن الماضي تقريبا- غير معدودات من "الأشخاص" أو " المواطنين" (٧٣) الذين اصطلح القانون على تسميتهم بهذا الاسم، لذلك لم يكن لهن حقوق شخصية، ولا حق في الأموال التي يكتسبنها، ولا حق في ملكية شيء حتى الملابس التي كن يلبسنها. بل إن القانون الإنكليزى حتى عام ١٨٠٥م كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن) ، وقد حدث أن باع إنكليزى زوجته عام ١٩٣١م بخمسمائة جنيه، وقال محاميه

стр. 344

في الدفاع عنه: " إن القانون الإنكليزي عام ١٨٠١م يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة"، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغى عام ١٨٥٥م بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر. وجاء في مجلة "حضارة الإسلام" السنة الثانية (ص ١٠٧٨) : (حدث في العام الماضي أن باع إيطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع) اهـ. وقال الأستاذ "محمد رشيد رضا" ﵀: "من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنكلترا في هذه الأيام (٧٤) أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدا كثلاثين شلنا، وقد ذكرت- أي الصحف الإنكليزية- أسماء بعضهم" (٥٧) اهـ. أما وضع المرأة اليوم في ديار الكفار، فَحَدث ولا حرج عن الإذلال، والمهانة، والمجون، والخلاعة، والابتذال، والاستغلال، في أقسى صورها، وأبشع مظاهرها، التي لا يسيغها إلا ممسوخ الفطرة، منتكس السريرة، خبيث الطوية، وحسبك أن تنتقي أمة تتربع على قمة العالم الغربي الكافر كأمريكا، وترصد ما وصلت إليه المرأة من انحطاط أخلاقي، وانهيار اجتماعي، وتفكك أسري، يقول الدكتور "مصطفى السباعي " ﵀ في وصف شيء من أحوال المرأة في الغرب: (وأما المرأة فقد دفع بها الوضع الاجتماعي الذي لا يرحم إلى أن

стр. 345

أصبحت تطرد من المنزل بعد سن الثامنة عشرة لكى تبدأ في الكدح لنيل لقمة العيش، وإذا ما رغبت- أو أجبرتها الظروف- في البقاء في المنزل مع أسرتها بعد هذه السن، فإنها تدفع لوالديها إِيجار غرفتها، وثمن طعامها، وغسيل ملابسها، بل تدفع رسمًا معينا مقابل اتصالاتها الهاتفية) (٧٦) اهـ. وحَدث- ولا حرج- عن ندرة الزواج، وشيوع البغاء، وتفشي الزنا واللواط، وكثرة اللقطاء، وارتفاع نسبة الطلاقَ، وتغلغل الأمراض التناسلية الفتاكة، وانتشار نكاح المحارم بصورة مفزعة، بل لقد وصلت المرأة إلى دركة من المهانة والانحلال لا يتخيلها عاقل: يقول الدكتور " نور الدين عتر": " حدثني صديق أنهى تخصصه العالي في أمريكا حديثا أن في الأمريكيين أقوامًا يتبادلون زوجاتهم لمدة معلومة، ثم يسترجع كل واحد زوجته المعارة، تماما كما يعير القروي دابته، أو الحضري في بلادنا شيئا من متاع بيته " (٧٧) اهـ. فهذه لمحة خاطفة عن حال المرأة في عصر الحضارة المسماة حضارة القرن العشرين، وما هي بحضارة، وإنما هي قذارة وفجارة، عصرِ المساواة، وما هي بمساواة المرأة بالرجل، وإنما هي مساواة الإنسان بأخيه الحيوان: إيهِ عصرَ العشرين ظنوك عصرًا ... نيِّرَ الوجه مُسْعِدَ الإنسان لست (نورًا) بل أنت (نار) وظلم ... مذ جعلت الإنسان كالحيوانِ

стр. 346

[الفصل الثاني] المرأة عند العرب في الجاهلية والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (٧٨) . عمر بن الخطاب ﵁ لم يكن لها حق الإرث، وكانوا يقولون في ذلك: " لا يرثنا إلا من يحمل السيف، ويحمي البيضة) ، فإذا مات الرجل ورثه ابنه، فإن لم يكن فأقرب من وجد من أوليائه أبا كان أو أخا أو عمُّا، على حين يضم بناته ونساؤه إلى بنات الوارث ونسائه، فيكون لهن ما لهن، وعليهن ما عليهن. ولم يكن لها على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، ولا لتعدد الزوجات عدد معين، وكانوا إذا مات الرجل وله زوجة وأولاد من غيرها، كان الولد الأكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، فهو يعتبرها إرثا كبقيهَ أموال أبيه، فإن أراد أن يعلن عن رغبته في الزواج منها طرح عليها ثوبًا، وإلا كان لها أن تتزوج بمن تشاء، وفي هذا يقول ناظم عمود النسب- وهو يعدد مختلقات الجاهلية: (وأن من ألقى على زوج أبيه ... ونحوه بعد التوى (٧٩) ثوبًا يريه أولى بها من نفسها إن شاء ... نكح أو أنكح أو أساء بالعضل كي يرثها أو تفتدي ... ومهرها في النكحتين للردي) (٨٠)

стр. 347

وعن ابن عباس ﵄ قال: " كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها". وعن عطاء بن أبي رباح قال: " إن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل فترك امرأة حبسها أهله على الصبي يكون فيهم"، وحكى ابن جرير ﵀: " أن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهى أحق بنفسها" (٨١) . وقد كان نكاح زوجات الآباء معروفًا في الجاهلية، فعله كثير من العرب (٨٢) ، وهذا الذي نهى الله عنه بقوله جل وعلا: (ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتَا وساء سبيلًا) (النساء: ٢٢) . وكانت المرأة تُمسَك ضرارًا للاعتداء، وتلاقي مِن بعلها نشوزًا أو إعراضا، وتُترك أحيانا كالمعلقة. وكان أحدهم إذا أراد نجابة الولد حمل امرأته - بعد طهرها من

стр. 348

الحيض- إلى الرجل النجيب كالشاعر والفارس، وتركها عنده حتى يستبين حملها منه، ثم عاد بها إلى بيته، وقد حملت بنجيب! وعن ابن عباس ﵄ قال: " كانوا في الجاهلية يُكْرِهون إماءهم على الزنا، ويأخذون أجورهم ". وقال قتادة: "كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزينا سليبًا ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضًا" (٨٣) اهـ. وكان من المأكولات ما هو خالص للذكور ومحرم على الإناث، كما يأتي بيانه إِن شاء الله. وكان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي كان يوجد عند كثير من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد الهمجية: - فمنها اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة، وإعطائها الحق في الولد أن تلحقه بمن شاءت منهم. - ومنها نكاح الاستبضاع، وهو أن يأخذ الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلًا معينا من الرؤساء والكبراء المتصفين بالشجاعة أو الكرم ليكون لها منه ولد مثله، وقد مر ذكره آنفا (٨٤) . - ومنها السفاح بالبغاء العلني، وكان عند العرب خاصا بالإماء دون

стр. 349

الحرائر، "وكانوا لا يتحرجون من الزنا، وهم يتحرجون من ولاية اليتامى" (٥٨) . - ومنها اتخاذ الأخدان أي الصواحب والعشيقات، وكانوا يستترون به، ويعدونه لؤما وخِسة (٨٦) . - ومنها نكاح المتعة وهو المؤقت، وقد استقر أمر الشريعة على تحريمه، وتبيحه فرقة الشيعة الإمامية (٨٧) . - ومنها نكاح البدل والمبادلة، وهو أن ينزل كل من الرجلين للآخر عن زوجته (٨٨) . - ومنها نكاح الشغار، وهو أن يُزَوِّج الرجلَ امرأة بنته أو أخته أو من هي تحت ولايته على أن يزوجَه أخرى بغير مهر، صداقُ كُل واحدة بُضْعُ الأخرى. - وهذان النوعان مبنيان على قاعدة اعتبار المرأة ملكًا للرجل يتصرف فيها كما يتصرف في بهائمه وأمواله (٨٩) . وأما المرتقون من العرب كقريش فكان نكاحهم هو الذي عليه المسلمون في الإسلام، من الخطبة والمهر والعقد، وهو الذي أقره الإسلام (٩٠) ، مع إبطال بعض العادات الظالمة للنساء فيه، من استبدادٍ فى

стр. 350

تزويجهن كرهًا أو عضلهن -أي منعهن من الزواج- أو أكل مهورهن إلى غير ذلك. من عادات الجاهلية في الطلاق: (وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية) (٩١) . (ولم يكن النساء يومذاك بحاجة إلى المصارحة بالطلاق، بل كان حسب البدويات منهن أن يحولن أبواب أخبيتهن إن كانت إلى الشرق فإلى الغرب، أو كانت إلى الجنوب فإلى الشمال) (٩٢) . (وكان لهن- إذا لم يَكُن ذوات أخبية- أساليب يدللن بها الرجال على الطلاق، فليس لهم عليهن من سبيل، فكان بعضهن إذا تزوجت رجلًا، وأصبحت عنده كان أمرها إليها، وتكون علامة ارتضائها للزوج أن تعالج له طعامًا إذا أصبح) (٩٣) . من عادات الجاهلية في الحداد: وكانت المرأة في الجاهلية إذا ذهب الموت بعزيز من آلها وعشيرتها فهناك يجتمع نساء الحي للمأتم، حواسر الرؤوس، سوافر الوجوه، يشققن الجيوب، ويلطمن الوجوه، ويهجن الباكيات، بما يثير الحزن الرابض، والشجو المميت، وعادة المَنَاحَةِ على السيد الشريف أن تظل سنة كاملة: *ومن يبكِ حولا كاملًا فقد اعتذر* وقد كانت العدة في الجاهلية حولًا كاملًا، وكانت المرأة تحد على

стр. 351

زوجها شر حداد وأقبحه، فتلبس شر ملابسها، وتسكن شر الغرف وهو (الحِفْش) (٩٤) ، وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة، فتنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقارًا لهذه المدة التي قفتها، وتعظيمًا لحق زوجها عليها. وعن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: " يا رسول الله إن ابنتى توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحُلها؟ " فقال رسول الله ﷺ : "لا"، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال ﷺ : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" فقالت زينب: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو طير أو شاةٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات (٥٩) ، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره) (٩٦) . وكان من عوائد النساء في الجاهلية بدعة " الإسعاد"، ومعناه إِعانة

стр. 352

النساء بعضهن بعضا في النياحة بموت الميت، فكان النساء يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء، وتصير المساعدة دَيْنًا في ذمة المرأة المصابة ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها (٩٧) . وأد البنات في الجاهلية (من العرب من كان يرى البنت حملَا فادحًا يضعف دونه احتماله، وتتخاذل قواه لفرط ما يُشفق من وصمة الذل، ووصم العار، إذا وهنت نفسها، أو ذهب السباء بها، فكان بين أن يستبقيها على كره لها، ومضض منها، وترقب لموتها، أو يفزع إلى الحُفَر فيقذفها في جوفها، ويهيل التراب على غَضَارة عودها، ونضارة وجهها، وبدل أن يدعها تستقبل الوجود، وتستنشي نسيم الحياة، يدعها في غمرة الموت بين طباق الأرض!! ولو أننا افترضنا تلك الجريمة الموبقة بين جمهور العرب لما آمنا بتلك الجيوش الخضارم (٩٨) التي وطئت نواصي الأرض، وطوقت أعناق الأمم، وهم أبناؤهم وحفدتهم، فالحق أن الوأد لم يكن معروفَا إلا في فرائق من ربيعة (٩٩) وكِنْدة وتميم وطيء، وأفذاذ مغمورين لا يُعَدُّون قلةً من مختلف القبائل، وهم بين رجلين: رجل أملق من عقل ومال، فهو يخشى أن

стр. 353

يسيء الفقر إلى أدب ابنته، ويهتك من سترها، ويبذل من عرضها، وآخر من سراة القوم ذهبت بعقله الغيرة، وهوى بنفسه الإشفاق من تبدل الحوادث، وتداول المَثُلات، وما عسى أن يصيبها من ذل أو سباء) (١٠٠) . وقد كانت بعض القبائل تئد البنات والأولاد أيضاً خشية الفقر (١٠١) . وكانت بعض القبائل تقول: " الملائكة بنات الله "، فيفتلون بناتهم، ويقولون: " نلحقهن ببنات الله" - تعالى الله عن ذلك علوُّا كبيرًا. وقال قتادة: " كان مُضَرُ وخُزاعة يدفنون البنات أحياءً، وأشدهم في هذا تميم، زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن" (١٠٢) . وعنه أيضًا قال: (كان أحدهم يغذو كلبه، ويئد ابنته) اهـ (١٠٣) . (وكان بعضهم يغرقها، وبعضهم يذبحها) (١٠٤) . (وكان الرجل يشترط على امرأته: أنكِ تئدين جارية، وتستحيين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد، غَدَا مِن عند أهله أو راح، وقال: أنت علىَّ كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها، فيحفرن

стр. 354

لها حفرة، فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلا دسسنها في حفرتها، وسوَّين عليها التراب) (١٠٥) . وكانوا في بعض الأحيان يئدون البنات بقسوة نادرة، فقد يتأخر وأد الموءودة (١٠٦) لسفر الوالد وشُغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد كان بعضهم يلقى الأنثى من شاهق (١٠٧) ، وقد حَكَوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات: منها: ما رُوِىَ أن عمر ﵁ قال: " أمران في الجاهلية، أحدهما يبكيني، والآخر يضحكني؛ أما الذي يبكيني: فقد ذهبت بابنة لي لوأدها، فكنت أحفر لها الحفرة، وتنفض التراب عن لحيتي، وهى لا تدرى ماذا أريد لها، فإذا تذكرتُ ذلك بكيت، والأخرى: كنت أصنع إلهَا من التمر، وأضعه عند رأسي يحرسني ليلًا، فإذا أصبحت معافى أكلته، فإذا تذكرت ذلك ضحكت من نفسي" (١٠٨) . وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول، وسئل عن هذه الآية: (وإذا الموءُودةُ سُئلت بأي ذنب قتلت) (١٠٩) ، فقال: (جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية" (١١٠) ، فقال: "أعتق عن كل

стр. 355

واحدة منهن رقبة"، قال: "إِني صاحب إبل"، قال: "اهْدِ إن شئت عن كل واحدة منهن بَدَنة" (١١١) . (وكان للعرب تفنن في الوأد، فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها: "طيبيها، وزيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها"، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: "انظري فيها"، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض، ومنهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع حفر حفرةً لتتمخض على رأس البئر، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته) (١١٢) . وقد شنع القرآن المجيد على أهل الجاهلية بسبب وأدهم البنات، ومهانتها عندهم، وَصَوَّرَ ذلك أدق تصوير، فقال : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم لِيُرْدُوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) الأنعام (١٣٧) . (وقالوا هذه أنعام وحَرث حِجر لا يطعمها إلا من نشاء) أي لا يأكلها إلا الرجال دون النساء، وقيل: خدام الأصنام، ثم بين سبحانه أن هذا تحكملم يرد به شرع، ولهذا قال: (بزعمهم) (وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) قال السيوطي (١١٣) : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄
следующие страницы →