← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

زوجها شر حداد وأقبحه، فتلبس شر ملابسها، وتسكن شر الغرف وهو (الحِفْش) (٩٤) ، وتترك الزينة والتطيب والطهارة، فلا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، فإذا انتهى العام خرجت بأقبح منظر، وأنتن رائحة، فتنتظر مرور كلب لترمي عليه بعرة احتقارًا لهذه المدة التي قفتها، وتعظيمًا لحق زوجها عليها. وعن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: " يا رسول الله إن ابنتى توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحُلها؟ " فقال رسول الله ﷺ : "لا"، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال ﷺ : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" فقالت زينب: (كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمارٍ أو طير أو شاةٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات (٥٩) ، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب أو غيره) (٩٦) . وكان من عوائد النساء في الجاهلية بدعة " الإسعاد"، ومعناه إِعانة

стр. 352

النساء بعضهن بعضا في النياحة بموت الميت، فكان النساء يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء، وتصير المساعدة دَيْنًا في ذمة المرأة المصابة ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها (٩٧) . وأد البنات في الجاهلية (من العرب من كان يرى البنت حملَا فادحًا يضعف دونه احتماله، وتتخاذل قواه لفرط ما يُشفق من وصمة الذل، ووصم العار، إذا وهنت نفسها، أو ذهب السباء بها، فكان بين أن يستبقيها على كره لها، ومضض منها، وترقب لموتها، أو يفزع إلى الحُفَر فيقذفها في جوفها، ويهيل التراب على غَضَارة عودها، ونضارة وجهها، وبدل أن يدعها تستقبل الوجود، وتستنشي نسيم الحياة، يدعها في غمرة الموت بين طباق الأرض!! ولو أننا افترضنا تلك الجريمة الموبقة بين جمهور العرب لما آمنا بتلك الجيوش الخضارم (٩٨) التي وطئت نواصي الأرض، وطوقت أعناق الأمم، وهم أبناؤهم وحفدتهم، فالحق أن الوأد لم يكن معروفَا إلا في فرائق من ربيعة (٩٩) وكِنْدة وتميم وطيء، وأفذاذ مغمورين لا يُعَدُّون قلةً من مختلف القبائل، وهم بين رجلين: رجل أملق من عقل ومال، فهو يخشى أن

стр. 353

يسيء الفقر إلى أدب ابنته، ويهتك من سترها، ويبذل من عرضها، وآخر من سراة القوم ذهبت بعقله الغيرة، وهوى بنفسه الإشفاق من تبدل الحوادث، وتداول المَثُلات، وما عسى أن يصيبها من ذل أو سباء) (١٠٠) . وقد كانت بعض القبائل تئد البنات والأولاد أيضاً خشية الفقر (١٠١) . وكانت بعض القبائل تقول: " الملائكة بنات الله "، فيفتلون بناتهم، ويقولون: " نلحقهن ببنات الله" - تعالى الله عن ذلك علوُّا كبيرًا. وقال قتادة: " كان مُضَرُ وخُزاعة يدفنون البنات أحياءً، وأشدهم في هذا تميم، زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن" (١٠٢) . وعنه أيضًا قال: (كان أحدهم يغذو كلبه، ويئد ابنته) اهـ (١٠٣) . (وكان بعضهم يغرقها، وبعضهم يذبحها) (١٠٤) . (وكان الرجل يشترط على امرأته: أنكِ تئدين جارية، وتستحيين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد، غَدَا مِن عند أهله أو راح، وقال: أنت علىَّ كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها، فيحفرن

стр. 354

لها حفرة، فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلا دسسنها في حفرتها، وسوَّين عليها التراب) (١٠٥) . وكانوا في بعض الأحيان يئدون البنات بقسوة نادرة، فقد يتأخر وأد الموءودة (١٠٦) لسفر الوالد وشُغله، فلا يئدها إلا وقد كبرت، وصارت تعقل، وقد كان بعضهم يلقى الأنثى من شاهق (١٠٧) ، وقد حَكَوا في ذلك عن أنفسهم مبكيات: منها: ما رُوِىَ أن عمر ﵁ قال: " أمران في الجاهلية، أحدهما يبكيني، والآخر يضحكني؛ أما الذي يبكيني: فقد ذهبت بابنة لي لوأدها، فكنت أحفر لها الحفرة، وتنفض التراب عن لحيتي، وهى لا تدرى ماذا أريد لها، فإذا تذكرتُ ذلك بكيت، والأخرى: كنت أصنع إلهَا من التمر، وأضعه عند رأسي يحرسني ليلًا، فإذا أصبحت معافى أكلته، فإذا تذكرت ذلك ضحكت من نفسي" (١٠٨) . وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول، وسئل عن هذه الآية: (وإذا الموءُودةُ سُئلت بأي ذنب قتلت) (١٠٩) ، فقال: (جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية" (١١٠) ، فقال: "أعتق عن كل

стр. 355

واحدة منهن رقبة"، قال: "إِني صاحب إبل"، قال: "اهْدِ إن شئت عن كل واحدة منهن بَدَنة" (١١١) . (وكان للعرب تفنن في الوأد، فمنهم من إذا صارت بنته سداسية يقول لأمها: "طيبيها، وزيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها"، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: "انظري فيها"، ثم يدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض، ومنهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع حفر حفرةً لتتمخض على رأس البئر، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنًا حبسته) (١١٢) . وقد شنع القرآن المجيد على أهل الجاهلية بسبب وأدهم البنات، ومهانتها عندهم، وَصَوَّرَ ذلك أدق تصوير، فقال : (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم لِيُرْدُوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون) الأنعام (١٣٧) . (وقالوا هذه أنعام وحَرث حِجر لا يطعمها إلا من نشاء) أي لا يأكلها إلا الرجال دون النساء، وقيل: خدام الأصنام، ثم بين سبحانه أن هذا تحكملم يرد به شرع، ولهذا قال: (بزعمهم) (وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراءً عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) قال السيوطي (١١٣) : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄

стр. 356

قال: (اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربونه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُرِكَت فلم تُذْبَحْ، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء) (خالصة لذكورنا) أي حلال لهم خاصة، لا يشركهم فيه أحد من الإناث (ومحرم على أزواجنا) أي على جنس أزواجنا وهن الإناث، فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهن، (وإن يكن ميتة) أي ذلك حلال للذكور محرم على الإناث إن ولد حيُّا، وإن ولد ميتة (فهم) أي الذكور والإناث (فيه) أي فيما في بطون الأنعام (شركاء) يأكلون منه جميعاً (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) أي لخفة عقولهم وجهلهم بصفات ربهم سبحانه (وحَرَّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) قال القرطبي: (أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحِيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم، ولم يخشوا الإملاق) (١١٤) اهـ، وقال قتادة: "هذا صنع أهل الجاهلية: كان أحدهم يقتل ابنته، مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه" (١١٥) ، ومن هنا قال ابن عباس ﵄: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام (قد خسر الذين قتلوا أولادهم) إلى قوله: (وما كانوا مهتدين) (١١٦) . وقال : (ويجعلون لله البناتِ سبحانه ولهم ما يشتهون، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هُون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون) (١١٧) .

стр. 357

قوله سبحانه: (ويجعلون) أي يعتقدون أن (لله البناتِ) الإناث، وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله؟ بينه تعالى بقوله: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا) الآية، مع أن الإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم، ويأنفون منها كما قال تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مُسْوَدًّا) أي لأن شدة الحزن والكآبة تُسَوِّدُ لون الوجه (وهو كظيم) أي: ممتلئ حزنا وهو ساكت، وقيل: ممتلئ غيطا على امرأته التي ولدت له الأنثى (١١٨) (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به) أي يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة، أو: لئلا يشمتوا به ويعيروه، ويحدث نفسه، وينظر: (أيمسكه) أي ما بشر به وهو الأنثى (على هُون) أي هوان وذل (أم يدسه في التراب) أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيا في التراب، وهو ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد. قال العلامة القرآني محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: (وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم، ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المرى ابنته " الجرباء" قال: وإني وإن سيق إلى المهرُ ... ألف وعُبدان وذَوْدٌ (١١٩) عَشْرُ أحب أصهاري إلي القبرُ ويروى لعبد الله بن طاهر قوله: لِكُل أبي بِنْتٍ يُراعِى شئونَها ... ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُمِدَ الصِّهْرُ فَبَعْلٌ يُراعِيها، وخِدْر يُكِنها ... وقبر يُوارِيها، وخيرُهم القبرُ

стр. 358

وقال بعض الشعراء في هذا المعنى نفسه: جُعِلْتُ فِداكَ من النائبات ... ومُتعْتَ ما عِشْتَ في الطيبات سُرورانِ ما لَهُما ثالث ... حياةُ البنين وموتُ البنات وأصدقُ منْ ذَينِ قولُ الحكيـ ... ـم دَفْنُ البناتِ مِنَ المَكْرُمات (١٢٠) ومن مأثور قولهم لمن "رُزِئ" بأنثى - على حد تعبيرهم -: (آمنكم الله عارها، وكفاكم مؤنتهَا، وصاهرتم (١٢١) القبر) ، وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم، كما قال الشاعر في ابنة له تسمى " مودة": "مودة تهوى عمر شيخ يسره ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدرى يخاف عليها جفوة الناس بعده ... ولا ختن يرجى أود من القبر (١٢٢) ] وقال إسحاق بن خلف البهراني في نفس المعنى: لولا أمَيْمةُ لم أجزع من العدمِ ... ولم أجُب في الليالي جِنْدِس (١٢٣) الظلَمِ وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذُلَّ اليتيمةِ يجفوها ذوو الرَّحِم تهوى بقائي وأهوى موتها شفقا ... والموتُ أكرم نزَّالٍ على الحُرَم أحاذر الفقر يومَا أن يُلِمَّ بها ... فيكشف الستر عن لَحم على وَضَمِ (١٢٤) إذا تذكرتُ بنتي حين تندبني ... فاضت لرحمةِ بنتي عَبرتي بِدَمِ

стр. 359

أخشى إضاعةَ عَم أو جفاءَ أخ ... وكنت أحنو عليها من أذى الكَلِمِ ما أنسَ لا أنسَ منها إذ تُوَدعُني ... والدَّمعُ يَجْري على الخدين ذا سَجَم لا تبرحن فإن مت فإن لنا ... ربا تكفلَ بالأرزاقِ والقَسمِ (١٢٥) ومن طرائف ما يُروى في ذلك: أنه كان لأبي حمزة الأعرابي زوجتان، فولدت إحداهما ابنة، فعز عليه ذلك، واجتنبها، وصار في بيت ضَرتِها، فأحسَّت به يومًا في بيت صاحبتها، فجعلت تُرَقِّصُ ابنتها الصغيرة، وتقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا غضبان أن لا نَلِدَ البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا بل نحن كالأرض لزارعينا ... يَلبثُ ما قد زرعوه فينا وإنما نأخذ ما أعطينا فعرف أبو حمزة قُبْحَ ما فعل، وراجع امرأته (١٢٦) . موقف بعض سادات العرب من الوأد ذلك وقد نهض من سادات العرب مَن حال دون الوأد بما بذل من مال جم، وسعي وفير، ومن بين هؤلاء صَعْصَعَةُ بن ناجية التميمي، فقد كان يتلمس مَن مسها المخاض، فيغدو إليها، ويستوهب الرجل حياة مولوده إن كانت بنتا على أن يبذل له في سبيل ذلك بعيرًا وناقتين عُشَرَاوِيَيْن (١٢٧) ، فجاء الإسلام وقد افتدى أربعمائة وليدة (١٢٨) .

стр. 360

ومنهم زيد بن عمرو بن نُفَيل القرشي، كان يضرب بين مضارب القوم فإذا بَصُرَ بِرَجُل يَهُمُّ بوأد ابنته قال له: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، ويلي أمرها حتى تشب عن الطوق، فيقول لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها (١٢٩) . وصعصعة بن ناجية بن عقال هو جد الفرزدق بن غالب، قال السيوطي: (وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي- وهو جد الفرزدق- قال: قلت: يا رسول الله إني عملت أعمالا في الجاهلية، فهل لي فيها مِنْ أجر؟ قال: وما عملت؟ قال: أحييت ثلاثمائة وستين موءودة أشترى كل واحدة منهن بناقتين عشراويين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟ فقال النبي ﷺ : لك أجره إذا مَنَّ الله عليك بالإسلام) (١٣٠) . وروى أبو عبيدة أن صعصعة هذا وفد على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم، قال: وكان صعصعة منع الوأد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك، فجاء الإسلام وقد فدى في بعض الروايات أربعمائة موءودة، وفي أخرى ثلاثمائة، فقال للنبي ﷺ : (بأبي أنت وأمي أوصِني" فقال ﷺ : "أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدانيك "، فقال: " زدني"، فقال ﷺ : (احفظ ما بين لحييك ورجليك "، ثم قال ﷺ : " ما من شيء بلغني عنك فعلتَهُ؟ " فقال " يا رسول الله! رَأيتُ الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الصواب، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه، فرأيتهم يئدون بناتهم، فعرفت أن ربهم

стр. 361

عز وجل لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم، ففديت ما قدرت عليه) (١٣١) . وقد افتخر الفرزدق بهذا في قوله: ومنا الذي منع الوائداتِ ... وأحيا الوئيد فلم يوأدِ وفي قوله أيضا (١٣٢) : أنا ابن عِقال وابن ليلى وغالب ... وفكّاكُ أغلال الأسير المُكَفرِ (١٣٣) وكان لنا شيخان ذو القبر (١٣٤) منهما ... وشيْخ أجار الناس من كل مَقبرِ على حِينِ لا تُحْيىَ البناتُ وإذ هُم ... عُكُوف على الأصنام حول المُدَورِ أنا ابن الذي رد المنيةَ فضلُه ... وما حَسَب دافعتُ عنه بِمُعْوِرِ أبي أحد الغيثين صعصعةُ الذي ... متى تُخلِفُ الجوزاءُ والنجمُ يُمطِرِ أجار بناتِ الوائدين ومن يُجرْ ... على القبر، يعلم أنه غيرُ مُخْفِرِ وفارق (١٣٥) ليل من نساءٍ أتت أَبي ... تعالج ريحا ليلُها غيرُ مُقْمِر فقالت: أجر لى ما ولدتُ فإنني ... أتيتك من هَزْلَي الحمولةِ مُقْتِر رأي الأرضَ منها راحة فرمى بها ... إلى خُدَدٍ منها وفي شر مَخْفَر فقال لها: نامى فأنتِ بذمتي ... لبنتكِ جار من أبيها القَنَوَّر (١٣٦)

стр. 362

ويقال: (إنه اجتمع جرير والفرزدق يومًا عند سليمان بن عبد الملك، فافتخرا، فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى، فقال له سليمان: أنت ابن محيي الموتى؟ فقال: إن جدي أحيا الموءودة، وقد قال تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) (١٣٧) وقد أحيا جدي اثنتين وتسعين موءودة، فتبسم سليمان، وقال: " إنك مع شعرك لَفَقِيه"، نقله المرتضي في " أماليه") (١٣٨) اهـ. وبالجملة فكان الوأد عادة من أشنع العوائد في الجاهلية مما يدل على نهاية القسوة، وتمام الجفاء والغلظة.

стр. 363

الباب الثالث شمس الإسلام تشرق على المرأة [الفصل الأول] "إنما النساء شقائق الرجال" (١٣٩) حديث شريف (أسفر نور الإسلام، فافترَّ ثغر الدهر لنساء العرب عن جو مشرق، وأمل بعيد، وأسلوب من الحياة جديد. رسخت أصول الإسلام، وورفت ظلاله، وخفقت على الخافقين أعلامه، ونعمت المرأة تحت ظله بوثوق الإيمان، ونهلت من معين العلم، وضربت بسهم في الاجتهاد، وشُرع لها من الحقوق ما لم يُشْرَع لأمة من الأمم في عصر من العصور، فقد أمعنت في سبيل الكمال طلقة العِنان، حتى أخملت مَنْ بين يديها، وأعجزت من خلفها، فلم تشبهها امرأة من نساء العالمين في جلال حياتها وسناء منزلتها.

стр. 364

تلك هي المرأة التي وثب بها الإسلام، ووثبت به، وكان أثرها في تكوين رجاله، وتصريف حوادثه أشبه ما يكون بأثر الغدير الهادئ الفياض في زَهْر الرياض) (١٤) . مظاهر تكريم الإسلام للمرأة لم يعتبر الإسلام المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما لها من الحقوق، وعليها أيضا من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اخْتُص بهِ من شرف الرجولة، وقوة الجَلَدِ، وبسطة اليد، واتساع الحيلة، أن يلي رياستها، فهو بذلك وليُّها؛ يحوطُها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده. ذلك ما أجمله الله، وضم أطرافه، وجمع حواشيه، بقوله تباركت آياته: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة) البقرة (٢٢٨) . تلك هي درجة الرعاية والحياطة، لا يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق. وكما قرن الله سبحانه بينهما في شئون الحياة، كذلك ساوى بينهما في الإنسانية، والموالاة، وتكاليف الإيمان، وحسن المثوبة، وادخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الجنة.

стр. 365

المساواة في الإنسانية فالنساء والرجال في الإنسانية سواء، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات (١٣) . وهي قد خلقت من الرجل، قال سبحانه: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً) الآية النساء (١) . وخلق المرأة نعمة عظيمة ينبغي أن يحمد الرجال ربهم عليها، قال تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمهَ) الروم (٢١) ، وقال : (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) الآية، الأعراف (١٨٩) . وقال جَلَّ وعلا: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) النحل (٧٢) . وقال رسول الله ﷺ : " إنما النساء شقائق الرجال" (١٤١) . المساواة في أغلب تكاليف الإيمان إذا كان مناط التكليف هو الأهلية، فلكل من الرجل والمرأة أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، ما دام قد تقرر في ذمة كل منهما الواجبات الشرعية، فلا تبرأ ذمة كل منهما حتى يؤدي ما عليه من واجبات،؟ يكون له بمقتضى تلك الأهلية حقوق قِبَلَ غيره.

стр. 366

وقد وضع القرآن الكريم الرجل والمرأة على قدم المساواة في الالتزامات الأخلاقية، والتكاليف الدينية إلا في حالات مخصوصة خفَّف اللَه فيها عن المرأة رحمةً بها، ومراعاةً لفطرتها وتكوينها؟ سيأتي إن شاء الله. وإيمان النساء كإيمان الرجال: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) الآية، الممتحنة (١٠) . وقال تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احملوا بهتانا وإثما مبينًا) الأحزاب (٥٨) . وقال سبحانه: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) البروج (١٠) . وأمر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات جميعا فقال : (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم) القنال (١٩) . وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (١٤٢) . ومن المجمع عليه المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن على النساء ما على الرجال من أركان الإسلام، إلا أن الصلاة تسقط عن المرأة في زمن الحيض والنفاس مطلقًا فتتركها، ولا تعيدها لكثرتها، وأما الصيام فيسقط

стр. 367

عنها في زمنهما، وتقضي ما أفطرته من أيام رمضان لقلتها، وأما حجها فيصح في كل حال، ولكنها لا تطوف بالبيت الحرام إلا وهي طاهرة. المساواة في المسئولية المدنية في الحقوق المادية الخاصة (١٤٣) أكد الإسلام احترام شخصية المرأة المعنوية، وَسَواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، وأثبت لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع العقود: كحق البيع، وحق الشراء، وحق الدائن، وحق المدين، وحق الراهن، وحق المرتهن، كذلك حق الوكالة، والإجارة، والاتجار في المال الخاص، وما إلى ذلك، وكل هذه الحقوق المدنية واجبة النفاذ. ولقد أطلق الإسلام للمرأة حرية التصرف في هذه الأمور بالشكل الذي تريده، دون أية قيود تقيد حريتها في التصرف، سوى القيد الذي يقيد الرجل نفسه فيها، ألا وهو قيد المبدأ العام: أن لا تصدم الحرية بالحق أو الخير. قال ﵎: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) (النساء: ٣٢) ، وجعل لها حق الميراث، فقال تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبًا مفروضًا) (النساء: ٣٧) ، كما جعل صداقها ملكًا خالصا لها، لا يشاركها فيه أحد، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض

стр. 368

ما آتيتموهن) الآيتان (النساء: ١٩- ٢٠) . والمرأة في تملك هذه الحقوق شأنها أمام الشرع، شأن الرجل تمامًا إذا أحسنت أو أساءت، قال جل وعلا: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم) (المائدة:٣٨) . وقال : (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (النور:٢) . كذلك ساوت الشريعة بينهما في الدماء، وقررت أن يقتل الرجل بالمرأة، قال جل وعلا: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) (البقرة: ١٧٩) . وقال : (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) الآية (البقرة:١٧٨) . وهذه الآية تبين حكم النوع إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فهي محكمة، وفيها إجمال، يبينه قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) الآية (المائدة: ٤٥) . المساواة في جزاء الآخرة وقال تعالى: (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل (٩٧) . وقَال : (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) غافر (٤٠) .

стр. 369

وقال سبحانه: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) النساء (١٢٤) . وقال في أولي الألباب الذين يذكرون الله كثيرا، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، وَيَدْعُونه: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) (١٤٤) آل عمران (١٩٥) وتأمل كيف أكد القرآن هذا المبدأ في قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعَدَّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا) (١٤٥) الأحزاب (٣٥)

стр. 370

فسوى سبحانه بين الزوج والزوجة والابن والبنت والعبد والأمة في هذه الصفات الجميلة، وما زال السلف رضوان الله عليهم على هذا المنهاج تجد أولادهم ونساءهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين في هذه الفضائل كلها. وقال سبحانه: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله اكبر ذلك هو الفوز العظيم) التوبة (٧٢) . وقال : (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، وَيُكَفًرَ عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما) الفتح (٥) . وقال ﵎: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم

стр. 371

بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) الحديد (١٢) . وقال ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت" (١٤٦) . فإذا احتمل الرجل نار الهجير، واصطلى جمرة الحرب، وتناثرت أوصاله تحت ظلال السيوف، فليس ذلك بزائده مثقالَ حبة عن المرأة إذا وفت لبيتها، وأخلصت لزوجها، وأحسنت القيام على بنيها. وعن عبادة بن الصامت ﵁: " أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة، قال: فما تحوز (١٤٧) له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدُها جمعاء (١٤٨) شهادة، يجرها ولدها بسرره (١٤٩) إِلى الجنة، (١٥٠) .

стр. 372

المساواة في الموالاة والتناصر قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة (٧٢) . المساواة بين المؤمنات إزالة الفوارق ين النساء: مزق الإسلام حجب الفوارق بينَ النساء كما مزقها بين الرجال، فتطامنت الرؤوس، وتساوت النفوس، فلم يكن بين المرأة والمرأة إلا الخير تتقدم به، أو العمل الصالح تسبق إليه، فأما أن تُدِلَّ بعَرَض طارف، أو تعتز بحسب قديم فذلك ما لا يقدمها أنملة، ولا يغنى عنها من الله شيئا. عن أبي هريرة ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال: يا معشر قريش" - أو كلمة نحوها - " اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئَا، يابنى عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئَا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله، لا أغني عنكِ من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنكِ من الله شيئا") (١٥١) .

стр. 373

لقد شرع الله للمؤمنين شِرعة الإخاء بقوله جل شأنه: (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات (١٠) فلم يكن يفرق بين المسلمة والمسلم، ولا بين المسلم والمسلمة، إلا شريف الخلق وخسيسه، فذلك حيث يقول الله تباركت حكمته في كتابه الكريم: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات) النور (٢٦) ، وكذلك استن رسول الله ﷺ سنة المساواة بقوله: "المسلم أخو المسلم" (١٥٢) ، وهو الذي يقول ﷺ : (كل نسب وصِهْرٍ ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري" (١٥٣) ، ولا أدل على ما نقول من: [حديث فاطمة بنت الأسود المخزومية - وهي امرأة من ذوات الشرف والحسب في قريش - وَهَنت نفسها فسرقت، فقامت عليها البينة، فوجب عليها الحد فأَهَمَّ ذلك قريشًا، فقالوا: من يكلِّم رسول الله ﷺ ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ

стр. 374

رسول الله ﷺ ، فكلَّم رسولَ الله ﷺ ، فتلوَن وجه رسول الله ﷺ ، فقال: " أتشفع في حَدّ من حدود الله؟ "، فقال أسامة: " استغفر لي يا رسول الله "، فلما كان بالعشي، قام فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ثم أمر ﷺ بتلك المرأة التي سرقت، فقُطِعَتْ يَدُها"، قالت عائشة ﵂: فحسنت توبتها بعدُ وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها. إلى رسول الله ﷺ (١٥٤) . ومن ذلك أن الله تعالى ذم سخرية بعض النساء من بعض، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم ولا) يسخر (نساء من نساء عسى أن يكن) المسخور بهن (خيرا منهن) يعني من الساخرات بهن، قيل: إنها نزلت لما أتت صفية بنت حيي بن أخطب رسولَ الله ﷺ (١٥٥) ، قال الحافظ الذهبي ﵀: (وفي جامع أبي عيسى، من طريق هاشم بن سعيد الكوفي: حدثنا كنانة: حدثتنا صفية بنت حُيي، قالت: دخل عَلَيَّ رسول الله ﷺ ، وقد بلغني عن عائشة وحفصة كلام، فذكرتُ له ذلك، فقال: "ألا قلتِ: وكيف

стр. 375

تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى" (١٥٦) ، وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، نحن أزواجه، وبناتُ عمه) (١٥٧) . من مظاهر رحمة الإسلام بالمرأة أرأيت لو ذَهَبَتْ صبية جارية بقطيع من الغنم، فعدا الذئب على واحدة فأكلها، فنهض مولى الصبية إليها يضربها، أكان ذلك غريبا على الناس، بعيدَا عن مواقع أسماعهم وأبصارهم؟ لقد حدث ذلك في عهد النبي ﷺ ، وغدا الرجل على رسول الله ﷺ يخبره بما أصاب به جاريته، واشتد غضب النبي ﷺ ، وشق عليه ما كان من ضرب الجارية، وَلنَدَعْ صاحبَ الواقعة معاوية بن الحكم السلمي ﵁ يحكيها لنا:

стр. 376

قال: ﵁: (كانت لي جارية ترعى غنمًا لي في قِبَل أُحُد والجوانية، فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت النبيَّ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذلك عَلَيَّ، قلت: " يا رسول الله أفلا أعتقها؟ " قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها: " أين الله؟ "، فقالت: "في السماء"، قال: " من أنا؟ "، قالت: " أنت رسول الله"، قال: " أعتقها، فإنها مؤمنة") (١٥٨) ، وقال مرة: "هي مؤمنة فأعتقها". وعن هلال بن يساف قال: (كنا نبيع البُر في دار سويد بن مُقَرن أخي النعمان بن مقرن، فخرجت جارية، فقالت لرجل مِنا كلمةً فلطمها، فغضب سويد- وفي رواية: فما رأيت سويدا أشد غضبًا منه ذلك اليوم، وقال له: عجز عليك إلا حُرُّ وجهها؟ لقد رأيتني سابع سبعة من بني مُقَرِّن، ما لنا خادم إلا واحدة، فلطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نُعتقها) (١٥٩) . وكان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة ﷺ أن يسمع الرجل يُعَير الرجل

стр. 377

بأمه، وآية ذلك ما حَدَّثَ المعرور بن سويد قال: (لقِيتُ أبا ذَر بالربَذَةِ (١٦٠) ، وعليه حُلًةٌ، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا، فَعَيرتُه بأمه (١٦١) ، فقال لي النبي ﷺ : "يا أبا ذَر، أعيرتَه بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خَوَلُكم (١٦٢) ، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليُلْبسهُ مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم") (١٦٣) . ومن مظاهر رفقه ﷺ ورحمته بالنساء: ما رواه سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (استأذن عمرُ على النبي ﷺ ، وعنده نسوة من قريش يُكَلِّمنَهُ - وفي رواية: يسألنه، ويستكثِرنَه- عاليةً أصواتُهنَّ على صوتِهِ، فلما استأذن عُمَرُ قُمْنَ يبتدِرْنَ الحجابَ، فأذِن له النبي ﷺ ، فدخل عُمَرُ والنبي يضحك، فقال عمر: (أضحَكَ الله سِنَّكَ (١٦٤) ، بأبي وأمي، قال: "عجبت من هؤلاء اللاتي كُن عندي، فلما سَمِعْنَ صوتَك ابتدرْنَ الحجابَ، قال عمر:

стр. 378

" فأنت يا رسولَ الله لَأحَقُّ أن يَهَبْنَ"، ثم قال عمر: (أي عَدُوَّاتِ أنفسِهن، أتهَبْنَنِي ولا تَهَبْنَ النبيَّ ﷺ ؟!، قلن: "نعم، أنت أفَظُّ وأغلَظُ من (١٦٥) النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إيهِ (١٦٦) يا ابنَ الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لَقِيَكَ الشيطان سالكًا فَجا إلا سَلَكَ فَجُّا غير فجًك " (١٦٧) . ومن مظاهر رفق رسول الله ﷺ بالنساء: أنه ﷺ وقف يبايعهن على أن يأتمرن بأوامر الله، ويجتنبن نواهيه، فقال ﷺ : "فيما استطعتن، وأطقتن"، فقلت: " الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، (١٦٨) .

стр. 379

تحريم كل النساء في الحروب: حَرم الشرع الشريف قتل النساء والأطفال والشيوخ في الجهاد، إلا أن يقاتلوا، فيدْفعوا بالقتل: فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا قال: (انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلَا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغُلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين" (١٦٩) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (وُجدَت امرأة مقتولةً في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى رسولُ الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان) (١٧٠) ، وفي رواية: (فأنكر) .

стр. 380

وعن رباح بن الربيع ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا، فقال: " انظر علام اجتمع هؤلاء؟! "، فجاء، فقال: "على امرأةٍ قتيل، فقال: ما كانت هذه لِتُقاتِلَ" قال: وعلي المقدمة خالد بن الوليد، قال: فبعث رجلًا، فقال: "قل لخالد: لا تَقتُلَن امرأةً ولا عسيفًا (١٧١) ") (١٧٢) . ورُوي عن عبد الرحمن بن كعب أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيق عن قتل النساء والولدان، قال: فكان رجل منهم يقول: " بَرحَتْ بنا امرأةُ ابنِ أبي الحُقَيقِ بالصياح، فأرفع السيفَ عليها، ثم أذكر نهي رسول الله ﷺ فَأكُف، ولولا ذلك لاسترحنا منها ") (١٧٣) . معاملة الحائض في السنة الشريفة: عن عائشة ﵂ قالت: " كنت أشرب من الإناء وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع فِي " وفي رواية أبي داود والنسائي قالت: " كنت أتعرقُ العَرْقَ (١٧٤) وأنا حائض، فأعطيه رسول الله ﷺ ، فيضع فَمَهُ في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وكنت

стр. 381

أشرب من القَدَح فأناوله إياه، فيضع فَمه في الموضع الذي كنت أشرب ". وفي رواية للنسائي عن شُريح بن هانئ أنه سألها: " هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ " (١٧٥) ، قالت: " نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني، فآكل معه، وأنا عارِك (١٧٦) ، وكان يأخذُ العَرْقَ، فَيُقْسِمُ عَلَي فيه، فآخذُه فأتعَرَّقُ منه، ويضع فمَه حيث وضعت فمي من العَرْق، ويدعو بالشراب، فيقسم عَلَيَّ فيه، قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه، فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القَدَح " (١٧٧) . وعن عبد الله بن سعد الأنصاري ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن مؤاكلة الحائض؟ فقال: "واكِلْها " (١٧٨) . وعن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يخْرِجُ إليَّ رأسَه من المسجد، وهو مجاور- أي معتكف- فأغسله وأنا حائض" (١٧٩) . وعنها ﵂ قالت: " إن النبي ﷺ كان يتكئ في حَجْرِي

стр. 382

وأنا حائض، فيقرأ القرآن " (١٨٠) . وعنها ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخُمرة (١٨١) من المسجد، (١٨٢) ، قالت: قلت: (إني حائض"، قال: "إن حِيْضَتَك ليست في يدك") . كرامة المرأة المسلمة لئن قرن الإسلام بين الرجل والمرأة في عامة المواطن، لقد عرف لها نصيبها من رقة القلب، ودقة الوجدان، وأنها مناط شرف الرجل، وموطن عرضه، فاختصها بنصيب وافر من الحرمة والكرامة. إن كرامة المرأة في الإسلام تتناول شخصها وسيرتها، وتشمل مشهدها ومغيبها، فمن حقها أن تكون هي في موطن الرعاية والعناية، وأن

стр. 383

يكون اسمها بمنجاة من لغو القول، ومنال اللسان. لقد كانت المرأة المسلمة تجير الخائف، وتفك العاني، وذلك كله إلى تجلة واحترام، بلغت منهما غايتهما. فقد أجارت أم هانئ بنت أبي طالب رجلين من أحمائها كتب عليهما القتل، وذلك مجمل حديثها في سبيل ذلك، قالت ﵂: (ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فسلمت عليه، فقال: " من هذه؟ "، فقلت: "أنا أم هانئ بنت أبي طالب "، فقال: "مرحبا بأم هانئ"، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: " يا رسول الله، زعم ابنُ أمي عَلي: أنه قاتل رجلًا فد أجَرْتُه (١٨٣) - فلان بن هُبيرة- فقال رسول الله ﷺ : (قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ"، قالت أم هانئ: " وذلك ضحى") . وفي رواية الترمذي: (أن أم هانئ قالت: أجرتُ رجلين من أحمائي (١٨٤) ، فقال رسول الله ﷺ : "قد آمنا من آمنت") . وفي رواية أبي داود: (أنها أجارت رجلًا من المشركين يومَ الفتح، فأتتِ النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (قد أجرنا من أجرت، وآمنا من آمنت") (١٨٥) .

стр. 384

وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (إن كانت المرأة لتجِيرُ على المسلمين، فيجوز" (١٨٦) . وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن المرأة لتأخذ على القوم، يعنى تُجِير على المسلمين " (١٨٧) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال رسول الله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير عليهم أقصاهم (١٨٨) ، وهم يد على مَن سواهم، (١٨٩) الحديث. ولما أسر المسلمون أبا العاص بن الربيع، وغنموا ماله فيما أسروا وغنموا وكان زوج زينب بنت رسول الله ﷺ إلا أن الإسلام فرق بينهما، استجار أبو العاص بزينب ﵂ فوعدته خيرًا، وانتظرت حتى صلى رسول الله ﷺ الفجر بالمسلمين، ثم وقفت على بابها- في المسجد - فنادت بأعلى صوتها: "إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع"، فقال رسول الله ﷺ : "أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟ قالوا: "نعم"، قال: "فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي

стр. 385

سمعتم، المؤمنون يَد على من سواهم، يجير علَيهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت " (١٩٠) ، فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخِذَ منه ففعل (١٩١) . أما كرامة سيرتها، وصيانة اسمها، فذلك ما لا نحسب شريعة من الشرائع حاطتهما بمثل حياطة الإسلام لهما، وحسبك أن الله اشتد في كتابه الكريم على قاذفي النساء في أعراضهن بأشد مما اشتد على القتلة وقطاع الطريق، فقد قال الله سبحانه في سورة النور: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) النور (٤) . فجعل سبحانه للقاذف عقوبة ثمانين جلدة، ثم دعم هذه العقوبة بأخرى أشد وأخزى وهي اتهامه أبد الدهر في ذمته، واطراح شهادته، فلا تقبل له شهادة أبدا، ثم وَسَمه بعد ذلك بسمة هي شر الثلاثة جميعا، وهي سمة الفسق، ووصمة الفجور. لم يكن كل ذلك عقاب أولئك الأثمة الجناة، فقد عاود الله أمرهم بعد ذلك بما هو أشد وأهول من تمزيق ألسنتهم فقال: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) النور (٢٣) وإن في حديث الإفك، وما أفاض الله في شأنه لموعظة وذكرى لقوم يعقلون.

стр. 386

الوحي ينتصر للمرأة كان الوحي ربما ينزل إنصافًا للمرأة، وانتصارًا لحقها، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (كنا في الجاهلية لا نعدُّ النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكَرَهُن الله رأينا لهن- بذلك- علينا حَقا) (١٩٢) إلخ. وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إِلى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ هيبةَ أن ينزل فينا شيء، فلما تُوُفّيَ تكلمنا، وانبسطنا) (١٩٣) . وتأمل كيف انتصر الوحي لتلك المرأة التي جاءت تجادل رسول الله ﷺ ، وحفلت كتب السنة بالروايات التي تفصل قصتها مع زوجها أوس ابن الصامت ﵁، تقول خولة بنت ثعلبة ﵂: (فِيَّ والله، وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة) ، قالت: (كنت عنده، وكان شيخا كبيرًا قد ساء خُلُقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء، فغضب، فقال: "أنت عَلَي كظهر أمي"، فقالت: "والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم فينا الله ورسولُه بحكمه"، فشكت إلى رسول الله ﷺ ، فنزل صدر السورة، ثم بين لها النبي ﷺ حكم الظهار، وهو: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا (١٩٤) .

стр. 387

وفي رواية ابن أبي حاتم عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: " تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علىَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: (يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك "، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة: ١) (٥١٩) لقد نزل الوحي مؤيداً تلك المرأة الصالحة، وأعلى ذكرها حتى صار قرآنا يتلى في المحاريب. (عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ امرأة يقال لها " خولة" وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبستَ رجالَ قريش على هذه العجوز؟ "، قال: "ويحك! وتدري من هذه؟ " قال: "لا"، قال: "هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت حتى تقضي حاجتها ") (١٩٦) .

стр. 388

(وعن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره، لقيته امرأة، فقالت: " قف يا عمر"، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: " يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم"، فقال: "وما يمنعني أن أستمع إليها، وهي التي استمع الله لها، وأنزل فيها ما أنزل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) الآية (١٩٧) . وفي بعض الروايات أنه ﵁ مر بها في خلافته، والناس معه، على حمار، فاستوقفته طويلًا، ووعظته، وقالت: " يا عمر: قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب"، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: " يا أمير المؤمنين"، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ ! ، قال: (والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها، ولا يسمعه عمر؟!) . وصية النبي ﷺ بالنساء وكانت في رجال قريش صرامة على نسائهم، ومنهم من كان يعمد إليهن بالأذى، فأما رسول الله ﷺ فما ضرب في حياته امرأة ولا خادمَا- وهو الذي يقول: (اتقوا الله في النساء) (١٩٨) و (استوصوا بالنساء خيرًا) (١٩٩) ويقول: "إني أحَرِّج عليكم حَق الضعيفين: اليتيم، والمرأة " (٢٠٠) ، وكان

стр. 389

كأغضب ما يكون إذا سمع بامرأة يضربها زوجها: فعن عبد الله بن زمعة قال: وعظ النبي ﷺ في النساء فقال: "يضربُ أحدكم امرأته ضرب العبدِ، ثم يعانقها آخر النهار؟ " (٢٠١) . وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله، فينتقم " (٢٠٢) . وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: " ذَئِرْنَ (٢٠٣) النساء على أزواجهن"، فرخص في ضربهن،

стр. 390

فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير، يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : " لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم) (٢٠٤) ، وعن بهز بن حكيم حدثني أبي عن جدي قال: (قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: ائت حرثك أنى شئت (٢٠٥) ، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تُقَبح الوجه، ولا تضرب) (٢٠٦) وفي رواية بزيادة: " ولا تهجر إلا في البيت". ولم يقف الإسلام من كرامة المرأة ورعايتها موقف المكتفي بكف الأذى عنها فحسب، بل كان مما سنه رسول الله ﷺ ترفيهها والحرص على سرورها، واجتلاب ما يفرحها، ويشرح صدرها في حدود ما أباحه الله وفي غير معصية فعن عائشة ﵂ قالت: (كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ، وكان يأتيني صواحبي، قالت: فكن ينقمعن عن رسول الله ﷺ ،
следующие страницы →