← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الوحي ينتصر للمرأة كان الوحي ربما ينزل إنصافًا للمرأة، وانتصارًا لحقها، يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (كنا في الجاهلية لا نعدُّ النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكَرَهُن الله رأينا لهن- بذلك- علينا حَقا) (١٩٢) إلخ. وعن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إِلى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ هيبةَ أن ينزل فينا شيء، فلما تُوُفّيَ تكلمنا، وانبسطنا) (١٩٣) . وتأمل كيف انتصر الوحي لتلك المرأة التي جاءت تجادل رسول الله ﷺ ، وحفلت كتب السنة بالروايات التي تفصل قصتها مع زوجها أوس ابن الصامت ﵁، تقول خولة بنت ثعلبة ﵂: (فِيَّ والله، وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة) ، قالت: (كنت عنده، وكان شيخا كبيرًا قد ساء خُلُقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء، فغضب، فقال: "أنت عَلَي كظهر أمي"، فقالت: "والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ، وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم فينا الله ورسولُه بحكمه"، فشكت إلى رسول الله ﷺ ، فنزل صدر السورة، ثم بين لها النبي ﷺ حكم الظهار، وهو: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا (١٩٤) .

стр. 387

وفي رواية ابن أبي حاتم عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: " تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علىَّ بعضُه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: (يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك "، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة: ١) (٥١٩) لقد نزل الوحي مؤيداً تلك المرأة الصالحة، وأعلى ذكرها حتى صار قرآنا يتلى في المحاريب. (عن ابن زيد قال: لقي عمر بن الخطاب ﵁ امرأة يقال لها " خولة" وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها، وانصرفت، فقال له رجل: "يا أمير المؤمنين حبستَ رجالَ قريش على هذه العجوز؟ "، قال: "ويحك! وتدري من هذه؟ " قال: "لا"، قال: "هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل، ما انصرفت حتى تقضي حاجتها ") (١٩٦) .

стр. 388

(وعن ثمامة بن حزن قال: بينما عمر بن الخطاب يسير على حماره، لقيته امرأة، فقالت: " قف يا عمر"، فوقف، فأغلظت له القول، فقال رجل: " يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم"، فقال: "وما يمنعني أن أستمع إليها، وهي التي استمع الله لها، وأنزل فيها ما أنزل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) الآية (١٩٧) . وفي بعض الروايات أنه ﵁ مر بها في خلافته، والناس معه، على حمار، فاستوقفته طويلًا، ووعظته، وقالت: " يا عمر: قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك: عمر، ثم قيل لك: أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب"، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: " يا أمير المؤمنين"، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف؟ ! ، قال: (والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لازلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها، ولا يسمعه عمر؟!) . وصية النبي ﷺ بالنساء وكانت في رجال قريش صرامة على نسائهم، ومنهم من كان يعمد إليهن بالأذى، فأما رسول الله ﷺ فما ضرب في حياته امرأة ولا خادمَا- وهو الذي يقول: (اتقوا الله في النساء) (١٩٨) و (استوصوا بالنساء خيرًا) (١٩٩) ويقول: "إني أحَرِّج عليكم حَق الضعيفين: اليتيم، والمرأة " (٢٠٠) ، وكان

стр. 389

كأغضب ما يكون إذا سمع بامرأة يضربها زوجها: فعن عبد الله بن زمعة قال: وعظ النبي ﷺ في النساء فقال: "يضربُ أحدكم امرأته ضرب العبدِ، ثم يعانقها آخر النهار؟ " (٢٠١) . وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنْتَهَكَ شيء من محارم الله، فينتقم " (٢٠٢) . وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال رسول الله ﷺ : "لا تضربوا إماء الله"، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: " ذَئِرْنَ (٢٠٣) النساء على أزواجهن"، فرخص في ضربهن،

стр. 390

فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير، يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : " لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم) (٢٠٤) ، وعن بهز بن حكيم حدثني أبي عن جدي قال: (قلت يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منهن وما نذر؟ قال: ائت حرثك أنى شئت (٢٠٥) ، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تُقَبح الوجه، ولا تضرب) (٢٠٦) وفي رواية بزيادة: " ولا تهجر إلا في البيت". ولم يقف الإسلام من كرامة المرأة ورعايتها موقف المكتفي بكف الأذى عنها فحسب، بل كان مما سنه رسول الله ﷺ ترفيهها والحرص على سرورها، واجتلاب ما يفرحها، ويشرح صدرها في حدود ما أباحه الله وفي غير معصية فعن عائشة ﵂ قالت: (كنت ألعب بالبنات عند رسول الله ﷺ ، وكان يأتيني صواحبي، قالت: فكن ينقمعن عن رسول الله ﷺ ،

стр. 391

قال أنس: ينقمعن (٢٠٧) يفرِرْنَ، قالت: فكان النبي ﷺ يُسَربُهُنَّ إليَّ، فيلعبن معي) (٢٠٨) . (وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ قدم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهْوَتها (٢٠٩) سِتر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَب، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ "، قالت: " بناتي"، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: " ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: " فرس"، قال: (وما هذا الذي عليه؟ " قالت: " جناحان"، قال: " فرس له جناحان؟!) قالت: " أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ " قالت: " فضحك حتى رأيت نواجذه" (٢١٠) . وعنها ﵂ قالت: "والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقُوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه لأنظر إلى لعبهم، بين أذنه وعاتقه، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن (٢١١) ، الحريصة

стр. 392

على اللهو" (٢١٢) . وقد دخل ﷺ على عائشة ﵂ يوم عيد فوجد عندها فتاتين تنشدان أشعارًا حربية، ولما لم يكن إلا بيت واحد فقد استلقى على فراشه، وولى ظهره إليهن، ولما دخل أبو بكر ﵁ وسمع الصوت بالشعر عَنف ابنته فقال له ﷺ : " دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا " (٢١٣) . اللهو المباح في العرس وعن عائشة ﵂: أنها زَفت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبى الله ﷺ : " يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو " (٢١٤) . وعن محمد بن حاطب الجمَحي ﵁ قال: " قال رسول الله ﷺ : " فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف " (٢١٥)

стр. 393

وفي: رواية: " الدف، والصوت ". وذلك لأن به يتم إعلان النكاح. ويروَى عن عائشة ﵂ مرفوعا: " أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف (٢١٦) . وعن عامر بن سعد ﵄ قال: (دخلت على قَرَظَة بن كعب واًبي مسعود الأنصاري في عُرْس، وإذا جوالي يغنين، فقلت: " أيْ صاحِبَيْ رسول الله ﷺ وأهلَ بدر، يُفعَل هذا عندكم؟ "، فقالا: " اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رُخصَ لنا في اللهو عند العرس ") (٢١٧) .

стр. 394

تنبيه: مما ينبغي أن يعلم أن هذا اللهو المباح إنما هو صوت الدف - وهو ما لا جلاجل له -، أو إِنشاد الجواري الصغار بأشعار مباحة، بخلاف الكلام المحظور، وغناء الفاجرات، والمعازف الإبليسية التي فتن بها أهل زماننا، نسأل الله العافية. حياته ﷺ مع نسائه، وإحسانه إليهن أما حياته ﷺ في بيته بين نسائه فقَد كانت المثل الأعلى في الموادة، والموادعة، والمواتاة، وترك الكلفة، وبذل المعونة، واجتناب هُجْر الكلام ومُرِّه، وهو الذي يقول: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " (٢١٨) . عن الأسود قال: سألت عائشة ﵂: "ما كان يصنع النبي ﷺ في أهله؟ "، فقالت: " كان يكون في مهنة (٢١٩) أهله، فإذا

стр. 395

حضرت الصلاة قام إلى الصلاة" (٢٢٠) . وعن عروة قال: سألت عائشة ﵂: " ما كان النبي ﷺ يعمل في بيته؟ "، قالت: " يخصف (٢٢١) نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته " (٢٢٢) . وعنه أيضا أنها قالت: " ما يصنع أحدكم في بيته: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط) (٢٢٣) . وعن عمرة قالت: (قيل لعائشة: " ماذا كان يفعل رسول الله ﷺ في بيته؟، قالت: " كان بَشَرا من البَشَر؟ يفْلِي ثوبه، ويَحلُبُ شاتَه، ويَخدِم نفسه") (٢٢٤) . وعنها ﵂ أنها سئلت: " ما كان يصنع رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ "، قالت: " كما يصنع أحدكم؛ يشيل هذا، ويحط هذا،

стр. 396

ويخدم في مهنة أهله "، وفي رواية: " كان ﷺ يخدم في مهنة أهله، ويقطع لهم اللحم، ويقمُّ البيت، ويعين الخادم في خدمته، (٢٢٥) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف قط (٢٢٦) ، وما قال لي لشيء صنعته: " لم صنعته؟ "، ولا لشيء تركته: " لم تركته؟ "؛ وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً (٢٢٧) الحديث. وكان ﷺ من التبسط ورفع الكلفة إلى حَدِّ أن يستبق هو وامرأته كما جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهي جارية، قالت: " لم أحمل اللحم، ولم أبدِن (٢٢٨) ، فقال لأصحابه: "تقدموا"، فتقدموا، ثم قال: " تعالي أسابقك"، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعدُ، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: "تقدموا"، ثم قال " تعالي أسابقك"، ونسيت الذي كان، وقد حَمَلْتُ اللحم، وبدنت، فقلت: " كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه

стр. 397

الحال؟ "، فقال: " لتفعلن"، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: " هذه بتلك السبقة ") (٢٢٩) . وعن عمر ﵁ قال: (تغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل؟، قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: " قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت (٢٣٠) الحديث. وقال أنس ﵁ في حديثه- عن صفية ﵂: (.. فكان ﷺ يحوى لها وراءها بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية ﵂ رجلها على ركبته حتى تركب) (٢٣١) . وعن عائشة ﵂ قالت: (أتيت النبي ﷺ بخزيرة قد طبختُها له، فقلت لسودة ﵂ والنبي بيني وبينها: " كلي"،

стр. 398

فأبت، فقلت: " لتأكلين أو لألطِّخنَّ وجهَك"، فأبت، فوضعتُ يدي في الخزيرة فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ فوضع بيده لها: وقال لها: الطخي وجهها، فضحك النبي ﷺ ، وفي رواية: (فخفض لها ركبته لتستقيد مني، فتناولَت من الصحفَةِ شيئًا، فَمَسَحَتْ به وجهي، ورسول الله ﷺ يضحك) (٢٣٢) . وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: (جاء أبو بكر يستأذن على النبي ﷺ فسمع عائشة ﵂ وهي رافعة صوتها على النبي ﷺ ، فأذن له، فدخل، فقال: (يا ابنة أم رومان أترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ؟ ، وتناولها أبوها ﵁ (٢٣٣) (أترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ؟ "، قال: فحال النبي ﷺ بينه وبينها، فلما خرج أبو بكر ﵁ جعل النبي ﷺ يقول لها يترضاها (٢٣٤) : " ألا تَرَينَ أني قد حُلْتُ بين الرجل وبينك؟ "، قال: ثم جاء أبو بكر (٢٣٥) ﵁ فاستأذن عليه، فوجده يضاحكها، قال: فأذن له، فدخل، فقال أبو بكر: " يا رسول الله أشركاني في سِلمِكُما (٢٣٦) كما أشركتماني

стр. 399

في (٢٣٧) حربكما) (٢٣٨) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ (٢٣٩) الحديث. وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، (٢٤٠) وفي رواية: (ألا واستوصوا بالنساء خيرَا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" (٢٤١) الحديث. وقال ﷺ : " إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائكم) (٢٤٢) .

стр. 400

وقال ﷺ : (استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء، (٢٤٣) . وصدق الله العظيم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) التوبة (١٢٨) . إبطال عادات الجاهلية في الجنائز لقد تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم، وكان أول ما لُقنت المرأة من أدب الله ورسوله ﷺ الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب، فحال الإسلام بينها وبين ما كانت تعتاده في الجاهلية إذا ذهب الموت بعزيز لها أو كريم من آلها من شق الجيوب، ولطم الوجوه، إلى غير ما ذكرناه سابقَا. فهذا رسول الله ﷺ يبايع النساء في المدينة: " على ألا يَنُحْنَ، ولا يخمشن وجهًا، ولا يشققن جيبًا، ولا يدعين ويلًا، ولا ينشرن شعرا، ولا يقلن هجرا " (٢٤٤) . طوقت تلك البيعة أعناق المؤمنات جميعا، فأصبحت من أركان دينهن، وعمد إيمانهن، ثم أصغين إلى ما كتب الله للصابرين والصابرات من

стр. 401

جليل الأجر وجميل المثوبة، ورأينه خَلة (٢٤٥) الأنبياء وسنة الصديقين، وآية المقربين، وقرأن قول الله تباركت حكمته: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقوله جلت آياته في الصابرين: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) البقرة (١٥٧) ، وسمعن رسول الله ﷺ يقول فيما يرويه عن ربه : (يقول الله: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفِيه (٢٤٦) من أهل الدنيا ثم احتسبه (٢٤٧) إلا الجنة (٢٤٨) . وقوله ﷺ للنساء: "ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار " فقالت امرأة: " واثنين؟ " قال ﷺ : " واثنين " (٢٤٩) . كل ذلك وأشباهه - سمعنه ووعينه، فكان مسلاة نفوسهن، وراحة قلوبهن، وبرد أكبادهن (٢٥٠) ، ثم جاءت السنة الشريفة بزواجر ومواعظ تبطل ما كان من عادات الجاهلية، وتنقضها من أصلها:

стр. 402

فعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع في أمتي من الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة"، وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سِربال من قَطِرانٍ، ودِرْع من جَرَب (٢٥١) . والنوح: أمر زائد على البكاء، قال ابن العربي " النوح ما كانت الجاهلية تفعل، كان النساء يقفن متقابلات يصحن، ويحثين التراب على رؤوسهن، ويضربن وجوههن" اهـ نقله الأبي (٢٥٢) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت " (٢٥٣) . وعن أم عطية ﵂ قالت: " أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح (٢٥٤) . وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية (٢٥٥) .

стр. 403

وعن أبي بردة بن أبي موسى ﵄ قال: " وَجِعَ أبو موسى وجعًا، فَغشِيَ عليه، ورأسه في حَجْر امرأةٍ من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يَرُدَّ عليها شيئًا، فلما أفاق قال: (أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برئ من الصالِقة، والحالِقة، والشاقة ") (٢٥٦) . وعن امرأة من المبايعات قالت: (كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نَعْصِيَه فيه: أن لا نُخَمّش وجهًا، ولا ندعُوَ ويلًا، ولا نشُق جيبًا، وأن لا ننشر شعرًا " (٢٥٧) . (وحكى الأوزاعي أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره، فمال عليهم ضربًا حتى بلغ النائحة، فضربها حتى سقط خمارها، فقال: " اضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها، إنها لا تبكي لشجوكم، إنها تهريق دموعها على أخذ دراهمكم، وإنها تؤذى موتاكم في قبورهم، وأحياكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر، وقد أمر الله به، وتأمر

стр. 404

بالجزع، وقد نهى الله عنه) (٢٥٨) اهـ. وعن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ أخذ على النساء - حين بايعهنَّ- ألا يَنُحْنَ، فقلن: " يا رسول الله، إن نساء أسْعَدْتَنا في الجاهلية: أفَنُسْعِدُهُن؟ "، فقال رسول الله ﷺ : "لا إسعادَ في الإسلام " (٢٥٩) . والإسعاد: إعانة النساء بعضهن بعضا في النياحة بموت الميت. وعن أم سلمة ﵂ قالت: " لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غُرْبة، لأبكينه بكاءً يُتَحَدثُ عنه، فكنتُ قد تهيأتُ للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تُسْعِدَني، فاستقبلَها رسولُ الله ﷺ ، فقال: "أتريدين أن تُدْخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ "مرتين "، فكففتُ عن البكاء، فلم أبكِ) (٢٦٠) . قولها: " غريب وفي أرض غربة ": معناه أنه كان من أهل مكة، ومات بالمدينة. والمراد بالصعيد هنا: عوالي المدينة، وأصل الصعيد في اللغة وجه الأرض سواء كان عليه تراب أوْ لا. كراهة الاجتماع للتعزية: وكان من هدي الإسلام في الجنائز أن كره الاجتماع للتعزية في مكان

стр. 405

خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: " كنا نعد - وفي رواية: نرى - الاجتماع إلى أهل الميت، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة" (٢٦١) ، قال النووي ﵀: " وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف (٢٦٢) وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها " (٢٦٣) . الترخيص في البكاء بغير نوح: على أن الإسلام قد أباح للناس أن يشتفوا بالدمع، ويستريحوا إلى البكاء، فعن أسامة بن زيد ﵄: (أن رسول الله ﷺ حمل ابنًا لابنته زينب قد حُضر، ونفسه تقعقع في صدره، ففاضت عيناه، فقال له سعد بن عبادة ﵁: " ما هذا يا رسول الله وقد نهيت عن البكاء؟ "، قال: "إنما هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ") (٢٦٤) .

стр. 406

وعن أنس ﵁ قال: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أي سيف القَيْن - وكان ظِئرًا (٢٦٥) لإبراهيم ﵇ فأخذ رسولُ الله ﷺ ابنه إبراهيم، فقبَّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيمُ يجودُ بنفسه، فَجَعَلَتْ عينا رسول الله ﷺ تَذْرِفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: " وأنتَ يا رسول الله؟ "، فقالَ: (يا ابنَ عوني، إنها رحمة"، ثم أتبعها بأخرى، فقال: " إنَّ العين تدمع، والقلب يخشع، ولا نقول إلا ما يرضِي رَبنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون) (٢٦٦) . وعن عائشة ﵂: " أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله، وبكى حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه" (٢٦٧) . هدي الإسلام في الحداد على الميت: ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها فتحد أربعة أشهر وعشرا لغير الحامل،: عن حميد بن نافع قال: " أخبرتني زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان ابن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صُفرَة خَلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مَست بعارضَيها، ثم قالت: (والله ما لى بالطيب من

стр. 407

حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على مَيّتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، إلا على زوجٍ: أربعةَ أشهر وعشرا ") ، قالت زينب: ثم دخلتُ على زينبَ بنتِ جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسحت منه، ثم قالت: (أما والله، ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، الحديث) (٢٦٨) . وإظهارًا لعدم التعرض للزواج، ومراعاة لحق الزوج في الوفاء له أوجب الشرع على الحادة أن تجتنب ما يدعو إلى نكاحها، ويرغب في النظر إليها، ويحسنها، وذلك أربعة أشياء: أحدها: الطيب (٢٦٩) ، والثاني: اجتناب الزينة في نفسها كالخضاب والتحمير والحف وما أشبهه مما يُحَسنها كالاكتحال بالإثمد (٢٧٠) واجتناب زينة الثياب المصبغة للتحسين، وكذا اجتناب الحلي، فيحرم عليها لبس الحلي كله حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم.

стр. 408

والثالث: مما تجتنبه الحادة النقاب (٢٧١) ، وما في معناه مثل البرقع ونحوه، وإذا احتاجت إلى ستر وجهها أسدلت عليه كما تفعل المحرمة. والرابع: المبيت في غير منزلها- فيجب على الحادة أن تعتد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها أو بإجارة أو عارية إِلا لعذر (٢٧٢) . تهذيب الإسلام لمشاعر المرأة (٢٧٣) عمد الإسلام إلى قلب المرأة، فاستل سخيمته، وأخرج ضغينته، وطهره من غِل الثائر، نزعة الانتقام، وقد كان ذلك من أشد ما يجيش به صدرها، وتهتف به نفسها، ويقذف حممه فمها ولسانها، فاليوم وقد شرع الله القصاص في الدنيا والآخرة، واستنقذ العرب من مفارق الفُرق، ومنازع الفِتن، وألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانَا، فقد تبدل الحقد وُدُّا، واستحالت البغضاء ولاء. وأنى يكون لسخائم النفوس، وتطلب الأوتار، من أثر في صدر المرأة المؤمنة، وقد لعن رسول الله ﷺ الداعين بدعوة الجاهلية، وقال: " ليس منا.. من دعا بدعوى الجاهلية " (٢٧٤) ، وما دعوة الجاهلية إلا أن يقول

стр. 409

الرجل أو المرأة، " يا لَفلان"، فتعقد الألوية، وتجاش الجيوش، وتنتضي السيوف، وتخاض الدماء، إن ظالمًا وإن مظلومًا. وهل طوى قلب على أشد وأهول مما طوى عليه قلب هند ابنة عتبة، من سموم الموجدة، ونيران العداوة لرسول الله ﷺ ، وآل بيته؟ فهم الذين قتلوا آلها يوم بدر، واستقادوا زوجها يوم زحفهم على مكة، وهي التي أهدر نبي الله ﷺ دمها يوم فتح مكة جزاء تمثيلها بجثمان عمه حمزة يوم أحد، وكانت بقرت بطنه بعد مصرعه، وأخرجت كبده، فلاكتها، ثم لفظتها، وتلك شر نزعات الجاهلية، رُوي أن هندًا جاءت تبايع رسول الله ﷺ وهى مقنعة، فقالت: "يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتنفعني رَحِمُك، يا محمد أني امرأة مؤمنة بالله، مصدقة برسوله " (٥٢٧) ، ثم كشفت عن نقابها، فقالت: " أنا هند بنت عتبة"، فقال رسول الله ﷺ : "مرحبًا بك"، فقالت: "والله ما كان على الأرض أهل خباء أحب إليَّ من أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إليَّ من أن يعزوا من خبائك) (٢٧٦) . ففي سبيل الله، وفي سبيل دينه، ما غسل الدم، وزالت الوحشة، وأتلفت نوافر القلوب. وكما أن الله طهَّر نفس المرأة من الحقد، وأبرأ قلبها من قرحة الغل، كذلك حسر عن عقلها حجاب الجهل، ونزع عن إدراكها غشاء الأباطيل، فلم تخضع لعقيدة فاسدة، ولم ترضخ لوهم مُمَوَّه، وعلمت أن الله قد أسدل

стр. 410

حجب الغيب دون أوليائه وأصفيائه، فلم تطلبه، أو تحاول كشفه، فطويت بذلك صحف الكهان والعرافين، وزواجر الطير، وطوارق الحصى، وأمثال كل أولائك من كل ذي لغو مموه، وظن مُرَجم، وضلالة باطلة (٢٧٧) ، وتبينت أن الأمر كله بيد الله، وأنه وحده مقلب القلوب، ومُحَول الحالات، فلم تحتل على الحب واللقاء، والبرء والشفاء، ومدِّ حبل العُمُر، ورد سهم القدر بتعليق الخرزات والاستقاء بمائها، ولا بقول الرُّقى الشركية وعقد التمائم فلم يكن مفزعها في الأمر كله إلا رجاء طيب في الله وحده، ودعاءٌ صالح يزلفها لديه سبحانه، وبطل ما كانت تعتقد في المعاني التى ألبسها الخيال لَبوسًا من الأشباح المترائية، والخيالات الخرافية، كل كل أولائك محاه الدين، ومحقه العلم الصحيح، وبدد ظلماتِه نُور التوحيد، وهاك طائفة من الآثار في ذلك: عن قيس بن السكن الأسدي قال: دخل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه على امرأته، فرأى عليها حرزًا من الحُمرَةِ، فقطعة قطعا عنيفا، ثم قال: " إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء"، وقال: كان مما حفظنا عن النبي ﷺ : " إِن الرقى، والتمائم، والتولة شرك " (٢٧٨) .

стр. 411

وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: " يا رسول الله بايعت تسعة، وتركت هذا؟ "، قال: (إن عليه تميمة "، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه، وقال: " من علَّق تميمة فقد أشرك) (٢٧٩) . ويروى عنه ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من تعلق تميمة، فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة، فلا ودع (٥٢٨) الله له " (٢٨١) . وعن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولا: " أن لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت" (٢٨٢) . وعن رويفع ﵁ قال: قال في رسول الله ﷺ : " يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا بريء منه) (٢٨٣) .

стр. 412

وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣٨٤) ﷺ . وعن عمران بن حصين ﵄ مرفوعًا: "ليس منا من تطيَّر أو تطير له، أو تكهن أو تُكُهنَ له، أو سحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢٨٥) ﷺ . وعن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: " من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة " (٢٨٦) .

стр. 413

[فصل] دحض بدعة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة (وليس الذكر كالأنثى) (آل عمران: ٣٦) بعد أن أعلن الإسلام موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا، كما أسقط عنها- لذات الغرض، بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة، وهيئة الإحرام في الحج، والجهاد في غير أوقات النفير العام، وغير ذلك مما يأتي إن شاء الله مما ينسجم مع فطرتها وطبيعتها، ولا يرهقها من أمرها عسرا. [قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) الآية الحجرات (١٣) ] . وبيَّن ذلك في قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها) الزمر (٦) . وبهذا دلت آيات القرآن على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستندَا إلى وجود الرجل وفرعا منه، وهذا أمر كوني قدري من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه، وجاء الشرع الكريم المنزل من عند الله ليعمل به في أرضه، بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي.

стр. 414

فجعل الرجل قائما عليها وجعلها مستندة إليه في جميع شئونها كما قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء) الآية- النساء (٣٤) ، فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق لأن الفوارق بين النوعين كونا وقدرًا أولًا، وشرعا مُنَزلا ثانيا، تمنع من ذلك منعًا باتا. ولقوة الفوارق الكونية القدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح صح عن النبي ﷺ أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم. وقد قال تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزَى) النجم (٢١) أي غير عادلة لعدم استواء النصيبين لفضل الذكر على الأنثى. ولذلك وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم، قال تعالى عنا: (فلما وَضَعَتها قالت رب إني وضعتُها أنثى والله أعلم بما وَضَعَتْ وليس الذكر كالأنثى) الآية آل عمران (٣٦) . فامرأة عمران تقول: (وليس الذكر كالأنثى) وهي صادقة في ذلك بلا شك. والكفرة وأتباعهم يقولون: " إن الذكر والأنثى سواء". ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة، وكذب هذه الموجبة] (٢٨٧) . مقتضى الفطرة في أعمال الزوجين: الإسلام دين الفطرة، وما قررته الشريعة من اقتسام أعمال الزوجية بين الرجل والمرأة هو مقتضى هذه الفطرة، فقد فضل الله الرجل في خلقته بقوة في الجسم والعقل كان بها أقدر على الكسب والحماية والدفاع الخاص

стр. 415

بالأسرة والعام للأمة والدولة ومن ثم فرض عليه النفقة، وبهذا كان الرجال قوامين على النساء يتولون الرياسة العامة والخاصة، التي لا يقوم النظام العام ولا الخاص بدونها، فعليه جميع الأعمال الخارجية في أصل الفطرة، ومن مقتضى الفطرة أيضًا اختصاص المرأة بالحمل والرضاع وحضانة الأطفال وتربيتهم وتدبير المنزل بجميع شئونه، قال ﷺ : " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهى مسئولة عن رعيتها (٢٨٨) الحديث، فتأمل كيف حصر ﷺ وظيفتها في بيت زوجها. ولا ينازع في تفضيل الله الرجل على المرأة في نظام الفطرة إلا جاهل أو كافر، بل إن من استقرأ طباع النساء السليمات الفطرة من جناية سوء التربية وفساد النظام يرى أن هذه الأفضلية ثابتة عندهن، ولا أدل على ذلك من أن السواد الأعظم منهن يفضلن أن يكون مولودهن ذكرَا، ويتفاخرن بذلك، أما الأدلة (٢٨٩) على هذه الأفضلية: فقوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم) وهو الر جال (على بعض) النساء (٣٤) ، وهو النساء، وقوله : (وللرجال عليهن درجة) (٢٩٠) البقرة (٢٢٨) وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة

стр. 416

طبيعية، وشرف وجمال، فالأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، ولا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس. وقد أشار إلى ذلك جل وعلا بقوله: (أو من يُنَشَّأُ في الحِلية وهو في الخصام غير مبين) الزخرف (١٩) لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة أنهم نسبوا إليه ما لا يليق به من الولد، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما، ولذلك " ينشأ في الحلية، أي الزينة من أنواع الحلي والحلل، ليجبر نقصه الخلقي الطبيعي بالتجميل بالحلي والحلل وهو الأنثى بخلاف الرجل، فإن كماله وقوته يكفيه عن الحلي، قال الألوسي ﵀: (والآية ظاهرة في أن النشوء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفات ربات الحجال، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك، ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: (اخشوشنوا في اللباس، واخشوشنوا في الطعام، وتمعددوا"، وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى) (٢٩١) اهـ. وقال تعالى: (ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذا قسمة ضيزى) النجم (٢١) ، وإنما كانت هذه القسمة ضيزى- أي غير عادلة-، لأن الأنثى أنقص من الذكر خِلقة وطبيعة، فجعلوا هذا النصيب الناقص لله جل وعلا عن ذلك علوًّا كبيرًا، وجعلوا الكامل لأنفسهم؟ قال: (ويجعلون لله ما يكرهون) النحل (٦٢) أي: وهو البنات. وقال: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلًا) أي وهو الأنثى (ظل وجهه مسودُّا وهو كظيم) الزخرف (١٧) . وكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة

стр. 417

والطبيعة، وأن الذكر أفضل منها وأكمل (أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف تحكمون) الصافات (١٥٣ - ١٥٤) ، (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثًا) الآية، الإسراء (٤٠) . ومن الأدلة على أن الأنوثة ضعف طبيعي ونقص خلقي أن المرأة الأولى خُلِقَتْ من ضِلَع الرجل الأول، فأصلها جزء منه. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى (٢٩٢) : (أوَ مَنْ ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) الزخرف (١٩) : (أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عَيِية، أوَ من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله ؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحَلْي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب: وما الحَلْيُ إلا زِينَة منْ نَقيصةٍ ... يُتَممُ مِنْ حُسْن إذا الحُسْنُ قَصَّرا وأما إذا كان الجمال مُوَفرًا ... كحُسْنِكِ، لم يحتجْ إلى أن يُزَوَّرَا وأما نقص معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة) انتهى (٢٩٣) محل الغرض منه، ولا عبرة بنوادر النساء لأن النادر لا حكم له. وقال الشنقيطي (٢٩٤) ﵀: (ألا ترى أن الضعف الخِلقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة

стр. 418

محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب، قال جرير: إن العيونَ التي في طَرفِها حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثم لم يُحْيِينَ قَتْلانا يَصرعْنَ ذا الُّلب حتى لا حِراكَ بِهِ ... وَهُنَّ أضعفُ خَلْقِ الله أركانا وقال ابن الدمينة: بنفسي وأهلي مَنْ إذا عَرَضُوا له ... ببعض الأذى لم يَدْرِ كيف يجيب فلم يعتذِرْ عُذْرَ البَرِيء ولم تزل ... به سَكْتَة حتى يُقالَ مُرِيب فالأول: تشبيب بهن بضعف أركانهن، والثاني: بعجزهن عن الإبانة في الخصام، كما قال تعالى: (وهو في الخصام غير مبين) ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين، صح عن النبي ﷺ اللعن على من تشبه منهما بالآخر) اهـ. وقد روى البخاري بسنده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن" الحديث (٢٩٥) ، قال الشيخ عبد الله بن حميد ﵀: " فهذا نص صريح في نقصان المرأة في عقلها ودينها عن الرجل، لضرورة أنه لا يتساوى من يصلي بعض حياته بمن يصلي كل حياته، ولا من يصوم شهر رمضان من أوله إلى آخره بمن لا يصوم إلا البعض، كما لا تتساوى شهادة الرجل لِكمال عقله وقوة ضبطه بمن شهادتها نصف شهادته لضعف عقلها وعدم كمال حفظها، فمن ساوى بين الرجل والمرأة

стр. 419

فقد جنى على الإسلام، وسلك سبيل الاعوجاج" (٢٩٦) اهـ. قوامة الرجل تنظيمية لا استبدادية: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " كل نفس من بني آدم سيد، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدة بيتها" (٢٩٧) . إن قوامة الرجل على المرأة قاعدة تنظيمية تستلزمها هندسة المجتمع واستقرار الأوضاع في الحياة الدنيا، ولا تسلم الحياة في مجموعها إلا بالتزامها، فهي تشبه قوامة الرؤساء وأولي الأمر، فإنها ضرورة يستلزمها المجتمع الإسلامي والبشري، ويأثم المسلم بالخروج عليها مهما يكن من فضله على الخليفة المسلم في العلم أو في الدين، إلا أن طبيعة الرجل تؤهله لأن يكون هو القيم، فالرجل أقوى من المرأة وأجلد منها في خوض معركة الحياة وتحمل مسئولياتها، فالمشاريع الكبيرة يديرها الرجال، والمعارك الحربية يقودها الرجال، ورئاسة الدولة العليا يضطلع بها الرجال، وهكذا ترى الأمور الكبرى والمصالح العامة يوفق فيها الرجال غالبا، ويندر أن تفلح فيها امرأة إلا أن يكون من ورائها رجل. هذا وإن النطاق الذي تشمله قوامة الرجل، لا يمس حرمة كيان المرأة ولا كرامتها، وهذا هو السر العظيم في أن القرآن الكريم لم يقل: (الرجال سادة على النساء) (٢٩٨) ، وإنما اختار هذا اللفظ الدقيق "قوامون" ليفيد

стр. 420

معنى ساميًا بناءً، يفيد أنهم يقومون بالنفقة عليهن، والذبِّ عنهن، و "قَوَّام" فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته، وقبولَ أمره، ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة، والنفقة، والعقل، والقوة في أمر الجهاد، والميراث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر (٢٩٩) ، وشأن القوامين أنهم يصلحون ويعدلون، لا أنهم يستبدون ويتسلطون، فنطاق القوامة محصور إذن في مصلحة البيت، والاستقامة على أمر الله، وحقوق الزوج، أما ما وراء ذلك فليس للرجل حق التدخل فيه كمصلحة الزوجة المالية، فلا يتدخل الزوج فيها بغير رضاها، وليس عليها طاعته إلا في حدود ما أحله الله، فإن أمرها بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما لم تُخِل المرأة بحق الله تعالى، أو بحق الزوج فليس له عليها سبيل إلا سبيل التكريم والاحترام. بل إن حُسن معاشرةِ الرجلِ زوجتَه وحسنَ خُلُقِهِ معها من أعظم مقاييس كمال الإيمان وسلامة الدين، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خُلُقًا" (٣٠٠) .

стр. 421

شاهد من الغرب: قال الدكتور " أوجست فوريل" تحت عنوان: " سيادة المرأة " (٣٠١) : (يؤثر شعور المرأة بأنها في حاجة إلى حماية زوجها على العواطف المشعة من الحب فيها تأثيرَا كبيرًا، ولا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت باحترام زوجها، وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام، ويجب أيضًا أن ترى فيه مثلها الأعلى في ناحية من النواحي، إما في القوة البدنية، أو في الشجاعة، أو في التضحية وإنكار الذات، أو في التفوق الذهني، أو في أي صفة طيبة أخرى، وإلا فإنه سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها، أو يفصل بينهما شعور من النفور والبرود وعدم الاكتراث، ما لم يُصَب الزوجُ بسوء أو مرض يثير عطفها، ويجعل منها ممرضة تقوم على تمريضه والعناية به، ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية لأن في ذلك مخالفة للحالة الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته، لتسوده هي بقلبها وعاطفتها) اهـ.

стр. 422

[فصل] الفروق بين الرجل والمرأة منها: تخصيص النبوة والرسالة بالرجل: الرسالة دعوة إلى الله تعالى قولًا وفعلا، وهي تلقى عادة أعداء ومخالفين يدفعهم إلى معاداتها مصالح دنيوية، أو تقليد للأسلاف على غير عقل ولا بصيرة، وقد تلقى من المخالفين ملاحقة وأذى وضربا وقتلَا، وقد تلقى منهم طردًا وتشريدًا، وسجنًا وتعذيبا. ثم إن الرسالة تقوم على قوة العارضة، وصدق الحجة، وعلى الحِلم والجَلَد في المجادلة، وقطع الطريق على الباطل بالدليل الحاضر، ودفع الشبهة بالحقيقة، وإضاءة الظلمة بالنور القاهر، ولعمر الله إن الرجل هو الذي يقدر على ذلك لأنه خُلِقَ لذلك، وما تقدر المرأة على ذلك، لأنها لم تخلق له، ولعله لهذه الحكم وغيرها اصطفى الله ﵎ من الرجال خيرهم وأفضلهم وهم الأنبياء (٣٠٢) ﵈ (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص (٦٨) ، وقال : (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم) يوسف (١٠٩) . ومنها: تخصيص فرضية الجهاد الشرعي بالرجل: فعن عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله ألا نغزو، ونجاهد معكم؟ "، فقال: " لَكنَّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور"، فقالت عائشة ﵂: " فلا أدعُ الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٣٠٣) .

стр. 423

ومنها: تخصيص القوامة الأدبية والتعليمية والتربوية بالرجل في المقام الأول: لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) الآية التحريم (٦) . ومنها: جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل أمام القضاء: فقد جعل الإسلام نصاب الشهادة التي تثبت الحقوق لأصحابها شهادة رجلين عدلين، أو رجلًا وامرأتين، قال : (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضَونَ من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) البقرة (٢٨٢) . وهذا مظهر تشريعي لتطبيق قاعدة صلاحية الرجل للعمل خارج البيت دون المرأة، فإن الآية الكريمة تشير بذلك الحكم إلى أن وظيفة المرأة الأولى القرار في البيت، والقيام على تربية الأولاد، ومراعاة شئون بيتها، وهى إن اضطرت تحت بعض الظروف إلى مخالطة الرجال في شئون العمل والحياة، فإنها تتحفظ في هذا الاختلاط أشد التحفظ إِن دعتها إليه حاجة، أو ساقتها إليه المقادير، مما يقتضيها عدم مخالطة الرجال غالبًا، وعدم حضور العقود المالية، وحالات البيع والشراء إلا نادرًا، فالمرأة وإِن حضرت شيئا من ذلك فإن قلة ممارستها له قد يفقدها الاستيعاب الكامل لجوانب الموضوع، وبالتالي قد تنقص شيئًا من الحق فيما تشهد به، فكان لابد من إضافة امرأة مثلها إليها، لاستدراك ذلك النقص أو توهمه، قال تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (٣٠٤) والحقوق لابد فيها من التثبت والتحقيق. ولهذا المعنى نفسِه ذهب كثير من الفقهاء إلى أن شهادة النساء لا تقبل في الجنايات، وليس ذلك إلا لأنها غالبًا ما تكون قائمة بشئون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها،

стр. 424

وإذا حضرتها فقلَّ أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها إذا لم تستطع الفرار تلك الساعة فما يكون منها إلا أن تُغمض عينيها، وتولول، وتصرخ، وقد يغمي عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة، فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها، قال الحافظ العراقي ﵀: (إن الرجال هم الذين يُبتلون بالشدائد والمحن، ويظهر فيهم ثمرة الفتن، بخلاف النساء فإنهن محجوبات في الأغلب، لا يصلين نار الفتن، قال الشاعر: كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانيات جَرُّ الذيولِ) (٣٠٥) ومن المسلَّم به أن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة: شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها. ويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالبًا: أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يقَع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالبًا، فقد قرروا أن شهادتها وحدها تقبل في إِثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب الجسدية لدى المرأة (٣٠٦) ، وكذا في الإرضاع، قال عقبة بن الحارث: (تزوجت امرأة، فجاءتني امرأة سوداء، فقالت: "أرضعتكما"، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: "تزوجتُ فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: "أرضعتُكما"، وهي كاذبة، فأعرض، فأتيت من قِبَلِ وجهه، فقلت: " إنها كاذبة"، قال: " كيف وقد زَعَمَتْ أنها أرضعتكما؟ "، ففارقها

стр. 425

عقبة، ونكحت زوجًا غيره) (٣٠٧) . ومنها: أن ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل في الغالب: فقد جاء الإسلام يقرر للمرأة نصيبا مفروضًا من الميراث لا يصح الانحراف عنه بحال، قال تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبًا مفروضًا) النساء (٧) ، والرجل هو أصل عمود النسب، وهذا النصيب يختلف في أحكام الإرث بين حالات: (أ) بين أن يكون نصيبها مثل الذكر؟ في الأخوات لأم، فإن الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ سدس الميراث، كما يأخذ الأخ لأم كذلك إذا انفرد، وإذا كانوا ذكورا وإناثًا اثنين فأكثر فإنهم يشتركون جميعًا في الثلث، للذكر مثل حظ الأنثى، قال الله تعالى: (وإن كان رجل يُورَثُ كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، النساء (١٢) . (ب) وبين أن يكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الأم مع الأب إذا مات ولدهما، فإن ترك الولدَ أولادًا ذكورا وإناثا، أو ذكورًا ولو واحدَا فللأب السدس وللأم كذلك، وإذا ترك بنتًا أو بنتين فأكثر فللأم السدس، وللأب السدس فرضًا وما يبقى تعصيبًا، وإن ترك الولد أبوين، ولم يترك أولادًا فللأم الثلث، وللأب الثلثان، قال الله تعالى: (ولأبويه لكل واحد
следующие страницы →