← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

شاهد من الغرب: قال الدكتور " أوجست فوريل" تحت عنوان: " سيادة المرأة " (٣٠١) : (يؤثر شعور المرأة بأنها في حاجة إلى حماية زوجها على العواطف المشعة من الحب فيها تأثيرَا كبيرًا، ولا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت باحترام زوجها، وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام، ويجب أيضًا أن ترى فيه مثلها الأعلى في ناحية من النواحي، إما في القوة البدنية، أو في الشجاعة، أو في التضحية وإنكار الذات، أو في التفوق الذهني، أو في أي صفة طيبة أخرى، وإلا فإنه سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها، أو يفصل بينهما شعور من النفور والبرود وعدم الاكتراث، ما لم يُصَب الزوجُ بسوء أو مرض يثير عطفها، ويجعل منها ممرضة تقوم على تمريضه والعناية به، ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية لأن في ذلك مخالفة للحالة الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته، لتسوده هي بقلبها وعاطفتها) اهـ.

стр. 422

[فصل] الفروق بين الرجل والمرأة منها: تخصيص النبوة والرسالة بالرجل: الرسالة دعوة إلى الله تعالى قولًا وفعلا، وهي تلقى عادة أعداء ومخالفين يدفعهم إلى معاداتها مصالح دنيوية، أو تقليد للأسلاف على غير عقل ولا بصيرة، وقد تلقى من المخالفين ملاحقة وأذى وضربا وقتلَا، وقد تلقى منهم طردًا وتشريدًا، وسجنًا وتعذيبا. ثم إن الرسالة تقوم على قوة العارضة، وصدق الحجة، وعلى الحِلم والجَلَد في المجادلة، وقطع الطريق على الباطل بالدليل الحاضر، ودفع الشبهة بالحقيقة، وإضاءة الظلمة بالنور القاهر، ولعمر الله إن الرجل هو الذي يقدر على ذلك لأنه خُلِقَ لذلك، وما تقدر المرأة على ذلك، لأنها لم تخلق له، ولعله لهذه الحكم وغيرها اصطفى الله ﵎ من الرجال خيرهم وأفضلهم وهم الأنبياء (٣٠٢) ﵈ (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص (٦٨) ، وقال : (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم) يوسف (١٠٩) . ومنها: تخصيص فرضية الجهاد الشرعي بالرجل: فعن عائشة ﵂ قالت: قلت: (يا رسول الله ألا نغزو، ونجاهد معكم؟ "، فقال: " لَكنَّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور"، فقالت عائشة ﵂: " فلا أدعُ الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله ﷺ (٣٠٣) .

стр. 423

ومنها: تخصيص القوامة الأدبية والتعليمية والتربوية بالرجل في المقام الأول: لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) الآية التحريم (٦) . ومنها: جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل أمام القضاء: فقد جعل الإسلام نصاب الشهادة التي تثبت الحقوق لأصحابها شهادة رجلين عدلين، أو رجلًا وامرأتين، قال : (واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضَونَ من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) البقرة (٢٨٢) . وهذا مظهر تشريعي لتطبيق قاعدة صلاحية الرجل للعمل خارج البيت دون المرأة، فإن الآية الكريمة تشير بذلك الحكم إلى أن وظيفة المرأة الأولى القرار في البيت، والقيام على تربية الأولاد، ومراعاة شئون بيتها، وهى إن اضطرت تحت بعض الظروف إلى مخالطة الرجال في شئون العمل والحياة، فإنها تتحفظ في هذا الاختلاط أشد التحفظ إِن دعتها إليه حاجة، أو ساقتها إليه المقادير، مما يقتضيها عدم مخالطة الرجال غالبًا، وعدم حضور العقود المالية، وحالات البيع والشراء إلا نادرًا، فالمرأة وإِن حضرت شيئا من ذلك فإن قلة ممارستها له قد يفقدها الاستيعاب الكامل لجوانب الموضوع، وبالتالي قد تنقص شيئًا من الحق فيما تشهد به، فكان لابد من إضافة امرأة مثلها إليها، لاستدراك ذلك النقص أو توهمه، قال تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (٣٠٤) والحقوق لابد فيها من التثبت والتحقيق. ولهذا المعنى نفسِه ذهب كثير من الفقهاء إلى أن شهادة النساء لا تقبل في الجنايات، وليس ذلك إلا لأنها غالبًا ما تكون قائمة بشئون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها،

стр. 424

وإذا حضرتها فقلَّ أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها إذا لم تستطع الفرار تلك الساعة فما يكون منها إلا أن تُغمض عينيها، وتولول، وتصرخ، وقد يغمي عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة، فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها، قال الحافظ العراقي ﵀: (إن الرجال هم الذين يُبتلون بالشدائد والمحن، ويظهر فيهم ثمرة الفتن، بخلاف النساء فإنهن محجوبات في الأغلب، لا يصلين نار الفتن، قال الشاعر: كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا ... وعلى الغانيات جَرُّ الذيولِ) (٣٠٥) ومن المسلَّم به أن الحدود تُدْرَأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة: شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها. ويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالبًا: أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يقَع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالبًا، فقد قرروا أن شهادتها وحدها تقبل في إِثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب الجسدية لدى المرأة (٣٠٦) ، وكذا في الإرضاع، قال عقبة بن الحارث: (تزوجت امرأة، فجاءتني امرأة سوداء، فقالت: "أرضعتكما"، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: "تزوجتُ فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت لي: "أرضعتُكما"، وهي كاذبة، فأعرض، فأتيت من قِبَلِ وجهه، فقلت: " إنها كاذبة"، قال: " كيف وقد زَعَمَتْ أنها أرضعتكما؟ "، ففارقها

стр. 425

عقبة، ونكحت زوجًا غيره) (٣٠٧) . ومنها: أن ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل في الغالب: فقد جاء الإسلام يقرر للمرأة نصيبا مفروضًا من الميراث لا يصح الانحراف عنه بحال، قال تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر، نصيبًا مفروضًا) النساء (٧) ، والرجل هو أصل عمود النسب، وهذا النصيب يختلف في أحكام الإرث بين حالات: (أ) بين أن يكون نصيبها مثل الذكر؟ في الأخوات لأم، فإن الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ سدس الميراث، كما يأخذ الأخ لأم كذلك إذا انفرد، وإذا كانوا ذكورا وإناثًا اثنين فأكثر فإنهم يشتركون جميعًا في الثلث، للذكر مثل حظ الأنثى، قال الله تعالى: (وإن كان رجل يُورَثُ كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحدٍ منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، النساء (١٢) . (ب) وبين أن يكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الأم مع الأب إذا مات ولدهما، فإن ترك الولدَ أولادًا ذكورا وإناثا، أو ذكورًا ولو واحدَا فللأب السدس وللأم كذلك، وإذا ترك بنتًا أو بنتين فأكثر فللأم السدس، وللأب السدس فرضًا وما يبقى تعصيبًا، وإن ترك الولد أبوين، ولم يترك أولادًا فللأم الثلث، وللأب الثلثان، قال الله تعالى: (ولأبويه لكل واحد

стр. 426

منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) . (ج) وبين أن تأخذ نصف ما يأخذه الذكر، وهذا هو الأعم الأغلب (٣٠٨) ، كما إذا مات رجل، وترك ابنًا وبنتًا مثلًا، فللذكر مثل حَظَّيْ أخته الأنثى، قال الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) النساء (١١) ، وقال : (وإن كانوا إخوة رجالا ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم) النساء (١٧٦) . والله صرح في هذه الآية الكريمة أنه يبين لخلقه هذا البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا يضلوا، فمن سوى بينهما فيه فهو ضال قطعًا، ثم بين أنه سبحانه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء من خلقه بقوله تعالى: (والله بكل شيء عليم) والحكمة في هذا التفضيل ظاهرة إذ إن الأمر يتعلق بالعدالة في توزيع الأعباء والواجبات على قاعدة " الغُرم بالغُنْم". والحكمة البالغة تقتضي أن يكون الضعيف الناقص مقومًا عليه من قِبَلِ القوى الكامل، واقتضى ذلك أيضًا أن يكون الرجل مُلْزَمًا بالإنفاق على نسائه، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة، كما قال تعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم) ، ومال الميراث لم يتسبب فيه أحدهما ألبتة، وما سعيا في تحصيله عرفًا، وإنما هو تمليك من الله مَلَكَهُما إياه تمليكًا جبريا، فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يؤثر الرجل على المرأة في الميراث، وإن أدليا بسبب واحد،

стр. 427

لأن الرجل مترقب للنقَص دائمًا بالإنفاق على نسائه وأولاده، وبذل المهور لهن، والبذل في نوائب الدهر، والنفقة على أقاربه الفقراء الذين يرثونه، وهو أصل عمود النسب، ومنزله مقصد للزائرين، أما المرأة فإنها مترقبة للزيادة، إذ يأتي يوم يضمها إليه رجل يتزوجها، يبذل لها مهرها نحلة، ويقوم هو بالإنفاق عليها، والقيام بشئونها، ولا يجب عليها أن تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية، كما أن مالها يزيد ربحه إذا نَمَّته بالتجارة، أو بأية وسيلة من وسائل الاستثمار المشروعة. والحاصل أن إيثار مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا لجبر بعض نقصه المترقب حكمة ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي عصمنا الله منهما، فلا عبرة بما يردده الملاحدة الذين فسقوا عن أمر ربهم من شبهات حول هذا الحكم الرباني وأمثاله (٣٠٩) . قال تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم بعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم

стр. 428

الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) المائدة (٤٩ - ٥٠) ، وقال : (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بض للرجال نصيب مما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وَسئَلُوا الله من فضله) النساء (٣٢) . وقد أجمع العلماء على كفر من استباح المساواة في الميراث بين الذكور والإناث فيما ورد فيه التفاضل في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، لأنه كفر بالكتاب، وبما أرسل الله به رسله، وخروج عن شريعة الله إلى حكم الطاغوت، قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) النور (٥١) ، وقال جل وعلا: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلموا تسليمًا) النساء (٦٥) .

стр. 429

مسألة: هل يجب تسوية الوالدين بين أولادهم الذكور والإناث في الهبة ؟ " سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء " (٣١٠) حديث شريف اتفق الفقهاء على جواز هبة الوالدين لأولادهم، لكنهم اختلفوا في تفضيل بعضهم على بعض في أصل الإعطاء، ثم اختلفوا في صفة الإعطاء، وفيما يلى نجمل إن شاء الله ما يناسب ذكره في هذا المقام متعلقًا بالأمرين. أولًا: حكم العدل بين الأولاد في الهبة روى البخاري بسنده إلى النعمان بن بشير ﵄: (أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " إني نحلت ابنى هذا غلامًا "، فقال: " أكُل ولدِك نحلتَ مِثْلَه؟ "، قال: " لا "، قال: " فأرجعه ") . وروى أيضًا بسنده عن حُصين بن عامر قال: (سمعت النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر، يقول: " أعطاني أبي عطيةً، فقالت عَمرة بنتُ رَواحة: " لا أرضى حتى تُشهِدَ رسولَ الله ﷺ "، فأتى رسولَ الله ﷺ "، فقال: " إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، فأمرتني أن أشْهِدَكَ يا رسول الله "، قال: " أعطيتَ سائر ولدِك مِثْلَ

стр. 430

هذا؟ "، قال: " لا "، قال: " فاتقوا الله، وَاعْدِلوا بين أولادكم "، قال: " فرجع، فَرَد عَطِيتهُ " (٣١١) . (ومسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، قال: "فاردده"، وفي رواية الشعبي: قال: " فرجع، فرد عطيته"، ولمسلم: "فرد تلك الصدقة"، وزاد في رواية أبي حيان في "الشهادات": " قال: لا تشهدني على جَوْر"، ولمسلم في رواية أبي حيان أيضا: " فقال: فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جَوْر) ، وله في رواية داود بن أبي هند (فأشهد على هذا غيري"، وفي حديث جابر: (فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق "، وفي رواية عروة عند النسائي: " فكره أن يشهد له "، وفي رواية المغيرة عن الشعبي عند مسلم: " اعدلوا بين أولادكم في النُّحْل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر "، وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد: (إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ " قال: " بلى "، قال: " فلا إذاً "، ولأبي داود من هذا الوجه: " ان لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك "، وللنسائي من طريق (٣١٢)

стр. 431

أبي الضحى: " ألا سَوَّيتَ بينهم؟ "، وله ولابن حبان من هذا الوجه: "سَو بينهم ") . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية الأولاد (٣١٣) ، وبه صرح البخاري (٣١٤) ، وهو قول طاوس (٣١٥) ، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكية، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة (٣١٦) ، وعن أحمد: تصح، ويجب أن يرجع، وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب (٣١٧) ،

стр. 432

كأن يحتاج الولد لزمانته ودينه، أو نحو ذلك دون الباقين، قال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار) (٣١٨) اهـ. وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فَضل بعضًا صَح، وكُرِه، واستُحِبت المبادرةُ إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه (٣١٩) . ثانيًا: صفة التسوية بين الذكور والإناث تقدم الكلام في حكم أصل التسوية، بقي أن نبين أن العلماء اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحق، وبعض الشافعية والمالكية: العدل: أن يعطي الذكر حظين كالميراث، وذهبوا إلى أن التسوية التي أمر بها رسول الله ﷺ تحمل على القسمة موافقة لقول الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) (النساء: ١١) ، والله لم يترك توزيع المال لأحد سواه، بل ذكر تفصيل ذلك، ثم قال: (فريضة من الله) (النساء: ١١) ، فيجب اتباع ما أمر الله به.

стр. 433

ولا يلزم من إطلاق التسوية أن تكون من كافة الوجوه، بل يحتمل أن يكون المقصود التسوية في أصل العطاء، لا في صفته (٣٢٠) . واستدلوا بأن العطية حال الحياة تكون استعجالًا لما يكون بعد الموت، فيجب أن يكون بحسبه، فلو أبقى الواهب ذلك المال في يده حتى مات، لكان حظها منه نصف حظ الذكر. واستدلوا بأن الذكر تقع عليه أعباء أكثر من الأنثى، فمثلًا يكلف الرجل في الزواج بالمهر، والنفقة، ونفقة الأولاد، بخلاف الأنثى، لذا دعت الحاجة إلى تفضيله، وقد رُوعي هذا كله عندما قسم الله الميراث، فينبغي مراعاته كذلك عند الهبة للأولاد. (وقال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: " ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه "، وقال عطاء: " ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى ") (٣٢١) اهـ. وذهب الجمهور إلى أنه لا فرق بين الذكر والأنثى، قال الحافظ ابن حجر: (وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديث ابن عباس رفعه: (سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مُفَضِّلاً أحدا لفضَّلْتُ النساء" أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي من طريقه، وإسناده حسن) (٣٢٢) اهـ.

стр. 434

وعن مالك بن أبي معشر عن إبراهيم قال: " كانوا يحبون أن يُساووا بين أولادهم حتى في القُبَل (٣٢٣) ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: (إن المقْسطين عند الله على منابِرَ من نور على يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا) (٣٢٤) . تنبيهان: الأول: اعلم - رحمك الله - أن الأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب، لقول رسول الله ﷺ : " اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم "، ولأنها أحد الوالدين فمنعت من التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحقد، وزرع العداوة بين الأولاد، وقطع الصلات التي أمر الله بها أن توصل، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها نفس الحكم في ذلك. الثاني: أن الواجب على من خالف أمر النبي ﷺ ، ولم يعدل بين أولاده في العطية أن يبادر بالتوبة من هذا الجور والباطل، بطاعة الله ، وطاعة رسول الله بفعل واحدٍ من أمرين: (أ) إما رد ما فَضل به البعض. (ب) وإما إتمام نصيب الآخر. عود على بدء ومن الفروق بين الرجل والمرأة: جعل الطلاق بيد الرجل ونسبته إليه، كما قال تعالى: (يا أيها النبي

стр. 435

إذا طلقتم النساء) الآية الطلاق (١) . وقيل المراد بقوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) يعني الزوج، وقال تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) البقرة (٢٣٧) ، وقال : (والمطلَّقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) البقرة (٢٨٨) - إلى قوله سبحانه: (فإن طلقها فلا تحل " من بعد حتى تنكح زوجًا غيره) البقرة (٢٣٠) ، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٥٣٢) . والمسلمون مجمعون على أن الطلاق بيد الرجل، وهو الذي يوقعه إذا شاء. والحكمة في تخصيص الرجل بنقض الزوجية واضحة: - فالنساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض، كما قال تعالى: (نساؤكم حرث لكم) ، ولا شك أن الطريق القويم أن الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب الزراعة فيه، لأنه يراه غير صالح له، والرجل هو الذي يملك أمر الازدراع، ولهذا أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا للمرأة، قال تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) البقرة (٢٢٣) . - والرجل هو الذي يطلب الزواج عادة، ويبذل المهر، ويعد سكن الزوجية. - والرجل هو الذي يملك القوامة والمسئولية الكبرى في الأسرة، فمن حقه أن يملك تنظيم شئون الأسرة. - والزوج هو الذي ينفق على الزوجة المطلقة أثناء عدتها حتى تنقضي،

стр. 436

وقد تطول العدة إلى تسعة أشهر، وذلك فيما إذا طلقها وهي حامل، فتنتهي عدتها بوضع الحمل. - والزوج هو الذي ينفق على أولاده في فترة حضانة الزوجة لهم، فهو ينفق على إرضاع الصغير رضاعًا وخدمة، وينفق على سائر أولاده فترة حضانة أمهم لهم، وهى فترة تطول إلى سبع سنوات أو أكثر. - والرجل أقوى إرادة وأكثر تعقلًا وأبصر بالعواقب من المرأة عادة، ولا يعتوره ما يعتور المرأة من الحالات التي تؤثر في مزاجها وتفكيرها. تنبيه: جعل الطلاق بيد القاضي ذريعة إلى الفاحشة: أما الخروج على نظام الإسلام في أمر الطلاق، وجعله بيد القاضي فهو مخالفة صريحة لحكم الإسلام (٣٢٦) ، وذريعة إلى مفاسد عظيمة، بجانب أنه لا يحد من الطلاق. أما مخالفة ذلك للإسلام فلما سبق من الأدلة على أن الطلاق بيد الرجل، ونبذ هذه النصوص نبذ لحكم الإسلام وتعطيل له. وأما كونه يؤدي إلى مفاسد اجتماعية عظيمة، فإن الزوج قد يطلق زوجته طلاقًا بائنا، ولا يوقعه القاضي، ويمضي زمن يتصالحان فيه، فيعاشرها معاشرة الأزواج، بحجة أن القاضي لم يقض بالطلاق، وذلك الزنى بعينه معاذ الله. ولربما طلق الزوج زوجته، وعرض الأمر على القاضي، فلابد من ذكر أمور لا تذكر للناس مما يكون بين الزوجين، وربما وقع في ذلك الكذب والغش والإفك من أجل أن يقتنع القاضي فيقضي بالطلاق، والقاضي ليس

стр. 437

معصومًا عن الميل مع الهوى، ولا عن الغرض. وإذا لم يقتنع القاضي أخيرا بالأسباب الداعية إلى الطلاق فماذا يصبح حال الزوجين، هل يبقيان زوجين؟ يبقيان معلقين؟ ولك أن تقدر أضرار كلا الاحتمالين، وأما كونه لا يحد من الطلاق، فهذه أمريكا وألمانيا تجعلان الطلاق بيد القاضي، ومع ذلك فقد كانت نسبة الطلاق في أمريكا منذ سنوات ٤٨% من الزيجات، وكان نسبة الطلاق في ألمانيا منذ سنوات ٣٥% من الزيجات. تنبيه: لا يعترض ما تقدم آنفا بأن من الرجال من يتعسف، ويتعنت، ويظلم امرأته مستغلا هذا الحق أسوأ استغلال، وذلك لأن كل نظام في الدنيا قابل لأن يساء استعماله، وكل صاحب سلطة عرضة لأن يتجاوزها إذا كان سيء الأخلاق، ضعيف الإيمان، ومع ذلك فلا يخطر في البال أن تلغي الأنظمة الصالحة لأن بعض الناس يسيئون استعمالها، أو أن لا تعطي لأحد من الأمة أية صلاحية لأن بعض أصحاب الصلاحيات تجاوزوا حدودها. إن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة الضمير المسلم، واستقامته، ومراقبته لربه، وسلك في سبيل تحقيق ذلك أقوم السبل، وإذا رجعنا إلى قاعدة الترجيح بين المصالح والمفاسد، لرأينا أننا لو قارنا بين حسنات إعطاء الرجل حق إيقاع الطلاق بسيئات نزع هذا الحق منه، أو إشراك غيره معه فيه، رجحت كفة الحسنات على السيئات كثيرَا، وهذا كافٍ في الترجيح. (٣٢٧) ومنها: أن دية المرأة التي قتلت خطأ أو التي لم يستوجب قتلها عقوبة

стр. 438

القصاص لعدم استيفاء شروطه، بما يعادل نصف دية الرجل، والقتل العمد يوجب القصاص من القاتل سواء كان المقتول رجلا أو امرأة، وسواء كان القاتل رجلا أو امرأة، وهذا لأننا في القصاص نريد أن نقتص من إنسان لإنسان، والرجل والمرأة متساويان في الإنسانية، قال تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة (٤٥) . أما في القتل الخطأ وما أشبهه، فليس هناك إلا التعويض المالي الذي يجب أن تراعى فيه الخسارة المالية الناجمة عن القتل قلة وكثرة، فهل خسارة الأسرة بالرجل كخسارتها بالمرأة؟ إن الأولاد الذين قتل أبوهم خطأ، والزوجة التي قتل زوجها خطأ، قد فقدوا معيلهم الذي كان يقوم بالإنفاق عليهم، والسعي في سبيل إعاشتهم. أما الأولاد الذين قتلت أمهم خطأ، والزوج الذي قتلت زوجته خطأ، فهم لم يفقدوا إلا ناحية معنوية لا يمكن أن يكون المال تعويضًا عنها. إن الدية ليست تقديرا لقيمة الإنسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس القويم الذي، لا يماري فيه أحد. إن هذا التشريع الحكيم مرتبط مثل سابقَيْه بنظام الإسلام في عدم تكليف المرأة بالكسب للإنفاق على نفسها وعلى أولادها رعاية لمصلحة الأسرة والمجتمع. ومنها: اشتراط أن يكون الخليفة رجلَا: فقد ثبت في حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ لما بلغه أن فارسا ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " (٣٢٨) ،

стр. 439

فهذا نص على أنه لا يجوز عليهم أن تكون المرأة في منصب الخلافة، وأن الفلاح منفي عمن تولت رئاستَهم امرأة، ومتى تخلف الفلاح عنهم، قارنهم الخذلان والخيبة. وهذا الحكم مخصوص بالولاية العامة (رئاسة الدولة) ، ويلتحق بها ما كان في خطورتها، واتفق العلماء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم، وأن تكون شاهدة في غير الدماء على أن يكون معها رجل، والشهادة نوع ولاية، وهذا أيضًا مما لا علاقة له بموقف الإسلام من إنسانية المرأة وكرامتها وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبطبيعة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية. إن رئيس الدولة في الإسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هر قائد المجتمع المسلم، ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج: - فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة إن كانت مصلحة الإسلام فيهما، أو الحرب، والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، بعد مشورة أهل الحل والعقد لقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) آل عمران (١٥٩) . - وهو الذي يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، إذا اتسع وقته لذلك.

стр. 440

ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، ولأن وظيفة المرأة الأصلية القرار في البيت، والتفرغ الكامل من أجل تربية رجال المستقبل، وخدمة الزوج، ولأنها لا تخالط الرجال، ولا تخلو بأجنبي أيا كانت الأسباب. ولأنها قوية العاطفة سريعة التأثر، وذلك يعوقها عن تغليب العقل والحزم والقوة على مظاهر الحنو والرحمة. وكيف تخطب في الناس، وتصلي بهم، وهي ليست ملزمة بصلاة الجمعة، ولا تتولى إمامة الرجال في الصلاة، وكيف تقوم العبادة على الخشوع وخلو الذهن مما يشغله إذا قامت المرأة واعظة أو إمامة؟ ومنها: أن الله أباح للرجل أن يجمع بين أربع نسوة إذا عرف من نفسه العدل بينهن في الحقوق، قال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) الآية النساء (٣) . في حين أنه لا يجوز للمرأة أن يتزوجها أكثر من واحد لما في ذلك من منافاة الفطرة السوية واختلاط الأنساب والفساد العريض، إلى غير ذلك مما لا تستقيم معه الحياة. وقد فصَّل الردَّ على من يقول: " لماذا لا يباح للمرأة تعدد الأزواج؟ " الدكتور عبد الله ناصح علوان، فقال: " إن المساواة بين الرجل والمرأة في أمر التعدد مستحيلة طبيعةً وخِلْقَةً وواقعًا، ذلك لأن المرأة في طبيعتها لا تحمل إلا في وقت واحد، ومرة واحدة في السنة كلها، وأما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون للرجل أولاد متعددون من نساء متعددات، ولكن المرأة لا يمكن أن يكون لها مولود واحد من أكثر من رجل واحد، وأيضا تعدد الأزواج بالنسبة إلى المرأة يُضَيع نسبة ولدها إلى شخص معين، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الرجل في تعدد زوجاته.

стр. 441

وشيء آخر: وهو أن للرجل حق رئاسة الأسرة في جميع شرائع العالم، فإذا أبحنا للزوجة تعدد الأزواج فلمن تكون رئاسة الأسرة؟ أتخضع لهم جميعًا؟ وهذا غير ممكن لتفاوت رغباتهم، أم تخص واحدًا دون الآخرين؟ وهذا ما يسخط الآخرين. وهناك أمور تتعلق بنسبة الولد إلى أحد الأزواج، وأمور تتعلق بالعلاقة الزوجية، لا تخفى على من كان عنده أدنى إدراك وبصيرة: من إرهاق للمرأة، وإضرار بها، ومن وقوع في المشاكل العائلية، والأمراض الجسمية والنفسية ... إلى غير ذلك من الأضرار البالغة، والعواقب الوخيمة. إذن فتعدد الأزواج بالنسبة للمرأة مستقبح عقلًا، وحرام شرعًا، ومستحيل طبيعة وواقعًا، فلا يقول به إلا مَنْ كان إباحي النزعة، مدنَّس السُّمْعَة، فاسد الخلق، عديم الغيرة، ملوث الشرف) (٣٢٩) اهـ. جملة أخرى من الأحكام تخالف المرأة فيها الرجل عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يخطب يقول: " لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم (٣٣٠) ، وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال رسول الله ﷺ " ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهَما الشيطان) (٣٣١) .

стр. 442

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تَصُم المرأة وبَعْلُها شاهد الا بإذنه " (٣٣٢) يعني تطوعا. وعن سهل بن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ : " التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" (٣٣٣) يعني في الصلاة. وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : " ليس على النساء الحلقُ، وإنما على النساء التقصير " (٣٣٤) ، أي عند التحلل من الإحرام. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها " (٣٣٥) .

стр. 443

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخِرها، وشَرها أولها" (٣٣٦) . وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " خير مساجد النساء بيوتُهن" (٣٣٧) . وعن طارق بن شهاب مرفوعًا: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا على أربعة: عبدٍ مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" (٣٣٨) . وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قال رسول الله ﷺ :

стр. 444

"العقيقة حق عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة" (٣٣٩) ، إلى غير ذلك من النصوص. وأخيرًا: فلا ريب أن هذه الجملة من الفروق بين الرجل والمرأة تبين لنا مدى ترابط النظام الإسلامي مع الواقع، وأن من يرفض هذه الأصول الاجتماعية الحكيمة، لابد وأن يخلع رِبقَةَ الإسلام من عنقه، ليعبد الهوى والطاغوت، وإن هذه الشرائع الإلهية، ما وضعت لتكون طريحة المكاتب والأوراق، ولا هي قابلة لأن تُعرض على العباد المربوبين ليبحثوا إمكانية تطبيقها، أو ليدرسوا مدى صلاحيتها، ولكنها شرعت لتعمل عملها في واقع ينفعل بها، وأي خلل في الانقياد لها، أو الإيمان ببعضها مع الكفر بالبعض الآخر، يحَوّل الحياة إلي شقاء وضنك دائمين (٣٤٠) : (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رَبّ لم حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنَسِيتَها وكذلك اليومَ تُنْسَى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآياتِ ربه ولعذابُ الآخرةِ أشد وأبقى) طه (١٢٣-١٢٧) .

стр. 445

[الفصل الثاني] المرأة أُمًّا أوصى الله تعالى في مواضع من كتابه بالإحسان إلى الوالدين، وقرنه بالأمر بعبادته والنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلًا بالشكر له، وَخَص الأم بالذكر في بعض هذه الوصايا للتذكير بزيادة حقها على حق الأب. قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدَينِ إحسانا) النساء (٣٦) . قال ابن عباس ﵄: " يريد البر بهما مع اللطف، ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما " (*) . وقال تعالى: (وقضى (٣٤١) ربك ألَّا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) الإسراء (٢٣-٢٤) . قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) قال البغوي ﵀: [يريد: لا تقل لهما ما فيه أدنى تبرم، والأُفُّ والتُّفُّ: وَسَخُ

стр. 446

الأظفار، ويقال لكل ما يُستثقل ويُضْجَرُ منه: أفّ له، قال مجاهد: " لا تَقْذَرْهُما كما كانا لا يَقْذَرانِكَ " (٣٤٢) . وقال الهيثمي ﵀: [ (وقل لهما قولا كريمَا) ثم أمر بأن يقال لهما القول الكريم: أي اللين اللطيف المشتمل على العطف والاستمالة وموافقة مرادهما وميلهما ومطلوبهما ما أمكن سيما عند الكبر، فإن الكبر يصير كحال الطفل وأرذل، لما يغلب عليه من الخرف وفساد التصور، فيرى القبيح حسنًا، والحسن قبيحا، فإذا طُلِبَتْ رعايته وغايةُ التلطف به في هذه الحالة، وأن يُتَقَربَ إليه بما يناسب عقله إلى أن يرضى؛ ففي غير هذه الحالة أولى] (٣٤٣) . قال أبو البداح التجِيبيُّ: (قلت لسعيد بن المسيب: " كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته، إلا قوله: (وقل لهما قولًا كريمًا) ما هذا القول الكريم؟ "، قال ابن المسيب: " قول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ ") (٣٤٤) . وقال معاوية بن إسحاق عن عروة، قال: (ما بَرَّ والدَه، مَن شَدَّ الطَّرفَ إليه " (*) . [وقوله : (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) قال عطاء: " لا ينبغي لك أن ترفع يديك على والديك، ولا إليهما تعظيما لهما "، وقال عروة: " لا تمتنع من شيء أحَبَّاه "] (٣٤٥) .

стр. 447

وينبغي للإنسان- بحكم هذه الآية- أن يتذلل لوالديه تذلل الرعية للأمير، والعبيد للسادة، وقد ضرب خفض الجناح ونصبه مثلًا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. [ثم أمر تعالى بعد القول الكريم بأن يخفض لهما جناح الذل من القول بأن لا يُكَلَّما إلا مع الاستكانة والذل والخضوع، وإظهار ذلك لهما، واحتمال ما يصدر منهما، ويريهما أنه في غاية التقصير في حقهما وبرهما، وأنه من أجل ذلك ذليل حقير، ولا يزال على نحو ذلك إلى أن ينثلج خاطرهما، ويرد قلبهما عليه، فينعطفا عليه بالرضا والدعاء، ومنْ ثم طلب منه بعد ذلك أن يدعو لهما، لأن ما سبق يقتضي دعاءهما له كما تقرر، فليكافئهما إن فُرِضَتْ مساواة، وإلا فشتان ما بين المرتبتين (٣٤٦) ، وكيف تُتَوَهَّمُ المساواة، وقد كانا يحملان أذَاكَ وَكَلَّكَ، وعظيم المشقة في تربيتك، وغاية الإحسان إليك، راجين حياتك، مؤملين سعادتك، وأنت إن حملت شيئًا من أذاهما رجوت موتهما، وسئمت من مصاحبتهما، ولكون الأم أحمل لذلك وأصبر عليه مع أن عناءها أكثر وشفقتها أعظم بما قاسته من حمل وطلق وولادة ورضاع وسهر ليل، وتلطخ بالقذر والنجس، وتجنُّبٍ للنظافة والترفه، حَض النبي ﷺ على برها ثلاث مرات، وعلى بر الأب مرة واحدة كما في الحديث الصحيح] (٣٤٧) . تنبيه: لا يختص بر الوالدين بكونهما مسلِمَيْن، بل يبرهما وإن كانا كافرين، ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد، قال تعالى: (لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دِياركُم أن تبروهم)

стр. 448

الآية (الممتحنة: ٨) . وعن أسماء ﵂ قالت: (قَدِمت عَلي أمي وهي مشركة - في عهد قريش إذ عاهدهم -، فاستفتيت النبي ﷺ ، فقلت: " يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ، - وهي راغبة - (٣٤٨) أفأصلها؟ قال: " نعم، صلي أمك ") (٣٤٩) . وقال سبحانه: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وَهنًا على وهن (٣٥٠) وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) لقمان (١٤) ، وقال : (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) لقمان (١٥) . فإذا أمر الله تعالى بمصاحبة هذين بالمعروف مع هذا القبح العظيم الذي يأمران ولدهما به، وهو الإشراك بالله تعالى، فما الظن بالوالدين المسلمَين سيما إن كانا صالِحَينِ، تالله إن حقهما لمن أشد الحقوق وآكدها، وإن القيام به على وجهه أصعب الأمور وأعظمها، فالموفَّق من هُدِي إليها،

стр. 449

والمحروم كل المحروم من صرف عنها وقد جاء في السنة من التأكيد في ذلك ما لا تحصى كثرته ولا تحد غايته، فمن ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ "، قال: " أمك "، قال: " ثم من؟ "، قال: " أمك "، قال: " ثم من؟ "، قال: " أمك "، قال: " ثم من؟ "، قال: " ثم أبوك ") (٣٥١) . وعن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب " (٣٥٢) وعن أبي رمثة ﵁ قال: " انتهيت إلى رسول الله ﷺ فسمعته يقول: " بر أمك وأباك، وأختك وأخاك ن ثم أدناك أدناك ") (٣٥٣) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ : " أي الأعمال أحب إلى الله؟ "، قال: الصلاة على وقتها، قلت: " ثم أي؟ "، قال: " ثم بر الوالدين "، قلت: " ثم أي؟ "، قال: " ثم الجهاد في سبيل الله " قال: " حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته،

стр. 450

لزادني ") (٣٥٤) فاخبر ﷺ أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام ورتب ذلك بـ "ثم" التي تقتضي الترتيب والمهلة. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لرجل استأذنه في الجهاد: " أَحَيًّ والداك؟ "، قال: " نعم " قال: " ففيهما فجاهد " (٣٥٥) ، وفي رواية لمسلم قال: " (أقبل رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: " أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله قال فهل من والديك أحد حيُّ؟ " قال: " نعم بل كلاهما حي " قال فتبتغي الأجر من الله؟ قال نعم! قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما "، وفي رواية أخرى لأبي داود والنسائي عنه ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: " جئت أبايعك على الهجرة ن وتركت أبويَّ يبكيان "، قال: " فارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما ") ، وعنه أيضا أن النبي ﷺ قال رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد " (٣٥٦) .

стр. 451

تنبيه: قال الغزالي (من يخدم أبويه ينبغي ألا يطلب بخدمته منزلة عندهما إلا من حيث أن رضا الله في رضا الوالدين، فإن ذلك معصية في الحال، وسيكشف الله عن ريائه، فتسقط منزلته من قبلهما أيضا) (٣٥٧) اهـ. وعن معاوية بن جاهمة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله! أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك؟ " فقال هل لك أم؟ قال نعم قال فالزمها فإن الجنة تحت رجليها (٣٥٨) وعن كعب بن عجرة ﵁ قال مر على النبي ﷺ رجل فرأى أصحابه من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ إن كان خرج يسعى على أولاده صغارا فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ") (٣٥٩) .

стр. 452

وروي عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: " يا رسول الله، إني أصبتُ ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ " فقال: "هل لك من أم؟ " قال: " لا"، قال: (فهل لك من خالة؟ " قال: " نعم "، قال؟ " فَبِرَّها ") (٣٦٠) . قال البغوي: " وقد صح عن البراء عن النبي ﷺ قال: " الخالة بمنزلة الأم) (٣٦١) . وقال مكحول: "بر الوالدين كفارة للكبائر، ولا يزال الرجل قادرًا على البر ما دام في فصيلته مَنْ هو أكبر منه "] (٣٦٢) . وعن عطاء بن يسار عن ابن عباس (أنه أتاه رجل فقال: " إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فَأحَبَّتْ أن تنكحه، فَغِرْتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ "، قال: "أمُك حية؟ "، قال: " لا "، قال: " تُب إلى الله ، وتقرب إليه ما استطعت "، فذهبت، فسألت ابن عباس: " لم سألتَه عن حياة أمه؟ "، فقال:

стр. 453

" إني لا أعلم عملًا أقرب إلى الله من بر الوالدة ") (٣٦٣) . وعن طيسلة بن مَياس قال: (كنت مع النجدات (٣٦٤) فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر، قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا، قال: ليست هذه من الكبائر) إلى أن قال: (قال لي ابن عمر: أتفْرَق من النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي والله!، قال: أحَي والداك؟ قلت: عندي أمي، قال: فوالله لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة، ما اجتنبت الكبائر) (٣٦٥) . وعن أبي هريرة مرفوعًا: " رَغِمَ أنفُهُ (٣٦٦) ، رغم أنفه، رغم أنفه "، قيل: (من يا رسول الله؟، قال؟ (من أدرك أبويه عنده الكبرُ: أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة " (٣٦٧) وعد النبي ﷺ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وخص الأمهات بالذكر، فقال ﷺ : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا

стр. 454

وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " (٣٦٨) . وعن أبي بكرة ﵁ قال: " كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " - ثلثا -، قلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " الإشراك بالله، وعقوق الوالدين "، وكان متكئًا فجلس، فقال: " ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور "، فما زال يقولها حتى قلنا: " لا يسكت " (٣٦٩) ، وفي رواية: " حتى قلنا: ليته سكت "، يعني: قلناها إشفاقًا عليه، لما رأوا من انزعاجه ﷺ . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن من الكبائر شتم الرجل والديه "، قالوا: (يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ "، قال: " نعم يسُب أبا الرجل فيسب أباه، ويسُب أمَّه، فيسب أمه " (٣٧٠) .

стр. 455

وقد تقدم أنه كان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة ﷺ : أن يسمع الرجل يعير الرجل بأمه، وآية ذلك ما حدَث المعرور بن سويد، قال: (رأيت أبا ذر الغفاري، وعليه حُلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا، فشكاني إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : " أعيرَته بأمه! إنك امرؤ فيك جاهلية "، ثم قال: " إن خدمكم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم " (٣٧١) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: " من الكبائر عند الله تعالى أن يستسب الرجل لوالده " (٣٧٢) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: " لا تمشين أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تَدعُه باسمه، ولا تستسب له) (٣٧٣) .

стр. 456

[فصل] بر الوالدين بعد موتهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " إذا مات الإنسان (٣٧٤) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جاريهَ، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٣٧٥) . وعن أبي قتادة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجرى يبلغه أجرها، وعلم يُعْمَلُ به من بعده) (٣٧٦) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: " ترْفَع للميت بعد موته درجة، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك " (٣٧٧) .

стр. 457

ومن البر بهما بعد موتهما: قضاء صوم النذر أو الكفارة عنهما: فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " من مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه " (٣٧٨) . ومن البر بهما بعد موتهما: التصدق عنهما: فعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمى تُوُفيَتْ، أينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟ "، قال: " نعم "، قال: " فإن لي مَخْرَفا، فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها " (٣٧٩) . وعن عائشة ﵂: (أن رجلًا قال: "إن أمي افْتُلِتت (٣٨٠) نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ " قال: " نعم، فتصدق عنها ") (٣٨١) . "وعن أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ : "إن

стр. 458

أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ "، قال: " نعم ") (٣٨٢) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عَمْرًا سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: " أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمتَ، وتصدقتَ عنه، نفعه ذلك ") (٣٨٣) .

стр. 459

ويُروى عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: (بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: " يا رسول الله: هل بقي مِنْ بِر أبَوَي شيء أبَرهما بعد موتهما؟ "، فقال: (نعم، الصلاةُ عليهما (٣٨٤) ، والاستغفارُ لهما، وإنفاذ عهدهما مِن بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصَلُ إلا بهما، وإكرام صديقهما ") (٥٣٨) . وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا خرج إلى مكة، كان له حمار يتروَّحُ عليه إذا ملَّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مَرَّ به أعرابي، فقال: " ألست ابنَ فلان؟! "، قال: " بلى"، فأعطاه الحمار، فقال: " اركب هذا "، والعمامةَ، وقال: " اشدُد بها رأسك"، فقال له بعض أصحابه: " غفر الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تَرَوحُ عليه، وعمامة كنت تَشُدُّ بها رأسك؟ ! "، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبَر البر صلة الرجل أهلَ وُد أبيه بعد أن يُوَلّي، وإن أباه كان وُدُّا لعمر ") ] (٣٨٦) .

стр. 460

وفي رواية البخاري في "الأدب المفرد"، وكذلك الترمذي مختصرا: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ". ويروى عن عبد الله بن دينار بلفظ: (مر أعرابي في سفر، فكان أبو الأعرابِي صديقًا لعمر ﵁، فقال للأعرابي: " ألستَ ابن فلان؟ "، قال: " بلى، فأمر له ابن عمر بحِمار كان يستعقب (٣٨٧) ، ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه، فقال بعض من معه: (أما يكفيه درهمان؟ " (٣٨٨) ، فقال: قال النبي ﷺ : " احفظ وُدً أبيك، لا تقطعه فيطفئ الله نورَك ") (٣٨٩) . وعن ثابت البُناني عن أبي بردة قال: (قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر، فقال:، أتدرى لم أتيتُك؟ " قال: قلت: لا، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ أحَب أن يَصِلَ أباه في قبره، فَلْيَصِل إخوانَ أبيه مِن بعده "، وإنه كان بين أبي: عمرَ، وبين أبيك إخاء وود، فأحببت اًن أصِلَ ذلك) (٣٩٠) .
следующие страницы →