[فصل]
بر الوالدين بعد موتهما
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " إذا مات الإنسان (٣٧٤) انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جاريهَ، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٣٧٥) .
وعن أبي قتادة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجرى يبلغه أجرها، وعلم يُعْمَلُ به من بعده) (٣٧٦) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: " ترْفَع للميت بعد موته درجة، فيقول: أي رب! أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك " (٣٧٧) .
стр. 457
ومن البر بهما بعد موتهما: قضاء صوم النذر أو الكفارة عنهما: فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " من مات وعليه صيام، صام عنه وَلِيُّه " (٣٧٨) .
ومن البر بهما بعد موتهما: التصدق عنهما:
فعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أمى تُوُفيَتْ، أينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟ "، قال: " نعم "، قال: " فإن لي مَخْرَفا، فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها " (٣٧٩) .
وعن عائشة ﵂: (أن رجلًا قال: "إن أمي افْتُلِتت (٣٨٠) نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ " قال: " نعم، فتصدق عنها ") (٣٨١) .
"وعن أبي هريرة ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ : "إن
стр. 458
أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ "، قال: " نعم ") (٣٨٢) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عَمْرًا سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: " أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمتَ، وتصدقتَ عنه، نفعه ذلك ") (٣٨٣) .
стр. 459
ويُروى عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: (بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله ﷺ ، إذ جاءه رجل من بني سَلِمة، فقال: " يا رسول الله: هل بقي مِنْ بِر أبَوَي شيء أبَرهما بعد موتهما؟ "، فقال: (نعم، الصلاةُ عليهما (٣٨٤) ، والاستغفارُ لهما، وإنفاذ عهدهما مِن بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصَلُ إلا بهما، وإكرام صديقهما ") (٥٣٨) .
وعن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا خرج إلى مكة، كان له حمار يتروَّحُ عليه إذا ملَّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يومًا على ذلك الحمار، إذ مَرَّ به أعرابي، فقال: " ألست ابنَ فلان؟! "، قال: " بلى"، فأعطاه الحمار، فقال: " اركب هذا "، والعمامةَ، وقال: " اشدُد بها رأسك"، فقال له بعض أصحابه: " غفر الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تَرَوحُ عليه، وعمامة كنت تَشُدُّ بها رأسك؟ ! "، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن من أبَر البر صلة الرجل أهلَ وُد أبيه بعد أن يُوَلّي، وإن أباه كان وُدُّا لعمر ") ] (٣٨٦) .
стр. 460
وفي رواية البخاري في "الأدب المفرد"، وكذلك الترمذي مختصرا: "إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ".
ويروى عن عبد الله بن دينار بلفظ: (مر أعرابي في سفر، فكان أبو الأعرابِي صديقًا لعمر ﵁، فقال للأعرابي: " ألستَ ابن فلان؟ "، قال: " بلى، فأمر له ابن عمر بحِمار كان يستعقب (٣٨٧) ، ونزع عمامته عن رأسه فأعطاه، فقال بعض من معه: (أما يكفيه درهمان؟ " (٣٨٨) ، فقال: قال النبي ﷺ : " احفظ وُدً أبيك، لا تقطعه فيطفئ الله نورَك ") (٣٨٩) .
وعن ثابت البُناني عن أبي بردة قال: (قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر، فقال:، أتدرى لم أتيتُك؟ " قال: قلت: لا، قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ أحَب أن يَصِلَ أباه في قبره، فَلْيَصِل إخوانَ أبيه مِن بعده "، وإنه كان بين أبي: عمرَ، وبين أبيك إخاء وود، فأحببت اًن أصِلَ ذلك) (٣٩٠) .
стр. 461
عاقبة البر، ومواقف سلفية في بر الوالدين
وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (" دخلت الجنة، فسمعت قراءة، فقلت: "من هذا؟ " فقيل:
" حارثة بن النعمان "، فقال رسول الله ﷺ : " كذلكم البر، كذلكم البر ") وزاد عبد الرزاق في روايته: (وكان أبر الناس بأمه " (٣٩١) .
وقال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: (إن لي أمُّا بلغ منها الكِبَرُ أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية - يعني: أحملها إلى مكان قضاء الحاجة - فهل أدَّيت حقها؟) ، فقال عمر: " لا، لأنها كانت تصنع بك ذلك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه، وتتمنى فراقها) (*) .
وقد رأى ابن عمر ﵄ رجلًا يطوف بالكعبة حاملًا أمه على رقبتَه، فقال: يا ابن عمر أترى أني جزيتها؟ قال: " لا، ولا بطلقة واحدة، ولكنك أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا ".
وفي رواية البخاري في " الأدب المفرد": (أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري حدث أنه شهد ابنُ عمر رجلًا يمانيا يطوف بالبيت، حمل أمه وراء ظهره يقول:
إنى لها بعيرُها المذلَّلْ ... إن أذعِرت ركابُهَا لم أذعَرْ
الله ربي ذو الجلال الأكبر
стр. 462
حملتُها أكثر مما حملت ... فهل ترى جازيتها يا ابن عمر؟
ثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة) (٣٩٢) .
وعنه أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " بينما ثلاثةُ نَفَرٍ يتماشَون، أخذهم المطر، فمالوا إلى غارٍ في الجبل، فانحطَّت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يُفَرِّجُها، فقال أحدهم: " اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم، فإذا رجعت عليهم، فحلبت، بدأتُ بوالديَّ أسقيهما قبل ولدي، وإنه قد نأى بي الشجَرُ (٣٩٣) ، فما أتيتُ حتى أمسيتُ، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحْلُب، فجئت بالحِلَاب، فقمتُ عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغَوْنَ (٣٩٤) عند قدمي، فلم يزل ذلك دَأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا فُرْجة نرى منها السماء، ففرَّج الله لهم حتى يرون السماء" الحديث (٥٣٩) .
(وكان الفضل بن يحيى أبر الناس بأبيه، بلغ من بِره إياه أنهما كانا في السجن، وكان يحيى لا يتوضأ إلا بماء سخن، فمنعهما السجان من
стр. 463
إدخال الحطب في ليلة باردة، فلما نام يحيى، قام الفضل إلى قُمْقُمَةٍ، وملأها ماءً، ثم أدناه من المصباح، ولم يزل قائمًا - وهو في يده - حتى أصبح) (٣٩٦) .
قال ابن المنكدر: " بِتُّ أكبس رِجْلَ أبى، وبات آخر يصلي - يعنى التهجد- ولا يسرني ليلته بليلتي " (*) .
وعن أبي عبد الرحمن قال: " كان رجل منا بَرُّا بوالديه، فأمراه أو أمره أحدهما أن يتزوج، فتزوج، فوقع بين أمه وبين امرأته شر، ووافقه أهله، فقالت له أمه: طلقْها، قال: فاشتد عليه أن يطلق امرأته، واشتد عليه أن يعق أمه، قال: فرحل إلى أبي الدرداء ﵁ فقص عليه قصته، فقال: ما كنت آمرك أن تطلق امرأتك، ولا أن تَعُق أمك، ولكن إن شئت حَدَثتُك حديثًا سمعتهُ من النبي ﷺ : " الوالد (٣٩٧) أوسط (٣٩٨) أبواب الجنة، فإن شئت فحافظ على الباب، أو ضَيعْ "، قال فأنا أشهدكم أنها طالق، فرجع وقد طلق امرأته " (٣٩٩) .
وعن أبي كثير السُّحَيمي قال: حدثني أبو هريرة ﵁، قال: " والله، ما خلق الله مؤمنًا يسمع إلا أحبني "، قلت: " وما علمك بذلك؟ ! "، قال: (إن أمي كانت مشركة، وكنت أدعوها إلى
стр. 464
الإسلام، وكانت تأبى عَلَي، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكى، فأخبرتُهُ، وسألتهُ أن يدعو لها، فقال: " اللهم اهْدِ أمً أبي هريرة "، فخرجْت أعدو أبشرها، فأتيت، فإذا الباب مُجَاف، وسمعتُ خضخضةَ الماء، وسَمِعَتْ حِسِّي، فقالت: "كما أنت"، ثم فتحتْ، وقد لبِست درعها، وعَجِلت عن خمارها، فقالت: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله "، قال: فرجعت إلى رسول الله، أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن؛ فأخبرته، وقلت: " ادعُ الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين "، فقال: " اللهم، حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما " (٤٠٠) .
وها هو ﵁ يحكى أنه كان يشتد به الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الجوع، فيجد نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون: " يا أبا هريرة ما أخرجك هذه الساعة؟ "، فيقول: " ما أخرجني إلا الجوع) ، يقول أبو هريرة: (فقمنا، فدخلنا على رسول الله ﷺ : فقال: " ما جاء بكم هذه الساعة؟ "، فقلنا: " يا رسول الله جاء بنا الجوع"، قال: فدعا رسول الله ﷺ بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال: " كلوا هاتين التمرتين، واشربوا عليهما الماء، فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا "، قال أبو هريرة: فأكلت تمرة، وخبأت الأخرى؛ فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا هريرة لم رفعت هذه التمرة؟ "، فقلت: " رفعتها لأمي "، فقال: " كُلْها، فإنا سنعطيك لها تمرتين، فأكلتها، فأعطاني لها تمرتين ") (٤٠١) .
стр. 465
وعن أبي مُرَّة: (أن أبا هريرة كان يستخلفه مروان، وكان يكون بذي الحُلَيْفَة، فكانت أمه في بيت، وهو في آخر، قال: فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها، فقال: " السلام عليكِ - يا أمتاه - ورحمة الله وبركاته "، فتقول: " وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته "، فيقول: " رحمكِ الله كما ربَّيْتِني صغيرا "، فتقول: " رحمك الله كما بررتني كبيرًا "، ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثله) (٤٠٢) ، (ولازم أبو هريرة أمه، ولم يحج حتى ماتت لصحبتها) (٤٠٣) .
وهل أتاك نبأ أويس بن عامر القرني؟ ذاك رجل أنبأ النبي ﷺ بظهوره، وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله، وأخذ البررة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بره بأمه، وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم عنه: (كان عمر رضى الله عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: " أفيكم أويس بن عامر؟ "، حتى أتى عَلَى أويس بن عامر، فقال: " أنت أويس بن عامر؟ " قال: " نعم "، قال: (مِن مراد؟ " قال: " نعم "، قال: " كان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟ " قال: " نعم "، قال: " لك والدة؟ " قال: " نعم "، قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قَرَن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بار بها، لو أقسمِ على الله لأبَرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل "، فاستغفِرْ لي، فاستغَفر له،
стр. 466
فقال له عمر: " أين تريد؟ قال: " الكوفة"، قال: " ألا اكتب لك إلى عاملها؟ "، قال: " أكون في غبراء الناس أحب إلي ") (٤٠٤) .
وعن أصبغ بن زيد، قال: " إنما منع أويسًا أن يَقْدَم على النبي ﷺ بِره بأمه " (*) .
(وعن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: رأى كَهْمَس بن الحسن عقربا في البيت، فأراد أن يقتلها، أو يأخذها، فسبقته إلى جُحْرها، فأدخل يده في الجحر يأخذها، وجعلت تضربه، فقيل له: " ما أردت إلى هذا؟، لِمَ أدخلتَ يدك في جحرها تخرجها؟ " قال: " إني أحمد؟ خفت أن تخرج من الجحر فتجيء إلى أمي فتلدغها "، وكان يمينه الذي يحلف به: إني أحمد، وأحمد) (٤٠٥) اهـ.
وعن الحسن بن نوح قال: (كان كَهمَس يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا أمسى اشترى به فاكهة فأتى بها إلى أمه) (٤٠٦) اهـ.
(وكان كهمس الدَّعَّاءُ يكسح البيت، ويخدم أمه، فأرسل إليه سليمان بن علي الهاشمي بصُرة، وقال: (اشتر بها خادمًا لأمك "، لأنه كان مشغولًا بخدمتها، وكان أبر شيء بأمه، وأراده على أن يقبلها فأبى، فألقاها في البيت، ومضى، فأخذها كَهمَس، وخرج يتبعه حتى دفعها إليه) (٤٠٧) اهـ.
وكان عمرو بن عبيد يأتي كهمسًا يسلم عليه، ويجلس عنده هو
стр. 467
وأصحابه، فقالت له أمه: " إني أرى هذا وأصحابه، وأكرههم، وما يعجبوني، فلا تجالسهم "، قال: " فجاء إليه عمرو وأصحابه، فأشرف عليهم، فقال: "إن أمي قد كرهتك وأصحابك، فلا تأتوني " (٤٠٨) اهـ.
وقيل: " إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يُكَلَّمُ الأمير الذي لا يُنْتَصَف منه " (*) .
وعن بعض آل سيرين قال: " ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع "، وعن ابن عون قال: (دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه، فقال: " ما شأن محمد أيشتكي شيئا؟ " قالوا: " لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه ") (٤٠٩) .
وهذا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵄ وهو المسمى زين العابدين كان من سادات التابعين، وكان كثير البر بأمه، حتى قيل له: " إنك من أبر الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة "، فقال: " أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عَيْنها، فأكون قد عققتها " (٤١٠) اهـ.
وهذا عبد الله بن عون (نادته أمه فأجابها، فعلا صوته صوتها، فأعتق رقبتين) (٤١١) .
(وكان طلق بن حبيب من العباد والعلماء، وكان يُقَبلُ رأسَ أمه،
стр. 468
وكان لا يمشى فوق ظهر بيت هي تحته - إجلالا لها -) (٤١٢) .
(وحُكي عن ابن القاسم: أنه كان يًقرأ عليه " الموطأ "- إذ قام قياما طويلًا ثم جلس، فقيل له في ذلك، فقال: " نَزَلَت أمي فسألتني حاجة فقامت، فقمتُ لقيامها، فلما صَعِدَتْ جَلَسْتُ ") (٤١٣) . (وكان حَيْوَةُ بنُ شُرَيح - وهو أحد أئمة المسلمين - يقعد في حلقته
يعلم الناس، فتقول له أمه: " قم يا حيوةُ، فألقِ الشعير للدَجاج "، فيقوم ويترك التعليم) (٤١٤) .
وعن هشام بن حسان قال: (كان الهُذَيلُ بن حفصة يجمع الحطب في الصيف، فَيَقْشرُه، يأخذ القصب، فيفلِقه، قالت حفصة: وكنت أجد قِرةً (*) ، فكان إذا جاء الشتاء جاء بالكانون فيضعه خلفي، وأنا في مُصَلَّاي، ثم يقعد فيوقَد بذلك الحطب المقشر، وذاك القصب المفلق وَقودًا لا يؤذي دخانه ويدفئني، نمكث بذلك ما شاء الله، قالت: وعنده من يكفيه لو أراد ذلك.
قالت: وربما أردت أنصرف إليه، فأقول: يا بني ارجع إلى أهلك، ثم أذكر ما يريد فأدعه (٤١٥) .
قال هشام: وكانت له لِقْحة - أي ناقة حلوب غزيرة اللبن - قالت حفصة: كان يبعث إلى بحَلْبَةٍ بالغداة، فأقول: " يا بنى إنك لتعلم أني لا أشربه، أنا صائمة "، فيقول: " يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات
стр. 469
في ضروع الإبل، اسقِيه من شئتِ ") (٤١٦) .
(قال محمد بن سعد: كانت لمسعر بن كدام أم عابدة، فكان يحمل لها لِبدا، ويمشى معها حتى يدخلها المسجد، فيبسط لها اللبد، فتقوم، فتصلي، ويتقدم هو إلى مقدم المسجد، فيصلى، ثم يقعد، ويجتمع إليه من يريد، فيحدثهم، ثم ينصرف إليها، فيحمل لبدها، وينصرف معها) (٤١٧) .
(ولى ممات ذَر - وكان من الأولياء - قال أبوه عمر بن ذَر: " اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من واجب حقي، فاغفر له ما قصر فيه من واجب حقك "، فقيل له: " كيف كانت عشرته معك؟ "، قال: " ما مشى معى قط في ليل إلا كان أمامي، ولا مشى معي في نهار إلا كان ورائي، ولا ارتقى قط سقفا كنت تحته ") (٤١٨) .
وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: " مات أبي، فما سألت الله - حَوْلا - إلا العفوَ عنه " (٤٩٩) .
وكان عروة بن الزبير يقول في صلاته - وهو ساجد -: " اللهم اغفر للزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر " يعنى والديه ﵄ (٤٢٠) .
وكان أبو يوسف الفقيه يقول عقيب صلاته: " اللهم اغفر لأبَوَيَّ، ولأبي حنيفة " (٤٢١) .
стр. 470
(وكان الإمام أبو حنيفة ﵀ بَرا بوالديه، وكان يدعو لهما، ويستغفر لهما مع شيخه حماد، وكان يتصدق كل شهر بعشرين دينارًا عن والديه (أ) .
و (قال أبو يوسف: كان أبو حنيفة يحمل والدته على حماره إلى مجلس عمر بن ذرّ كراهيةَ أن يرد قولها، وقال أبو حنيفة: ربما ذهبتُ بها إلى مجلسه، وربما أمرتني أن أذهب إليه، وأسأله عن مسألة، فآتيه، وأذكرها له، وأقول له: (إن أمي أمرتني أن أسألك عنها "، فيقول: " وأنت تسألني عن هذا؟ "، فأقول: " هي أمرتني"، فيقول: " قل لي: كيف هو - يعني الجواب - حتى أخبرك؟ "، فأخبره بالجواب، ثم يخبرني به، فآتيها، وأخبرها عنه بما قال، ونظير ذلك أنها استفتت عن شيء، فأفتيتها، فلم تقبله، وقالت: " لا أقبل إلا بقول زُرعة القاص "، - أي الواعظ - فجاء بها إليه، وقال له: " إن أمي تستفتيك في كذا "، فقال: " أنت أعلم وأفقه، فَأفتِها " قال: " أفتيتها بكذا "، فقال زرعة: " القول ما قال أبو حنيفة " فرضيت، وانصرفت (ب) .
وعن يحيى بن عبد الحميد قال: (كان الإمام يُخْرَجُ كل يوم من السجن، فيضْرَب ليدخل القضاء فيأبى فلما ضُرِب رأسُه، وأثًرَ ذلك في وجهه بكى، فقيل له في ذلك، فقال: " إذا رأته أمي بكت، واغتمت، وما علىٌ شيء أشد من غَم أمي) (ج) اهـ.
وقال محمد بن شجاع الثلجي حدثني حبان - رجل من أصحاب أبي حنيفة- قال:
стр. 471
(قال أبو حنيفة حين ضُرِب لِيَليَ القضاء: " ما أصابني في ضربي شيء أشدُّ عَلَيَّ من غَم والدتي "، وكان بها بارُّا) .
وعن يحيى الحماني عن أبيه قال: (كان أبو حنيفة يُضْرَبُ على أن يلى القضاء، فيأبى، ولقد سمعته يبكي، وقال: " أبكي غَما على والدتي "!) (د) .
стр. 472
[فصل]
التحذير من عقوق الوالدين والأم
وما أحسن قول بعضهم، إغراءً على البر، وتحذيرًا عن العقوق ووباله، وإعلامَا بما يدحض العاق إلى حضيض سفاله، ويحطه عن كماله: (أيها المضيع لأوكد الحقوق، المعتاض عن البر بالعقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دَين، وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك، وهى تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حجج، وكابدت عند وضعك ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثديها لبنًا، وأطارت لأجلك وَسَنًا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغِذا، وصيَّرت حِجرها لك مهدا، وأنالتك إحسانا ورفدا، فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، ولو خُيِّرت بين حياتك وموتها، لآثرت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارًا، فدعت لك بالتوفيق سرا وجهارا، فلما احتاجت عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعتَ وهى جائعة، ورويت وهي ضائعة، وقدمت عليها أهلك وأولادك في الإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب لديك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها وما لها سواك نصير، هذا، ومولاك قد نهاك عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالبعد من رب العالمين، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد (ذلك بما
стр. 473
قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) الحج (١٠) .
لأمك حَقٌّ لو علمتَ كبير ... كثيرُك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ... لها من جواها أنَّةٌ وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة ... فمن غُصَص منها الفؤاد يطير
وكم غَسَلَتْ عنك الأذى بيمينها ... وما حَجْرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسِها ... ومن ثديها شُرب لديك نمير (٤٢٢)
وكم مرة جاعت وأعطتك قُوتَها ... حُنُوًّا وإشفاقًا وأنت صغير
فآهًا لذي عقل ويتبع الهوى ... وآها لأعمى القلب وهو بصير
فدونَكَ فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير (٤٢٣)
стр. 474
[فصل]
وفاؤها لأولادها
رغم أن الإسلام لم يحمد من المرأة كرهَها للزواج بعد زوجها (*) ، لقد شكر ذلك لها، وأجزل عليه مثوبتها، إن اعتزمته، وأقدمت عليه، وفاءً لأبنائها، ورعيا لهم، وضَنَا بهم أن يضيعوا عند غير أبيهم: من سهل بن سعد مرفوعًا: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا: وأشار بالسبابة والوسطى، وفَرَّج بينهما شيئًا " (٤٢٤) .
ويُروى عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أنا أول من يفتح باب الجنة، إلا أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: " مالك؟ ومن أنت؟ "، فتقول: " أنا أمرأة قعدتُ على أيتام لي) (٤٢٥) .
ويروى عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال
стр. 475
رسول الله ﷺ أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ يزيد بن زريع الراوي بالوسطى والسبابة -، امرأة آمت من زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا (٤٢٦) .
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة فأعطيتها أياها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت فدخل النبي ﷺ فأخبرته فقال النبي ﷺ : من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار ") (٤٢٧)
وفي رواية لمسلم: (جائتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت للنبي ﷺ فقال إن الله قد أوجب لها بها الجنة وأعتقها بها من النار) .
وهذه أم هانئ فاختة بنت أبي طالب ﵂ أخت أمير المؤمنين
стр. 476
علي ﵁، وبنت عم رسول الله ﷺ "، وراوية حديث الإسراء، فَرق الإسلام بينها وبين زوجها (هبيرة) (٤٢٨) ، وكانت قد انكشفت منه عن أربعة بنين، فخطبها رسول الله ﷺ ، فقالت أم هانئ: " يا رسول الله، لأن أحب إليَّ من سمعي ومن بصري، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلت على زوجي - تعني رسول الله ﷺ أن أضيعَ بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضَيِّعَ حق زوجي "، وهنا امتدحها النبي ﷺ ، وشكر لها ذلك، فقال: " إن خير نساءٍ ركبن الإبل نساءُ قريش، أحْناه على ولدٍ في صِغَرِه، وأرْعاهُ على بَعلٍ - أي زوج - في ذات يده " (٤٢٩) .
وانصرفت أم هانئ إلى الاهتمام بأمور أبنائها وتربيتهم تربية صالحة، فنشأوا عالمين عاملين، وروى بعضهم عنها ما حدثت به عن رسول الله ﷺ من الأحاديث أمثال ابن ابنها جَعْدة المخزومي، وابن ابنها يحيى بن جعفر، وابن ابنها هارون، وعاشت حتى خلافة أخيها علي ﵁.
وكان ذلك بعض عذر أم سلمة حين خطبها رسول الله ﷺ فأرسلت تقول له: " إني مُصبْية " (٤٣٠) ، فأرسل إليها: " أما ما ذكرتِ من أيتامك
стр. 477
فعلى الله وعلى رسوله "، فقالت عند ذلك: مرحبًا برسول الله ﷺ " (٤٣١)
وتلك أم سُليم الغُمَيْصاء ﵂ إحدى السابقات إلى الإسلام، أسلمت ورسول الله ﷺ بمكة، وبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذ طفلًا رضيعًا، فكانت تقول له: قل: " لا إله إلا الله "، قل: " أشهد أن محمدَا رسول الله " فجعل ينطق بذلك أولَ ما ينطق، فكان مما يثير الغضب في نفس مالك، فيقول لها: " لا تفسدي علي ولدى " فتقول: " إني لا أفسده "! ، ثم أيأسه أمرها فخرج عنها إلى الشام، وهنالك لقي عدوا له، فقتله، فلما بلغها قتله - وكانت شابة حَدَثَة، وكثر خُطَابُها - قالت: " لا جَرَمَ، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني " فوفت بعهدها وَبَرَّتْ، وكان أنس ﵁ يعرف لها تلك المنة، ويقول: " جزى الله أمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي ".
حتى إذا شب أنس تقدم لخِطتها أبو طلحة زيد - وكان مشركًا - فأبت، ثم قالت له يومًا فيما تقول: " أرأيت حجرًا تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار، فينجرها لك: هل يضرك؟ هل ينفعك؟ "، وأكثرت من أشباه ذلك الكلام، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: " لقد وقع في قلبي الذي قلتِ "، وآمن بين يديها، قالت: " فإني أتزوجك، ولا أريد منكَ صَداقًا غير الإسلام " (٤٣٢) ، قال ثابت:
стр. 478
(فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم الإسلام) (٤٣٣) اهـ.
وقالت امرأة من نساء اليمامة تدعى (أم أثال) - وكانت كأحسن النساء وجها-، فلما مات زوجها، تدافع الخُطَابُ على بابها، فردَّت كل خاطب، وفاءً لابنها أثال:
لعمر أثال لا أفدي بعيشه ... وإن كان في بعض المعاش جفاءُ
إذا استجمعت أم الفتى غَص طَرفَه ... وشاعَرَهُ دون الدِّثار بلاءُ (٤٣٤)
ذلك بعض حديث المرأة المسلمة في الوفاء لخير ما وُكلَتْ به، وخُلِقَتْ له، بعد العبودية لرب العالمين.
الأمومة والتضحية:
تنتقل المرأة بعد ذلك إلى طور آخر تبلغه، فتبلغ به غاية ما أعدَّت له من كمال النفس، وشرف العاطفة، ذلك طور التضحية، فهناك تنزل المرأة عن حقها من الوجود لمن فُصِل عن لحمها ودمها، تسهر لينام، وتظمأ لِيروى، وتحتمل الألم المُمِضَّ- راضية مغتبطة - لتذيقه طعم الدعة، وتُنْشِيَهُ نسيم النعيم.
تلك هي التضحية بالنفس بلغت بها الأمومة غايتها:
* والجودُ بالنفسِ أقصى غايةِ الجودِ "
وهاك هذه القصة الشعرية الرمزية، والتي يُظهر فيها الشاعر حقيقة قلب الأم، وما يكنه من مشاعر وعواطف، ورأفة وحنان:
стр. 479
أغرى امرؤ يوما غلاما جاهلا ... بنقوده كيما ينال به الوطر
قال ائتني بفؤاد أمك يا فتى ... ولك الجواهر والدراهم والدرر
فمضى وَأغرزَ خِنجرًا في صدرها ... والقلبَ أخرجهُ وعاد على الأثر
لكنه من فرطِ سرعتهِ هوى ... فتدحرجَ القلبُ المقطعُ إذ عَثَر
ناداه قلبُ الأم وَهْوَ مُعَفرٌ ... ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟
***
فكأنَّ هذا الصوتَ رغم حُنُوهِ ... غضبُ السماءِ على الغلامِ قد انهمر
فدرى فظيع جناية لم يَجْنِها ... ولد سِواه منذ تاريخِ البشر
فارْتَد نحو القلب يغسِلُه بما ... فاضت به عيناهُ من سيلِ العِبَر
ويقولُ يا قلبُ انتقم مني ولا ... تغفرْ فإنَّ جريمتي لا تُغتَفَر
واسْتَل خِنجرَهُ ليطعنَ قلبَهُ ... طعنًا فيبقى عِبْرة لمن اعتبر
ناداه قلب الأم كُفَّ يدًا، ولا ... تطعنْ فؤادي مرتين على الأثر (٤٣٥)
стр. 480
[فصل]
من مواقف الأم المسلمة
[في قرن وبعض قرن وثب المسلمون وثبة ملأوا بها الأرض قوة وبأسا وحكمة وعلما فراضوا الأمم وهاضوا الممالك وركزوا ألويتهم في قلب آسيا وهامات إفريقية وأطراف أوروبة وتركوا دينهم وشرعهم ولغتهم وعلمهم وأدبهم تدين لها القلوب وتنقلب بها الألسنة بعد أن كانوا فرائق بددا لا نظام ولا قوام ولا علم ولا شريعة.
ففي أي المدارس درجوا ومن أي المعاهد خرجوا؟
لقد قطع المسلمون تلك المرحلة التي سهم لها الدهر ووجم لروعتها التاريخ ولم يقيموا معهدا أو ينشئوا جامعة ... استغفر الله! بل لقد كانت خصاصهم وخيامهم ودورهم وقصورهم معاهد ومدارس وما شئت من مغارس حكمة ومغاوص آداب ولي أمرها أمهات صدق أقامهن الله على نشئه واستخلفهن على صنائعه وَائْتَمَنَهُنَّ على دعاة حقه ورعاة خلقه فكن أقوم خلفائه بواجبه وأثبتهن على عهده وأنهضهن بالفادح الشديد من أمره لقد كان الله أبر بهؤلاء القوم من أن يخرجهم مخرجا سيئا أو ينبتهم منبتا فاسدا أو يضمهم إلى صدور واهية وقلوب سقيمة ثم يسومهم أشرف مطالب الحياة ويوردهم أسمى مقاصدها.. لأن الأم من الأمة بمثابة القلب من الجسد فهي غذاء أرواحهم ومران أعوادهم ومفيض مداركهم ومبعث عواطفهم فإن وهنت كان كل أولائك ضعيفا لقد كانت نهضة المسلمين غريبة فريدة لأن المرأة كذلك كانت غريبة
стр. 481
فريدة.. وإذا كانت المرأة الحديثة قد أنصتت لـ " لنكولن " زعيم الجمهورية الأمريكية، وهو يقول لمهنئيه بمنصب من مناصب الدنيا: " لا تهنئوني، وهنئوا أمي فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا "، فإن المرأة المسلمة كانت تستمع لأشباه هذا الكلام من أشباه " لنكولن "، فلا ينثني جيدها، ولا يهتز عِطفها لطول ما سمعته وألفته] (٤٣٦) .
ودونك هذه المواقف للأم المسلمة لترى مصداق هذا الحديث: بطل قريش يرتجف أمام أمه:
(لما كانت موقعة أحد أغرت هند بنت عتبة بحمزة بن عبد المطلب من خالسه فصرعه - وكان قد قتل آلها يوم بدر - ثم نفذت إليه فبقرت بطنه، ونزعت كبده، وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجاء بعدها أبو سفيان، فأخذ يطعنه بالرمح في فمه حتى مزقه ... انقضت الموقعة، وجثمان حمزة تكاد تَحيل معالمه لفرط ما مُثلَ به، فلما وقف به رسول الله ﷺ اشتد حزنه لما أصاب عمه البطل الكريم، ووقف بنجوة منه، ثم أبصر فوجد عمته صفية بنت عبد المطلب مقبلة لتنظر ما فعل القوم بأخيها، فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: " دونَك أمَّك فامنعْها "، وأكبر همه ألا يَجِدَّ بها الجزع لما ترى، فلما وقف ابنها يعترضها قالت: " دونك، لا أرض لك، لا أمَ لك! "
وهنالك رجفت أحناء بطل قريش، وزلزلت قدماه، واعتقل لسانه، وكَر راجعًا إلى رسول الله ﷺ فحدثه حديث أمه، فقال: " خَل سبيلها ".
كذلك انفرجت صفوف الناس لعمة رسول الله ﷺ ، فسارت حَتى أتت أخاها فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها: " قل لرسول الله: ما أرضانا بما كان في سبيل الله!
стр. 482
لأحتسبنَ، ولأصبرن إن شاء الله ") (٤٣٧) .
فانظر إلى موقف البطل المسلم حيال أمه، وقد أمره رسول الله ﷺ أن يقف دونها فيعترضها! ولو سامه النبي ﷺ لا أن يعترض الجيش اللهام لوقف في سبيله غير هائب ولا مدفوع.. وماله لا يعنو وجهه، ولا ترتجف أضالعه لعظمة الأمومة وعظمة الخُلُق؟!
(لبث عبد الله بن الزبير (٤٣٨) على إمرة المؤمنين، ودانت له العراق والحجاز واليمن ثماني سنين، ثم أخذ عبد الملك بن مروان يقارعه، فانتقص منه العراق، ورماه بعد ذلك بالحجاج بن يوسف، فأخذ يطوي بلاده عنه حتى أتى إلى مكة فطوقها، ونصب المجانيق على الكعبة، وأهوى بالحجارة عليها، وفي الكعبة يومئذ أسماء بنت أبي بكر ﵄.
وكان عبد الله يقَاتل جند الحجاج مسندا ظهره إلى الكعبة، فيعيث فيهم، ويروعُ أبطالهم، وليس حوله إلا القوم الأقلون عددًا، والحجاج بين ذلك كله يرسل إليه يمنيه الخير، ويعده بالإمارة في ظل بني أميَّة لو أغمد سيفه، وبسط للبيعة يده.
دخل عبد الله على أثر ذلك على أمه، فقال: " يا أُمَّه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ "، فقالت: " الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه، فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت
стр. 483
الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي، فليس هذا فعل الأحرار ولا مَن فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير، والله لضربة بالسيف في عِز أحب إلي من ضربة بالسوط في ذل "، فقال: " يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني "، قالت: " يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله "، فقبل رأسها، وقال لها: " هذا والله رأيي، والذي قمت به داعيا إلى الله، والله ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تُهتَك محارمه، ولكني أحببت أن أطلع على رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي، والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملًا بفاحشة، ولم أجُر في حكم، ولم أغدِر في أمان، ولم يبلغني عن عمالي حيف فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضاء ربي، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلوَ عَني "، فقالت: " والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا، إن تقدمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك "، ثم قالت: " اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين "، قال: " يا أُمَّه لا تدَعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده "، فقالت: " لن أدعه، فمن قتِلَ على باطل، فقد قُتِلْتَ على حق "، فتناول يدها ليقبلها، فقالت: " هذا وداع فلا تبعد "، فقال لها: " جئت مودعًا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا "، قالت: " امض على بصيرتك، وادن مني حتى أودعك "، فدنا منها فعانقته، وقبلته، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: " ما هذا صنيع من يريد ما تريد "! فقال: " ما لبستها إلا لأشد متنكِ "، قالت: " إنها لا
стр. 484
تشد متني "، فنزعها، ثم درج لِمته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول:
أبي لابن سلمى أن يُعير خالدا ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسُبَّةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سُلَّما
وقال لأصحابه: " احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم رجلًا، ولا يلهينَّكم السؤال عني، فإني على الرعيل الأول "، ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون، وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه، فأخذته منه رعدة، فدخل شعبًا من شعاب مكة يستدمي، فبصُرت به مولاة له، فقالت:
" وا أمير المؤمنينا! "، فتكاثر عليه أعداؤه عند ذلك فقتلوه، وصلبه الحجاج، فأقام جثمانه على الجذع، حتى إذا أمر عبد الملك بإنزاله، أخذته أمه فغسلته بعد أن ذهبوا برأسه، وذهب البلى بأوصاله، ثم كفنته، وصلت عليه، ودفنته) (٤٣٩) .
وروى ابن حزم بسنده عن صفية بنت شيبة قالت: (دخل ابن عمر المسجد فأبصر ابن الزبير مطروحا قبل أن يصلب، فقيل له: " هذه أسماء "، فمال إليها وعزاها، وقال: " إن هذه الجثث ليست بشيء، وإن الأرواح عند الله "، فقالت له أسماء: " وما يمنعني، وقد أهدى رأس يحيى إِلى بغي من بغايا بني إسرائيل ") (٤٤٠) .
قال عروة: (دخلت أنا وأخي قبل أن يُقتل، على أمنا بعشر ليال، وهى وَجِعَة، فقال عبد الله: " كيف تجدينك؟ "، قالت: " وَجِعة "،
стр. 485
قال: " إن في الموت لعافية!، قالت: " لعلك تشتهي موتي؛ فلا تفعل "، وضَحِكَتْ، وقالت: " والله، ما أشتهي أن أموت، حتى تأتي على أحد طرفَيْك: إما أن تُقْتَلَ فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني، إياك أن تُعرض على خُطة فلا توافق، فتقبلها كراهية الموت ") ، قال: " وإنما عَنى أخي أن يُقتل، فيَحزنها ذلك " (أ) .
وعن ابن عيينة: حدثنا أبو المُحيَّاة، عن أمه، قال: لما قَتل الحجاج ابن الزبير، دخل على أسماء، وقال لها: " يا أمه، إن أمير المؤمنين وصاني بك، فهل لكِ من حاجة؟ "، قالت: " لست لك بأم، ولكني أم المصلوب على رأس الثَّنية، وما لي من حاجة؛ ولكن أحدثك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يخرج في ثقيف كذاب، ومُبير "، فأما الكذاب، فقد رأيناه - تعنى المختار - وأما المُبِيرُ، فأنت "، فقال لها: " مبير المنافقين " (ب) .
وعن يَعْلي التيمي قال: (دخلتُ مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث - وهو مصلوب- فجاءت أمُّهُ عجوز طويلة عمياء، فقالت للحجاج: " أما آن للراكب اًن ينزل؟ "، فقال: " المنافق؟ "، قالت: " والله ما كان منافقَا، كان صَواما قَوامًا بَرُّا "، قال: " انصرفي يا عجوز، فقد خَرِفْتِ "، قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: في ثقيف كذاب، ومبير ... " الحديث (ج) .
هكذا كان أول ما لُقنَت المرأة من أدب الله ورسوله ﷺ ، الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب.
стр. 486
أوَ لَم تر إلى الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبر أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا. أولئك أبناؤها، وهم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: " يا بَني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتمَ مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنْتُ حَسبَكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.
اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتمَ الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارًا على أرواقها، فَيَمِّمُوا وَطِيسها (د) ، وجالدوا رَسيسها (هـ) ، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة ".
فلما كَشَّرَت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قُتِلوا واحدا في أثر واحد.
ولما وافتها النُّعاةُ بخبرهم، لم تزد على أن قالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة " (و) .
ذلك أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر وقوة الإيمان!
[وعن جويرية بن أسماء عن عمه أن إخوة ثلاثةً شهدوا يوم تُسْتَر،
стр. 487
فاستشهدوا، فخرجت أمهم يومًا إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجل حضر " تُستر" فعرفته، فسألته عن أمور بنيها، فقال: " استشهدوا "، فقالت: " مقبلين أو مدبرين؟ " قال: " مقبلين "، قالت: " الحمد لله نالوا الفوز، وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأبي وأمي ") اهـ من جمهرة الخطباء] (٤٤١) اهـ.
كل ذلك وأشباهه مما جعل للأم المقام الأوفى، والمنزلة الأسمى، وهذا هو سر عظمة القوم، وسبيل نهضتهم، ومُنبعَثُ قوتهم، وإليه مرجع استبسالهم واستماتتهم:
خَلفْتِ جيلًا من الأبطال سيرتهم ... تضوع بين الورى رَوْحًا وريحانا
كانت فتوحهموا بِرًّا ومرحمة ... كانت سياستهم عدلًا وإحسانا
لم يعرفوا الدين أورادًا ومِسْبحة ... بل أشْبِعوا الدينَ محرابًا وَميْدانا (٤٤٢)
стр. 488
[فصل]
الأم المسلمة وراء هؤلاء العظماء
إذا قلبت صفحات تاريخنا الإسلامي، فلا تكاد تقف على عظيم ممن ذَلتْ لهم نواصي الأمم، ودانت لهم الممالك، وطبق ذكرهم الخافقين، إلا وهو ينزع بِعِرْقِهِ وخُلُقِهِ إلى أم عظيمة، وكيف لا يكون ذلك والأم المسلمة قد اجتمع لها من وسائل التربية ما لم يجتمع لأخرى ممن سواها؟ مما جعلها أعرف خلق الله بتكوين الرجال، والتأثير فيهم، والنفاذ إلى قلوبهم، وتثبيت دعائم الخلق العظيم بين جوانحهم، وفي مسارب دمائهم:
فالزبير بن العوام: فارس رسول الله ﷺ ، الذي بلغ من بسالته وبطولته، أن عدل به الفاروق ﵁، ألفًا من الرجال، حين أمد به جيش المسلمين في مصر، وكتب إلى قائدهم عمرو بن العاص ﵁ يقول:
" أما بعد: فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألفٍ: رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن خالد ".
وقد صدقت فِراسة الفاروق ﵁، وسجل التاريخ في صفحاته أن الزبير لا يعدل ألفًا فحسب، بل يعدل أمة بأسرها، فقد تسلل إلى الحصن الذي كان يعترض طريق المسلمين، وصعد فوق أسواره، وألقى بنفسه بين جنود العدو، وهو يصيح صيحة الإيمان: " الله اكبر ".. ثم اندفع إلى باب الحصن، ففتحه على مصراعيه، واندفع المسلمون، فاقتحموا
стр. 489
الحصن، وقضوا على العدو قبل أن يفيق من ذهوله.
(هذا البطل العظيم إنما قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ ، وأخت حمزة أسد الله، فقد شب في كنفها، ونشأ على طبعها، وتخلق بسجاياها.
والكَمَلَة العظماء: عبد الله، والمنذر، وعروة أبناء الزبير: كانوا ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر ﵄، وما منهم إلا له الأثر الخالد، والمقام المحمود.
وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بجلال الخلال، فكان مغداه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله ﷺ .
وعبد الله بن جعفر: سيد أجواد العرب وأنبل فتيانهم، تركه أبوه صغيرًا، فتعاهدته أمه أسماء بنتُ عُمَيس، ولها من الفضل والنبل ما لها. وأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ﵄: أريب العرب وألمعيُّها، ورث عن هند بنت عتبة همة تجاوز الثريا، وهي القائلة - وقد قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: " إن عاش معاوية ساد قومه " - " ثكِلْتُهُ إن لم يَسُد إلا قومه "، ولما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين: (إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه "، فقالت: " أوَ مِثْلُ معاوية يكون خَلَفا من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها، ثم رُمِيَ به فيها، لخرج مِن أيها شاء ".
وكان معاوية ﵁ إذا نوزع الفخر بالمقدرة، وجوذب بالمباهاة بالرأي، انتسب إلى أمه فصدع أسماع خصمه بقوله: " أنا ابن
стр. 490
هند ") (٤٤٣) .
وعبد الله بن زيد المازني: الذي حكى وضوء رسول الله ﷺ ، والذي قتَل مسيلمة الكذاب بسيفه (٤٤٤) ، وقتل هو يوم الحرة.
وأخوه حبيب بن زيد بن عاصم المازني: الذي أخذه مسيلمة فقطَّعَه، قطعة قطعة.
كلاهما كان ثمرة أم فاضلة مجاهدة هي أم عُمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية ﵂، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَّائين، شهدت ليلة العقبة، وشهدت أحدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل) (٤٤٥) .
وعبد الملك بن مروان: أمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية، وكان لها من مضاء العزم، وذكاء القلب، ونفاذ الرأي - ما لم يكن بعض الرجال في شيء منه، وهي التي يعنيها ابن قيس الرقيات في قوله لعبد الملك:
أنتَ ابن عائشة التي ... فضلت أُرُومَ (٤٤٦) نسائها
стр. 491
لم تلتفت لِلِداتِها (٤٤٧) ... ومَشت على غُلَوائها (٤٤٨)
وَلَدَت أغَرَّ مباركًا ... كالشمس وَسطَ سمائها (٤٤٩)
وأبو حفص عمر بن عبد العزيز: أورع الملوك وأعدلهم وأجلهم، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، أكمل أهل دهرها كمالا، وأكرمهن خلالًا، وأمها تلك التي اتخذها عمر لابنه عاصم، وليس لها ما تعتز به من نشب ونسب، إلا ما جرى على لسانها قول الصدق في نصيحتها لأمها (٤٥٠) ، وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق ﵁.
وأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر: الذي ولي الأندلس وهو ولاية تميد بالفتن، وتَشْرَقُ بالدماء، فما لبثت أن قرت له، وسكنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح سبعين حصنا في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له، ورجف لبأسه، فكان أعظم أمراء بني أمية في الأندلس، حكم مدة خمسين سنة وستة أشهر، وبعد ما كانت قرطبة إمارة، أصبحت مقر خلافة يحتكم إليها عواهل أوربة وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها.
أتدري ما سر هذه الهمة، وما مهبط وحيها؟ إنها المرأة وحدها! فقد نشأ عبد الرحمن يتيمًا قتل عمُّه أباه وعمره واحد وعشرون يوما،
стр. 492
فتفردت أمه بتربيته وإيداع سر الكمال وروح السمو في ذات نفسه، فكان من أمره ما علمت) (٤٥١) .
وسفيان الثوري: وما أدراك ما سفيان الثوري (٤٥٢) ؟!.
إنه فقيه العرب ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث الذي قال فيه زائدة: (الثوري سيد المسلمين) ، وقال الأوزاعي: (ولم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان) ، وما كان ذلك الإمام الجليل، والعَلَم الشامخ، إلا ثمرة أم صالحة، حفظ التاريخ لنا مآثرها، وفضائلها، ومكانتها، وإن كان ضَن علينا باسمها.
روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ بسنده عن وكيع قال:
(قالت أم سفيان لسفيان: " يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي (٤٥٣) ، فكانت - رحمها الله - تعمل، وتقدم له، ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة- فيما يرويه الإمام أحمد أيضا -: " يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك " (٤٥٤) .
فهل من غرابة بعد هذا أن نرى سفيان يتبوأ منصب الإمامة في الدين، كيف وهو قد ترعرع في كنف مثل هذه الأم الرحيمة، وتغذي بلبان تلك الأم الناصحة التقية؟!
стр. 493
والإمام الثقة الثبت إمام أهل الشام وفقيههم، أبو عمرو الأوزاعي: يقول فيه أبو إسحاق الفزاري: (ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي، والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة، ولو خُيرتُ لهذه الأمة، لاخترت لها الأوزاعي، لأنه كان أكثر توسعًا، وكان والله إمامًا، إذ لا نصيبُ اليوم إمامًا، ولو أن الأمة أصابتها شدة، والأوزاعي فيهم لرأيت لهم أن يفزعوا إليه) (٤٥٥) ، وقال الخريبي: (كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه) .
وقال بقية بن الوليد: (إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير، عرفنا أنه صاحب سنة) وقال العجلي: (شامي ثقة من خيار المسلمين) .
وقال الشافعي: (ما رأيت أحداً أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي (٤٥٦) .
قال النووي ﵀: (وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف ﵏ كثيرة مشهورة مصرحة بورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته) (٤٥٧) .
وعن سفيان الثوري: (أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذِي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار، ووضعه على رقبته، وكان
стр. 494
إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ) (٤٥٨) .
(وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه- يعني استُفْتي - وله ثلاثَ عشرةَ سنة) (٤٥٩) .
ذلك الحَبر البحر كان أيضًا ثمرة أم عظيمة:
قال الذهبي ﵀: (قال العباس بن الوليد: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي، فكان يقول: " سبحانك تفعل ما تشاء " كان الأوزاعي يتيمًا فقيرًا في حَجْر أمه، تنقلُهُ من بلدٍ إلى بلد، وقد جرى حكمك فيه أن بلغتَه حيث رأيتُه، يا بني " عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعتُ منه كلمةً قطُّ فاضلةً إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا قط حتى يُقهقِه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد، أقول في نفسي: أتُرى في المجلس قلبٌ لم يبك؟) (٤٦٠) .
قال أبو مسهر:
وكان الأوزاعي ﵀ يحيي الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً، وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت، أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مُصَلَاه، فتجده رطْبًا من دموعه في الليل) (٤٦١) اهـ.
[وهذه أم " ربيعة الرأي " شيخ الإمام مالك: أنفقت على تعليم ولدها ثلاثين ألف دينار خَلًفها زوجها عندها، وخرج إلى الغزو، ولم يعد لها إلا بعد أن استكمل ولده الرجولة والمشيخة، وكانت أمه قد اشترتهما
стр. 495
له بمال الرجل، فأحمد الرجل صنيعها، وأربح تجارتها في قصة طلية ساقها ابن خلكان، قال:
(وكان فرُّوخ أبو ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بنى أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وَخَلَّفَ عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا، وفي يده رمح، فنزل، ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة، وقال: " يا عدو الله أتهجم على منزلي؟ "، فقال فروخ: (يا عدو الله أنت دخلت على حرمي؟ "، فتواثبا حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالكَ بن أنس، فأتوا يعينون ربيعة، وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: " لا فارقتك"، فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: (أيها الشيخ لك سَعَة في غير هذه الدار "، فقال الشيخ: " هي داري، وأنا فروخ "، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت، وقالت: " هذا زوجي، وهذا ابنى الذي خَلَّفه، وأنا حامل به "، فاعتنقا جميعا وبكيا، ودخل فروخ المنزل، وقال: " هذا ابني؟ "، فقالت: " نعم "، قال: " أخرجي المال الذي عندك "، قالت- تُعَرضُ -: " قد دفنته، وأنا أخرجه "، ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حِلْقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمُه لزوجها فروخ: (اخرج فصل في مسجد رسول الله ﷺ "، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها، فوقف عليها، فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قلنسوة طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: " من هذا الرجل؟ "، فقيل: " هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن "، فقال: " لقد رفع الله ابني "، ورجع إلى منزله، قال لوالدته: " لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها "، فقالت أمه: " فأيما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ "، فقال: " لا والله، بل هذا "، فقالت: " أنفقت المال كله عليه "، قال: " فوالله