← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لم تلتفت لِلِداتِها (٤٤٧) ... ومَشت على غُلَوائها (٤٤٨) وَلَدَت أغَرَّ مباركًا ... كالشمس وَسطَ سمائها (٤٤٩) وأبو حفص عمر بن عبد العزيز: أورع الملوك وأعدلهم وأجلهم، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، أكمل أهل دهرها كمالا، وأكرمهن خلالًا، وأمها تلك التي اتخذها عمر لابنه عاصم، وليس لها ما تعتز به من نشب ونسب، إلا ما جرى على لسانها قول الصدق في نصيحتها لأمها (٤٥٠) ، وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق ﵁. وأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر: الذي ولي الأندلس وهو ولاية تميد بالفتن، وتَشْرَقُ بالدماء، فما لبثت أن قرت له، وسكنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح سبعين حصنا في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له، ورجف لبأسه، فكان أعظم أمراء بني أمية في الأندلس، حكم مدة خمسين سنة وستة أشهر، وبعد ما كانت قرطبة إمارة، أصبحت مقر خلافة يحتكم إليها عواهل أوربة وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها. أتدري ما سر هذه الهمة، وما مهبط وحيها؟ إنها المرأة وحدها! فقد نشأ عبد الرحمن يتيمًا قتل عمُّه أباه وعمره واحد وعشرون يوما،

стр. 492

فتفردت أمه بتربيته وإيداع سر الكمال وروح السمو في ذات نفسه، فكان من أمره ما علمت) (٤٥١) . وسفيان الثوري: وما أدراك ما سفيان الثوري (٤٥٢) ؟!. إنه فقيه العرب ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث الذي قال فيه زائدة: (الثوري سيد المسلمين) ، وقال الأوزاعي: (ولم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضا إلا سفيان) ، وما كان ذلك الإمام الجليل، والعَلَم الشامخ، إلا ثمرة أم صالحة، حفظ التاريخ لنا مآثرها، وفضائلها، ومكانتها، وإن كان ضَن علينا باسمها. روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ بسنده عن وكيع قال: (قالت أم سفيان لسفيان: " يا بني! اطلب العلم، وأنا أكفيك بمغزلي (٤٥٣) ، فكانت - رحمها الله - تعمل، وتقدم له، ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة- فيما يرويه الإمام أحمد أيضا -: " يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر: هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك " (٤٥٤) . فهل من غرابة بعد هذا أن نرى سفيان يتبوأ منصب الإمامة في الدين، كيف وهو قد ترعرع في كنف مثل هذه الأم الرحيمة، وتغذي بلبان تلك الأم الناصحة التقية؟!

стр. 493

والإمام الثقة الثبت إمام أهل الشام وفقيههم، أبو عمرو الأوزاعي: يقول فيه أبو إسحاق الفزاري: (ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي، والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة، ولو خُيرتُ لهذه الأمة، لاخترت لها الأوزاعي، لأنه كان أكثر توسعًا، وكان والله إمامًا، إذ لا نصيبُ اليوم إمامًا، ولو أن الأمة أصابتها شدة، والأوزاعي فيهم لرأيت لهم أن يفزعوا إليه) (٤٥٥) ، وقال الخريبي: (كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه) . وقال بقية بن الوليد: (إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير، عرفنا أنه صاحب سنة) وقال العجلي: (شامي ثقة من خيار المسلمين) . وقال الشافعي: (ما رأيت أحداً أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي (٤٥٦) . قال النووي ﵀: (وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته، وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف ﵏ كثيرة مشهورة مصرحة بورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له، واعترافهم بمرتبته) (٤٥٧) . وعن سفيان الثوري: (أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذِي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار، ووضعه على رقبته، وكان

стр. 494

إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ) (٤٥٨) . (وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الطبقات أن الأوزاعي سئل عن الفقه- يعني استُفْتي - وله ثلاثَ عشرةَ سنة) (٤٥٩) . ذلك الحَبر البحر كان أيضًا ثمرة أم عظيمة: قال الذهبي ﵀: (قال العباس بن الوليد: فما رأيت أبي يتعجب من شيء في الدنيا تعجبه من الأوزاعي، فكان يقول: " سبحانك تفعل ما تشاء " كان الأوزاعي يتيمًا فقيرًا في حَجْر أمه، تنقلُهُ من بلدٍ إلى بلد، وقد جرى حكمك فيه أن بلغتَه حيث رأيتُه، يا بني " عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها أدب الأوزاعي في نفسه، ما سمعتُ منه كلمةً قطُّ فاضلةً إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا قط حتى يُقهقِه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد، أقول في نفسي: أتُرى في المجلس قلبٌ لم يبك؟) (٤٦٠) . قال أبو مسهر: وكان الأوزاعي ﵀ يحيي الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً، وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت، أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع مُصَلَاه، فتجده رطْبًا من دموعه في الليل) (٤٦١) اهـ. [وهذه أم " ربيعة الرأي " شيخ الإمام مالك: أنفقت على تعليم ولدها ثلاثين ألف دينار خَلًفها زوجها عندها، وخرج إلى الغزو، ولم يعد لها إلا بعد أن استكمل ولده الرجولة والمشيخة، وكانت أمه قد اشترتهما

стр. 495

له بمال الرجل، فأحمد الرجل صنيعها، وأربح تجارتها في قصة طلية ساقها ابن خلكان، قال: (وكان فرُّوخ أبو ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بنى أمية، وربيعة حمل في بطن أمه، وَخَلَّفَ عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا، وفي يده رمح، فنزل، ودفع الباب برمحه، فخرج ربيعة، وقال: " يا عدو الله أتهجم على منزلي؟ "، فقال فروخ: (يا عدو الله أنت دخلت على حرمي؟ "، فتواثبا حتى اجتمع الجيران، وبلغ مالكَ بن أنس، فأتوا يعينون ربيعة، وكثر الضجيج، وكل منهما يقول: " لا فارقتك"، فلما بصروا بمالك سكتوا، فقال مالك: (أيها الشيخ لك سَعَة في غير هذه الدار "، فقال الشيخ: " هي داري، وأنا فروخ "، فسمعت امرأته كلامه، فخرجت، وقالت: " هذا زوجي، وهذا ابنى الذي خَلَّفه، وأنا حامل به "، فاعتنقا جميعا وبكيا، ودخل فروخ المنزل، وقال: " هذا ابني؟ "، فقالت: " نعم "، قال: " أخرجي المال الذي عندك "، قالت- تُعَرضُ -: " قد دفنته، وأنا أخرجه "، ثم خرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حِلْقته، فأتاه مالك والحسن وأشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به، فقالت أمُه لزوجها فروخ: (اخرج فصل في مسجد رسول الله ﷺ "، فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاها، فوقف عليها، فنكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه قلنسوة طويلة، فشك أبوه فيه، فقال: " من هذا الرجل؟ "، فقيل: " هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن "، فقال: " لقد رفع الله ابني "، ورجع إلى منزله، قال لوالدته: " لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدًا من أهل العلم والفقه عليها "، فقالت أمه: " فأيما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه؟ "، فقال: " لا والله، بل هذا "، فقالت: " أنفقت المال كله عليه "، قال: " فوالله

стр. 496

ما ضَيَّعْتِهِ ") ] اهـ (٤٦٢) . إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀: قال مطرف: قال مالك: (قلت لأمي: " أذهب، فأكتب العلم؟ "، فقالت: " تعال، فالبس ثياب العلم "، فألبستني مسمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: " اذهب، فاكتب الآن "، وكانت تقول: " اذهب إلى ربيعة، فتعلًّمْ من أدبه قبل علمه ") (*) اهـ. ثم إذا نشرنا صفحة العهد العباسي، بل صفحة العهد الإسلامي لا نجد في تضاعيفها امْرَءَا دنت له قطوف العلم والحكمة، ودانت له نواصي البلاغة والفصاحة كمحمد بن إدريس الشافعي فهو الشهاب الثاقب الذي انتظم حواشي الأرض، فملأ أقطارها علما وفقهًا، ذلك أيضًا ثمرة الأم العظيمة. فقد مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها، وكانت امرأة من فضليات عقائل الأزد (٤٦٣) ، وهي التي تنقلت به من " غزة " مهبطه إلى " مكة " مستقر أخواله، فربته بينهم هنالك. (وكانت أم الشافعي رحمها الله - باتفاق النقلة- من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة (٤٦٤) ، ومن طريف ما يحكى عنها من

стр. 497

الحذق والذكاء: أنها شهدت عند قاضي مكة هي وأخرى (٤٦٥) مع رجل، فأراد أن يفرق بين المرأتين، فقالت له أم الشافعي: " ليس لك ذلك، لأن الله يقول: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (٤٦٦) ، فرجع القاضي لها في ذلك) (٤٦٧) . قال الحافظ ابن حجر: " وهذا فرع غريب، واستنباط قوي " (٤٦٨) . وعن وكيع قال: " كان الحسن بن صالح وأخوه وأمهما قد جَزَءوا الليل ثلاثة أجزاء، فكل واحد يقوم ثلثًا، فماتت أمهما، فاقتسما الليل، ثم مات علي، فقام الحسن الليل كله " (*) . وكان جعفر بن يحيى وزير الرشد أرفق الناس برياضة القول، وأعرفهم بفنون الكلام، وكان إذا عقب رسالة، أو وقَع تحت كتاب فإليه مباءة البلاغة، ونهاية الإيجاز، حتى لقد يتدافع الكُتَّابُ على بابه فيشترون من حُجابه كل توقيع بدينار. " كل ذلك ورثه جعفر عن أمه لا عن أبيه " (٤٦٩) . وعن سفيان بن عيينة قال: (قالت أم طَلْقٍ لطَلْقٍ: " ما أحسنَ صوتَك بالقرآن" فليته لا يكون عليك وَبالا يوم القيامة "، فبكى حتى غشي عليه) (٤٧٠) .

стр. 498

أم إبراهيم البصرية العابدة: حُكي أنه كان بالبصرة نساء عابدات، وكان منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثَغْر من ثغور الإسلام، فانْتُدِبَ الناسُ للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيبًا، فَحَضهم على الجهاد، وكانت أم إبراهيم هذه حاضرةً مجلسَه، وتمادي عبد الواحد على كلامه، ثم وصف الحور العين، وذَكَر ما قيل فيهن، وأنشد في وصف حَوْراء: غادة ذاتُ دَلال وَمَرَحْ ... يَجدُ النًاعِتُ فيها ما اقترحْ خُلِقَتْ مِن كل شيء حَسَن ... طيب فاللَّيْثُ فيها مُطَّرَحْ زَانَها الله بوجهٍ جُمِعَت ... فيه أوصافُ غَريباتِ المُلَح (أ) وبعين كُحلُها من غُنْجِها (ب) ... وبِخَدٍّ مِسكُهُ فيه رَشح ناعم يجري على صفحتِهِ ... نَضرةُ المُلْكِ ولألاءُ الفرح أتَرى خاطبَها يسمعُها ... إذ تُدِيرُ الكأسَ طَوْرًا والقَدَح في رياض مونق نَرْجَسُها ... كلما هبَّتْ له الريحُ نَفَح وهي تدعوه بِوُد صادق ... مُلئ القلبُ به حتى طَفَح يا حبيبًا لستُ أهوى غيرَه ... بالخواتيمِ يتِم المُفْتَتَح لا تكونن كمن جَدَّ إلي ... مُنْتَهى حاجَتِهِ ثم جَمَح لا، فما يَخْطُبُ مثلي مَنْ سَها ... إنما يخطب مِثلي مَنْ ألح قال: فماج الناسُ بعضُهم في بعض، واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس، وقالت لعبد الواحد: " يا أبا عبيد، ألستَ تعرف ولدي إبراهيم، ورؤساءُ أهل البصرة يخطبونه على بناتهم، وأنا أضربه عليهم، فمَد والله أعجبتني هذه الجاريةُ، وأنا أرضاها عروساً لولدي، فَكَررْ ما

стр. 499

ذكرتَ من حُسْنِها وجمالها، فأخذ عبد الواحد في وصف حوراء، ثم أنشد: تَوَلًدَ نورُ النورِ مِن نورِ وجهِها ... فمازج طيبَ الطيبِ من خالص العِطْرِ فلو وَطئَتْ بالنعِل منها على الحصى ... لأعْشَبَتِ الأقطارُ من غير ما قَطْر ولو شِئتَ عَقدَ الخَصْرُ منها عُقْدَتَه ... كغصن من الريحان ذي ورق خُضْرِ ولو تَفَلَتْ في البحر شَهْدَ رُضابها (ج) ... لطابَ لأهل البَر شرب مِنَ البحر يكادُ اختلاسُ اللحظِ يجرح خَدَّها ... بجارحِ وَهْمِ القلبِ من خارجِ السترِ فاضطرب الناسُ أكثر، فوثبت أم إبراهيم، وقالت لعبد الواحد: " يا أبا عبيد، قد والله أعجبتْني هذه الجاريةُ، وأنا أرضاها عروسا لولدي، فهل لك أن تزوِّجَهُ منها هذه الساعة، وتأخذَ مني مهرها عشرة آلاف دينار، ويخرج معك في هذه الغزوة، فلعل الله يرزقه الشهادة، فيكون شفيعا لي ولأبيه في القيامة؟ "، فقال لها عبد الواحد: " لئن فعلتِ لتفوزَن أنتِ وولدك وأبو ولدِكِ فوزا عظيمًا "، ثم نادت ولدها: " يا إبراهيم "، فوثب من وسط الناس، وقال لها: " لبيك يا أماه "، قالت: " أي بُنَي، أرَضِيت بهذه الجارية زوجةً ببذل مهجتك في سبيله، وتركِ العَوْدِ فِي الذنوب؟ "، فقال الفتى: " إي والله يا أماه، رَضِيتُ أي رضًا "، فقالت: " اللهم إني أشهِدك أني زَوَّجت ولدي هذا من هذه الجارية، ببذل مهجته في سبيلك، وترك العود في الذنوب، فتقبلْه مني يا أرحم الراحمين"، قال: ثم انصرَفَتْ، فجاءت بعشرة آلاف دينار، وقالت: " يا أبا عبيد، هذا مهر الجارية تَجَهَزْ به، وجَهِّز الغزاةَ في سبيل الله تعالى "، وانصرفت، فابتاعت لولدها فرسا جيدًا، واستجادت له سلاحا، فلما خرج عبد الواحد خرج إبراهيمُ يعدو، والقراءُ حولَه يقرءون: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، قال: فلما أرادت فِراق ولدها، دفعت إليه

стр. 500

كفنًا وحَنُوطًا، وقالت له: " يا بُنَيَّ، إذا أردتَ لقاء العدو فتكفنْ بهذا الكفن، وتحنط بهذا الحَنُوطِ، وإياك أن يراك الله مُقَصرا في سبيله "، ثم ضَمَّتهُ إلى صدرِها، وَقَبلَتْهُ بين عينيه، وقالت له: " يا بني لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عَرَصات القيامة ". قال عبد الواحد: فلما بَلَغْنَا بلادَ العدو، ونُودِي في النفير، وبرز الناس للقتال، برز إبراهيمُ في المقدمة، فقتل من العدو خَلْقًا كثيرَا، ثم اجتمعوا عليه فقُتِل. قال عبد الواحد: فلما أردنا الرجوعَ إلى البصرة قلت لأصحابي: " لا تُخبروا أمَّ إبراهيم بخبر ولدها، حتى ألقاها بحسن العزاء، لئلا تجزعَ فيذهبَ أجرُها "، قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناسُ يَتَلَقوْنَنَا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج، قال عبد الواحد: فلما نَظَرَتْ إليَّ قالت: " يا أبا عبيد، هل قُبِلتْ منى هَدِيتي فَأهنأ، أم رُدتْ عَلى فَأعزى؟ "، فقلت لها: (قد قُبِلَتْ هديتُكِ، إن إبراهيمَ حَي مع الأحياء يرزَق " (د) ، قال: فخرت ساجدةَ لله شكَرا، وقالت: " الحمد لله الذي لم يخيب ظني، وتقبل نسكي مني "، وانصرفت، فلما كان من الغد أتت إلى مسجد عبد الواحد، فنادت: (السلام عليك يا أبا عبيدٍ بُشْراك "، فقال: " لا زلتِ مُبَشرةً بالخير "، فقالت له: (رأيت البارحةَ ولدي إبراهيم، في روضة حسناء، وعليه قبة خضراء، وهو على سرير من اللؤلؤ، وعلى رأسه تاجٌ وإكليل، وهو يقول: (يا أماه أبشري، فقد قُبِلَ المهرُ، وزُفت العروس ") (هـ) .

стр. 501

كذلك كانت النساء في ذلك العهد الكريم مبعث كل شيء في نفوس أبنائهن، والأمر في ذلك ما قال رافع بن هُريم: فلو كنتم لِمُكْيِسَة لكاست ... وكَيس الأم يُعْرَفُ في البنينا أما بعد: فأولئك هن الأمهات اللواتي انبلج عنهن فجر الإسلام، وسمت بهن عظمته، وصدعت بقوتهن قوته، وعنهن ذاعت مكارمه، ورسخت قوائمه، وهكذا كانت الأم في عصور الإسلام الزاهية، وأيامه الخالية: مهبط الشرف الحر، والعز المؤثل، والمجد المكين، وصدق الشاعر: الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراقِ الأم روض إن تعهده الحيا ... بالري أورق أيما إيراقِ الأم أستاذ الأساتذة الألى ... شَغلَتْ مآثرهم مدى الآفاق

стр. 502

[الفصل الثالث] المرأة بنتًا إن الإسلام لم يفرق في المعاملة الرحيمة والعطف الأبوي بين رجل وامرأة، وذكر وأنثى، وإنما دعا إلى المساواة والعدل الشامل بينهما في هذا الباب، قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية (النحل: ٩٠) ، وقال من قائل: (اعدوا هو أقرب التقوى) (المائدة: ٨) وعن النعمان بن بشير ﵄ قال رسول الله ﷺ : " اعدِلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائًكم" (٤٧١) ، وقد قال ﷺ فيمن أراد أن يفضل بعضَ ولده على بعض في الهبة: " أعْطَيتَ سائرَ ولدِك مثل هذا؟ " قال: " لا "، قال: " فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم " (٤٧٢) ، وفي رواية أخرى أنه لما جاء يشهده ﷺ قال له: " فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور "، وعن ابن عباس ﵄ مرفوعا: " سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضَّلتُ النساء " (٤٧٣) . قال الألوسي ﵀: " المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب النساء لضعفهن، ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئًا لولده أن يبدأ

стр. 503

بأنثاهم " (٤٧٤) اهـ. وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) الآية الأنعام (١٣٩) . (واسْتُدِلَّ بالآية على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث، وأن ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف، لأن ذلك من فعل الجاهلية، واستدل بذلك بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة، وأخرج البخاري في " التاريخ " عن عائشة ﵂ قالت: " يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده؟! إن هذا إلا كما قال الله تعالى: (خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) (٤٧٥) ") اهـ. حرم الإسلام الوأد، وشنع على فاعليه بالخسران والسفه، قال تعالى: (قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم) الآية الأنعام (١٤٠) ، وقال : (وإذا المَوءُودَة سُئِلَت بأي ذنب قُتلَت) التكوير (٩، ٨) . وقال ﷺ : " إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات، ووأد البنات " (٤٧٦) . وَبَيَّنَ الإسلام أن كراهية البنات، والتشاؤم بهن، والحزن لولادتهن جاهلية بغيضة إلى الله تعالى، قال سبحانه ناعيا على أهلها: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مُسْوَدًّا وهو كظيم (٤٧٧) ، يتوارى من القوم من

стр. 504

سوء ما بشر به (٢٧٨) أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون) (٤٧٩) (النحل: ٥٨ - ٥٩) بل إن هذا من ضعف الإيمان وزعزعة اليقين لكونهم لم يرضوا بما قسم الله لهم من إناث فهذا أمره الغالب ومشيئته المطلقة وإرادته النافذة لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه قال : (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير) (الشورى: ٤٩ - ٥٠) [وما سماه الله تعالى (هبة) فهو بالشكر أولى وبحسن التقبل أحرى] . قال واثلة بن الأسقع: [إن من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر وذلك أن الله تعالى قال (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور) فبدأ

стр. 505

بالإناث] (٤٨٠) . قال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ﵀: (فقسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدَّره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تَعرُّضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه. وبدأ سبحانه بذكر الإناث، فقيل: جبرَا لهنَّ لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل - وهو أحسن -: إنما قدَّمهن لأن سياق الكلام أنه فاعلَ ما يشاء، لا ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يُريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر النصف الذي يشاء، ولا يريده الأبوان. وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدَّم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدونهن، أي: هذا النوع المؤخر عندكم مقدُّم عندي على الذكَر، وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث، وعَرف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف) (٤٨١) اهـ. وقال ابن القيم ﵀: (وقد قال الله تعالى في حق النساء: (فإن

стр. 506

كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرا) (النساء: ١٩) ، وهكذا البنات أيضًا قد يكون للعبد فيهن خير في الدنيا والآخرة، ويكفي في قبح كراهتهن أن يكره ما رضيه الله، وأعطاه عبده (٤٨٢) . وقال صالح بن أحمد: كان أبي إذا وُلد له ابنة يقول: " الأنبياء كانوا آباء بنات "، ويقول: (قد جاء في البنات ما قد علمت "، وقال يعقوب ابن بختان: وُلِد لي سبع بنات، فكنت كلما وُلِد لي ابنة دخلت على أحمد ابن حنبل، فيقول لي: " يا أبا يوسف! الأنبياء آباء بنات "، فكان يُذْهِبُ قولُه هَمِّي) (٤٨٣) اهـ. وقد اقتلع رسول الله ﷺ من بعض النفوس الضعيفة جذور الجاهلية فخص البنات بالذكر، أمر الآباء المربين يحسن صحبتهن، والعناية بهن، والقيام على أمورهن، وحض على رحمتهن، والشفقة عليهن. عن أبي هريرة ﵁ قال: (قبَّل رسول الله ﷺ الحسنَ

стр. 507

ابنَ علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: " إن لي عَشرةَ من الولد ما قبَّلْتُ منهم أحدًا "، فنظر إليه رسول الله ﷺ فقال: " من لَا يَرحَم لا يرحَم " (٤٨٤) . وعن عائشة ﵂ قالت: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " أتقَبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم "، فقال النبي ﷺ : " أوَ أمْلِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرحمة (٤٨٥) ؟ ") . ويروَى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من كان له أنثى فلم يئدْها، ولم يُهِنْهَا، ولم يؤثر وَلَده - يعني الذكور - عليها، أدخله الله تعالى الجنة " (٤٨٦) أي: مع السابقين. وعن ابن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله: " أي الذنب عند الله أعظم؟ "، قال: " أن تجعلَ لله ندا وهو خَلَقَكَ "، قال: قلت: " إن ذلك لعظيم؛ ثم أي؟ " قال: " أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ") (٤٨٧) الحديث.

стр. 508

وعن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من عال جاريتين حتى تبلغا (٤٨٨) جاء يوم القيامة أنا وهو - وضم أصابعه - " (٤٨٩) ، أى: معا. وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جِدَته - يعني ماله -، كنَّ له حجابا من النار " (٤٩٠) . ويروَى عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن، فله الجنة ط (٤٩١) وفي رواية أبي داود: (من

стр. 509

عال ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو أختين، أو ابنتين، فَأدبَهُنَ، وأحسن إليهن، وزوَجهن، فله الجنة) . ويروَى عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلم تدرك له ابنتان، فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما، إلا أدخلتاه الجنة " (٤٩٢) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : (من كان له ثلاثُ بنات يُؤويهُن، ويرحمهُنَّ، ويكفلُهُنَّ وجبت له الجنة البتة) ، قيل: يا رسول الله! فإن كانتا اثنتين؟ قال: (وإن كانتا اثنتين) ، قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا له: واحدة؟ ، لقال: (واحدةً) (٤٩٣) . وعن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان تسأل، فلم تجد عندي شيئا، غير تمرة واحدة، فأعطيتُها إياها، فَقَسَمَتْها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فَخَرَجَت، فدخل النبي ﷺ علينا، فأخبرتُه، فقال: " من ابتلي (٤٩٤) من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن،

стр. 510

كن له سترًا من النار " (٤٩٥) ، وقوله ﷺ : " بشيء" يصدق على البنت الواحدة. قال محمد بن سليمان: (البنون نِعَم، والبناتُ حسنات، والله يحاسب على النِّعم، ويجازي على الحسنات" (٤٩٦) . وعنها أيضا ﵂ قالت: (جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطَت كُل واحدة تمرة، وَرَفَعَت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: (إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار " (٤٩٧)) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء " (٤٩٨) الحديث. لقد كان العرب في الجاهلية يأنفون أن يداعب الرجل وليدته، أو يسمح لها أن تمرح بين يديه، فأما رسول الله ﷺ فقد نقض تلك السنة

стр. 511

السيئة، ولم يكن يضن بوقته الأعز أن يداعب فيه الولائد من بناته أو بنات صحابته: عن أبي قتادة ﵁ قال: (خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص (٤٩٩) على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها " (٥٠٠) . وحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: (أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعَلي قميص أصفر، قال رسول الله: " سَنَهْ سَنَهْ - وهي بالحبشية حسنة -، قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فانتهرني أبي، قال رسول الله ﷺ : " دعها" ثم قال رسول الله ﷺ : " أبلي وأخلِقي، ثم أبلي وَأخْلِقي " فعُمّرَتْ بعد ذلك ما شاء الله أن تُعَمَّرَ) (٥٠١) . أما حبه ﷺ لابنته فاطمة، وشغفه بها، وحنانه عليها، وإكرامه إياها، فمما لا يحيط به وصف، ولا يناله بيان، وهي التي يقول فيها: " فاطمة بَضعة مني، يريبني ما رَابها، ويؤذيني ما آذاها " (٥٠٢) ، وقالت

стр. 512

أم المؤمنين عائشة ﵂: (جاءت فاطمة تمشي، ما تُخطِئ مِشيَتُها. مِشيئةَ رسول الله ﷺ ، فقام إليها، وقال: " مرحبًا بابنتي " (٥٠٣) . أبصر المسلمون كل ذلك، ورأوا أن الله تعالى لم يختص فاطمة ﵂ بذريته ﷺ ليُشيد بالمرأة، وينهض بأمرها، ويرفع من شأنها، ويأخذ العرب بحبها، والابتهاج بها، فغدا مَنْ بعده يحبون بناتهم، ويكرمونهن، ويرون الخير كله معقودا بنواصيهن. وعن البراء قال: (أتى أبو بكر ﵁ ابنته عائشة ﵂ وقد أصابتها الحمى، فقال: " كيف أنتِ يابنية؟ "، وقبل خدَّها) (٥٠٤) . لقد كان رسول الله ﷺ أرحم بالبنت من أبيها، وَإن فيما روى البخاري عن سعد بن أبي وقاص لبلاغًا لقوم يعقلون: قال سعد ﵁: (مرضت بمكة مرضا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ يعودني، فقلت: " يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ " قال: " لا"، قلت: " فالشطر؟ " قال: " لا"،

стр. 513

قلت: " الثلث؟ " قال: " الثلث كبير، إنك إن تركت ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقهّ إلا أجرْتَ عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ") (٥٠٥) الحديث. وقد تأثر المسلمون بهذا التكريم والتشريف للمرأة، فصار أدباء الصدر الأول يصوغون في مدحهن ما هو أبهى من عقود الجمان: فمن ذلك ما قاله منصور الفقيه: أحِبُّ البناتِ فَحُبُّ البنا ... تِ فرضٌ على كُل نفس كرِيمَهْ لأن شعيبًا لأجل البنا ... تِ أخدمه الله موسى كليمَه (٥٠٥) وقال حِطان بن المعلي: لولا بُنَيات كزُغُبِ القَطا (٥٠٧) ... رُدِدن من بعض إلى بعض إن هَبت الريحُ على بعضهم ... لم تطعَمِ العينُ من الغَمْض لكان لي مضطَرَبٌ واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض

стр. 514

وإنما أولادُنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض (٥٠٨) وكان لمعن بن أوس ثمان بنات، وكان يقول: (ما أحب أن يكون لي بهن رجال "، وفيهن قال: رأيتُ رجالَا يكرهون بناتهم ... وفيهن - لا نُكْذَبُ - نساء صوالحُ وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائحُ (٥٠٩) وقال العلوي الجمانيُّ في صديق له وُلِدَتْ له بنت فسخطها: قالوا له: ماذا رُزِقتا ... فأصاخ ثُمَّتَ قال: بنتا وأجل من ولد النساء ... أبو البناتِ، فَلِم جزعتا إن الذين تَوَدُّ مِنْ ... بين الخلائق ما استطعتا نالوا بفضل البنت ما ... كَبَتُوا به الأعداءَ كبتا (٥١٠) وقال أبو محمد الحسن بن عبيدة الريحاني: حبذا من نعمة الله ... البناتُ الصالحات هن للنسل وللأنس ... وهن الشجرات وبإحسانٍ إليهن ... تكونُ البركات إنما الأهلون أرضو ... ن لنا محترثات فعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات (٥١١) ومما يُحكى عن معاوية ﵁ قوله في شأن البنت: " والله

стр. 515

ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الزمان، ولا أذهب جيشَ الأحزان مِثْلُهُنَّ، وإنك لواجِدٌ خالًا قد نفعه بنو أخته، وأبا قد رفعه نسلُ بنته) (٥١٢) . وفي رواية عنه: (والله ما مَرَّضَ المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مِثْلُهن، وَرُب ابن أخت قد نفع خاله) (٥١٣) . وفي رقعة للصاحب بالتهنئة بالبنت: (أهلًا وسهلا بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون: فلو كان النساء كمن ذكرنا ... لفُضِّلت النساءُ على الرجالِ وما التأنيثُ لاسم الشمس عَيْب ... وما التذكيرُ فَخْر للهلال والله تعالى يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة بموقعها، فادَّرع اغتباطَا، واستأنف نشاطَا، فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها (*) والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة، وقد زينت بالكواكب، وَحُليَتْ بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة، ولولاها لم تتصرف الأجسام، ولا عرف الأنام، والجنة مؤنثة، وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون، فهنيئًا لك هنيئاً بما أوتيت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت) (٥١٤) . والأخبار والنوادر في هذا لا تُحصى، وكلها من بركة الإسلام وفضله.

стр. 516

[الفصل الرابع] المرأة زوجة من فضل الله تعالى وتكريمه لبني آدم أن شرع لهم الزواج، وجعل طريقة تناسلهم بهذه الطريقة الشريفة المنظمة المحفوظة المصونة لئلا تختلط المياه، وتشتبه الأنساب بخلاف ما عليه طريقة تناسل الحيوانات والبهائم. ولم تعد المرأة في ظل الإسلام كما كانت عند الآخرين دنسًا يجب التنَزه عنه، ولكن تسامى الإسلام بالمرأة إلى علياء السمو، وجعل الزواج من نعمه سبحانه على عباده. قال سبحانه في وصف الرسل ومدحهم: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا وجعلنا لهم أزواجًا وذرية) الرعد (٣٨) ، فذكر ذلك في معرض الامتنان، وإظهار فضله سبحانه عليهم، والمعنى: وجعلناهم بشرا يقضون ما أحل الله من شهوات الدنيا، وإنما التخصيص في الوحي، فهذه سنة المرسلين كما نصت عليه هذه الآية، والسنة واردة بمعناها. ومدح أولياءه بأنهم يسألونه ذلك في دعائهم، فقال عز من قائل: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتِنا قرة أعين) الفرقان (٧٤) ، وقال : (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) الروم (٢١) . ولا تستعمل لفظة "آية" في القرآن المجيد إلا في الأمور الجليلة العظيمة، ليدل على قوة وقدرة الخالق ﵎، وقد قرن الله تبارك

стр. 517

وتعالى آية تكوين الأسرة، بآية تكوين العالم أجمع، فعقب هذه الآية بقوله جل وعلا: (ومن آياته خلْقُ السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين) (الروم: ٢٢) بل إن الزوجة نعمة من نعم الله على عبده حقيق به أن يشكرها ولا يكفرها، وهو مسئول عن هذه النعمة بين يدي ربه يوم الحساب، كما يسْأل عن سائر النعم: ففي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (.. فيلقى العبدُ رَبه، فيقول الله: " ألم أكْرِمْكَ، وأُسَوِّدْكَ، وَأزَوِّجْكَ، وَأُسَخرْ لك الخيلَ والإبلَ، وَأذَرْكَ ترْأسُ وَترْبَعْ؟ "، فيقول: " بلى أي رَبِّ "، فيقول: " أفظننتَ أنك مُلاقِيَّ؟ "، فيقول: " لا "، فيقال: " إني أنساك كما نسيتني ") (٥١٥) الحديث. وعلم بالضرورة من دين الإسلام الترغيب في الزواج والحث عليه (٥١٦) . عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا تزوج العبدُ، فقد استكمل نِصْفَ الدين، فليتق الله فيما بَقِي " (٥١٧) . قال القرطبي: (ومعنى ذلك أن النكاح يعف عن الزنى، والعفاف أحد الخصلتين اللتين ضَمِن رسول الله ﷺ عليهما الجنة، فقال: " من وقاه الله شر اثنتين وَلَجَ الجنة: ما بين لَحْيَيهِ، وما بين رجليه " (٥١٨) خرجه

стр. 518

الموطأ وغيره) (٥١٩) اهـ وكان رسول الله ﷺ يحض أصحابه على الزواج، وكان يقرأ لمن يطلب إباحة التبتل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (٥٢٠) المائدة (٨٧) . وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعًا: " تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى" (٥٢١) . وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لعثمان بن مظعون ﵁ لما أراد أن يتبتل: (يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا،

стр. 519

أفما لك فِي أسوة؟ فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده " (٥٢٢) . هكذا أبطل ﷺ تنطع المتنطعين المعاندين لسنة الله في التعبد بترك النكاح، ولم تعد الرابطة الزوجية دناءة بهيمية، فإن إشعاع الإسلام بَددَ تلك الظلماتِ في العالمين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تسامى الإسلام بتلك الرابطة حتى جعل منها ذريعة لواجبات كثيرة رفع الإسلام قدرها: وتأمل هذه العبارة الجامعة للفقيه الحنفي كمال الدين بن الهمام ﵀ حيث يقول: (ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب للأخلاق، وتوسعة للباطن بالتحمل في معاشرة أبناء النوع، وتربية الولد (٥٢٣) ، والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها، والنفقة على

стр. 520

الأقارب، والمستضعفين، وإعفاف الحرم (٥٢٤) ، ونفسه، ودفع الفتن عنه وعنهن، ودفع التقتير عنهن بحبسهن، لكفايتهن مؤنة سبب الخروج - يعني الخروج لطلب الرزق - ثم الاشتغال بتأديب نفسه، وتأهله للعبودية، ولتكون أيضًا سببا لتأهيل غيره، وأمرها بالصلاة، فإن هذه الفرائض كثيرة، لم يكد يقف عن الجزم بأنه - أي الزواج - أفضل من التخلي) (٥٢٥) أي للعبادات النافلة، وعن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " مِنْ أماثِلِ أعمالِكم إتيانُ الحلال " يعني النساء (٥٢٦) .

стр. 521

وقد يتعجب القارئ كما تعجب الصحابة ﵃ من قبل عندما قال ناس منهم للنبي ﷺ : (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: " أو ليس قد جعل الله لكم ما تَصَدقُون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرةٍ صدقةً، وبكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْع أحدكم صدقة! قالوا: " يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوتَه، ويكونُ له فيها أجر؟ ! "، قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان فيها ورز؟ "، قالوا: " بلى "، قال: " فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له فيها أجر " (٥٢٧) الحديث. وقال ﷺ لأبي ذر ﵁ ضمن وصية جامعة له: (.. " ولك في جِماعِكَ زوجتَك أجر "، قال أبو ذر: " كيف يكون لي أجْر في شهوتي؟ "، فقال ﷺ : " أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك، ورجوتَ خيره، فمات، أكنت تحتسبه؟ "، قلت: " نعم"، قال: " فأنت خلقتَه؟ "، قال: " بل الله خلقه "، قال: " فأنت هديتَه؟ "، قال: " بل الله هداه، قال: " فأنت ترزقه؟ "، قال: " بل الله كان يرزقه "، قال: " كذلك فَضَعهُ في حلاله، وجَنبهُ حرامَهُ،

стр. 522

فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر" (٥٢٨)) . ولتحقيق التسامي بتلك الرابطة فوق طابع الشهوة إلى ممارسة سامية عالية أرشد النبي ﷺ الزوج إلى استصحاب نية طلب الأولاد (٥٢٩) ، والتسمية،

стр. 523

وحَضَّ على ذلك لما فيها من الخير الكثير. فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: "بسم الله، اللهم جَنبّنا الشيطان، وَجَنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك اليوم لم يَضُرَّه الشيطان أبدَا) (٥٣٠) . وعنه ﵁ في تفسير قوله تعالى: (نساؤكم حَرْث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وَقَدِّمُوا لأنفسكم) البقرة (٢٢٣) قال: (وقدموا لأنفسكم) يقول: " بسم الله "، التسمية عند الجماع (٥٣١) . الزواج ميثاق غليظ: [الزواج أغلظ المواثيق وأكرمها على الله، لأنه عقد متعلق بذات

стр. 524

الإنسان، ونَسَبه، وشرط هذا العقد رضا المتعاقدين كسائر العقود الصحيحة، ولكنه يسمو عليها جميعًا بما أفرغه الله عليه من صبغة" الميثاق الغليظ"، ويكفي في الدلالة على ذلك التكريم أن كلمة " الميثاق، لم ترد في القرآن الكريم إلا تعبيرا عن المعاهدة بين الله وعباده، قال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به) الآية (المائدة: ٧) في موجبات التوحيد. ولم يرد وصف الميثاق، بالغليظ إلا في عقد الزواج (وأخذن منكم ميثاقا غليظًا) (النساء: ٢٩) ، وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق، قال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) ] (٥٣٢) اهـ. فضل الزوجة الصالحة بناء الأسرة هو أخطر بناء في كيان المجتمع، بل في كيان الأمة بأسرها، فإذا كان الناس يعنون عند إقامة أبنيتهم من الأحجار، باختيار الموقع المناسب، وتحري الخامات الجيدة، التي تكفل سلامة البناء، وتضمن بقاءه إلى حين، إذا كان هذا هو شأن الناس في إقامة الأبنية المكونة من الأحجار والطين، فإن بناء الأسر المكونة من الرجال والنساء والبنين أولى بالدقة عند الاختيار، وأجدر بالتقصي والاستفسار، لأن بناء الأحجار يتعلق بشئون الدنيا وهي فانية، وبناء الأسرة يتعلق بسعادة الدنيا، ويمتد أثره إلى الآخرة، وهي دار القرار. (إن البيت قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولابد أن تكون القلعة

стр. 525

متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، وكل فرد من أفراده يقف على ثغرة كيلا ينفذ منها العدو، أو يقتحمها العسكر، وواجب المسلم أن يؤمن هذه القلعة من داخلها، واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيدا. والأب المسلم لا يكفي وحده لتأمين القلعة، فلابد أيضًا من الأم المسلمة، ليقوما معًا على تربية الأبناء والبنات) اهـ (٥٣٣) . (هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام، وأن يعوه جيدًا: إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت، إلى الزوجة، إلى الأم، ثم إلى الأولاد، وإلى الأهل بعامة؛ يجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولا عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر بناء الجماعة الإسلامية، وسيظل البنيان متخاذلا كثير الثغرات) (٥٣٤) اهـ. والإسلام في هذه الناحية - شأنه في كل شيء - لا يقيم وزنًا للمظاهر، وإنما يعني دائما بالجوهر الأصيل، لأن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأموال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، فالعبرة في الخصال لا الأشكال، وفي الخلال لا الأموال: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرَينِ، تنبو عنه أعينُ الناس، لو أقسم على الله لأبرهُ " (٥٣٥) .

стр. 526

من أجل ذلك رغب الإسلام الرجل في تحري أن تكون زوجته صالحة ذات دين، وجعل ذلك هو الأصل الذي ينبغي الاعتناء به ضمن الخصال المرغوبة فيها، فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها، أزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه، وشوهت بالغيرة قلبه، وتنغص بذلك عيشه. لقد بالغ الرسول ﷺ في الحث على ذات الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عونًا على أعظم أمر يهم المسلم، ألا وهو الدين. قال رسول الله ﷺ : " من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شَطْر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني " (٥٣٦) . وعن ثوبان ﵁ قال: " لما نزلت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة (٣٤) ، كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: " أنزِلَت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ "، فقال رسول الله ﷺ : " أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تُعِينُهُ على إيمانه " (٥٣٧)) . وقال بعضهم في نظم هذا المعنى:

стр. 527

من خير ما يتخذ الإنسان في ... دنياه كيما يستقيمَ دينُهْ قلب شكور ولسان ذاكر ... وزوجة صالحة تُعِينُه وعن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة من السعادة، وثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة؛ تراها فَتُعجِبُكَ، وتغيب عنها فتأمنُها على نفسِها ومالك) (٥٣٨) الحديث. وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق" (٥٣٩) . وعن محمد بن واسع قال مسلم بن يسار: (ما غبطت رجلًا بشيء ما غبطته بثلاث: زوجة صالحة، وبجار صالح، وبمسكن واسع " (٥٤٠) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ : " أي النساء خير؟ "، قال: " التي تسُره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في

стр. 528

نفسِها ولا مالِها بما يكره " (٥٤١) . وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك " (٥٤٢) . قال في " عون المعبود": (يؤخذ من الأحاديث استحبابُ تزوج الجميلة، إلا إذا كانت الجميلة غيرَ دَيّنة، والتي أدنى منها جمالًا متدَينة، فتُقدم ذاتُ الدين، أمَّا إذا تساوتا في الدين، فالجميلة أولى) (٥٤٣) اهـ.

стр. 529

وعلق القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى على قوله ﷺ : " فاظفر بذات الدين" قائلًا: " إن اللائق بذوي المروءات، وأرباب الديانات، أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذا اختاره النبي ﷺ ، وأبلغه، فأمر بالظفر به، الذي هو في غاية البغية، ومنتهى الاختيار والطلب، الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة، وفائدة جليلة " (٥٤٤) اهـ. ويؤكد ﷺ هذا المعنى بقوله فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو ﵄: " الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" (٥٤٥) ، أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما فيها من هذا المتاع: المرأة الصالحة، لأنها تُسْعِد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة، وهي خير وأبقى. وقد روي أن أبا الأسود الدؤلي قال لبنيه: " يا بنيَّ: قد أحسنت إليكم صغارًا، وكبارًا، وقبل أن تُولدوا! "، قالوا: " كيف أحسنتَ إلينا قبل أن نولد؟ "، قال: (اخترت لكم من الأمهاتِ من لا تُسَبُّونَ بها " (٥٤٦)) . وشكا رجل لصديقه عقوق ولده له، وسوء معاملته، ودناءة طبعه، فقال: " لا تَلم أحدًا، ولكن توجه باللوم إلى نفسك، لأنك لم تتخير أمه "، وقديمًا قال الناس: " كادت المرأة أن تلد أخاها " (*) .

стр. 530

(وقال الأصمعي: " ما رفع أحد نفسه - بعد الإيمان بالله تعالى - بمثل مَنكح صِدْقٍ، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله تعالى - بمثل منكح سوء ") (٥٤٧) . وقال الشاعر: وليس النبتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ ... كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجَى لأطفالٍ كمال ... إذا ارتضعوا ثُدِي الناقصات (٥٤٨) وقال الإمام ابن عبد القوى في " منظومة الآداب": وخير النسا من سَرَّتِ الزوجَ منظرا ... ومن حفِظته في مغيب وَمشهَدِ قصيرةُ ألفاظ قصيرةُ بيتها ... قصيرةُ طرفِ العين عن كُلِّ أبعَدِ عليك بذاتِ الدين تظفر بالمنى الـ ... وَدُودِ الوَلودِ الأصلِ ذاتِ التعبد (٥٤٩) ولله دَر من قال: سعادةُ المرءِ في خمس إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده وزوجة حسنت أخلاقها، وكذا ... خل وفي، ورزق المرء في بلده (٥٥٠)
следующие страницы →