← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من أجل ذلك رغب الإسلام الرجل في تحري أن تكون زوجته صالحة ذات دين، وجعل ذلك هو الأصل الذي ينبغي الاعتناء به ضمن الخصال المرغوبة فيها، فإنها إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها، أزرت بزوجها، وسودت بين الناس وجهه، وشوهت بالغيرة قلبه، وتنغص بذلك عيشه. لقد بالغ الرسول ﷺ في الحث على ذات الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عونًا على أعظم أمر يهم المسلم، ألا وهو الدين. قال رسول الله ﷺ : " من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شَطْر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني " (٥٣٦) . وعن ثوبان ﵁ قال: " لما نزلت (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة (٣٤) ، كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: " أنزِلَت في الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ "، فقال رسول الله ﷺ : " أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تُعِينُهُ على إيمانه " (٥٣٧)) . وقال بعضهم في نظم هذا المعنى:

стр. 527

من خير ما يتخذ الإنسان في ... دنياه كيما يستقيمَ دينُهْ قلب شكور ولسان ذاكر ... وزوجة صالحة تُعِينُه وعن سعد ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة من السعادة، وثلاثة من الشقاء، فمن السعادة: المرأة الصالحة؛ تراها فَتُعجِبُكَ، وتغيب عنها فتأمنُها على نفسِها ومالك) (٥٣٨) الحديث. وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق" (٥٣٩) . وعن محمد بن واسع قال مسلم بن يسار: (ما غبطت رجلًا بشيء ما غبطته بثلاث: زوجة صالحة، وبجار صالح، وبمسكن واسع " (٥٤٠) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ : " أي النساء خير؟ "، قال: " التي تسُره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في

стр. 528

نفسِها ولا مالِها بما يكره " (٥٤١) . وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك " (٥٤٢) . قال في " عون المعبود": (يؤخذ من الأحاديث استحبابُ تزوج الجميلة، إلا إذا كانت الجميلة غيرَ دَيّنة، والتي أدنى منها جمالًا متدَينة، فتُقدم ذاتُ الدين، أمَّا إذا تساوتا في الدين، فالجميلة أولى) (٥٤٣) اهـ.

стр. 529

وعلق القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى على قوله ﷺ : " فاظفر بذات الدين" قائلًا: " إن اللائق بذوي المروءات، وأرباب الديانات، أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، لا سيما فيما يدوم أمره، ويعظم خطره، فلذا اختاره النبي ﷺ ، وأبلغه، فأمر بالظفر به، الذي هو في غاية البغية، ومنتهى الاختيار والطلب، الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة، وفائدة جليلة " (٥٤٤) اهـ. ويؤكد ﷺ هذا المعنى بقوله فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو ﵄: " الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" (٥٤٥) ، أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما فيها من هذا المتاع: المرأة الصالحة، لأنها تُسْعِد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة، وهي خير وأبقى. وقد روي أن أبا الأسود الدؤلي قال لبنيه: " يا بنيَّ: قد أحسنت إليكم صغارًا، وكبارًا، وقبل أن تُولدوا! "، قالوا: " كيف أحسنتَ إلينا قبل أن نولد؟ "، قال: (اخترت لكم من الأمهاتِ من لا تُسَبُّونَ بها " (٥٤٦)) . وشكا رجل لصديقه عقوق ولده له، وسوء معاملته، ودناءة طبعه، فقال: " لا تَلم أحدًا، ولكن توجه باللوم إلى نفسك، لأنك لم تتخير أمه "، وقديمًا قال الناس: " كادت المرأة أن تلد أخاها " (*) .

стр. 530

(وقال الأصمعي: " ما رفع أحد نفسه - بعد الإيمان بالله تعالى - بمثل مَنكح صِدْقٍ، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله تعالى - بمثل منكح سوء ") (٥٤٧) . وقال الشاعر: وليس النبتُ يَنْبُتُ في جِنانٍ ... كمثل النبت ينبت في الفلاة وهل يرجَى لأطفالٍ كمال ... إذا ارتضعوا ثُدِي الناقصات (٥٤٨) وقال الإمام ابن عبد القوى في " منظومة الآداب": وخير النسا من سَرَّتِ الزوجَ منظرا ... ومن حفِظته في مغيب وَمشهَدِ قصيرةُ ألفاظ قصيرةُ بيتها ... قصيرةُ طرفِ العين عن كُلِّ أبعَدِ عليك بذاتِ الدين تظفر بالمنى الـ ... وَدُودِ الوَلودِ الأصلِ ذاتِ التعبد (٥٤٩) ولله دَر من قال: سعادةُ المرءِ في خمس إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده وزوجة حسنت أخلاقها، وكذا ... خل وفي، ورزق المرء في بلده (٥٥٠)

стр. 531

[فصل] الكفاءة في الزواج الكفاءة: هي المساواة، والمماثلة، والكفء والكفاء: المثيل والنظير، ومنه قوله ﷺ : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " (٥٥١) ، أي تتساوى، فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع. والمقصود بالكفاءة في الزواج: " المماثلة بين الزوجين، دفعا للعار في أمور مخصوصة، هي عند المالكية: الدين، والحال (٥٥٢) ، وعند الجمهور: " الدين، والنسب، والحرية، والحرفة (أو الصناعة) ، وزاد الحنفية والحنابلة: اليسار (أو المال) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: (واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه، فلا تحل المسلمة لكافر أصلًا) (٥٥٣) اهـ. وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض، لأن اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة، ولا نقيصة أعظم من الكفر. وقد اختلف العلماء فيما تعتبر الكفاءة فيه: فقد ذهب الجمهور إلى أن الكفاءة معتبرة في الاستقامة والصلاح (٥٥٤) ،

стр. 532

والنسب، والحرية، والحرفة، والمال، وإنما كان مقصودهم بهذا توفير دواعي الاستقرار والانسجام في الأسرة، وتجنب دواعي الشقاق والضرر والتنغيص، (ولأن النكاح يعقد للعمر، ويشتمل على أغراض ومقاصد: كالازدواج، والصحبة، والألفة، وتأسيس القرابات، ولا ينتظم ذلك عادة إلا بين الأكفاء) (٥٥٥) . وقد جزم بأن اعتبار الكفاءة مختص بالدين مالك، ونقل عن ابن عمر وابن مسعود، ومن التابعين عن محمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز. فقد ذهب هؤلاء العلماء، ومن وافقهم إلى أن الكفاءة معتبرة بالاستقامة والخلق فقط، ولا اعتبار لنسب (٥٥٦) ، ولا لصناعة، ولا لغنى، ولا لشيء آخر ... فيجوز للرجل الصالح الذي لا نسب له، أن يتزوج المرأة النسيبة، ولصاحب الحرفة الدنيئة أن يتزوج المرأة الرفيعة القدر، ولمن لا جاه له أن يتزوج صاحبة الجاه والشهرة، وللفقير أن يتزوج المثرية الغنية- ما دام مسلمًا عفيفًا -، وأنه ليس لأحد من الأولياء الاعتراضُ، ولا طلب

стр. 533

التفريق، وإن كان غير مستوٍ في الدرجة مع الولي الذي تولى العقد، ما دام الزواج كان عن رضي منها، فإذا لم يتوفر شرط الاستقامة عند الرجل، فلا يكون كفؤا للمرأة الصالحة..، ولها الحق في طلب فسخ العقد، إذا كانت بكرا، وأجبرها أبوها على الزواج من الفاسق. قال في " بداية المجتهد ": (ولم يختلف المذهب- أي المالكي- أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر، وبالجملة من فاسق، أن لها أن تمنع نفسها من النكاح، وينظر الحاكم في ذلك، فيفرق بينهما، وكذلك إذا زوَّجها مِمَّن ماله حرام، أو ممن هو كثير الحلف بالطلاق) (٥٥٧) اهـ. واستدل أصحاب هذا المذهب بأدلة: منها: قوله : (والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) النور (٢٦) . ومنها قوله جل وعلا: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) التوبة (٧١) . ومنها: قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات: (١٣) قالوا: فالمسلمون جميعا أكفاء للمسلمات. ومنها: قول الله : (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات (١٠) ، فأهل الإسلام إخوة. ومنها: قوله سبحانه بعد ما ذكر ما حرم علينا من النساء: (وأحل لكم ما وراء ذلك) النساء (٢٤١) . وقوله تعالى: مخاطباً جميع المسلمين: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) النساء (٣) .

стр. 534

ومنها: قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرةُ من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينًا) الأحزاب (٣٦) . قال القرطبي ﵀: (في هذه الآية دليل بل نص في أن الكفاءة لا تعتبر في الأحساب، وإنما تعتبر في الأديان، خلافًا لمالك والشافعي والمغيرة وسحْنون، وذلك أن الموالي تزوجت في قريش، تزوج زيد زينب بنت جحش، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوج أبو حذيفة سالمًا من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف) (٥٥٨) اهـ. فهكذا كان شأن التزوج في أصحاب رسول الله ﷺ ، لم يعرج أحد منهم على الكفاءة في النسب، بل هذا رسول الله ﷺ حينما استشارته فاطمة بنت قيس في معاوية وأبي الجهم أمرها أن تنكح أسامة (٥٥٩) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إذا خطب إليكم مَنْ ترضَوْنَ دينه وخلقه، فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (٥٦٠) . وقال القرطبي ﵀: (الكفاءة في النكاح معتبرة؟ واختلف العلماء هل في الدين والمال والحسب، أو في بعض ذلك؟ والصحيح جواز نكاح الموالي للعربيات والقرشيات؛ لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .

стр. 535

وقد جاء موسى إلى صالحِ مدين غريبًا طريدا خائفًا وحيدًا جائعًا عريانًا فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، أعرض عما سوى ذلك) (٥٦١) اهـ. قال ابن القيم ﵀: (والذي يقتضيه الحكم اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالا، فلا تزوج عفيفة لفاجر، ولم يعتد القرآن والسنة في الكفاءة أمرا وراء ذلك) (٥٦٢) اهـ. فليتق الله أناس هان عليهم دينهم، فلا يبالون بتزوج بناتهم الصالحات ممن هم عن الدين معرضون، وللصلاة مضيعون، وبالمنكر آمرون، وعن المعروف ناهون، إيثارًا لأعراض الدنيا ومتاعها الزائل، وليعلموا أنهم بين يدى ربهم موقوفون، وعن فتنتهم بناتهم مسئولون (وسيعلمُ الذين ظلموا أي منقلب يقلبون) . عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، أحفِظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسألَ الرجل عن أهل بيته " (٥٦٣) . وعن معقل بن يسار ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة " (٥٦٤) .

стр. 536

وعن الشعبي قال: "من زَوَّج كريمته من فاجر، فقد قطع رحمها " (٥٦٥) . ومنها: قوله ﷺ في خطبته الجامعة بمنى في أوسط أيام التشريق: " يا أيها الناس: ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى " (٥٦٦) . وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : " يا أيها الناس: إن الله قد أذهب عنكم عُبيةَ الجاهلية، وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدمَ من تراب " الحديث (٥٦٧) . وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ مَرَّ عليه رجل، فقال: " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: (حَري إن خطب أن يُنْكَح، وإن شفع أن يُشَفع، وإن قال أن يُسْتَمَعَ "، ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال ﷺ : " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: " حَرِيُّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع "، فقال رسول الله ﷺ : " هذا خير من ملء الأرض مثلَ هذا " (٥٦٨) . وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ

стр. 537

جهارا غير سِر يقول: " إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين " (٥٦٩) ، وفي حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب " (٥٧٠) الحديث. والإسلام إذ يقيم الوزن الأرجح للكفاءة في الدين، لا يحول - إذا أمكن - دون ابتغاء ما دونها من كفاءات أخرى، معنوية كانت أم مادية، أما إذا فقدت الكفاءة في الدين، فلن تعوضها أي كفاءة أخرى، في حين أن الدين عِوَض عن كل ما عداه. عليك بتقوى الله في كل حالة ... ولا تترك التقوى اتكالًا على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب ومن ثم: فإنه يجوز للفقير اًن يتزوج الغنية، وللمولى أن يتزوج الشريفة القرشية، وللرجل الكبير أن يتزوج الصغيرة الصبية، لكن لا يجوز للفاسق ومفقود العدالة أن يتزوج الصالحة التقية، مهما توفرت له مقومات الكفاءة في الحسب والنسب والجاه والمال، لأنه يُؤثر عليها في دينها وخلقها (٥٧١) . * * * فصل نص القرآن الكريم على تحريم نكاح الزانية ، فقال ﵎:

стр. 538

(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحُرم ذلك على المؤمنين) النور (٣) . ومما يدل على تحريم مناكحة الزانيات أن الله تعالى أحل نكاح النساء بشرط الإحصان، فقال : (اليومَ أحِلَّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِل لكم وطعامكم حِل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) المائدة: (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (" والمحصنات " قد قال أهل التفسير: هن العفائف، هكذا قال الشعبي، والحسن، والنخعي، والضحاك، والسدي) (٥٧٢) اهـ، وقال الإمام المحقق ابن القيم ﵀: (إنما أباح نكاح الحرائر والإماء بشرط الإحصان، وهو العفة، فقال: (فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه، فعلى أصل التحريم) (٥٧٣) اهـ. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: (أن مَرْثَد ابن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بَغيٌّ يقال لها: " عَنَاق " وكانت صديقته، قال: جئت إلى النبي ﷺ ، فقلت: " يا رسول الله، أنكح عناق؟ "، قال: فسكت عني، فنزلت: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) (النور: ٣) فدعاني، فقرأها عَلَيَّ، وقال: " لا تنكحها " (٥٧٤) .

стр. 539

وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا ينكح الزاني المجلودُ إلا مثلَه " (٥٧٥) . قال الحافظ ابن القيم ﵀: (أما نكاح الزانية فقد صرح الله بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من ينكحها فهو زانٍ أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه، أوْ: لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده، فهو مشرك، وان التزمه، واعتقد وجوبه، وخالفه، فهو زان، وأيضا فإنه سبحانه قال: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) النور (٢٦) ، والخبيثات: الزواني، وهذا يقتضي أن من تزوجهن خبيث مثلُهن) (٥٧٦) اهـ. * * *

стр. 540

فصل وأما الأدلة على عدم اعتبار المال في الكفاءة: فمنها: قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) النور (٣٢) فهذه الآية دليل على تزويج الفقير الصالح التقي دون مبالاة بفقره، على وعد من الله بأنه سيغنيهم من فضله، قال ﷺ : " حق على الله عون من نكح التماس العفاف عما حَرم الله ط (٥٧٧) . قال القسطلاني ﵀: (فالمعسر كفء للموسرة، لأن المال غادٍ ورائح، ولا يفتخر به أهل المروءات والبصائر) (٥٧٨) . فالمال ظل زائل، وحال حائل، ومال مائل، وقد زوج رسول الله ﷺ المرأة التي جاءت لتهب نفسها له، من رجل ليس له سوى إزار واحد (٥٧٩) ، وزوَّج ﷺ ابنته فاطمة ﵍ إلى علي بن أبي طالب ﵁، وهو أشد ما يكون فقرا، وآثره بها على غيره من أشراف قريش (٥٨٠) . و (حجم أبو هند النبي ﷺ ، فقال: " يا بني بَياضة أنكحوا أبا هند، وأنكحوا إليه) (٥٨١) . ألا إنما التقوى هي العز والكرمْ ... وحبك الدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

стр. 541

أما أهل الدنيا فإنهم يجعلون المال حسبهم الذي يسعون إليه، فصاحب المال فيهم عزيز كيفما كان، والمقل عندهم وضيع، ولو كان ذا نسب رفيع، فعن أبي بريدة عن أبيه قال رسول الله ﷺ : " إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المالُ " (٥٨٢) . وقال الشاعر: غنينا (٨٣٥) زمانا بالتصعلك والفقر ... وكُلا سقاناه بكأسَيْهِما الدَّهْرُ فما زادنا بَغْيًا على ذِي قَرابَةٍ ... غِنانا، ولا أزْرَى بأحسابِنا الفقرُ آخَر: ما يصنع العبدُ بعِز الغني ... والعِزُّ كُلُّ العِز للمُتقي من عرف الله فلم تُغْنِهِ ... معرفةُ الله فذاك الشقي

стр. 542

فوائد الأولى: اعلم أن الفقهاء الذين تشددوا في اشتراط الكفاءة، وتوسعوا فيه، قالوا: " الرجل العالم هو كفء لكل امرأة، مهما كان نسبها، وإن لم يكن له نسب معروف، وذلك لأن شرف العلم دونه كل نسب، وكل شرف: قال الله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر (١٠) ، وقال جل وعلا: (يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة (١١) . وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل: " من أكرم الناس؟ "، فقال: " يوسف بنُ يعقوب بن إسحاق بنِ إبراهيم "، قالوا: " ليس عن هذا نسألك "، قال: " فأكرمهم عند الله أتقاهم "، فقالوا: " ليس عن هذا نسألك "، فقال: " عن معادن العرب؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " (٥٨٤) . وبعد ما ذكر بعض الفقهاء جملة من المهن الدنيئة المعتبرة عندهم في الكفاءة، قال- لله دَره -: (وأما أتباع الظلمة: فَأخسُّ من الكل) اهـ (٥٨٥) . الثانية: اعلم أن الكفاءة في الزواج - عند من اشترطها - معتبرة في الزوج دون الزوجة، أي أن الرجل هو الذي يشترط فيه أن يكون كفؤًا للمرأة، ولا يشترط أن تكون المرأة كفؤا للرجل (٥٨٦) ، ودليل ذلك:

стр. 543

أولا: ما رواه أبو بردة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمدٍ ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها، فأحسن تأديبها، وعلمها، فأحسن تعليمها، ثم أعتقها، فتزوجها، فله أجران " (٥٨٧) . ثانيا: أن النبي ﷺ لا مكافئ له في منزلته، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج من صفية بنت حُيي، وكانت يهودية، وأسلمت ﵂. ثالثاً: أن الزوجة الرفيعة المنزلة، هي التي تُعَير هي وأولياؤها عادة، إذا تزوجت من غير الكفء، بخلاف الزوج الشريف، فلا يعيَّر إذا كانت زوجته دونه في المنزلة. الثالثة: اعلم أن مذهب الجمهور أن وجود الكفاءة إنما يعتبر عند إنشاء العقد ولا يضر زوالُها بعدَه، فإذا تخلف وصف من أوصافها بعد العقد، فإن ذلك لا يضر، ولا يغير من الواقع شيئًا، ولا يؤثر في عقد الزواج، لأن شروط عقد الزواج إنما تعتبر عند العقد، فإن كان عند الزواج صاحبَ حرفة شريفة، أو كان قادرًا على الإنفاق، أو كان صالحا، ثم تغيرت الأحوال،

стр. 544

فاحترف مهنة دنيئة، أو عجز عن الإنفاق، أو فسق عن أمر ربه بعد الزواج، فإن العقد باقٍ على ما هو عليه، فإن الإنسان قد لا يدوم على حال واحدة، وعلى المرأة أن تصبر، وتتقي، فإن ذلك من عزم الأمور.

стр. 545

[فصل] الزوجية بين الحقوق والواجبات والآداب الزواج كغيره من العقود، ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقا وواجبات متبادلة، عملًا بمبدأ التوازن، والتكافؤ، وتساوي أطراف العقد الذي يقوم عليه كل عقد. والحقوق الزوجية التي نتكلم عنها ليست مجرد وصايا ينفذها الزوجان بدافع الوجدان المحض كالصدق، والاحترام وغيرهما، أو السلوك الذي يعتمد على المميزات الشخصية، وإنما نريد بالحقوق الزوجية ما يلزم به كل من الزوجين تجاه الآخر من حقوق يحميها القانون الإسلامي، وتتدخل السلطة لإجبار من أخل بشيء منها على أدائه كاملًا لشريكه في الحياة الزوجية، ذلك لأن النفوس جبلت على الشح في المسائل المادية، وما يتصل بها، فنصت الشريعة على هذه الحقوق، وجعلتها لازمة بحكم القضاء دعمًا للاستقرار العائلي، فإن الدافع الأول لأداء الحقوق هو تلك المزايا الشخصية التي يتحلى بها الزوجان من سعة الصدر والأناة والمداراة والتلطف تحركها عوامل المودة والرحمة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون) الروم (٢١) . وفي الحقيقة أنا "المَوَدَّة" بما تدل عليه من تقرب كلٍّ إلى الآخر، والتلطف معه، و " الرحمة" بما تشعر من حرص كل من الزوجين على

стр. 546

مصلحة صاحبه، والرفق به، والإشفاق عليه من كل سوء ومكروه، هما عماد البيت الذي يبقي على سكينة النفس، ويجعلها حقيقة مُدْرَكة في الحياة، وهما دستور المعاشرة بين الزوجين التي تجعل كلا منهما يشعر أنه متمم للآخر، وأنه هو مُتَمَّم به أيضا، فإذا بالرجل والمرأة الغريبين عن بعضهما المتباعدين من قبل، يتقاربان هذا التقارب، ويتحابان محبة تجعل كلا منهما أقرب إلى الآخر من أبيه وأمه! فإذا وجد مع ذلك كله القضاء الشرعي الملزم، كان أدعى لسكون النفس، ومنعها أن تنزع إلى التمرد، أو التخفف من بعض المسئوليات، فإن نزعت، لجأ الطرف الآخر لقوة القضاء يلزمه بالتنفيذ وأداء الحق كاملا.. ولقد قرر القرآن الكريم هذه الحقوق في قاعدة تشريعية دقيقة هي قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة) . حقوق الزوجين متبادلة: فالآية نصت على أن الحقوق بين الزوجين متبادلة، طبقا لمبدأ: " كل حق يقابله واجب"، فكل حق لأحد الزوجين على زوجه يقابله واجب يؤديه إليه، وبهذا التوزيع تكفلت هذه القاعدة أن تحقق التوازن بين الزوجين من كافة النواحي، مما يدعم استقرار حياة الأسرة، واستقامة أمورها. (قال ابن عباس ﵄: " أني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف (٥٨٨) كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عَلي؛ لأن الله تعالى قال:

стр. 547

(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي زينة من غير مأثم "، وعنه أيضًا: " أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن "، وقال ابن زيد: " تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم". قال القرطبي: " الآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية ") (٥٨٩)) .

стр. 548

أولا: الحقوق والآداب المشتركة بين الزوجين الحق الأول: غض الطرف عن الهفوات والأخطاء، وخاصة غير المقصود منها السوء في الأقوال والأفعال، وقد روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " كُل بَني آدَمَ خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون " (٥٩٠) . فعلى كل من الزوج والزوجة أن يحتمل صاحبه، فلكل جواد كبوة، ولكل امرئ هفوة، ولكل إنسان زلة، وأحق الناس بالاحتمال من كان كثير الاحتكاك بمن يعاشر. قال الشاعر: إذا كنتَ في كُل الأمور مُعاتِبًا ... صديقَكَ، لم تَلْقَ الذي لا تُعَاتِبُه فَعِشْ واحدًا أوْ صِلْ أخاكَ فإنه ... مُقارفُ ذَنب مرةً ومجَانِبُهْ إذا أنتَ لم تشربْ مِرارًا على القَذَى ... ظمِئتَ، وَأي الناس تَصْفُو مَشَارِبُهْ؟ مَنْ ذَا الذي ترضَى سجاياه كُلها؟ ... كفى المرءَ نُبْلا أن تُعَد مَعَايِبُهْ وقال آخر: مَنْ ذا الذي ما ساءَ قط ... ومَن لَه الحسنى فقط؟! وقال آخر:

стр. 549

أرى كُل إنسان يرى عيبَ غيرِه ... ويعمَى عن العيب الذي هو فيه إن أحدنا لتمر عليه فترات لا يرضى فيها عن نفسه، فهو لا يرضى لها الضعف في مجال القوة، أو الغضب في مقام الحلم، والسكوت في معرض بيان الحق.. ولكنه يتحمل نفسه، ويتعلل بما يحضره من المعاذير، فليكن هذا هو الشأن بين الزوجين يلتمس كلاهما لقرينه المعاذير، "فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات "، وحين تحسن النوايا، وتتواد القلوب، ويكون التعقل هو مدار المعيشة، يتوفر هذا الجانب الكريم في حياة الأسرة. وعلى كل طرف ألا يقابل انفعال الآخر بمثله، فإذا رأى أحد الزوجين صاحبه منفعلًا بحدة، فعليه أن يكظم غيظه، ولا يرد على الانفعال مباشرة، وهذه النصيحة يجب أن تعمل بها المرأة أكثر من الرجل رعايةً لحق الزوج، وما أجمل قول أبي الدرداء ﵁ لزوجته: " إذا رأيتني غَضِبت، فَرَضِّني، وإذا رأيتُكِ غَضبتي رَضيتكِ، وإلا لم نصطحب ". وعن محمد بن إبراهيم الأنطاكي قال: حدثنا محمد بن عيسى قال: (أراد شعيب بن حرب أن يتزوج امرأة، فقال لها: " إني سيء الخلق"، فقالت: " أسوأ منك خُلُقًا من أحوجك أن تكون سيء الخلق "، فقال: " إذا أنت امرأتي ") (٥٩١) . وتزوج الإمام أحمد ﵀ عباسة بنت المفضل، أم ولده صالح، وكان الإمام أحمد يثني عليها، ويقول في حقها: " أقامت أم صالح معي عشرين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة " (٥٩٢) .

стр. 550

الحق الثاني: المشاركة الوجدانية في الأفراح والأحزان: في الهموم والمطالب، وما أصدق كلام عمر ﵁ وقد دخل على رسول الله ﷺ فرآه يبكي هو وأبو بكر ﵁، بعد قبوله الفداء في أسرى بدر ونزول العتاب: قال: (قلت: يا نبى الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإلا تباكيت لبكائكما) (٥٩٣) الحديث. إن المودة لا تهبط علينا هبوطَا، ولا تنبع من تحت أرجلنا نبعَا، إننا إن لم نسع إليها ونأخذ بأسبابها الموصلة إليها لم نبلغها، ومن أعظم هذه الأسباب المشاركة العاطفية والوجدانية، التي إن لم يتشبع بها الجو الأسري، فقد المحبة والتعاون، وحل محلهما الكراهية والتواكل، وهذا هو الخراب الحقيقي للبيت، فإن بيتًا يقوم على الكراهية، والنزاع، والخصام بيت خرب، أشبه ما يكون بأتون يحرق كل من يقترب منه بَلْهَ من يسكنه. إن المشاركة في الأفراح تجعلها مضاعفة، والمواساة في المصائب تكسر حدتها، والمصيبة إذا عمت خفت. فليتعاون الزوجان في السراء والضراء، على جلب السرور ودفع الحزن، في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، " والله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه ". الحق الثالث: أن ينصح كل منهما قرينه في طاعة الله تعالى، ويتطاوعا في ذلك: وقد تقدم في الحديث الصحيح بيان رسول الله ﷺ ، أن من أفضل

стр. 551

ما يتخذه الإنسان: " زوجةً مؤمنة تعينه على إيمانه " (٥٩٤) . قال المباركفوري ﵀: (أي على دينه بأن تذكِّرَه الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا، وسائر المحرمات) (٥٩٥) اهـ. إِن التعاون على طاعة الله تعالى يتوج التفاهم بين الزوجين، ويبلغ به القمة، والتعاون شعار المجتمع الإسلامي: (وتعاونوا على البر والتقوى) فكيف بالزوجين؟ وهذا رسول الله ﷺ يهيب بالزوجين أن يجتهد كل منهما في إعانة الآخر على بلوغ الكمال الديني، فيحثه على أخلص العبادة لله، وهى " قيام الليل " فيروي عنه أبو هريرة ﵁ قوله: " رحم الله رجلًا قام من الليل، فصلى، وأيقظ امرأته، فَصَلَّتْ، فإن أبت نضح في وجهها الماء (٥٩٦) ، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبي نضحت في وجهه الماء " (٥٩٧) .

стр. 552

ويمتثل أبو هريرة ﵁ راوي هذا الحديث- ما رواه عن النبي ﷺ :، فيطبقه على نفسه وأهله، فكان هذا ديدنه يصوم النهار، ويقوم الليل: يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته، فتقوم ثلثه، ثم توقظ هذه ابنته، لتقوم ثلثه (٥٩٨) ، وقال أبو عثمان النهدي: (تضيفت أبا هريرة سبع ليال، فكان هو وخادمه وامرأته يعتقبون الليل أثلاًثا " (٥٩٩) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا - أو صلى- ركعتين جميعًا، كُتِبا في الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (٦٠٠) .

стр. 553

تعاون الزوجين على البر والتقوى وأثره عليهما وعلى ذريتهما ولا شك أن لتعاون الزوجين على البر والتقوى آثارًا عظيمة عليهما وعلى ذريتهما في الحاضر والمستقبل. أما في الحاضر: فإن شيوع هذه الروح في البيت وتشبع الطفل بها، يؤدى إلى حبه لطاعة الله، وتعظيمه لشعائر الإسلام، وسهولة انقياده لأمر الله، اقتداءً بأبويه كما قال تعالى: (ذرية بعضها من بعض) آل عمران (٣٤) ، وأما في المستقبل القريب في الدنيا: فقد بين القرآن الكريم أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وهذا الخضِر ﵇ وقد بنى الجدار متبرعَا، فيقول له موسى ﵇: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) الكهف (٧٧) ، فيبين له سبب عدم أخذه على ذلك أجرًا، فيقول: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحَا) الآية الكهف (٨٢) ، وإذا ما نشأث الذرية على طاعة الله ، وتعظيم دينه، سهل عليهم أمر التكاليف الشرعية حين يبلغون، فيستحقون بشارة رسول الله ﷺ الواردة في قوله: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم: " شابا نشأ في عبادة الله " (٦٠١) ، ثم إذا فارق الأبوان الدنيا نفعهما دعاء الولد

стр. 554

الصالح كما في الحديث. وإذا استقامت الذرية بعد فراق الأبوين على هذا العهد، كان اللقاء بينهم من جديد في جنة الخلد، ودار الكرامة: قال سبحانه: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) الطور (٢١) . لهذا قال أحد الصالحين: " يا بني إني لأستكثر من الصلاة لأجلك"، وعن ابن عباس ﵄ أنه لما نزل (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أنزل الله تعالى بعد هذا: (ألحقنا بهم ذريتهم) يعني بإيمان، فأدخل الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة (٦٠٢) . وفي رواية: (ألحقنا بهم ذريتهم) قال ابن عباس: (إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء) الطور (٢١) ، يقول: وما نقصناهم " (٦٠٣) . وقال سعيد بن المسيب ﵀: " إني لأصلي، فأذكر ولدي، فأزيد في صلاتي " (٦٠٤) . إن تقوى الله ﵎، والعمل الصالح الذي يتعاون عليه الزوجان أعظم ذخيرة يدخرها الأبوان لحماية أولادهما، وأوثق تأمين على مستقبل ذريتهما، وأقوى ضمان لسلامتهم، ورعاية الله لهم في حياتهما، وبعد رحيلهما، خاصة إذا تركاهم ضعافًا يتامى، لا راحم لهم ولا عاصم

стр. 555

من البشر، قال جل وعلا: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) النساء (٩) .

стр. 556

من مواقف الزوجة المسلمة روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: (من ذا الذي يُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنا فيضاعفَه له) قال أبو الدحداح الأنصاري: " يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ "، قال: " نعم يا أبا الدحداح "، قال: (أرني يدك يا رسولَ الله "، قال: فناوله يده، قال: (فإني قد أقرضت ربي حائطي "، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: " يا أم الدحداح "، قالت: " لبيك "، قال: " اخرجي فقد أقرضته ربي "، وفي رواية أنها قالت له: (رَبِح بيعُك يا أبا الدحداح "، ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله ﷺ قال: " كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح "، وفي لفظ: " رُبَّ نخلة مُدَلَّاة عروقها دُر وياقوت لأبي الدحداح في الجنة " (٦٠٥) ] والعذق: بفتح العين النخلة، وبكسرها: عرجونها، والرداح: الثقيل. وعن محمد بن الحسين السلمي قال: (قال أبو محمد الحريري: كنت عند بدر المغازلي، وكانت امرأته باعت دُرًّا بثلاثين دينارًا، فقال لها بدر: " نفرق هذه الدنانير في إخواننا، ونأكل رزق يوم بيوم "، فأجابته إلى ذلك، وقالت: " تزهد أنت، ونرغب نحن؟ هذا ما لا يكون " (٦٠٦)) .

стр. 557

وقال أبو يوسف البزار: (تزوج رياح القيسي امرأة، فبنى بها، فلما أصبح قامت إلى عجينها، فقال: " لو نظرتِ إلى امرأةٍ تكفيكِ هذا "، فقالت: " إنما تزوجت رياحا القيسي، ولم أرني تزوجت جبارًا عنيدا "، فلما كان الليل نام ليختبرها، فقامت ربع الليل، ثم نادته: "قم يا رياح "، فقال: "أقوم"، فقامت الربع الآخر، ثم نادته، فقالت: " قم يا رياحا، فقال: " أقوم "، فلم يقم، فقامت الربع الآخر، ثم نادته، فقالت: " قم يا رياح"، فقال: " أقوم "، فقالت: " مضى الليل، وعَسكَرَ المحسنون، وأنت نائم، ليت شِعري من غَرَّني بك يا رياح؟ ، قال: " وقامت الربع الباقي ") (٦٠٧) اهـ. وقال رياح: (اغتممتُ مرة في شيء من أمر الدنيا، فقالت: " أراك تغتم لأمر الدنيا، غرَّني منكم شُميط (٦٠٨) ، ثم أخذت هُدْبَةً من مِقْنَعَتِها (٦٠٩) ، فقالت: " الدنيا أهون عَلى من هذه ") (٦١٠) اهـ. وقال الحسين بن عبد الرحمن: حدثني بعض أصحابنا قال: (قالت امرأة حبيب أي محمد، وانتبهت ليلة، وهو نائم، فأنبهته في السحر، وقالت: " قم يا رجل فقد ذهب الليل، وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد، وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قُدامنا، ونحن قد بقينا ") (٦١١) .

стр. 558

و (أجمع المؤرخون على أن جميع الأعمال الطيبة، والأفعال الحسنة التي قام بها المهدي (٦١٢) ، فأكسبته الشهرة الفائقة، إنما كانت بتأثير زوجته " الخيزران ") (٦١٣) . وفي العصر المتأخر كان للزوجة العاقلة أكبر الأثر في نصرة أعظم حركة تجديدية شهدتها الأمة منذ أوائل القرن الثاني عشر الهجري حتى يومنا هذا: إذ لما قدم شيخ الإسلام " محمد بن عبد الوهاب " ﵀ إلى " الدرعية " ليعرض دعوته على أميرها " محمد بن سعود " لعله ينصره بسيفه، ويحمى الدعوة التجديدية الوليدة، أوعز تلميذ شيخ الإسلام الشيخ " أحمد بن سويلم العريني " إلى " ثنيان " و " مشاري " أخوي الأمير " محمد بن سعود"، وكانا من أنصار الشيخ وأتباعه، أوعز إليهما أن يستكشفا رأي أخيهما الأمير محمد في شأن الشيخ، ويقفا على مدى استعداده لمناصرة دعوته، فلم يترددا في قبول طلبه، وخَفا مسرِعَيْن إلى دار أخيهما الأمير محمد، وشرعا أولا بمفاوضة زوجته المسماة " موضى بنت أبي وهطان " من آل كثير، وكانت امرأة مشهورة بوفرة الذكاء والنباهة وسعة الإدراك، وقد تحدث الأخَوان إلى زوجة أخيهما طويلًا في المهمة التي جاءا من أجلها، وعن الدعوة التي يدعو إليها الشيخ، ومدى فائدتها في محاربة البدع والخرافات، ومكانة الشيخ، وما هو عليه من علم ومعرفة، وصفة ما يأمر به وينهى عنه، وأخيرًا طلبا إليها أن تفاوض زوجها لمناصرة

стр. 559

الشيخ، وشَد أُزرِه، وإشهار السيف من غِمده في سبيل نصرة الدعوة التي يدعو إليها، فَوَعَدَتهما خيرًا، وتم الاتفاق على ذلك، ونقلت السيدة " موضى" إلى زوجها ما دار بينها وبين أخويه من الحديث، وَدَعَتْهُ إلى تأييد الشيخ، ونصرة دعوته، وقالت له: إن هذا الرجل قدم إلى بلدك، وهو غنيمة ساقها الله تعالى إليك، فأكرِمْه، وعظمْه، واغتنم نُصرتَه "، ثم رَغبَتْهُ، وحسنت إليه القيام بزيارة خاصة إلى دار الشيخ " أحمد بن سويلم" لمقابلة الشيخ، لتكون إعلانا جهارًا للملأ بأنه على نصرته، وتحت حمايته، لكي يعظمه الناس، ويكرموه، فوافق الأمير محمد على نصيحة زوجته) ، وتم اللقاء بينهما حيث أفاض الشيخ في شرح دعوته إلى التوحيد، ومحاربة الشرك والبدع، وتمت البيعة بينهما، وعقد التحالف على قيام الأمير " محمد بن سعود " بشد أزر الشيخ ونصرة دعوته، ودخل الشيخ البلد تلبية لدعوة الأمير، واتخذ له منزلا بالقرب من دار الأمير " محمد بن سعود " (٦١٤) اهـ. وقد كان لهذه المرأة الصالحة الصادقة أكبر الأثر في مؤازرة زوجها وتشجيعه، وحثه على الصبر والسلوان حينما اندحر الجيش الذي قاده ولده عبد العزيز وهزم هزيمة نكراء في " حائر " (٦١٥) .

стр. 560

الحق الرابع: حفظ السر: فلا يذكر أحدهما قرينه بسوء بين الناس، ولا يفشي سره، ولا يخبر بما يعرفه عنه من العيوب الخفية، قال تعالى: (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله. قال البغوي ﵀: " أي: قيمات بحقوق أزواجهن، والقنوت: القيام، والقنوت: الدعاء، وقيل: قانتات: أي: مُصَلِّيات، ومنه قوله : (أمن هو قانت آناء الليل) (٦١٦) الآية الزمر (٩) .

стр. 561

فالصالحة عابدة لله تعالى تعين زوجها على تطبيق الإسلام على نفسه وعلى أسرته، وأما حفظ الغيب فهو واجب على كلا الزوجين، لكنه في حق المرأة آكد وأقوى، لأن الخطر في تساهلها عظيم جدا، يهدد بأفظع النتائج الدينية والدنيوية، ويدمر الأسرة، فالمرأة الصالحة حافظة لزوجها في غيابه: من عِرض فلا تزني، ومن سر فلا تفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه. ومن حفظ السر: عدم نشر ما يكون بين الزوجين متعلقًا بالوقاع ونحوه، وقد ثبتت أحاديث في تحريم ذلك: منها: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي (٦١٧) إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر (٦١٨) ...................................

стр. 562

سرها " (٦١٩) ، ومنها ما روته أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، والرجال والنساء قعود، فقال: " لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ ! "، فأرَمَّ (٦٢٠) القوم، فقلت: " أي والله يا رسول الله! إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون "، قال: " فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون " (٦٢١) . الحق الخامس: المبيت في الفراش، والإعفاف: فلا يجوز لأحد الزوجين أن يغمطه صاحبه مع القدرة عليه: فالمرأة يجب عليها أن تلبي زوجها كلما أرادها على ذلك، وإن لم يكن لديها ميل إليه، إلا لعذر مانع، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فِراشه (٦٢٢) ، فأبت أن تجيء، فبات غضبانَ، لعنتها الملائكة حتى تصبح "، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى

стр. 563

عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها " (٦٢٣) ، وفي رواية أخرى قال: " إذا باتت المرأة مُهاجِرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح"، وفي أخرى: " حتى ترجع" (٦٢٤) . وعن طلق بن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا الرجل دعا زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التنور " (٦٢٥) . وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (٦٢٦) ، لم تمنعه........................

стр. 564

نفسها (٦٢٧) . وعن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تُؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجتهُ من الحور العين: " لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندكِ دخيل (٦٢٨) ، يوشك أن يفارقكِ إلينا " (٦٢٩)) . وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " (٦٣٠) .

стр. 565

تنبيهات الأول: قوله ﷺ : " فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح " قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: (ظاهره اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا لقوله: " حتى تصبح "، وكأن السر تأكد ذلك الشأن في الليل، وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك) (٦٣١) اهـ، وإطلاقات حديث ابن أبي أوفى وأبي هريرة ﵄ تتناول الليل والنهار، وكذا قوله ﷺ : " ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى ترضى " (٦٣٢) . الثاني: قوله: " فبات غضبان عليها " به يتجه وقوع اللعن، لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فإنه يكون: إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك، واعلم أنه لا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي بالهجر، فغضب هو لذلك، أو هجرها وهى ظالمة، فلم تستنصل من ذنبها، وهجرته، أما لو بدأ هو بهجرها ظالما لها فلا (٦٣٣) . الثالث: في هذه الأحاديث (الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب
следующие страницы →