← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فالصالحة عابدة لله تعالى تعين زوجها على تطبيق الإسلام على نفسه وعلى أسرته، وأما حفظ الغيب فهو واجب على كلا الزوجين، لكنه في حق المرأة آكد وأقوى، لأن الخطر في تساهلها عظيم جدا، يهدد بأفظع النتائج الدينية والدنيوية، ويدمر الأسرة، فالمرأة الصالحة حافظة لزوجها في غيابه: من عِرض فلا تزني، ومن سر فلا تفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه. ومن حفظ السر: عدم نشر ما يكون بين الزوجين متعلقًا بالوقاع ونحوه، وقد ثبتت أحاديث في تحريم ذلك: منها: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي (٦١٧) إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر (٦١٨) ...................................

стр. 562

سرها " (٦١٩) ، ومنها ما روته أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، والرجال والنساء قعود، فقال: " لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ ! "، فأرَمَّ (٦٢٠) القوم، فقلت: " أي والله يا رسول الله! إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون "، قال: " فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون " (٦٢١) . الحق الخامس: المبيت في الفراش، والإعفاف: فلا يجوز لأحد الزوجين أن يغمطه صاحبه مع القدرة عليه: فالمرأة يجب عليها أن تلبي زوجها كلما أرادها على ذلك، وإن لم يكن لديها ميل إليه، إلا لعذر مانع، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فِراشه (٦٢٢) ، فأبت أن تجيء، فبات غضبانَ، لعنتها الملائكة حتى تصبح "، وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: " والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى

стр. 563

عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها " (٦٢٣) ، وفي رواية أخرى قال: " إذا باتت المرأة مُهاجِرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح"، وفي أخرى: " حتى ترجع" (٦٢٤) . وعن طلق بن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا الرجل دعا زوجته لحاجته، فلتأته وإن كانت على التنور " (٦٢٥) . وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتَب (٦٢٦) ، لم تمنعه........................

стр. 564

نفسها (٦٢٧) . وعن معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تُؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجتهُ من الحور العين: " لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندكِ دخيل (٦٢٨) ، يوشك أن يفارقكِ إلينا " (٦٢٩)) . وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " (٦٣٠) .

стр. 565

تنبيهات الأول: قوله ﷺ : " فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح " قال الإمام ابن أبي جمرة ﵀: (ظاهره اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا لقوله: " حتى تصبح "، وكأن السر تأكد ذلك الشأن في الليل، وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذكر لأنه المظنة لذلك) (٦٣١) اهـ، وإطلاقات حديث ابن أبي أوفى وأبي هريرة ﵄ تتناول الليل والنهار، وكذا قوله ﷺ : " ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى ترضى " (٦٣٢) . الثاني: قوله: " فبات غضبان عليها " به يتجه وقوع اللعن، لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فإنه يكون: إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك، واعلم أنه لا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي بالهجر، فغضب هو لذلك، أو هجرها وهى ظالمة، فلم تستنصل من ذنبها، وهجرته، أما لو بدأ هو بهجرها ظالما لها فلا (٦٣٣) . الثالث: في هذه الأحاديث (الإرشاد إلى مساعدة الزوج وطلب

стр. 566

مرضاته، وأن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، وأن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح، ولذلك حَض الشارع النساء على مساعدة الرجال في ذلك، أو السبب فيه الحض على التناسل، وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله والصبر على عبادته، جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئًا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل ملائكته تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه، وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان) (٦٣٤) اهـ. الرابع: لا يجوز للمرأة أن تطيع زوجها فيما لا يحل له، بل يجب عليها مخالفته حينئذ، وذلك مثل أن يطلب منها الوطء في زمان الحيض (٦٣٥) والنفاس (٦٣٦) ، أو في غير محل الحرث (٦٣٧) ، أو وهي صائمة صيام فريضة

стр. 567

كرمضان، وذلك لقول رسول الله ﷺ : " لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) (٦٣٨) . كذلك يحرم على الرجل أن يتعمد هجر زوجته، فهو مأمور بأداء حقها بقدر حاجتها وقدرته: فإن الشريعة السمحة لم تقتصر على مطالبة المرأة بأن تستجيب لزوجها، بل طالبت الرجل أيضا أن يؤدي إليها حقها، ويعفها، ويغنيها، وذلك لقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) (النساء: ١٢٩) ، قال الإمام أبو بكر الجصاص ﵀: (ويدل عليه أن عليه وطأها لقوله تعالى: (فتذروها كالمعلقة) يعني: لا فارغة فتتزوج، ولا ذات زوج إذا لم يوفها حقها من الوطء) (٦٣٩) اهـ. ويدل عليه أيضًا مفهوم قوله : (واهجروهن في المضاجع) (النساء: ٣٤) ، وقوله ﷺ : " لا يهْجَر إلا في المضجع " (٦٤٠) . وكما قرر النبي ﷺ أنه ليس للمرأة أن تشتغل بالعبادات غير الفريضة إذا كانت تفوت حق زوجها، كذلك قرر ﷺ أنه لا يجوز للرجل أن يشتغل بالعبادات النوافل حتى يغفل أو يعجز عن أداء حق زوجته: فعن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال رسول الله ﷺ :

стр. 568

" يا عبدَ الله ألم أخْبَرْ أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ "، قلت: " بلى يا رسول الله "، قال: " فلا تفعل، صُمْ وأفطِر، ونم وقم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينيك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لِزَوْرِك (٦٤١) عليك حقًا، وإن بحَسْبِك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عَشر أمثالِها، فإذا (٦٤٢) ذلك صيامُ الدهر " (٦٤٣) الحديث، وفي رواية للبخاري قال: " أنكحني أو امرأة ذاتَ حسب، وكان يتعاهد كَنتهُ (٦٤٤) ، فيسألها عن بعلها (٦٤٥) ، فتقول له: " نعم الرجل من رجل لم يَطَأ لنا فراشًا، ولم يفتش لنا كَنَفا (٦٤٦) مُذ أتيناه "، فلما طال ذلك عليه، ذكَر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "ألقِني به"، فلقِيتُه بَعْدُ، فقال: " كيف تصوم؟ "، قلت: " كل يوم "، قال: " وكيف تختم؟ "، قلت: " كل ليلة ") الحديث بنحوه. وفي رواية النسائي، قال: (زوَّجني أبي امرأة، فجاء يزورنا، فقال: " كيف ترين بعلك؟ "، قالت: " نعم الرجل، لا ينام الليلَ، ولا يفطر النهار "، فوقع بي (٦٤٧) ، وقال: " زَوجتُك امرأة من المسلمين،

стр. 569

فَعَضَلْتَها؟! " (٦٤٨) ، قال: فجعلت لا ألتفت إلى قوله مما عندي من القوة والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: " لكني أنا أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، فقم ونم، وصم وأفطر " (٦٤٩) الحديث. وفي حديث الرهط الثلاثة أن أحدهم قال: " أما أنا فأصلي الليل أبدا "، وقال الآخر: " وأنا أصوم الدهر أبدًا، ولا أفطِر "، وقال الآخر: " وأنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا "، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّجُ النساء، فمن رغب عن سنتي (٦٥٠) ، فليس مني " (٦٥١) . وعن عائشة ﵂ قالت: (دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وكانت عند عثمان بن مظعون، قالت: فرأى رسول الله أي بذاذة هيئتها، فقال لي: " يا عائشة ما أبذ هيئة خويلة! "، قالت: فقلت: " يا رسول الله امرأة لها زوج يصوم النهار، ويقوم الليل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها، وأضاعتها "، قالت: فبعث رسول الله ﷺ لا إلى عثمان بن مظعون، فجاءه، فقال: " يا عثمان أرغبة عن سنتي؟ ! " قال: فقال: " لا والله يا رسول الله، ولكن سُنَتكَ أطلبُ "، قال: " فإني أنام، وأصلي، وأصوم،

стр. 570

وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك حقا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم " (٦٥٢) . وروى الشَّعبِيُّ أن كعب بن سُوْر كان جالسًا عند عمر بن الخطاب ﵁، فجاءت امرأة فقالت: " يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلًا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائمًا، ويظل نهاره صائمًا"، فاستغفر لها، وأثنى عليها، واستحيت المرأة، وقامت راجعة، فقال كعب: " يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها فلقد أبلغت إليك في الشكوى "، فقال لكعب: " اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم "، قال: (فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة (٦٥٣) هي

стр. 571

رابعتهن، فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة "، فقال عمر: (والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة، نعم القاضي أنت " (٦٥٤) . (وسئل أحمد: " يؤجر الرجل أن يأتي أهله، وليس له شهوة؟ " فقال: أي والله، يحتسب الولد، وإن لم يرد الولد يقول: " هذه امرأة شابة "، لم لا يؤجر؟!) (٦٥٥) اهـ. وهذه الشريعة الحنيفية تقرر أن الزوج لو آلى (أي حلف) ألا يقرب زوجته، يلزمه أن يحنث في يمينه، قال تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) البقرة (٢٢٦) ، فقد نص على أن الذين يؤلون - أي يحلفون - على ألا يقربوا زوجاتهم يُمهلون أربعة أشهر، فإن عاد أحدهم إلى الإنصاف وأداء الحق فيها، وعليه كفارة يمين، وإلا كان إصراره إضرارًا موجبا للفراق، قال ﷺ : " لا ضرر، ولا ضرار " (٦٥٦) .

стр. 572

وقال ﷺ : " من ضارَّ ضاره الله، ومن شاقَّ شق الله عليه " (٦٥٧) . ويروى أن (عمر ﵁ كان يطوف في المدينة، فسمع امرأة وهي مغلقة عليها بابها، تقول: تطاول هذا الليلُ تسرِى كواكبه ... وأرَّقني أن لا ضجيعَ ألاعبُهْ ألاعبه طورًا وطورًا كأنما ... بدا قمرًا في ظلمةِ الليل حاجبُه يسر به من كان يلهو بقربه ... لطيف الحشى لا يحتويه أقاربه فو الله لولا الله لا شيء غيره ... لَنُقِّضَ من هذا السرير جوانبه ولكنني أخشى رقيبا موكلًا ... بأنفسنا لا يَفْتُرُ الدهرَ كاتبُه ثم تنفست الصعداء، وقالت: " لهان على عمر بن الخطاب وحشتي، وغيبة زوجي عني"، وعمر واقف يسمع قولها، فقال لها عمر: " يرحمك الله"، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة، وكتب لها أن يقدم عليها زوجها) (٦٥٨) . وقيل: إن عمر ﵁ أوَّه، ثم خرج، حتى دخل على

стр. 573

على حفصة أم المؤمنين ﵂، فقالت: " يا أمير المؤمنين، ما جاء بك في هذا الوقت؟ "، قال: " أي بنية كم تحتاج المرأة إلى زوجها؟ "، فقالت: "في ستة أشهر "، فكان لا يغزي جيشًا له أكثر من ستة أشهر) (٦٥٩) ، وفي بعض الروايات تحديد المدة بأربعة أشهر، وقيل: (إن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم من أهل المدينة، فأمرهم إما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يفارقوا، فمن فارق منهم فليبعث بنفقة ما ترك، وأن تكون النفقة على قدر السعة) (٦٦٠) . ولهذا كان عمر ﵁ يرى فسخ النكاح إذا فات حق الوطء، ورآه الفقهاء أيضًا، فرأوا أن من حق أحد الزوجين أن يفسخ النكاح لترك الوطء، وهو ما يسمى بالفسخ للعيب، أي لعيب خِلقي كالمرض الذي يستحيل معه الوطء، أو خُلقي للإضرار أو إهمالاً، لأن ذلك ترك لحق من الحقوق، قال الإمام ابن حزم ﵀: " ويجبر على ذلك من أبى بالأدب، لأنه أتى منكرًا من العمل " (٦٦١) اهـ. و (قيل للإمام أحمد: " كم يغيب الرجل عن زوجته "؟ قال: " ستة أشهر، يكتب إليه، فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما " (٦٦٢) اهـ. يعني بذلك: إذا تضررت الزوجة، وطلبت التفريق، والله أعلم. الحق السادس: تزين الزوجين: امتن الله سبحانه على عباده بما أنزل إليهم من الزينة التي تحسِّن هيآتهم،

стр. 574

ومنازلهم، فقال : (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) الأعراف (٢٦) . وقال سبحانه يندد بالذين يحرمون ما أحل الله لعباده من هذه الزينة والطيبات المباحة: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الأعراف: ٣٢] . وجاءت السنة النبوية تحض المسلمين رجالا ونساءً على حسن الهيئة والنظافة، قال رسول الله ﷺ : " من كان له شعر فليكرمه) (٦٦٣) . وعن أبي قتادة قال: (قلت: " يا رسول الله إن لي جُمَّةً، أفأرَجلُها؟ " (٦٦٤) قال: " نعم، وأكرمها " (٦٦٥)) . وعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حَبة من كِبرٍ "، فقال رجل: " إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعلُه حسنةً؟، فقال ﷺ : " إن الله جميل يحب الجمال " (٦٦٦) الحديث، وجاء رجل إلى النبي ﷺ ، وعليه ثوب دُون، فقال له:

стр. 575

" ألك مال؟ "، قال: " نعم "، قال: " من أي المال؟ "، قال: " من كل المال قد أعطاني الله تعالى! "، قال: " فإذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامته " (٦٦٧) . وقال ﷺ : " من كان له مال، فَلْيُرَ عليه أثرُه " (٦٦٨) . وتزين المرأة لزوجها، وكذا الرجل لزوجته ينبغي أن يتخذ منه الزوجان الحظ المناسب، لأنه من أسباب الألفة والمودة، ولهذا جعل الشارع الزينة حقا مشروعًا لكل منهما على صاحبه. ومراعاةً لهذه الفطرة التي فطر الله عليها النساء من حب الزينة، والتي يشر إليها قوله تعالى: (أوَمن يُنَشَّأ في الحِلْيَةِ وَهُوَ في الخِصامِ غيرُ مُبِين) الزخرف (١٨) ، (أباح الله تعالى من التحلي واللباس للنساء ما حَرمه على الرجال، لحاجتهن إلى التزين للأزواج، وأسقط الزكاة عن حليهن (٦٦٩) معونةً لهن على اقتنائه) (٦٧٠) اهـ.

стр. 576

فعلى المرأة أن تتزين لزوجها، ومن حقه عليها أن تفعل (٦٧١) ، وإن تجاوزت الشطر الأعظم من عمرها، فذلك من أسباب الألفة والتودد، لكن لا تبالغ في ذلك حتى يضيع وقتها الثمين أمام المرآة، فهذا من ضعف العقل، وخلل التصور. ومن الإشارات النبوية إلى أهمية التزين للأزواج وأثره في التواد والتحاب بين الزوجين: ما جاء في حديث جابر ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا يعنى عشاء - لكي تمتشط الشعِثة، وتستحِد المُغِيبةُ " (٦٧٢)) ، وفي رواية للبخاري: " إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلا ". وفي هذا دليل على أنه يستحب التأني للقادم على أهله حتى يشعروا بقدومه قبل وصوله بزمان يتسع لما ذُكر من تحسين هيئات من غاب عنهن أزواجهن، وذلك لئلا يهجم على أهله وهم في هيئة غير مناسبة، فيقع النفور عنهن، وفي هذا الحديث بيان أن المرأة مادام زوجها حاضرا مقيمًا فهي دائمة التزين، ولا تهجر هذه الخصلة إلا في غياب زوجها.

стр. 577

ومما يعكس رسوخ هذا المفهوم عند الرعيل الأول، ذلك السؤال الذي وجهته أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى امرأة عثمان بن مظعون ﵁ لما رأتها هجرت الزينة، فقد قالت ﵂: (كانت امرأة عثمان بن مظعون تخضب- أي بالحناء- وتتطيب، فتركته، فدخلت عَلَي، فقلت: " أمَشْهَدٌ أم مَغِيب؟ " (٦٧٣) ، فقالت: " مشهد " (٦٧٤) ، قالت: " عثمان لا يريد الدنيا، ولا يريد النساء "، قالت عائشة: " فدخل عَلىَ رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فلقي عثمانَ، فقال: (يا عثمان تُؤمنُ بما نؤمنُ به؟ " قال: " نعم يا رسول الله "، قال: " فَأسْوَة ما لَكَ بنا ") (٥٦٧) . (وكانت علية بنت المهدي كثيرِة الصلاة، ملازمة للمحراب، وقراءة القرآن، وكانت تتزين، وتقول: " ما حَرم الله شيئًا إلا وقد جعل فيما أحل عِوَضًا منه، فبماذا يحتج العاصي؟) (٦٧٦) اهـ. (وقال الأصمعي: رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر، وهي مختضبة، وبيدها سبحة، فقلت: " ما أبعد هذا من هذا"، فقالت: ولله مني جانب لا أضيِّعُه ... وللهو مني والبطالة جانب

стр. 578

فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له) (٦٧٧) اهـ. وقد راج بين العرب قديما مثل يقول: (أطيب الطيب الماء) ، لأن زينة المرأة عندهم هي النظافة في الدرجة الأولى، ومن هنا فإن من واجب الزوجة أن تسعى إلى إرضاء زوجها، وإدخال السرور على قلبه إذا جاء بيته، فتستقبله متزينة متنظفة، لا تبدي تعبَا من عمل، ولا نفورَا من أمر، متحرية إدخال السرور على قلبه؛ فتحمل متاعه، وتعينه على نزع ثيابه، وتقدم إليه ما يلبس في بيته، وذلك مدعاة لسروره وسعادته بامرأته. وقد سئل إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ " عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها، فتتلقاه، وتنزع ثيابه، وتقف حتى يجلس؟، ففال: أما التلقي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس، فلا، فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز " (٦٧٨) اهـ. ولكن أكثر الزوجات الآن تلقى زوجها مشغولة بطبخها الذي تأخرت فيه، بذلة الثياب، تعبة، ضيقة الصدر، كثيرة الشكوى والضجر، ولا تلبث إحداهن بعد الأشهر الأولى من الزواج أن تنهمك في مراعاة المطبخ والأثاث، وتبذل في ذلك غاية وسعها، حتى تنصرف من حيث لا تشعر عن الاحتفاء بزوجها في الملبس أو الزينة، وإن كانت لا تغفل عن هذا الاحتفاء وتلك الزينة، لاستقبال أترابها وزيارة جاراتها، مما يكون عاملا أساسيا في نفرة الزوج وسخطه، فيدخل البيت مستعيذًا من شرها، ويفر منه مستجيرَا من ضرها، إذ يجد زوجه قد تحولت عنه، وتقمصت شخصية الخادم التي تحس أن واجبها منحصر في خدمة البيت، دون العناية

стр. 579

بصاحب ذلك البيت أعني الزوج (٦٧٩) . أوصت أم ابنتها عند زواجها، فقالت لها: (أي بنية! لا تغفلي عن نظافة بدنك، فإن نظافته تضيء وجهك، وتحبب فيك زوجك، وتبعد عنك الأمراض والعلل، وتقوى جسمك على العمل، فالمرأة التفلة تمجها الطباع، وتنبو عنها العيون والأسماع، وإذا قابلت زوجك فقابليه فَرِحة مستبشرة، فإن المودة جسم رُوحه بشاشة الوجه) (٥٦٨) . كذلك ينبغي للرجل أن يتزين لزوجه بما يناسب رجولته (٦٨١) ، كما يحب أن يرى امرأته تزدان له أيضَا، فإنها يعجبها منه ما يعجبه منها، وقد فهم السلف ذلك من قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) البقرة (٢٢٨) . قال ابن عباس ﵄: (إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها عَلي؛ لأن الله تعالى قال: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أى

стр. 580

زينة من غير مأثم) (٦٨٢) . وقد سرى هذا الفهم إلى التابعين، فهذا يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي يقول: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إليَّ في مِلْحَفَةٍ حمراء، ولحيته تقطر من الغالية (٦٨٣) ، فقلت: " ما هذا؟ "، قال: " إن هذه المِلْحَفَةَ ألقتها علي امرأتي، ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين مِنا ما نشتهي منهن " (٦٨٤) . (قال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم؛ فإنهم يعملون ذلك على اللبَق (٦٨٥) والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت، ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ، ولا تليق بالشباب،.. والمقصود أنه يكون عند امرأته في زينة تسرها، وتُعِفها عن غيره من الرجال) (٦٨٦) اهـ. وقد وسعت شريعة الله الإباحة فيما يتزين به الإنسان، ولم تقيده إلا تقييدًا يسيرَا، لكي لا تخرج الزينة إلى المفسدة المضرة، قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الأعراف (٣١) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄: قال ﷺ : " كلوا، وتصدقوا، والتبسوا في غير إسراف ولا مخيلة " (٦٨٧) .

стр. 581

وعن عبد الله بن عباس ﵄: قال ﷺ : " كُلْ ما شئتَ، والبَسْ ما شئتَ، ما أخطأتك اثنتان: سَرَف، ومَخِيلة " (٦٨٨) . فالإسلام يأمرنا بالاعتدال في اللباس والزينة، ويكره للرجل كما يكره للمرأة أن يباهي بثيابه أو يتعاظم بها، لأنه اشتغال بالقشور، وإعراض عن اللباب.

стр. 582

ثانيا: حقوق الزوجة على زوجها (أ) الحقوق المادية (١) هدية التكريم للمرأة "المهر" " خير النكاح أيسره " (٦٨٩) حديث شريف المهر: هو ما تُعطاه الزوجة من مالٍ (٦٩٠) ومنفعة بسبب النكاح. حكمه: الوجوب، فقد أوجب الشرع الإسلامي على الرجل أن يبذل الصداق للمرأة إذا أراد أن يتزوجها. أما أدلة الوجوب: - فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (وءَاتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلَة) (النساء: ٤) ، أي: عطية من الله مبتدَأة، والمخاطب بذلك الأزواج عند الأكثرين، وقيل: الأولياء.

стр. 583

وقوله جل وعلا: (فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف) (النساء: ٢٥) . وقوله سبحانه: (فآتوهن أجورهن فريضة) (النساء: ٢٤) . وقال : (وأحِل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) (النساء: ٢٤) . وقال جل وعلا: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن) (الممتحنة: ١٠) . - ومن السنة: ما رواه أنس ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لرسول الله ﷺ : " تزوجتُ امرأة "، فقال: " ما أصدقتَها؟ " قال: " وزنَ ئواة من ذهب" (٦٩١) ، فقال: " بارك الله لك، أولم، ولو بشاة " (٦٩٢) . وعنه ﵁: " أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عِتقها صَداقها " (٦٩٣) .

стр. 584

وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة الواهبة نفسها أن رجلًا من أصحابه ﷺ قام، فقال: " يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة، فزوجنيها "، فقال: " فهل عندك من شيء؟ "، فقال: " لا، والله يا رسول الله، فقال: " اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئاً؟ " فذهب، ثم رجع، فقال: " لا، والله ما وجدت شيئًا "، فقال رسول الله ﷺ : " انظر، ولو خاتمًا من حديد "، فذهب، ثم رجع، فقال: " لا، والله يا رسول الله، ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري "، فقال رسول الله ﷺ ؟ " ما تصنع بإزارك؟ إن لبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء، وإن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء "، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسُه قام، فرآه رسول الله ﷺ مُوَليا، فأمر به فَدُعِي، فلما جاء قال: " ماذا معك من القرآن؟ "، قال: " معي سورة كذا، وسورة كذا: عَدَّدَها "، فقال: (تقرؤهن عن ظهر قلب؟ "، قال: " نعم "، قال: " اذهب فقد مَلكْتُكَها بما معك من القرآن " (٦٩٤) .

стр. 585

وفي رواية للبخاري: " ولو خاتمًا من حديد". فلو كان لأحد أن يتزوج بدون صداق، لكان التسامح مع الفقير الذي لم يجد ولا خاتمًا من حديد، ليتزوج المرأة، مما اضطره الحال إلى أن يدفع صداقًا إزارَهُ، ولم يكن له رداء كما قال سهل ﵁. وأما الإجماع: فقد ثبتث مشروعية الصداق في النكاح بالإجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، كما ذكره ابن قدامة في "المغني" (٦٩٥) . ويستحب أن لا يعري النكاح عن تسمية الصداق، لما ثبت أن النبي ﷺ لم يتزوج أحدًا من نسائه ﵅، ولا زوج أحدَا من بناته ﵅ إلا بِصَداقٍ سماه في العقد، ولأن تسمية المهر في العقد أدفع للخصومة، وأبعد عن النزاع. عر أن ذكر المهر ليس شرطا ولا ركنا في العقد، وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه، ولذا اغتفر فيه الجهل اليسير، والغرر الذي يرجَى زَوالُه، فإن لم يُسَمَّ المهر في العقد صح بالإجماع - مع الكراهة - على أن يسمي لها مهر بعد العقد، أو يكون لها مهر المثل في ذمة الزوج، ودليل صحة العقد قوله تعالى: (لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) (البقرة: ٢٣٦) ، فرفَعَ الله الجناح عمن طَلق في نكاح لا تسمية فيه، والطلاق لا يكون إلا بعد النكاح الصحيح، فدل على جواز النكاح بلا تسمية مهر. وعن عقبة بن عامر ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل: " أترضى أن أزوجك من فلانة؟ "، قال: " نعم "، وقال للمرأة: " أترضَيْنَ أن أزوجك فلانا؟ " قالت: " نعم"، فزوج أحدَهما صاحبَه،

стр. 586

فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: " إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها صداقًا سهمي بخيبر "، فأخذته، فباعته بعد موته بمائة ألف، قال: وقال رسول الله ﷺ : " خير النكاح أيسره "، وفي رواية: " خير الصداق أيسره " (٦٩٦) . وعن علقمة قال: (أتي عبد الله - أي ابن مسعود ﵁ في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقَا، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: " أرى لها مِثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العِدة "، فشهد مَعقلُ بن سنان الأشجعي أن النبي ﷺ قضى في بَرْوَع ابنة واشق بمثل ما قضى) (٦٩٧) . ومع أن الإسلام قد جعل المهر - نقدًا أو عينا - حقا للمرأة، وألزم الزوج الوفاء به، إلا أنه حرره من عنصر " الثمنية" المادية، فلم يحدده بقدر محدد أصلا، ولم ينظر إليه بذاته، ولقد كان عرب الجاهلية يرونه ثمنًا للمرأة عند زواجها، ويطلقون عليه " النافجة"، أي الزيادة والكثرة، وكان من حق الأب، لا الابنة المخطوبة، ولذا كانت العرب في الجاهلية

стр. 587

تقول للرجل إذا وُلدت له بنت: " هنيئا لك النافجة"، أي المعظِّمة لمالك، وذلك أنه يزوجها، فيأخذ مهرها من الإبل، فيضمها إلى إبله، فينفجها، أي يرفعها، ويكثِّرها (٦٩٨) . والمهر عطية فرضها الله للمرأة: ليست مقابل شيء يجب عليها بذله إلا الوفاء بحقوق الزوجية، كما أنها لا تقبل الإسقاط - ولو رضيت المرأة - إلا بعد العقد، وهذه الآية تعلن على الملأ: (وآتوا النساء صدقاتهن (٦٩٩) نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا) . وقيل في قوله تعالى: (نِحلة) : فريضة، أي أعطوهن مهورهن حال كونها فريضةً من الله تعالى لهن، وقيل: هبة وعطية، قال ابن

стр. 588

الأنباري: " كانت العرب في الجاهلية لا تعطي النساء شيئًا من مهورهن، فلما فرض الله لهن المهر كان نحلة من الله، أي هبة للنساء، فرضًا على الرجال " (٧٠٠) . وقال القاضي أبو يعلى: (وقيل: إنما سمى المهر نحلة لأن الزوج لا يملك بدله شيئًا، لأن البضع بعد النكاح في مِلك المرأة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج، وإنما الذي يستحقه الزوج الاستباحة، لا الملك) (٧٠١) . قال الألوسي: (فإن قلت: " إن النحلة أخذت في مفهومها أيضا عدم العوض، فكيف يكون المهر بلا عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به؟ "، أجيب: " بأنه لما كان للزوجة في الجماع مثل ما للزوج أو أزيد، وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجانا لمقابلة التمتع بأكثر منه " (٧٠٢) اهـ. وقيل: النحلة: العطية بطيب نفس، أي: " لا تعطونهن مهورهن وأنتم كارهون "، وقيل: النحلة: الديانة، أي: آتوهن صدقاتهن ديانةً. والحاصل أن المهر حق مفروض للمرأة، فرضته لها الشريعة ليكون تعبيرًا عن رغبة الرجل فيها، ورمزَا لتكريمها وإعزازها، وقد صرح الفقهاء بقولهم: (المهر فُرضَ شرعَا لإظهار خطَرِ المحل) ولقد حرست الشريعة هذا الحق للمرأة، فَحَرمَت على أي إنسان أكلَه أو التصرفَ فيه بغير إذنها الكامل ورضاها الحقيقي، قال تعالى: (فإن

стр. 589

طِبنَ لكم عن شيء منه نفسًا) أي من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة ولا إخجال بالخلابة والخديعة (فكلوه هنيئًا مريئا) أي سائغا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى، وقد روى جماعة من الصحابة ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه " (٧٠٣) . قال الألوسي: (والمعنى: فإن وهبن لكم شيئا من الصداق متجافيًا عن نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون " فإن وهبن لكم شيئا منه عن طيب نفس" إيذانًا بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة، حيث جعل ذلك مبتدأ، وركنا من الكلام لا فضلة، كما في التركيب المفروض) (٧٠٤) . (وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس، وقلما يتحقق) (٧٠٥) اهـ. إن المهر - قلَّ أو كثر - حق للمرأة، في مقابل الميثاق الغليظ،

стр. 590

قال تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظًا) (النساء: ٢١) ، والميثاق الغليظ: هو حق الصحبة والمعاشرة، والإمساك بمعروف، أو التسريح بإحسان. ولقد حرص التشريع الحكيم على حماية حق المرأة في تملكها للمهر، وتوعد رسول الله ﷺ من يضيع هذا الحق بأشد الوعيد: فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوجَ امرأة؛ فلما قضى حاجتَهُ منها طلقَها، وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلًا فذهبَ بأجرته، وآخَرُ يقتل دابَّة عَبَثَا " (٧٠٦) . والمرأة لا تفقد مهرها الا في حالة واحدة فقط، هي حالة الخُلْع، وهو طلبها مفارقة الزوج مقابل مال تبذله له، وذلك جائز إذا تم مخافة أن تقيم حدود الله في زوجها بسبب كراهية تؤدي إلى تضييع حقوق الزوج، وحُسْن معاشرته (٧٠٧) ، وإذا كان عارض الكراهية من قبل الرجل، بغير ذنب منها، وخشي ألا يعاملها بما يجب بالمعروف، فله أن يُسَرحَها بإحسان، لأن عقدة الزوجية بيده، وليس له في هذه الحالة أن يأخذ مما أعطاها شيئا، بل يعطيها حقوقها كاملة لقول الله : (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارَا فلا تأخذوا منه شيئا)

стр. 591

الآية (النساء: ٢١) . ومن يُسْرِ الإسلام وسماحته، وتشجيعه على الزواج، ورفعه الحرجَ عن الأمة أنه شرع لمن لم يجد مالًا حالا أن يتزوج بمهر مؤجل، قال الفقهاء ﵏: " يصح كونُ المهر مُعَجَّلا أو مُؤجَّلاً، كله أو بعضه، إلى أجل قرِيب أو بعيد، أو أقرب الأجلين (٧٠٨) : الطلاق، أو الوفاة " (٧٠٩) . والأوْلى الموافق لفعل السلف الصالح ﵃ تعجيل المهر كله بعد تيسيره، لأن النبي ﷺ قال: " التمس ولو خاتمًا من حديد "، ولم يُزَوجْه بمؤخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقا يَضُرُّ به إن نقَدَه، ويعجز عن وَفائه إن كان دَينًا ... ، وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته، وهو ينوي أن لا يعطيها إياه كان ذلك حرامًا عليه.. وما يفعله أهل الجفاء والخيلاء والرياء من تكثير المهر للرياء

стр. 592

والفخر (٧١٠) ، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إياه: فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة (٧١١) . وإذا قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه، فقد حمل نفسه، وشغل ذمته، وتعرض لنقص حسناته، وارتهانه بالدين، وأهل المرأة قد آذَوْا صِهرَهم، وضَرُّوه) (٧١٢) اهـ. قال الشيخ محمد كمال الدين الأدهمي: (وللزوج أن يخلص من التبعة، فيعطيها - وهو في حياته، وهي تحت

стр. 593

عصمته - مؤجل صداقها الذي تستحقه بطلاقها أو بموته تخلصا من تبعة الدينِ الثقيلة الوطأة على المَدِين - المديون- ولها أن تسقط عنه مهرها المؤجل كله أو بعضه، في حياته وبعد موته، وعليه أن يوصي به- أي بلزوم دفع مؤجل مهرها - وليست هذه وصية صدقة، بل وصية تأدية حق كالديون الأخرى، يسْأل عنها في قبره، ويعذب على سكوته عليها، قال رسول الله ﷺ : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاةِ الجَلْحَاء من الشاة القرناء تنطحها، رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وقال في حديث آخر: (نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يُقضَى عنه، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة) (٧١٣) اهـ.

стр. 594

كراهة المغالاة في المهور لقد فرض الشرع الشريف المهر للزوجة منحة تقدير تحفظ عليها حياءها وخَفرَها، وتعبر عن تكريم الزوج لها ورغبته فيها، إلا أنه مِن جانب آخر- حَث على يُسْرِه وخِفتِهِ. - فعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " خير النكاح أيسره " (٧١٤) . وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن من يُمْنِ المرأة: تيسيرَ خِطبتها، وتيسير صداقها، وتيسيرَ رحِمها " (٧١٥) ، قال عروة: " يعني تيسير رحمها للولادة. وأتبع النبي ﷺ السنة القولية بالسنة العملية موضحا معنى هذا التيسير، فلم يزد في مهور بناته ولا نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقِيَّةً ونَشًّا: - فعن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر يومًا، فقال: " ألا لا تُغَالوا في صدُقاتِ النساء، فإن ذلك لو كان مَكْرُمَة (٧١٦) في الدنيا، وتقوى

стр. 595

عند الله، كان أوْلاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدقَ رسولُ الله ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أصْدِقَتْ امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عَشرةَ أوقية " (٧١٧) .

стр. 596

- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂: كم كان صَداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقُه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: " أتدري ما النشُّ؟ "، قلت: " لا"، قالت: " نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم ") (٧١٨) . - وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: " لما تزوج عليّ بفاطمة ﵄، وأراد أن يدخل بها، قال له رسول الله ﷺ : " أعطها شيئا "، قال: " ما عندي شيء "، قال " أين دِرْعكَ الحطَمِية "؟ ، فأعطاها درعه) (٧١٩) . - وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن ابن عوف أثر صُفرة، فقال: " ما هذا؟ " قال: " يا رسول الله إني تزوجت امرأة من الأنصار "، قال: " كم سُقْتَ إليها؟ "، قال: " زِنةَ

стр. 597

نواة من ذهب "، قال: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة "، وفي رواية البيهقي: " على وزن نواة من ذهب، قُومَت خمسة دراهم) (٧٢٠) . وغضب رسول الله ﷺ من كثرة المهر، فقد جاءه رجل من الصحابة يستعينه، فقال رسول الله ﷺ : " على كم تزوجتها؟ "، قال: " على أربع أواقٍ "، فقال له النبي ﷺ : " على أربع أواقٍ؟ كأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثَك في بَعْثٍ تُصِيبُ منه " (٧٢١) الحديث. قال الإمام الشافعي ﵀: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأستحب أن لا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله ﷺ نساءه وبناته، وذلك خَمسمائة درهم) (٧٢٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [ (والمستحب في الصداق - مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ﷺ ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوا من تسعة عشر دينارا، فهذه سنة رسول الله ﷺ ، من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق، قال أبو هريرة ﵁: " كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم " (٧٢٣) إلى أن قال ﵀:

стр. 598

(.. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة، فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة) اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: (.. وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق، فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب، قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث، وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أيم من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به) (٧٢٤) ] اهـ. هكذا كانت سيرة السلف الصالح ﵃ في شأن المهر، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلف سيطر على أفكارهم النظرة التجارية، فتراهم يُغالون في المهور، حتى إنه لا يكاد يخرج بعضهم من عقد زواج إلا وهم يتحدثون عن المهر، وكم بلغ من الأرقام القياسية..! ؟ كأنما خرجوا من حلبة سباق، أو مزايدة! وترى بعضهم إذا خطب إليه الرجل ابنته أو موليته أخذ يُحِدُّ شفرته ليفصل ما بين لحمه وعظمه، فإذا قطع منه اللحم، وهشم العظم، وأخذ منه كل ما يملك، سلمَها له، وهو في حالة بؤس وفقر شديدين، مُثْقَلا بأوزار الديون، والتي من لوازمها الهموم والغموم التي تكدر عليه صفوه، فتذله بالنهار، وتقض مضجعه بالليل، ويغلي بنارها قلبه، ولا تزال به حتى تجعل القوي ضعيفًا، والسمين نحيفًا، كما قيل:

стр. 599

والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم إن المغالاة في المهور، وعدم تيسيرها أنتجت أسوأ العواقب، فتركت البنات العذارى عوانس وأيامى في بيوت آبائهن، يأكلن شبابهن، وتنطوي أعمارهن سنة بعد سنة (٧٢٥) ، وتعذَّر النكاح على جمهور الشباب بل تعسر، فعزفوا عنه، رغم رغبتهم فيه، بل حاجتهم إليه، وفي هذا مضادة لمقاصد الشريعة التي رغبت في النكاح والتناسل، وبهذا يعلم مدى شؤم مخالفةَ مَنْ هَدْيُه خير الهدي ﷺ في الآخرة والأولى.

стр. 600

ليس من الإسلام ليس من الإسلام: ما نراه اليوم من استبداد بعض الآباء بمهور بناتهم والإجحاف بها، أو استيلاء بعض الأشقاء على مهور أخواتهن. وليس من الإسلام: ما يرتكب في بعض البيئات الجاهلية حيث يعمد بعض الناس إلى المقايضة بين النساء في سبيل توفير المهر، وهو المسمى " نكاح الشغار " يزوج الرجل ابنته أو أخته مقابل أن يزوجه ذلك الشخص ابنته أو أخته، وقد قال رسول الله ﷺ : " لا شِغار في الإسلام " (٧٢٦) . وذلك لأن كل واحد منهما جعل بُضْعَ كل واحدة منهما مهرًا للأخرى، والبُضع ليس بمال، فلا يصلح مهرا. وليس من الإسلام: " ما يحاوله بعض الذين استعبدتهم أوربة أن يغضوا من شأن المهر، والإفاضة في ذكر مساوئ المغالاة فيه بهدف التوصل إلى غاية خطيرة ألا وهي: إلغاء المهر، كلا.. فليس من المنطق الصحيح في شيء أن نعالج تعسف الناس في استعمال القانون بأن نلغي القانون، لأنا بهذا لن نبقي في الدنيا قانونا، إنما نكون كالذي آلمته عينه فعمد إليها وقلعها، كي لا تؤلمه من بعد. . . وقد أدى هذا المسلك الوخيم بالأوربيين إلى أن تُقَدمَ المرأة هناك بعض المال للرجل، وتكلف هي بإعداد المنزل من مالها.. نعم من مال المرأة..! ! . وهذا معناه أنه لا تزوج المرأة إلا إذا كانت ذات مال، أو تضطر لمعاناة مشقات الحياة ونكد الدنيا لتحصيل نفقات الزواج، ومعناه أيضًا
следующие страницы →