← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

- وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة ﵂: كم كان صَداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقُه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: " أتدري ما النشُّ؟ "، قلت: " لا"، قالت: " نصف أوقية، فذلك خمسمائة درهم ") (٧١٨) . - وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: " لما تزوج عليّ بفاطمة ﵄، وأراد أن يدخل بها، قال له رسول الله ﷺ : " أعطها شيئا "، قال: " ما عندي شيء "، قال " أين دِرْعكَ الحطَمِية "؟ ، فأعطاها درعه) (٧١٩) . - وعن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن ابن عوف أثر صُفرة، فقال: " ما هذا؟ " قال: " يا رسول الله إني تزوجت امرأة من الأنصار "، قال: " كم سُقْتَ إليها؟ "، قال: " زِنةَ

стр. 597

نواة من ذهب "، قال: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة "، وفي رواية البيهقي: " على وزن نواة من ذهب، قُومَت خمسة دراهم) (٧٢٠) . وغضب رسول الله ﷺ من كثرة المهر، فقد جاءه رجل من الصحابة يستعينه، فقال رسول الله ﷺ : " على كم تزوجتها؟ "، قال: " على أربع أواقٍ "، فقال له النبي ﷺ : " على أربع أواقٍ؟ كأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثَك في بَعْثٍ تُصِيبُ منه " (٧٢١) الحديث. قال الإمام الشافعي ﵀: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأستحب أن لا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله ﷺ نساءه وبناته، وذلك خَمسمائة درهم) (٧٢٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [ (والمستحب في الصداق - مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النبي ﷺ ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوا من تسعة عشر دينارا، فهذه سنة رسول الله ﷺ ، من فعل ذلك فقد استن بسنة رسول الله ﷺ في الصداق، قال أبو هريرة ﵁: " كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم " (٧٢٣) إلى أن قال ﵀:

стр. 598

(.. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله ﷺ اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة، فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة) اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: (.. وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصداق، فتزوج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب، قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث، وزوج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أيم من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به) (٧٢٤) ] اهـ. هكذا كانت سيرة السلف الصالح ﵃ في شأن المهر، ثم خَلَفَ من بعدهم خَلف سيطر على أفكارهم النظرة التجارية، فتراهم يُغالون في المهور، حتى إنه لا يكاد يخرج بعضهم من عقد زواج إلا وهم يتحدثون عن المهر، وكم بلغ من الأرقام القياسية..! ؟ كأنما خرجوا من حلبة سباق، أو مزايدة! وترى بعضهم إذا خطب إليه الرجل ابنته أو موليته أخذ يُحِدُّ شفرته ليفصل ما بين لحمه وعظمه، فإذا قطع منه اللحم، وهشم العظم، وأخذ منه كل ما يملك، سلمَها له، وهو في حالة بؤس وفقر شديدين، مُثْقَلا بأوزار الديون، والتي من لوازمها الهموم والغموم التي تكدر عليه صفوه، فتذله بالنهار، وتقض مضجعه بالليل، ويغلي بنارها قلبه، ولا تزال به حتى تجعل القوي ضعيفًا، والسمين نحيفًا، كما قيل:

стр. 599

والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم إن المغالاة في المهور، وعدم تيسيرها أنتجت أسوأ العواقب، فتركت البنات العذارى عوانس وأيامى في بيوت آبائهن، يأكلن شبابهن، وتنطوي أعمارهن سنة بعد سنة (٧٢٥) ، وتعذَّر النكاح على جمهور الشباب بل تعسر، فعزفوا عنه، رغم رغبتهم فيه، بل حاجتهم إليه، وفي هذا مضادة لمقاصد الشريعة التي رغبت في النكاح والتناسل، وبهذا يعلم مدى شؤم مخالفةَ مَنْ هَدْيُه خير الهدي ﷺ في الآخرة والأولى.

стр. 600

ليس من الإسلام ليس من الإسلام: ما نراه اليوم من استبداد بعض الآباء بمهور بناتهم والإجحاف بها، أو استيلاء بعض الأشقاء على مهور أخواتهن. وليس من الإسلام: ما يرتكب في بعض البيئات الجاهلية حيث يعمد بعض الناس إلى المقايضة بين النساء في سبيل توفير المهر، وهو المسمى " نكاح الشغار " يزوج الرجل ابنته أو أخته مقابل أن يزوجه ذلك الشخص ابنته أو أخته، وقد قال رسول الله ﷺ : " لا شِغار في الإسلام " (٧٢٦) . وذلك لأن كل واحد منهما جعل بُضْعَ كل واحدة منهما مهرًا للأخرى، والبُضع ليس بمال، فلا يصلح مهرا. وليس من الإسلام: " ما يحاوله بعض الذين استعبدتهم أوربة أن يغضوا من شأن المهر، والإفاضة في ذكر مساوئ المغالاة فيه بهدف التوصل إلى غاية خطيرة ألا وهي: إلغاء المهر، كلا.. فليس من المنطق الصحيح في شيء أن نعالج تعسف الناس في استعمال القانون بأن نلغي القانون، لأنا بهذا لن نبقي في الدنيا قانونا، إنما نكون كالذي آلمته عينه فعمد إليها وقلعها، كي لا تؤلمه من بعد. . . وقد أدى هذا المسلك الوخيم بالأوربيين إلى أن تُقَدمَ المرأة هناك بعض المال للرجل، وتكلف هي بإعداد المنزل من مالها.. نعم من مال المرأة..! ! . وهذا معناه أنه لا تزوج المرأة إلا إذا كانت ذات مال، أو تضطر لمعاناة مشقات الحياة ونكد الدنيا لتحصيل نفقات الزواج، ومعناه أيضًا

стр. 601

أن نغض من كرامة المرأة، ونضطرها أن تسعى إلى الرجل تطلب يده، فنفرض عليها أن تمزق حجب الحياء والخفر الذي هو زينة أخلاق المرأة، وميزان أصالتها ... إننا نرفض الدعوة إلى إلغاء المهر، لأننا لا نقبل التفريط فيما شرع الله من تكريم المرأة وإعزازها، كما أننا في نفس الوقت نرفض الاعتبارات التجارية التي تسيطر على أفكار طائفة من الناس وطائفة من السيدات، إذ يؤدي إلى التغالي في المهور الذي يئن منه المجتمع، ويرزح تحت أعبائه شبابنا وفتياتنا على حد سواء. إن المهر هدية تعطى للمرأة، فهل يقتنع العقل قط أن المُهدَى إليه يشارط فيها، ويكلف صاحبه من أمره شططا؟!) (٧٢٧) اهـ. (٢) النفقة ومن حقوق الزوجة المادية وجوب نفقتها على زوجها، وهي تشمل الطعام، والشراب، والملبس، والمسكن (٧٢٨) ، وسائر ما تحتاج إليه الزوجة (٧٢٩) لإقامة مهجتها، وقوام بدنها.

стр. 602

وقد أخبر أن الرجال هم المنفقون على النساء، ولذلك كانت لهم القوامة والفضل عليهن بسبب الإنفاق عليهن بالمهر والنفقة، فقال ﵎: (الرجال قوامُون على النساء بما فضلَ الله بعضهم على بعض وبما أنففوا من أموالِهم) (النساء: ٣٤) . وقد دل على وجوب هذه النفقة؟ الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أما أدلة الكتاب الكريم: - فمنها قوله تعالى: (لينفق ذو سعَةِ من سعته. ومن قُدِرَ عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. سيجعل الله بعد عُسْر يُسْرًا) (الطلاق: ٧) . - ومنها قوله جل وعلا: (وعلى المولود له رزقُهن وكِسوَتهن بالمعروف لا تكَلَّفُ نفس إلا وُسعَها) (البقرة: ٢٣٣) . - ومنها قوله سبحانه: (وإن كُن أولاتِ حَمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حَملَهن) (الطلاق: ٦) . فدلت الآية على وجوب النفقة على المطلقة الحامل، فكانت النفقة للزوجة من باب أولى. وأما أدلة السنة الشريفة: فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف " (٧٣٠) .

стр. 603

وعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه رسول الله ﷺ يقول قي حجة الوداع: ".. ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حَقُّكم على نسائكم: فلا يوطئن فُرُشَكم مَنْ تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحَقُّهُنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوَتهن وطعامهن " (٧٣١) . وعن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: " يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ "، قال: " أن تُطعمها إذا طعِمتَ (٧٣٢) ، وتكسوَها إذا اكتسيت، ولا تُقَبح الوجه (٧٣٣) ، ولا تضرب " (٧٣٤) ، وفي رواية للإمام أحمد بزيادة: " ولا تهجر إلا في البيت (٧٣٥) ، كيف وقد

стр. 604

أفضى بعضكم إلى بعض (٧٣٦) ، إلا بما حل عليهن " (٧٣٧) . قال البغوي: (قال أبو سليمان الخطابي: في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها، وهو على قدر وُسع الزوج (٧٣٨) ، وإذا جعله النبي ﷺ حقا لها، فهو لازم حضر، أو غاب، فإن لم يجد في وقته، كان دينًا عليه كسائر الحقوق الواجبة، سواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته، أو لم يفرض) (٧٣٩) اهـ.

стр. 605

وقد رُوي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت " (٧٤٠) . وعن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ : " إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفِظَ ذلك أم ضَيع، حتى يَسألَ الرجلَ عن أهل بيته) (٧٤١) . وعن قيس بن حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: " والله لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيبيعه، ويستغني به، ويتصدق منه، خير له من أن يأتي رجلا فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول) (٧٤٢) ، وفي رواية: (فقيل: " مَنْ أعول يا رسول الله؟ " قال: " امرأتك ممن تعول " (٧٤٣) ،

стр. 606

تقول (٧٤٤) : " أطعمني، وإلا فارقني، وجاريتك تقول: (أطعمني، واستعملني "، وولدك يقول: " إلى مَن تتركني؟ ". وجاء في تفسير قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) أن العفو: الزائد على قدر الحاجة التي لابد منها على أصح (٧٤٥) التفسيرات، وهو مذهب الجمهور، وقد قال ﷺ : " وابدأ بمن تعول" (٧٤٦) ، وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلِذي قرابتك، فإن فضل عن ذى قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: " فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك، (٧٤٧) ، وعن جابر بن سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا أعطى الله أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته " (٧٤٨) .

стр. 607

وعن عائشة ﵂ قالت: (إن هند بنت عُتْبة قالت: " يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يُعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم"، فقال: (خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف" (٧٤٩)) . قال ابن قدامة ﵀: (وفيه دلالة على وجوب النفقة لها على زوجها (٧٥٠) ، وأن ذلك مقدر بكفايتها، وأن نفقة ولده عليه دونها بقدر كفايتهم، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها، من غير

стр. 608

علمه إذا لم يعطها إياه " (٧٥١) . وأما دليل الإجماع على وجوب النفقة: فقد نقله كثير من العلماء منهم ابن المنذر، والمهلب، وابن قدامة، والنووي، وابن حجر ﵏ أجمعين. قال ابن قدامة ﵀: (وأما الإجماع فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن، ذكره ابن المنذر وغيره) (٧٥٢) اهـ وأما دليل العقل (٧٥٣) : فهو أن المرأة محبوسة على الزوج بمقتضى عقد الزواج، ممنوعة من التصرف والاكتساب لتفرغها لحقه، فكان نفع حبسها عائذا عليه، فكان عليه أن ينفق عليها، وعليه كفايتها وإلا هلكت، لأن الغنم بالغرم، والخراج بالضمان، فالنفقة جزاء الاحتباس، فمن احتبس لمنفعة غيره وجبت نفقته في مال الغير كالقاضي والولي والموظف والجندي جعل رزقهم في بيت المال لأن كلا منهم محبوس لحق المسلمين، ممنوع من التكسب لتفرغه لمصالحهم. من أجل هذا تجب نفقة الزوجة على الزوج حتى ولو كانت الزوجة موسرة (٧٥٤) ، لأن نفقتها لم تجب للحاجة، وإنما بسبب احتباسها لحق الزوج.

стр. 609

......................

стр. 610

[فصل] استحباب تصدق المرأة على زوجها وولدها عن زينب - امرأة عبد الله بن مسعود ﵄ قالت: (قال رسول الله ﷺ : (تَصَدقْنَ يا معشر النساء، ولو من حُلِيكُن "، قالت: " فرجعتُ إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فَائْتِهِ "، فاسْألهُ، فإن كان ذلك يجزى عني، وإلا صرفتُها إلى غيركم؟ "، فقال في عبد الله: " بل ائتيه أنت "، قالت: فانطلقتُ، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ ، حاجتي حاجتُها، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقِيَتْ عليه المهابةُ، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: " ائتِ رسولَ الله ﷺ فَأخْبِرْهُ: أن امرأتين بالباب، يسألانك: أتجْزئُ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن "، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : " من هما؟ " قال: " امرأة من الأنصار وزينب "، فقال رسول الله ﷺ : " أي الزيانب؟ "، قال: " امرأةُ عبدِ الله "، فقال رسول الله ﷺ : " لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة " (٧٥٥) ، وفي رواية للبخاري: أنها قالت للنبي ﷺ :

стр. 611

" يا نبي الله، انك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلِيّ لي، فأردتُ أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولدَ أحقُّ من تُصُدقَ به عليهم "، فقال النبي ﷺ : " صدق ابنُ مسعود، زوجُكِ وولدُك أحقُّ من تصدقتِ به عليهم "، وفي رواية ابن خزيمة: " تصدقي به عليه وعلى بنيه، فإنهم له موضع ". فضل الإنفاق على الأهل والأولاد ثبت في فضل النفقة على الأهل أحاديث كثيرة: منها: ما رواه أبو مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها، كانت له صدقة " (٧٥٦) . ومنها: ما رواه سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: " إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر، حتى اللقمة ترفعها

стр. 612

إلى في امرأتك " (٧٥٧) . وعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة (٧٥٨) ، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرَا الذي أنفقته على أهلك " (٧٥٩) . وعن المقدام بن معديكرب ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ما أطعمتَ نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة) (٧٦٠) . وعن كعب بن عُجرَة ﵁ قال: (مرَّ على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحابه من جَلَده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: " يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله؟ "، قال رسول الله ﷺ : " إن كان خرج يسعى على أولاده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو

стр. 613

في سبيل الشيطان ") (٧٦١) . وعن عبد الله بن المبارك ﵀ قال: " لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله " (٧٦٢) . وقال ﵀ وهو مع إخوانه في الغزو: " تعلمون عملًا أفضل مما نحن فيه؟ "، قالوا: " ما نعلم ذلك"، قال: " أنا أعلم "، قالوا: " فما هو؟ "، قال: " رجل متعفف ذو عائلة، قام من الليل، فنظر إلى صبيانه نيامًا متكشفين، فسترهم، وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه " (٧٦٣) . وينبغي على الرجل أن يطعمها وأولادها حلالا لا إثم فيه، ولا شبهة، فإن طلب الحلال فرض عين عند أهل الكمال. عن كعب بن عُجْرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يا كعبُ ابن عجرة" إنه لا يدخل الجنة لحمٌ ودم نَبَتا على سحْت؛ النار أولى به " (٧٦٤) الحديث. ولهذا كانت الزوجة من السلف الصالح تقول لزوجها إذا خرج إلى عمله: " اتق الله، وإياك والكسبَ الحرام، فإنا نصبر على الجوع والضر، ولا نصبر على النار " (٧٦٥) .

стр. 614

ومن النفقة الواجبة: (٣) المسكن قال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ تعالي: (ويجب لها مسكن (٧٦٦) بدليل قوله : (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم) فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فَلِلتي في صلب النكاح أوْلى، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) ، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن (٧٦٧) ، ولأنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف والاستمتاع، وحفظ المتاع، ويكون المسكن على قدر يسارهما وإعسارهما لقول الله تعالى: (من وُجْدِكم) (٧٦٨) ولأنه واجب لها لمصلحتها في الدوام فجرى مجرى النفقة والكسوة) (٧٦٩) اهـ.

стр. 615

والسُّكْنَى من كفايتها، فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله مقرونا بالنفقة، وإذا وجب حقا لها، فليس له أن يشرك غيرها فيه، إلا أن ترضى بذلك، فإن تضررت من السكنى مع ضرتها أو أحمائها، أو كانوا يؤذونها، فعليه أن يُسكِنَها في منزل منفرد ملائم لحاله يسارا وإعسارا، والله تعالى أعلم.

стр. 616

(ب) الحقوق الأدبية (٤) حرية المرأة في اختيار الزوج لقد حفظ لها الإسلام حقها في اختيار الزوج، واحترم إرادتها فيه، إذ إن هذا الموقف هو أدق المواقف في حياتها، وأمسها بمستقبلها، وهل هناك ما هو أدل على احترام الإسلام رَأي المرأة في هذا الموطن من حديث أم هانئ بنت أبي طالب وقد خطبها رسول الله ﷺ ، فقالت: " يا رسول الله لأنت أحب إلي من سمعي ومن بصرى، وإني امرأة مُؤتمة، وبني صغار، وحق الزوج عظيم، فأخشى إن أقبلتُ على زوجي أن أضيعَ بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضيع حق زوجي "، فقال رسول الله ﷺ : " إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولَدٍ في صِغره، وأرعاه على بَعْل في ذات يده " (٧٧٠) . تلك امرأة أبدت صفحة العذر عن بلوغ أقدس منزلة تبلغها المرأة المسلمة، وهى منزلة أمومة المؤمنين، فأكبر رسول الله ﷺ رأيها إكبارًا قلَّد قريشا بأسرها تلك الشهادة العالية الكريمة. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية يُنْكحُها أهلُها، أتستأمَرُ أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : " نعم تُستأمر "، فقالت: فقلت له: إنها تستحيي، فقال رسول الله ﷺ : " فذلك إذنُها إذا هي سكتت " (٧٧١) ، وفي لفظ النسائي وأحمد: " استأمروا

стр. 617

النساء في أبضاعهن "، قيل: " فإن البكر تستحيي أن تكلم؟ " قال: " سكوتها إذنها ") . غير أن في المسألة تفصيلا نذكره فيما يلي: أولًا: البكر الصغيرة: يجوز للأب تزويج البكر الصغيرة قبل البلوغ بدون إذنها، لأنها لا إذن لها، قال الحافظ ابن حجر: (إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها) (٧٧٢) ، وقد دل على ذلك القرآن، والسنة، والإجماع: - أما القرآن الكريم: فقول الله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يَحضنَ) (الطلاق: ٤) ، (فجعل لِلَّائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من الطلاق في نكاح أو فسخ، فدل ذلك على أنها تُزَوج، وتطلق، ولا إذن لها فيعتبر) (٧٧٣) . وقال : (وأنكحوا الأيامى منكم) (النور: ٣٢) ، والأيم: الأنثى التي لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة. - وأما السنة: فإن أبا بكر الصديق ﵁ زوج ابنته عائشة ﵂ رسولَ الله ﷺ وهى بنتُ سِتِّ سنين، وبنى بها وهي بنت تسع

стр. 618

سنين (٧٧٤) وعنها ﵂: " أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين، وَزُفَّت إِليه وهي بنت تسع سنين، ولُعَبُها معها " (٧٧٥) الحديث. وعنها ﵂ قالت: " تزوجني رسول الله ﷺ لِسِتّ سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، قالت: فقدمنا المدينة، فَوُعِكتُ شهرًا، فَوَفَى شعري جُمَيْمَةً، فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخَتْ بي، فأتيتها، وما أدرى ما تريد بي، فأخذَتْ بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هَهْ هَهْ حتى ذهب نفَسِي، فأدخلتني بيتًا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: " على الخير والبركة، وعلى خير طائر"، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي، وأصلحْنَنِي، فلم يَرُعْنِي إلا ورسولُ الله ﷺ ضُخى، فأسلمنني إليه " (٧٧٦) ، ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها. وقد زَوجَ عَلِىُّ ﵁ ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب ﵁ (٧٧٧) . - وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: " أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوَّجها من كفء) (٧٧٨) اهـ.

стр. 619

تنبيهان: الأول: اعلم- رحمك الله- أن الحكمة من جواز تزوج الصغيرة قد تكمن في ظهور مصلحة لها في ذلك، ويكون الأب قد وجد الكفء، فلا يُفَوته إلى وقت البلوغ، ومع هذا الجواز فالأفضل أن يتريث حتى تكبر، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في القديم: " أستحب للأب أن لا يزوجها حتى تبلغ، لتكون من أهل الإذن، لأنه يلزمها بالنكاح حقوق " (٧٧٩) اهـ. الثاني: أنه - وإن جاز العقد عليها وهي صغيرة - إلا أنه لا يمكن منها حتى تصلحَ للوطء (٧٨٠) . ثانيَا: البالغ الثيب: (٧٨١) وهذه لا يجوز تزويجها بغير إذنها، وإذنها الكلام بخلاف البكر فإذنها الصمات، ولا يجوز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح، سواء كان الولي أبا أو جدُّا أو غيرهما، وهذا قول عامة أهل العلم. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وَرَدُّ النكاح إذا كانت ثيبا فَزُوجَتْ بغير رضاها: إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت) (٧٨٢) اهـ. (وقال إسماعيل بن إسحاق: " لا أعلم أحدًا قال في البنت بقول الحسن "، وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة) (٧٨٣) اهـ.

стр. 620

وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " الأيم أحق (٧٨٤) بنفسها من وليها، والبكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها " (٧٨٥) . وروى البخاري من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر"، ووقع عند ابن المنذر والدارمي والدارقطني بلفظ: " لا تُنكح الثيب"، وعند ابن المنذر أيضًا: " الثيب تُشاوَر" (٧٨٦) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وظاهر هذا الحديث أن الأيم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في "الأيم"، ومنه قولهم: " الغزو مأيمة" أي: يقتل الرجال فتصير النساء أيامى) (٧٨٧) اهـ. وقال أيضًا: (قوله " حتى تستأمر" أصل الاستثمار طلب الأمر، فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله "تستأمر" أنه لا يعقد عليها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي، بل فيه إشعار باشتراطه) (٧٨٨) اهـ. فأمر الثيب إلى نفسها، ويحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد،

стр. 621

لأن " الأمر " صريح في القول والنطق باللسان، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، قال البغوي: (فإن زوجها وليها بغير إذنها، فالنكاح مردود) (٧٨٩) . وعن خنساء بنت خِدام الأنصارية ﵂: (أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فَرَدَّ نكاحَها) (٧٩٠) . ثالثًا: البكر البالغة: وهذه فيها قولان مشهوران: أحدهما: أن البكر تُستأذنَ تطييبًا لنفسها، لا أن إذنها شرط في صحة العقد كما في الثيب. وهذا مذهب مالك، والشافعي، والليث، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وهو رواية عن أحمد، واختاره الخرقي، والقاضي، وأصحابه. والثاني: أنه يُشترَطُ إذنُها كما يُشترط إذن الثيب، فلا يجوز إجبارها على النكاح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر، وهو الرواية الثانية عن أحمد واختاره أبو بكر عبد العزيز، وصوَّبه شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال ﵀: (وهذا القول هو الصواب، والناس متنازعون في " مناط الإجبار" هل هو البكارة؟ أو الصغر؟ أو مجموعها؟ (٧٩١) ؟ أو كل منهما؟ على أربعة أقوال

стр. 622

في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أن مناط الإجبار هو الصغر، وأن البكر البالغ لا يجبرها أحد على النكاح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر (٧٩٢) فقيل له: "إن البكر تستحيي" فقال: " إذنها صماتها"، وفي لفظ في الصحيح: " البكر يستأذنها أبوها". فهذا نهي النبي ﷺ : " لا تنكح البكر حتى تُستأذن "، وهذا يتناول الأب وغيره، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة، وأن الأب نفسه يستأذنها. وأيضًا: فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها إذا كانت رشيدة إلا بإذنها، وبضعُها أعظم من مالها (٧٩٣) ، فكيف يجوز أن يتصرف في بُضْعِها مع كراهتها ورشدها؟!

стр. 623

وأيضا: فإن الصغر سبب الحجر بالنص والإجماع، وأما جعل البكارة موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام؛ فإن الشارع لم يجعل البكارة سببا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع. وأيضًا فإن الذين قالوا بالإجبار اضطربوا فيما إذا عينت كفوًا، وعين الأب كفوًا آخر: هل يؤخذ بتعيينها؟ أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد، فمن جعل العبرة بتعيينها نقض أصله، ومن جعل العبرة بتعيين الأب، كان في قوله من الفساد والضرر والشر ما لا يخفى؛ فإنه قد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " الأيم أحق بنفسها من وليها؛ والبكر تستأذن، وإذنها صماتها " وفي رواية: " الثيب أحق بنفسها من وليها "، فلما (٧٩٤) جعل الثيب أحق بنفسها، دل على أن البكر ليست أحق بنفسها؛ بل الولي أحق (٧٩٥) ، وليس ذلك إلا للأب والجد، هذه عمدة المجبرين، وهم تركَوا العمل بنص الحديث، وظاهره؛ وتمسكوا بدليل خطابه؛ ولم يعلموا مراد الرسول ﷺ ، وذلك أن قوله: " الأيم أحق بنفسها من وليها " يعم كل ولي، وهم يخصونه بالأب والجد (٧٩٦) ، و"الثاني"

стр. 624

قوله: " والبكر تستأذن"، وهم لا يوجبون استئذانها؛ بل قالوا: هو مستحب (٧٩٧) ، حتى طرد بعضهم قياسه؛ وقالوا: " لما كان مستحبا اكتفي فيه بالسكوت"، وادعي أنه حيث يجب استئذان البكر، فلابد من النطق، وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. وهذا مخالف لإجماع المسلمين قبلهم؟ ولنصوص رسول الله ﷺ ؛ فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة المستفيضة؛ واتفاق الأئمة قبل هؤلاء أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها.

стр. 625

وأما المفهوم: فالنبي ﷺ فرَّق بين البكر والثيب؛ كما قال في الحديث الآخر: " لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر "، فذكر في هذه لفظ " الإذن" وفي هذه لفظ " الأمر"، وجعل إذن هذه الصمات، كما أن إذن تلك النطق، فهذان هما الفرقان اللذان فرق بهما النبي ﷺ بين البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار؛ وذلك لأن "البكر" لما كانت تستحيي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها؛ بل تخطب إلى وليّها، ووليُّها يستأذنها، فتأذن له؛ لا تأمره ابتداءً، بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صماتها، وأما الثيب لقد زال عنها حياء البكر، فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يعطيها (٧٩٨) فيزوجها من الكفؤ إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذَن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ . وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له، ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟) إلى أن قال ﵀: (والشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا لم ترده، بل إذا كرهت الزوج، وحصل بينهما شقاق، فإنه يُجعل أمرها إلى غير الزوج لمن ينظر في المصلحة من أهلها، مع من ينظر في المصلحة من أهله، فيخلصها من الزوج بدون أمره؛ فكيْفَ تؤسر معه أبدًا بدون أمرها؟ والمرأة أسيرة مع الزوج؛ كما قال النبي ﷺ (٧٩٩) :

стр. 626

" اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (٨٠٠)) اهـ. ومما يدل لهذا المذهب إضافة إلى ما تقدم: - ما رواه ابن عباس ﵄: (أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ﷺ (٨٠١) . ويروَى عن ابن عمر ﵄ أنه (قال لأبيه عمر بن الخطاب ﵁: " اخطب عَلي ابنة صالح "، فقال: " إن له يتامى، ولم يكن ليؤثرنا عليهم "، فانطلق عبد الله إلى عمه زيد بن الخطاب ليخطب، فانطلق زيد إلى صالح، فقال: " إن عبد الله بن عمر أرسلني إليك يخطب ابنتك"، فقال: " لي يتامى، ولم أكن لأترب لحمي - أي أهين قرابتي -، وأرفع لحمكم، أشهدكم أني أنكحتها فلانا " - وكان هوى أمها إلى عبد الله ابن عمر -، فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: " يا نبي الله، خطب عبد الله بن عمر ابنتي، فأنكحها أبوها يتيما في حَجْرِه، ولم يؤامرها"، فأرسل رسول الله ﷺ إلى صالح فقال: " أنكحت ابنتك، ولم تؤامرها؟ "،

стр. 627

فقال: " نعم"، فقال: " أشيروا على النساء في أنفسهن " (٨٠٢) ، وهي بِكر، فقال صالح: " فإنما فَعَلْتُ هذا لما يُصْدِقُها ابن عمر، فإن له في مالي مثلَ ما أعطاها " (٨٠٣) . وقد وقعت لابن عمر قصة أخرى خلاف هذه: قال ﵄: (توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون - قال عبد الله: وهما خالاي - قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوَّجَنيها، ودخل المغيرة بن شعبة - يعني إلى أمها - فأرْغَبَها في المال، فحطَّت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: " يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتُها ابنَ عمتها عبد الله بن عمر فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها! فقال رسول الله ﷺ : " هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها "، قال: فانتُزِعَتْ والله مني بعد أن ملكتُها، فزوجوها المغيرة بن شعبة (٨٠٤) .

стр. 628

والحاصل (٨٠٥) : أنه لا يجوز أن تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوج إلا برضاها، فإن وقع لم يصح العقد، وهذا مذهب الأوزاعي، والثوري، والحنفية، وغيرهم، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم. وهذا هو المذهب الحق الذي يجب أن ندين الله به، ولا نعتقد سواه، للأسباب الآتية: أولاً: أنه موافق لحكم رسول الله ﷺ ، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، كما في حديث ابن عباس ﵄. ثانيا: أنه موافق لأمره ﷺ ، فإنه قال: " والبكر تستأذن"، وهذا أمر مؤكد، لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوتهِ ولزومه، والأصل في أوامره ﷺ أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه. ثالثا: أنه موافق لنهيه ﷺ ، وهو الوارد في قوله: " لا تنكح البكر حتى تُستأذن " فَأمَرَ، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إِثبات للحكم بأبلغ الطرق. رابعا: أنه موافق لقواعد شرعه ﷺ ، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، فكيف يجوز أن يُرِقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو مِن أبغض شيء إليها؟

стр. 629

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر عنه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طول يؤذي صاحبه كذلك، ولا يمكن فراقه) (٨٠٦) اهـ. خامسا: أنه موافق لمصالح الأمة، ولا يخفى مصلحةُ البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصولُ مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك ممن تُبغِضه وتنفر عنه، قال الشاه ولي الله الدهلوي ﵀: " لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها، ولأن حار العقد وقاره (٨٠٧) راجعان إليها " (٨٠٧) اهـ. وقد ثبتت أحاديث تدل على أن المرأة إذا أبغضت الزوج لم يكن لوليها إكراهها على عشرته، وإذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما (٨٠٩) : فمن ذلك: ما ثبت من أن بَرِيرة - وهى جارية حبشية - ملكها عتبة بن أبي لهب وزوجها عبدا من عبيد المغيرة ما كانت لترضاه لو كان لها أمرها، فأشفقت عليها عائشة أم المؤمنين ﵂، فاشترتها، وأعتقتها، فقال لها رسول الله ﷺ : " ملكتِ نفسك، فاختاري "، وكان زوجها مغيث يطوف خلفها في سكك المدينة، يبكي عليها، وهي تأباه، فقال النبي ﷺ لأصحابه: " ألا تعجبون من شدة حبه لها، وبغضها له؟ "، ثم قال ﷺ لها: " لو راجعتِهِ، فإنه أبو ولدكِ "، قالت: " يا رسول الله،

стр. 630

أتأمرني؟ " وفي رواية: " أشيء واجب علي؟ "، فقال ﷺ : " لا، إنما أنا شافع "، قالت: " فلا حاجة لي فيه، لو أعطاني كذا وكذا ما كنت عنده " (٨١٠) . ومما يقوى اعتبارَ الإسلام لوجود الألفة والمحبة والمودة ما رواه أبو هريرة ﵁ (أن النبي ﷺ قال لرجل تزوَّج (٨١١) امرأة: " أنظرتَ إليها؟ " قال: "لا"، قال: " اذهب فانظر إليها" (٨١٢) . وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : " انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " (٨١٣) . وعن ابن عباس ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن عندنا يتيمة، وقد خطبها رجل مُعْدِم، ورجل موسر، وهي تهوى المعدم، ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله ﷺ : " لَم ير للمتحابين مِثْلُ النكاح " (٨١٤) . فلينظر الآباءُ كيـ ... ـف يكونُ تزويج البنات

стр. 631

يستأذنونَ البكر في التز ... ويجِ مثلَ الثيبات حتى يَعِشْنَ مَعَ الرجا ... لِ مُنَعماتٍ راضِيات طَعمُ الحياةِ مَعَ السُّجو ... نِ أمَرُّ مِنْ طَعمِ الممات (٨١٥) وقد حكى العرب عن آباء تعسفوا مع بناتِهم، وتأذى بناتُهم بذلك العَسف حتى صدر منهن ما لا يحمد من البنت في حق أبيها، فمن ذلك: - أن إحداهن زوجها أبوها، وهي حَدَثة بغير إذنها، فقالت: أيا أبتا عَنَّيتني وابتليتني ... وصيَّرتَ نفسي في يَدَيْ من يُهِينُها أيا أبتا لولا التحرجُ قد دعا ... عليك مجابًا دعوة يستدينها (٨١٦) (ومما يروَى: أن عبد الله بن جعفر (٨١٧) قد زوَّج ابنته من الحجاج

стр. 632

ابن يوسف على كره منها، لأنه ليس في شيء من سَنَاء نسبها، ولا كرم سجاياها، وما حمله على ذلك إلا ضيق ذات يده، وألف ألف درهم حُمِلَتْ مهرا إليه، فلما زُفت نظر الحجاج إلى عَبْرتها تجول في عينيها، فقال: " بأبي أنتِ وأمي مِم تبكين؟ " فقالت: " أبكي من شرف اتضع، ومن ضَعة شُرفت "، حتى إذا علم عبد الملك ين مروان بأمرها، كتب إلى الحجاج بطلاقها، فقال لها: " إن أمير المؤمنين كتب إلي بطلاقك" فقالت: " هو أبرُّ بي ممن زوجَنيك " (٨١٨) .

стр. 633

[فصل] لا نكاح إلا بولي ربما يتوهم البعض أن للمرأة أن تزوج نفسها، وأن ذلك حق من حقوقها مادام أن الشارع اعتبر رضاها كما بيناه آنفا، لكن مما ينبغي أن يعلم: أنه مع ثبوت حق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج - فإن هذا الحق مقيد بإذن وليها، فإن النكاح لا يصح الا بولي (٨١٩) ، ولا تملك المرأة تزويج نفسها، ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها (٨٢٠) ، فإن فعلت لم يصح النكاح، وهاك أدلة هذا الحكم: (٨١٩) والمراد بالولي هو الأقرب من العَصبَة من النسب ثم من السبب ثم من عَصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور، فأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل، ثم أخوها لأبيها وأمها ثم أخوها لأبيها. واعلم أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء ينو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جدها، وهم الأعمام ثمْ بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب، وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو الجد ثم بنوهم. ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال وعم الأم والجد أب الأم ونحوهم، وانظر " المغني" لابن قدامة (٦/٤٥٦ - ٤٦٧) . (٨٢٠) واشتراط الولي هو مذهب جمهور أهل العلم، منهم: عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحق، والشافعي، ونقِلَ عن ابن المنذر أنه لا يعرفُ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وانظر: " فتح الباري" (٩/١٨٧) .

стр. 634

الأول: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة (٢٣٢) . (ومعنى العَضل: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحدٍ منهما في صاحبه) (٨٢١) . وعن مَعقِل بن يَسار ﵁ قال: (كانت لى أخت تخطَبُ إلي، وأمْنَعُها من الناس، فأتاني ابن عَم لي، فأنكحتُها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طَلقَها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عِدَّتُها، فلما خُطِبت إلي أتاني يخطبها مع الخُطاب، فقلتُ له: خُطِبَتْ إلي فمنعتُها الناسَ، وآثرتُك بها، فَزَوجتُكَها، ثم طَلقْتَها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خُطِبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟! والله لا أنكحتكها أبدا، قال: فَفِي نزلت هذه الآية: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهُن أن ينكحن أزواجهن) الآية، فكفرتُ (٨٢٢) عن يميني، وأنكَحتُها إياه) (٨٢٣) .

стр. 635

وفي رواية أخرى للبخاري: (فحَمِيَ (٨٢٤) معقل من ذلك أنفا (٨٢٥) ، وقال: خلا عنها، وهو يقدر عليها، ثم يخطبها؟ فحال بينه وبينها، فأنزل الله هذه الآية، فدعاه النبي ﷺ ، فقرأ عليه، فترك الحَمِيةَ، واستقاد لأمر الله (٨٢٦) . قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رَضِيَتْ أن
следующие страницы →