← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يستأذنونَ البكر في التز ... ويجِ مثلَ الثيبات حتى يَعِشْنَ مَعَ الرجا ... لِ مُنَعماتٍ راضِيات طَعمُ الحياةِ مَعَ السُّجو ... نِ أمَرُّ مِنْ طَعمِ الممات (٨١٥) وقد حكى العرب عن آباء تعسفوا مع بناتِهم، وتأذى بناتُهم بذلك العَسف حتى صدر منهن ما لا يحمد من البنت في حق أبيها، فمن ذلك: - أن إحداهن زوجها أبوها، وهي حَدَثة بغير إذنها، فقالت: أيا أبتا عَنَّيتني وابتليتني ... وصيَّرتَ نفسي في يَدَيْ من يُهِينُها أيا أبتا لولا التحرجُ قد دعا ... عليك مجابًا دعوة يستدينها (٨١٦) (ومما يروَى: أن عبد الله بن جعفر (٨١٧) قد زوَّج ابنته من الحجاج

стр. 632

ابن يوسف على كره منها، لأنه ليس في شيء من سَنَاء نسبها، ولا كرم سجاياها، وما حمله على ذلك إلا ضيق ذات يده، وألف ألف درهم حُمِلَتْ مهرا إليه، فلما زُفت نظر الحجاج إلى عَبْرتها تجول في عينيها، فقال: " بأبي أنتِ وأمي مِم تبكين؟ " فقالت: " أبكي من شرف اتضع، ومن ضَعة شُرفت "، حتى إذا علم عبد الملك ين مروان بأمرها، كتب إلى الحجاج بطلاقها، فقال لها: " إن أمير المؤمنين كتب إلي بطلاقك" فقالت: " هو أبرُّ بي ممن زوجَنيك " (٨١٨) .

стр. 633

[فصل] لا نكاح إلا بولي ربما يتوهم البعض أن للمرأة أن تزوج نفسها، وأن ذلك حق من حقوقها مادام أن الشارع اعتبر رضاها كما بيناه آنفا، لكن مما ينبغي أن يعلم: أنه مع ثبوت حق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج - فإن هذا الحق مقيد بإذن وليها، فإن النكاح لا يصح الا بولي (٨١٩) ، ولا تملك المرأة تزويج نفسها، ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها (٨٢٠) ، فإن فعلت لم يصح النكاح، وهاك أدلة هذا الحكم: (٨١٩) والمراد بالولي هو الأقرب من العَصبَة من النسب ثم من السبب ثم من عَصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور، فأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل، ثم أخوها لأبيها وأمها ثم أخوها لأبيها. واعلم أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء ينو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جدها، وهم الأعمام ثمْ بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب، وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو الجد ثم بنوهم. ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال وعم الأم والجد أب الأم ونحوهم، وانظر " المغني" لابن قدامة (٦/٤٥٦ - ٤٦٧) . (٨٢٠) واشتراط الولي هو مذهب جمهور أهل العلم، منهم: عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحق، والشافعي، ونقِلَ عن ابن المنذر أنه لا يعرفُ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وانظر: " فتح الباري" (٩/١٨٧) .

стр. 634

الأول: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة (٢٣٢) . (ومعنى العَضل: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحدٍ منهما في صاحبه) (٨٢١) . وعن مَعقِل بن يَسار ﵁ قال: (كانت لى أخت تخطَبُ إلي، وأمْنَعُها من الناس، فأتاني ابن عَم لي، فأنكحتُها إياه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طَلقَها طلاقًا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عِدَّتُها، فلما خُطِبت إلي أتاني يخطبها مع الخُطاب، فقلتُ له: خُطِبَتْ إلي فمنعتُها الناسَ، وآثرتُك بها، فَزَوجتُكَها، ثم طَلقْتَها طلاقًا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خُطِبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب؟! والله لا أنكحتكها أبدا، قال: فَفِي نزلت هذه الآية: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهُن أن ينكحن أزواجهن) الآية، فكفرتُ (٨٢٢) عن يميني، وأنكَحتُها إياه) (٨٢٣) .

стр. 635

وفي رواية أخرى للبخاري: (فحَمِيَ (٨٢٤) معقل من ذلك أنفا (٨٢٥) ، وقال: خلا عنها، وهو يقدر عليها، ثم يخطبها؟ فحال بينه وبينها، فأنزل الله هذه الآية، فدعاه النبي ﷺ ، فقرأ عليه، فترك الحَمِيةَ، واستقاد لأمر الله (٨٢٦) . قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًّا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رَضِيَتْ أن

стр. 636

تُنكَحَ بالمعروف) (٨٢٧) اهـ. وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: (.. وهذا دليل قاطع على أن المرأة لا حق لها في مباشرة النكاح، إِنما هو حق الولي، ولولا ذلك لما نهاه الله عن منعها) ، ثم ذكر سبب نزول الآية، وقال: " لو لم يكن لمعقل حق لقال الله تعالى لنبيه ﵊: لا كلام لمعقل) (٨٢٨) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وقد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فذهب الجمهور إلى ذلك، وقالوا: لا تزوج المرأة نفسها أصلًا، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السبب المذكور في نزول الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه، وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك) (٨٢٩) اهـ. الثاني: قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) الآية البقرة (٢٢١) . قال القرطبي ﵀: (في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولي، قال محمد بن على بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله؛ ثم قرأ (ولا تنكحوا المشركين) (٨٣٠) اهـ.

стр. 637

وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (وجه الاحتجاج بالآية والتي بعدها أنه خاطب بإنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال: لا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين) (٨٣١) اهـ. قال القرطبي ﵀: (ومما يدل على هذا أيضًا من الكتاب: الثالث: قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن) النساء (٢٥) . الرابع: وقوله: (وأنكحوا الأيامى منكم) النور (٣٢) . فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال، ولو كان إلى النساء لذكرهن) (٨٣٢) اهـ. الخامس: قوله تعالى حكاية عن صالح مدين: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيْ هاتين) الآية القصص (٢٧) ، فقد تولى هو النكاح، فدل على أن لا حظ للمرأة فيه، وهذا مقتضى قوله : (الرجال قوامون على النساء) الآية النساء (٣٤) . السادس: قول رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي" (٨٣٣) وفي لفظ: " لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له" (٨٣٤) وفي

стр. 638

لفظ: " لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل " (٨٣٥) . قال الصنعاني ﵀: " والحديث دَل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي، لأن الأصل في النفي، نفي الصحة لا الكمال" (٨٣٦) اهـ. السابع: قوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، وإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها" (٨٣٧) . ففي هذا الحديث نص صريح لا يحتمل التأويل على أن المقصود من قوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي" محمول على نفي الصحة والحقيقة الشرعية، ولا يصح بحال حمله على نفي الكمال. الثامن: قوله ﷺ : " لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " (٨٣٨) .

стр. 639

التاسع: عن ابن عمر ﵄: " أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من ابن حُذافة السهمي - وكان من أصحاب النبي ﷺ من أهْل بدر - توفي بالمدينة، فقال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضتُ عليه، فقلت: إن شئتَ أنكحتُك حفصةَ، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني، فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة فصمت أبو بكر، فلم يرجع إلي شيئَا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياه " (٨٣٩) الحديث. ووجه الدلالة منه اعتبار الولي في الجملة، لقول عمر: "أنكحتُك". [قال الطبري: (في حديث حفصة حين تأيمت، وعقد عمر عليها النكاح، ولم تعقده هي، إبطال قول من قال: " إن للمرأة البالغة المالكة لنفسها تزويج نفسها، وعقد النكاح دون وليها، ولو كان ذلك لها لم يكن رسول الله ﷺ ليدع خطبة حفصة لنفسها إذا كانت أولى بنفسها من أبيها، وخطبها إلى من لا يملك أمرها ولا العقد عليها، وفيه بيان قوله ﷺ : " الأيم أحق بنفسها من وَليها" أن معنى ذلك أحق بنفسها في أنه لا يعقد عليها إلا برضاها، لا أنها أحق بنفسها في أن تعقد النكاح على نفسها دون وليها) ] (٨٤٠) اهـ. العاشر: عن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته:

стр. 640

" أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاحُ الناس اليوم، يخطُبُ الرجل إلى الرجلِ وَليته أو ابنته فيُصْدِقُها، ثم يَنْكِحُها " الحديث، إلى أن قالت ﵂: " ... فلما بُعِثَ محمد ﷺ بالحق هَدَمَ نكاحَ الجاهلية كله، إلا نكاحَ الناس اليوم " (٨٤١) ، وفيه حجة على اشتراط الولي.

стр. 641

[فصل] ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يُشترط الولي أصلًا، ويجوز للمرأة أن تزوِّج نفسها ولو بغير إذن وَلِيها إذا تزوجت كفؤَا، واحتج بما يأتي: أولًا: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) فذهب إلى اًن الخطاب للأزواج لا للأولياء كما قال الجمهور، وقد أسند إليها النكاح فدل على أنه يصدر عنها، قالوا: " والمقصود نهى الأزواج عن أن يكون الارتجاع مضارةً وعضلا عن نكاح الغير بتطويل، لعدة عليها". وجوابه: - أن سبب نزول الآية يدل على أن الخطاب للأولياء لا للأزواج، كما قدمنا بيانه، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في باب (لا نكاح إلا بولي) من " الأم " [ (إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) يعني فانقضى أجلهن يعني عدتهن (فلا تعضلوهن) يعني أولياءهن (أن ينكحن أزواجهن) إن طلقوهن ولم يبتوا طلاقهن.. قال: ولا أعلم الآية تحتمل غيره لأنه إنما يؤمر بأن لا يعضل المرأة مَن له سبب إلى العضل بأن يكون يتم به نكاحها من الأولياء، والزوج إذا طلقها، فانقضت عدتها فليس منها بسبيل فيعضلها (٨٤٢) ، وإن لم تنقض عدتها، فقد يحرم عليها أن تنكح غيره، وهو لا يعضلها عن نفسه، وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي

стр. 642

مع المرأة في نفسها حقًا، وأن على الولي أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف] (٨٤٣) . ثانيا: قوله ﷺ : " الثيب أحق بنفسها من وليها "، والجواب: أن سبب النزول كان في ثيب، وقد تقدم بيان معنى الحديث بما يغني عن إعادته (٨٤٤) . ثالثا: احتج بالقياس على البيع، فإنها تستقل به، وجواب: أن هذا من أفسد أنواع الأقيسة، لأنه قياس مع وجود النص الصحيح الصريح، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره، ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء) (٨٤٥) اهـ. رابعا: وقد يُحتج لهذا المذهب بما رواه عبد الله بن بريدة عن عائشة ﵂: (أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فأخْبرَته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردتُ أن أعْلِمَ الناس: أن ليس للآباء من الأمر شيء) (٨٤٦) . والجواب عنه من وجوه:

стр. 643

أحدها: أن هذا الحديث ضعيف، لأنه من رواية كهس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة ﵂، قال الدارقطني عقبه: (وهذا مرسل، لأن ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا) اهـ. وكل الرواة عن كهمس قالوا: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة سوى وكيع، فقال: عن ابن بريدة عن أبيه، قال: فذكر الحديث، وهذه رواية ابن ماجه، قال الألباني حفظه الله: (وهذا خطأ من هناد، فقد قال أحمد: ثنا وكيع ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، وهذا هو الصواب أن الحديث عن عائشة لموافقة هذه الرواية عن وكيع لرواية الجماعة عن كهس) اهـ. من: " نقد الكتاني ص ٤٦ "، ولهذا قال الألباني في رواية ابن ماجه: (ضعيف شاذ) . ثانيا: أنه لو صح فإنما جعل الأمر إليها لوضعها في غير كفء، قاله شمس الحق في " التعليق المغني " (٨٤٧) وكأنه أخذه من قولها: " ليرفع بي خسيسته " وفيه نظر، (لأن أباها زوجها، من ابن أخيه، وهو كفؤ لها، وإنما جعله إليها لعدم الرضا منها، ولهذا نفذ العقد بإجازتها) ، قاله الشوكاني ﵀ في " السيل الجرار" (٨٤٨) ، وقال فيه أيضا: (إنما جعل النبي ﷺ الأمر إليها لكون رضاها معتبرًا، فإذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤَا أو غير كفء) (٨٤٩) اهـ. وقد تواردت عبارات العلماء على إنكار مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀:

стр. 644

فقال الإمام ابن المنذر ﵀: (وأما ما قاله النعمان فمخالف للسنة، خارج عن قولِ أكثر أهل العلم) (٨٥٠) اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (جمهور العلماء يقولون: النكاح بغير ولي باطل، يُعَزرون من يفعل ذلك اقتداءً بعمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهذا مذهب الشافعي، بل طائفة منهم يُقيمون الحدَّ في ذلك بالرجم وغيره) (٨٥١) . وقال- ﵀ في موضع آخر: (دَلَّ القرآن في غير موضع، والسنة في غير موضع، وهو عادة الصحابة، إنما كان يُزَوِّجُ النساءَ الرجالُ، لا يُعرفُ عن امرأة تزوج نفسها، وهذا مما يُفَرَّقُ فيه بين النكاح ومتخذات أخدان، ولهذا قالت عائشة: " لا تزوج المرأة نفسها، فإن البغي هي التي تزوج نفسها ") (٨٥٢) اهـ. تنبيهات متفرقة الأول: الحكمة من اشتراط الولي في النكاح: - إن من مقاصد هذا التشريع الحكيم صيانة المرأة عن أن تباشر بنفسها ما يشعر بوقاحتها، ورعونتها، وميلها إلى الرجال، مما ينافي حال أرباب الصيانة والمروءة، قال الشيخ ولي الله الدهلوي ﵀: (وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم، واستبدادُ النساء بالنكاح وقاحة منهن، منشؤها قلة الحياء، واقتضاب على الأولياء، وعدم اكتراث

стр. 645

لهم، وأيضًا يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير، وأحق التشهير أن يحضره أولياؤها) (٨٥٣) اهـ. - كما أن المرأة - لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها شئون الرجال وخفايا أمورهم - غير مأمونة حين تستبد بالأمر لسرعة انخداعها، وسهولة اغترارها بالمظاهر البراقة دون ترو وتفكير في العواقب، وقد اشترط إذن الولي مراعاة لمصالحها لأنه أبعد نظرا، وأوسع خبرة، وأسلم تقديرًا، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار مَنْ يكون أدومَ نكاحا، وأحسن عشرة. - وكيف لا يكون لوليها سلطان في زواجها وهو الذي سيكون - شاءت أم أبت، بل شاء هو أو أبى - المرجع في حالة الاختلاف، وفي حالة فشل الزواج يبوء هو بآثار هذا الفشل، ويجني ثمرات خطأ فتاته التي تمردت عليه، وانفردت بتزويج نفسها؟ ! إن الهدف من رقابة الولي على اختيار الزوج ليس فقط تسهيل الزواج، وإنما أيضا تأمينه وتوفير عوامل الاستقرار له، ورعاية مصالح الفتاة التى ائتمنه الله عليها، وإن قصر نظرها عن إدراكها، ومن هنا كان مبنى الولاية على حسن النظر، والشفقة، وذلك معتبر بمظنته، وهي القرابة، فأقربهم منها أشفقهم عليها، وهذا أغلب ما يكون في العَصَبَة (٨٥٤) .

стр. 646

الثاني: واجب الولي: يجب على ولي المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها به، وأن يراعي خصال الزوج، فلا يزوجها ممن ساء خَلْقُه أو خُلُقُه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها، فإن النكاح يشبه الرق، والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال، [ (وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: " استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عندكم عوان، فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله الا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة. قال زيد بن ثابت ﵁: (الزوج سيد في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: (وألفيا سيدها لدى الباب)) ، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته (٨٥٥) ، وقال يعض السلف: (من زوج كريمته من فاجر فقد قطع (٨٥٦) رحمها) ] (٨٥٧) . وقال رجل للحسن: (" قد خطب ابنتي جماعة، فمِمن أزوجها؟ "

стр. 647

قال: (مِمَّن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها ") (٨٥٨) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وإذا رضيت رجلًا، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها - كالأخ ثم العم - أن يزوجها به، فإن عَضَلَها أو امتنع عن تزويجها زَوَّجَها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه؛ ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا باتفاق الأئمة؟ وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم

стр. 648

لمن يختارونه لغرض؛ لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك، أو يُخْجِلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤًا لها لعداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية، والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة؛ لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها فقال: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء (٥٨) وهذا من النصيحة الواجبة، وقد قال النبي ﷺ : " الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة " قالوا: " لمن يا رسول الله؟ " قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " والله أعلم) (٨٥٩) . الثالث: حكم عدم وجود الأولياء حقيقة: في حالة عدم وجود الولي أصلا، بَيَّنَ رسول الله ﷺ الحكم فيما رواه ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي، والسلطان وَلِي مَنْ لا ولي له " (٨٦٠) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما من لا ولي لها، فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها هو، وأمير الأعراب، ورئيس القرية، وإذا كان فيهم إمام مطاع زَوَّجها أيضًا بإذنها، والله أعلم) (٨٦١) .

стр. 649

الرابع: عدم وجود الأولياء حكما: وذلك بأن يكونوا أحياء في الوقت الذي يحتاج إليهم لتدبير أمور عقد النكاح، ولكن لا يمكن الرجوع إليهم، وذلك في حالات: (١) إما لأجل سفر الولي الأقرب، وغيبته غيبة بعيدة، بحيث يكون في موضع لا يصل إليه الكتاب، أو يصل فلا يجيب عنه، وفي هذه الحالة يتولى تزويجها الولي الأبعد من عَصَبَتها، فإن لم يكن فالسلطان، وهذا مذهب الإمام أبي القاسم الخرقي ﵀ (٨٦٢) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. فأما إن غاب - أي الولي - غيبة بعيدة، انتقلت الولاية إلى الأبعد أو الحاكم) (٨٦٣) اهـ. الخامس: عدم اتفاق الأولياء عل اختيار الخاطب: وضع رسول الله حَلا لهذه المشكلة في قوله ﷺ : " فإن اشتجروا - أي الأولياء - فالسلطان ولي من لا ولي له " (٨٦٤) . قال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر ﵀: (فإن كان الأولياء في التعدد سواء، كان أولاهم بذلك أفضلهم، فإن استووا في الدرجة والفضل وتشاحوا، نظر الحاكم في ذلك، فما رآه

стр. 650

سدادًا ونظرًا أنفذه، وعقده، أو رَدَّه إلى من يعقده منهم) (٨٦٥) . السادس: وجوب التحري الدقيق عن صفات الزوج: عن معقل بن يسار ﵁: قال رسول الله ﷺ : " ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يُحِطْها بنصحه، إلا حَرَّم الله عليه الجنة " (٨٦٦) . ومن هذه النصيحة الواجبة أن يجتهد ولي المرأة في تحري الصفات الطيبة فيمن يزوجه موليته، وذلك بأن يستشير أولي العلم، وذوي الصلاح والتقوى ممن يوثق بأمانتهم ومعرفتهم حَقَّ الشهادة لله ، ممن لا تحمله البغضاء على الحسد وكتمان الجميل، ولا يحمله الود على المجاملة وستر العيوب، ويجب ألا يكتفي بالمعرفة السطحية، والشهادة العابرة (٨٦٧) ، لأن في ذلك خضرًا على النساء، وتقصيرًا من الأولياء الذين هم رعاة مسئولون أمام الله عن رعيتهم. وما أدق ذلك الميزان الذي وضعه الفاروق ﵁ لمعرفة قيم الرجال، فقد [جاء رجل يطلب منه أن يوليه عملًا، فقال: " ائتني بمن يعرفك "، وعاد الرجل وبصحبته آخر، فسأله عمر: " أتعرف هذا الرجل؟ "، قال: " نعم "، قال: " هل أنت جاره الذي يعرف مداخله ومخارجه؟ "، قال: " لا "، فقال عمر: " هل صاحبته في السفر، الذي

стр. 651

تعرف به مكارم الأخلاق؟ "، فأجاب الرجل: " لا "، فاستطرد أمير المؤمنين ﵁ قائلًا: " هل عاملته بالدرهم والدينار الذي يُعرف به ورع الرجل؟ "، قال الرجل: " لا "، فقال الفاروق متعجبًا: " لعلك رأيته قائمًا قاعدا يصلي بالمسجد؟ "، فرد الرجل بالإيجاب، فقال له أمير المؤمنين: " اذهب فإنك لا تعرفه! "، والتفت إلى الرجل الأول، فقال له: " ائتني بمن يعرفك ". وفي رواية أخرى: أن رجلا قال لعمر ﵁: " إن فلانا رجل صِدْق"، قال: " هل سافرت معه؟ "، قال: " لا"، قال: "فكانت بينك وبينه خصومة؟ "، قال: " لا"، قال: " فهل ائتمنته على شيء؟ "، قال: " لا "، قال له عمر: " فأنت الذي لا علم لك به، أراك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد"] (٨٦٨) . من أجل ذلك فإنه لا يكفي للتحري عن الزوج أقوال الناس عنه، فإن موازينهم تختلف باختلاف أمزجتهم، وصلابة دينهم، وقوة ورعهم، فما قد يراه البعض فضيلة، قد يراه البعض الآخر من أقبح المنكرات، لا سيما في هذا الزمان، الذي أعرض فيه الكثيرون عن موازين الإسلام المحكمة، ومعاييره الصادقة. السابع: جواز عرض الرجل موليته على أهل الخير والصلاح: جرت عادة الناس بأن يبحث الرجل عن المرأة التي يرغب الزواج بها، ويخطبها من وليها، فإذا اتفقا، وكتب لهما الوفاق والوئام تزوجها على عادة الناس، وفقًا للشريعة الغراء. وقد يقع من بعض العقلاء والحكماء خلاف هذه العادة، فيبحث

стр. 652

الرجل عن الزوج الصالح لابنته من أهل الكفاءة والديانة والأمانة، فيعرضها عليه، ويحصل هذا غالبًا ممن لديهم بُعْد نظر، وحسن تفكير، وليس أدل على ذلك من فعل أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وخليفته الثاني، ومن نزل القرآن موافقا رأيه، فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (إن عمر بن الخطاب حين تأيمت (٨٦٩) حفصة بنت عمر من خنيس ابن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتوفي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: " سأنظر في أمري"، فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: " قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا"، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: " إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر "، فصمت أبو بكر فلم يرجع في شيئًا، وكنت أوجدَ عليه مني على عثمان (٨٧٠) ، فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: " لعلك وجدت عَلَي حين عرضت عَلي حفصة فلم أرجع عليك؟ "، قال: قلت: " نعم "، قال أبو بكر: " فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سِرَّ رسول الله ﷺ ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلتُها ") (٨٧١) . وعرضت أم المؤمنين أم حبيبة ﵂ أختها على النبي ﷺ ، فقال:

стр. 653

" إن هذا لا يحل لي " (٨٧٢) ، وعرض أمير المؤمنين علي ﵁ ابنة عمه عمارة بنت حمزة ﵄، فاعتذر ﷺ بأنها ابنة أخيه من الرضاعة (٨٧٣) ، وقال صالح مدين لموسى ﵇: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) الآية (القصص: ٢٧) قال القرطبي: (فيه عرض الولي بنته على الرجل؛ وهذه سنة قائمة؛ عرض صالح مدين ابنته كل صالح بني إسرائيل) (٨٧٤) إلخ. (هكذا كان شأن الرعيل الأول من أصحاب سيد المرسلين ﷺ في فهمهم للإسلام، وأخذهم بآدابه، واجتهادهم في تحري الصالحين لبناتهم أو أخواتهم، وصراحتهم في العرض، وعدم تحرجهم في القبول أو الرفض، إذ كان هدف الجميع دائمًا القيام بحق الله تعالى، سواء بالنسبة لبناتهم وأخواتهم، باعتبارهن أولى الناس ببرهم واجتهادهم، أو بالنسبة لإخوانهم في الله: باعتبارهم أحق الناس بمصاهرتهم وإكرامهم، ولكن غفلة كثير من الناس في هذا الزمان عن هذه الآداب السامية، قلب الأوضاع في نظرهم، وأصبح التأسي بمثل هؤلاء الكرام البررة محل غرابة واستنكار، وظنه البعض محاولة لترويج بضاعة كاسدة، فأحجم ذوو النفوس العالية عن عرض بناتهم وأخواتهم

стр. 654

على أقرب الناس إليهم، ضَنُّا بكرامتهم أن تمتهن) (٨٧٥) . ونقول لهؤلاء: إنكم لستم بأفضل من عمر بن الخطاب ﵁، وقد عرض ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر ﵄، ولا من سعيد بن المسيب، وقد زوَّج ابنته على أحد طلبته دون طلب من التلميذ (٨٧٦) ، وكان يخطبها ولد أمير المؤمنين، وأمهرها زوجها درهمين فقط، لأنه ربما كان لا يجد سواهما. بل لقد بلغ من سماحة الإسلام وواقعيته، أنه - من ناحية أخرى - أباح للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح، وأن تقترح زواجها منه رغبة في صلاحه، واطمئنانًا إلى تقواه (٨٧٧) ، لا سيما إذا لم يكن لها ولي ينوب عنها في التعبير عن ذلك، فعن أنس ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، تعرض عليه نفسها- أي: ليتزوجها- قالت: " يا رسول الله: ألك بي حاجة؟، فقالت بنت أنس - وكانت حاضرة: " ما أقل حياءها! واسوأتاه ... واسوأتاه! "، فقال أنس ﵁ أي لابنته: " هي خير منكِ، رغبت في النبي ﷺ ، فعرضت نفسها عليه ") (٨٧٨) ، فلا حرج على الفتاة إذا بلغت مبلغ الزواج، وتقدم لها خاطب كفؤ دَين على خلق، أن تطالب وليها بالزواج الحلال تعف نفسها بالطريقة المشروعة، وعلى الأب أن يلبي رغبتها، وييادر بتزويجه،

стр. 655

فإن رسول الله ﷺ قال: " إنما النساء شقائق الرجال " (٨٧٩) . الثامن: استحباب مشاورة المرأة في تزويج بنتها: عن أنس ﵁ قال: (خطب النبي ﷺ على جلَيْبِيب (٨٨٠) امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: " حتى أستأمر أمها "، فقال النبي ﷺ : " فنعم إذا "، فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: " لاها الله (٨٨١) ، إذا ما وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبًا وقد منعناها من فلان وفلان"، قال: والجارية في سترها تستمع، فال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك، فقالت الجارية: " أتريدون أن تردُّوا على رسول الله ﷺ أمره؟ إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه "، فكأنها جلت (٨٨٢) عن أبويها، وقالا: " صدقت "، فذهب أبوها إلى النبي ﷺ ، فقال: " إن كنت قد رضيته فقد رضينا"، قال: " فإني قد رضيته "، فزوَّجَها، ثم فزع (٨٨٣) أهل المدينة، فركب جليبيب فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم (٨٨٤) ، قال أنس: فلقد رأيتها وإنها لمن

стр. 656

أنفق (٨٨٥) بيت في المدينة ") (٨٨٦) . والشاهد قوله ﷺ : " فنعم إذا ". ورُويَ عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " آمروا النساء في بناتهن " (٨٨٧) قال ابن الأثير: (" آمروا النساء" أي استأذنوهن وشاوروهن، قال الخطابي: " وهو أمر استحباب من جهة استطابة أنفسهن، وحسن العشرة معهن، لأن في ذلك بقاء الصحبة بين البنت وزوجها، إذا كان برضى الأم، خوفًا من وقوع الوحشة بينهما إذا لم يكن برضاها، إذ البنات إلى الأمهات أمْيَلُ، وفي سماع قولهن أرغبُ، ولأن المرأة ربما علمت من حال بنتها - الخافي عن أبيها - أمرًا لا يصلح معه النكاح، من علة تكون بها؛ أو آفة تمنع من وفاء حقوق النكاح، وعلى نحو هذا يُتأول قوله ﷺ : " لا تزوج البكر إلا بإذنها، وإذنها سكوتها " وذلك أنها قد تستحيي أن تُفْصح بالإذن، وأن تظهر الرغبة في النكاح، فيستدل

стр. 657

بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو سبب لا يصلح معه النكاح) (٨٨٨) اهـ. التاسع: الكفاءة في السن: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (خطب أبو بكر وعمر ﵄ فاطمة فقال رسول الله ﷺ : " إنها صغيرة"، فخطبها علي فزوَّجها منه) (٨٨٩) . قال السندي في حاشيته على النسائي: (قوله: (فخطبها عليّ، أي عقب ذلك بلا مهلة، كما تدل عليه الفاء، فعلم أنه لاحظ الصغر بالنظر إليهما، وما بقي ذاك بالنظر إلى علي، فزوجها منه، ففيه أن الموافقة في السن أو المقاربة مرعية لكونها أقرب إلى المؤالفة، نعم قد يُترَكُ ذاك لما هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي الله تعالى عنها، والله أعلم) (٨٩٠) اهـ. والتكافؤ بين الزوجين في السن هو القاعدة، وإن أجاز الشرع غيره ما دام الرجل قادرَا على أعباء الزوجية، وتحققت فيه كفاءة الدين والخُلُق، وارتضته الفتاة زوجا لها، وقد تزوج ﷺ عائشة ﵂ وكان يكبرها بخمس وأربعين سنة، ومن قبل تزوج ﷺ خديجة ﵂، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة، وتزوج عمر ﵁ أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁، وكانت تصغره بسنين كثيرة. وإنما العمدة في تحقيق السعادة الزوجية التوافق الروحي بين الزوجين،

стр. 658

فعن أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : " الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " (٨٩١)

стр. 659

عود على بدء من حقوق المرأة على زوجها (٥) وقايتها من النار بتعليمها وتأديبها وذلك بأن يعلمها أصول دينها: كيف تؤمن بالله تعالى الإيمان الحق، وتوحده التوحيد الخالص، وتؤمن بأسمائه وصفاته على الوجه اللائق بجلاله . وتعرف ما يجب لله تعالى، وما يجوز له سبحانه، وما يستحيل عليه ﵎، ونؤمن بما جاء من عند الله تعالى من أركان الإيمان، وسائر أحكام الإسلام الواجبة عليها، وأصول معرفة الحلال والحرام. وأن يعلمها أحكام العبادات، ويحضها على القيام بها، خاصة الصلاة في أول الوقت وشروطها وأركانها ومفسداتها ومكروهاتها، وسائر العبادات، وحقوق الله تعالى عليها، وحقوق الزوجية. وأن يعلمها مكارم الأخلاق من وقاية القلب من أمراض الحسد والبغضاء، ووقاية اللسان من الغيبة والنميمة والسب والكذب. ويراقبها في ذلك كله ما استطاع إلى المراقبة سبيلًا. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) التحريم (٦) . قال علي ﵁ في قوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم

стр. 660

نارا) : " علموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدبوهم " (٨٩٢) . وقال قتادة: " أن يأمرهم بطاعة الله تعالى، وينهاهم عن معصيته، واًن يقوم عليهم بأمر الله تعالى، يأمرهم به، ويُساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها " (٨٩٣) . قال الألوسي ﵀: (واستُدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض، وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس، لأن الولد بعض من أبيه) (٨٩٤) اهـ. وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، ففي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال: " كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راعٍ، وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسئول عنهم " (٨٩٥) ، وعن هذا عبَّر الحسن في هذه الآية بقوله: " يأمرهم وينهاهم "، وقال بعض العلماء: لما قال: (قوا أنفسكم) دخل فيه الأولاد؛ لأن الولد بعض منه، كما دخل في قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) (٨٩٦) ، فلم يُفْرَدُوا بالذكر إفراد سائر القرابات، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام.

стр. 661

.. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : " مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٨٩٧) خرجه جماعة من أهل الحديث، وهذا لفظ أبي داود، وخرج أيضًا عن سَمُرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها " (٨٩٨) . وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام، ووجوب الفطر إذا وجب؛ مستندًا في ذلك إلى رؤية الهلال، وقد روى مسلم أن النبي ﷺ كان إذا أوتَرَ يقول: " قومي فأوتِري يا عائشة"، وروي أن النبي ﷺ قال: " رحم الله امرأ قام من الليل، فصلَّى، فأيقظ أهله، فإن لم تقم رَشَّ وجهها بالماء، رحم الله امرأة قامت من الليل تصلي، وأيقظت زوجها، فإذا لم يقم رشَّت على وجهه من الماء " (٨٩٩) ، ومنه قوله ﷺ : " أيقظوا صواحب الحُجَر " (٩٠٠) ، ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) الآية. ... قال إلكيا: " فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يُستغنى عنه من الأدب " (٩٠١) اهـ.

стр. 662

وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أيما رَجل كانت عنده وليدة، فعلمها، فأحسن تعليمها، وأدَّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها، وتزوجها، فله أجران " (٩٠٢) أي أجر العتق، وأجر التعليم. وترجم البخاري لهذا الحديث: باب تعليم الرجل أمته وأهله، وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: (مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله، وسنن رسوله ﷺ آكد من الاعتناء بالإماء) (٩٠٣) اهـ. وعن أبي سليمان مالك بن الحويرث ﵁ قال: (أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتهينا أهلينا، فسألنا عمن تركنا في أهلينا، فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيما، فقال: " ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي " (٩٠٤) الحديث، وقد بلغ من اعتناء السلف بهذه التربية أنهم كانوا حريصين على متانة الروابط بينهم وبين من يؤدبون أولادهم، فكانوا يحزنون إذا غابوا عن الأولاد فترة لسبب من الأسباب، لخوفهم على أولادهم أن لا يؤدبوا على ما يريدون ويشتهون، وذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى مَنْ في الحبس من بني أمية يقول لهم: " ما أشد ما مَرَّ بكم في هذا الحبس؟ " فقالوا: " ما فقدنا من تربية أولادنا " (٩٠٥) .

стр. 663

وقد أثنى الله على نبيه إسماعيل ﵇ فيما أثنى بقوله: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) مريم (٥٥) . وقال تعالى: (وَأمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها) الآية طه (١٣٢) . أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها، والظاهر أن المراد بالصلاة الصلوات المفروضة، ويدخل في عموم هذا الأمر جميع أمته ﷺ وأهل بيته على التخصيص (٩٠٦) . ويُروى عن ثابت قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: " يا أهلاه! صَلوا، صلوا "، قال ثابت: " وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر، فزعوا إلى الصلاة ") (٩٠٧) ، وكان عروة بن الزبير ﵁

стр. 664

إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار، قرأ: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) ثم يقول: " الصلاةَ الصلاة، رحمكم الله " (٩٠٨) ، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم: " الصلاةَ، الصلاةَ " ويتلو هذه الآية: (وأمر أهلك) الآية (٩٠٩) . [ (وعن القاسم بن راشد الشيباني قال: كان زمعة نازلًا عندنا بالمحصب، وكان له أهل وبنات، وكان يقوم فيصلي ليلًا طويلًا، فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته: (أيها الركب المعرسون، أكُلَّ هذا الليل ترقدون! أفلا تقومون فترحلون؟ " فيتواثبون، فَيُسمع من ههنا باك، ومن ههنا داع، ومن ههنا قارئ، ومن ههنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: " عند الصباح يحمد القوم السرى " (٩١٠) ] . فائدة جليلة: (قوله تعالى في هذه الآية: (لا نسألك رزقًا نحن نرزقك) فيه دفع لما عسى أن يخطر ببال أحد من أن المداومة على الصلاة ربما تضر بأمر المعاش، فكأنه قيل: داوموا على الصلاة غير مشتغلين بأمر المعاش عنها، إذ لا نكلفكم رزق أنفسكم، إذ نحن نرزقكم، وتقديم المسند إليه للاختصاص أو لإفادة التقوى، وقد قال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله

стр. 665

هو الرزاق) الآيات الذاريات (٥٦-٥٨) ، ومعلوم أن ترك الاكتساب للصلاة المفروضة فرض، وليس المراد بالمداومة عليها إلا أداؤها دائمًا في أوقاتها المعينة لا استغراق الليل والنهار بها، ويستشعر من الآية أن الصلاة مطلقًا تكون سببًا لإدرار الرزق، وكشف الهم، وعن عبد الله بن سلام قال: " كان النبي ﷺ إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا: (وأمر أهلك بالصلاة) (٩١١) ، وأخرج أحمد في الزهد وغيره عن ثابت قال: " كان النبي ﷺ إذا أصابت أهلَه خصاصة نادى أهله بالصلاة: صلوا صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء ﵈ إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ") أفاده الألوسي (٩١٢) . إذا فسد القوام عَم الفساد جمع الأقوام: والرجل قدوة أهل بيته، والقدوة من أخطر وسائل التربية: عن فضيل بن عياض قال: (رأى مالك بن دينار رجلا يسيء صلاته، فقال: " ما أرحمني بعياله! "، فقيل له: " يا أبا يحيى يسيء هذا صلاته، وترحم عياله! " قال: " إنه كبيرهم، ومنه يتعلمون " (٩١٣)) . قال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ ضمن آداب الزوج: (أن يتعلم المتزوج من علم الحيض وأحكامه ما يحترز به الاحتراز الواجب، ويُعَلم زوجته أحكام الصلاة، وما يقضى منها في الحيض، وما

стр. 666

لا يقضى، فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة، ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها، ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين، ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه. وعلم الاستحاضة يطول، فأما الذي لابد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها، فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة، فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة، فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا أقل ما يراعيه النساء. فإن كان الرجل قائما بتعليمها، فليس لها الخروج لسؤال العلماء، وإن قصر علم الرجل، ولكن ناب عنها في السؤال، فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج، فإن لم يكن ذلك، فلها الخروج للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصي الرجل بمنعها، ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها، فليس لها أن تخرج إلى مجلس الذكر، ولا إلى تعلم فضل إلا برضاه، ومهما أهملت المرأة حكمًا من أحكام الحيض والاستحاضة، ولم يعلمها الرجل، خرج الرجل معها، وشاركها في الإثم) (٩١٤) اهـ.

стр. 667

[فصل] مسئولية الرجل عن حماية الأسرة (٩١٥) [قرر الإسلام مكانة عظيمة للأسرة، تتجلى من الاهتمام بشؤونها في كتاب الله زواجًا ورضاعًا وطلاقًا وإرثًا، واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن ترسخ معاني إسلامية عميقة في الأسرة في مجتمعاتنا، وقد أحسَّ أعداؤنا - وهم يحاولون هدم هذه الأمة - صلابة هذه اللبنة، وقوة هذا الحصن.. ومن أجل ذلك كان في الحقبة الأخيرة هجوم مركز على الأسرة، استخدموا له كل القوى التي يمكن أن تصل إلى أيديهم، وما أكثرها! ! (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) لقد استخدموا سن القوانين التي تفتت الأسرة في كثير من بلاد المسلمين، وشنوا حملات عليها من طريق الفنّ بواسطة وسائل النشر والإعلام من قصص وصحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما، ومازالوا في طريقهم ماضين. ويساعد هذه الحملاتِ المسعورة - في أحيان كثيرة - سيطرةُ النزعة المادية على سواد الناس. ومما يؤسف له أنّ هذه الأسرة المستهدفة من قبل الأعداء مهددة أيضًا من قبل أصحابها المسؤولين عنها ... وإن المسؤولية في الأسرة يتحملها الرجل في قطاع كبير قال ﷺ : " كلكم راع ومسؤول عن رعيته.. والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته " كما أن المرأة أيضا تتحمل مسؤولية قررها

стр. 668

رسول الله ﷺ بقوله: " والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها "، إن على كل أب وكل أم أن يستشعر هذه المسؤولية نحو الأسرة.. فهناك خطر داهم ماحق خطير، والأسرة هي القلعة الأخيرة التي إن خسرناها نكون قد أضعنا كرامتنا وديننا ومجتمعاتنا، ذلك لأن أكثر شعوب العالم الإسلامي غزيت بما يهدد عقيدتها في عدة مجالات: في المدرسة.. ومناهج التعليم.. في السوق والمتجر والمصنع.. في وسائل الإعلام وأدوات تكوين الرأي العام. وقد حيل - في كثير من بلاد المسلمين - بين الدعاة العاملين والناس، ولم يبق لهذه العناصر المسلمة الخيرة من مجال إلا الأسرة، نعم بقيت المنطلق الوحيد لهؤلاء الدعاة.. ونحن لا نودُّ أن نلقي اللوم على الأعداء ونبرئ أنفسنا.. إن كثيرا منا يتحمل في هذا الأمر أكبر نصيب في المسؤولية، ويحسن بنا أن نذكر أهم الأمور التي تعرض الأسرة للخطر الماحق، والتي تعود إلينا نحن، إن الأمور الخمسة الآتية أهم ما يرد في هذا المجال وهي: ١- عدم تقدير المستقبل: كثيرًا ما يتصرف المرء بعض التصرفات، ولا يقدر أثرها في المستقبل، فقد يتصور أن سكوته على أمر ما هين يسير، ولكن ذلك يهدم الأسرة هدمًا تاما، وقد يتصور أن أولاده صغار لا يستحقون أن يخصهم بجزء من ورقته الثمين فهو يضحك منهم، ويسخر منهم، ولا يأمر واحدا منهم بخير، ولا ينهاه أو يحذره من منكر.. ولا يقدر المستقبل؛ ولا يدري أن هذا الطفل الصغير سيكون بعد مدة وجيزة رجلًا كبيرًا، قد يكون له شأنه في البيت، بل في المجتمع كله. ٢- روح اللامبالاة: وقد سرت هذه الروح في عدد من أبناء أمتنا المجيدة، مع أن الإسلام

стр. 669

يربي في أبنائه الشعور بالمسئولية، وينمي فيهم الاهتمام بشؤون المسلمين، فليس هناك أمر يحدث في المجتمع ولا تأثير فيه، وما أروع حديث السفينة الذي يجعل أي عمل من أي فرد له تأثير على المجتمع كله؛ إن هذا الحديث يبين لنا أن روح اللامبالاة تقضي على الأمة؛ إذ لو أن ذاك الرجل الذي أراد أن يخرق في موضعه من السفينة خرقًا وترك وشأنه انطلاقًا من روح اللامبالاة لهلك وهلك ركاب السفينة جميعا. ٣- سيطرة التقاليد الاجتماعية المتعفنة وقلة العلم بالدين: وهذا أمر في غاية الأهمية؛ إذ نرى أن كثيرا من هذه التقاليد التي لم يشرعها الله تحل محلّ الدين في كثير من بلاد المسلمين، ومكن لها من السيطرة الجهل بدين الله وتخلف الوعي الإسلامي، وهي تختلف من بلد إلى بلد، ولكنها في هذه البلاد جميعا تسيء في عملية بناء الأسرة بناء متينًا أو في محاولة الإبقاء عليها أمام هذه الأعاصير. ٤- تسلط المرأة على التوجيه وإدارة البيت: إن من النقص أن يُنزل الرجل نفسه في غير منزلتها اللائقة بها، فإن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ومن هو قائم على شيء فهو أفضل منه، ومن شأنه أن يكون مُطاعًا لا مطيعًا، ومتبوعا لا تابعا: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فإن شاء أعلاها وإن شاء سَفَّلا وقد استشرى داء تسلط المرأة وطغيانها في أوساطنا بسبب التقليد، وهو من أخطر الأمور وأكثرها إيذاءً، فقد تقترح المرأة أن تلبس البنات لباسًا لا يقره الإسلام بحجة أنهنّ صغيرات، وأن الناس هكذا يعملون وأن المصلحة في مسايرة الزمان، ويضعف الرجل ويوافق. وقد ترى المرأة أن تقوم بألوان من الاستقبالات التي لا يقرها

стр. 670

الإسلام، يضعف الرجل ويوافق، وفي هذا ما فيه من الهدم للأسرة. وإنه انتكاس للأمور يمكن أن يفهم من قوله ﷺ عندما ذكر أمارات الساعة فقال: " أن تلد الأمة ربتها "، وليس معنى هذا أن نلغي شخصية المرأة ... لا.. ولكنها القوامة.. التي جعلها الله للرجل في حدود شرعه، ومهما يكن من أمر فإن إلغاء شخصية الرجل أكبر خطرًا وأعظم أثرًا) . وقد تطغي مشاعر الأمومة الحانية، والأبوة المشفقة، وتتعدى حدودها، و (إزاء هذا الفيض من العاطفة، والسيل المتدفق من الحنان، والميل الشديد لاسترضاء الأولاد، وإدخال السرور عليهم، وقف الإسلام وقفة المذكر المنبه الكابح.. إذ إن هذا الحنان وهاتيك العاطفة قد تنسيان الأب مهمته في التوجيه والتربية، فينقلب عندئذ إلى منفذ لأوامر أطفال صغار، ومسارع في تحقيق رغبات هؤلاء الذين لا يعرفون من الحياة شيئًا، ولا يدرون ما ينفعهم ولا ما يضرهم. وإن كثيرا من أجيال المسلمين اليوم في عدد من بلاد الإسلام لم يجدوا في والديهم إلا الحنان المحض أو الإهمال اللامبالي.. ومن أجل ذلك تجد في صفات كثير من مسلمي اليوم الميوعة والضعف والانهزامية واللامبالاة (٩١٧) .
следующие страницы →