← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لا يقضى، فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة، ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها، ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين، ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه. وعلم الاستحاضة يطول، فأما الذي لابد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها، فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة، فعليها قضاء الظهر والعصر، وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة، فعليها قضاء المغرب والعشاء، وهذا أقل ما يراعيه النساء. فإن كان الرجل قائما بتعليمها، فليس لها الخروج لسؤال العلماء، وإن قصر علم الرجل، ولكن ناب عنها في السؤال، فأخبرها بجواب المفتي فليس لها الخروج، فإن لم يكن ذلك، فلها الخروج للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصي الرجل بمنعها، ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها، فليس لها أن تخرج إلى مجلس الذكر، ولا إلى تعلم فضل إلا برضاه، ومهما أهملت المرأة حكمًا من أحكام الحيض والاستحاضة، ولم يعلمها الرجل، خرج الرجل معها، وشاركها في الإثم) (٩١٤) اهـ.

стр. 667

[فصل] مسئولية الرجل عن حماية الأسرة (٩١٥) [قرر الإسلام مكانة عظيمة للأسرة، تتجلى من الاهتمام بشؤونها في كتاب الله زواجًا ورضاعًا وطلاقًا وإرثًا، واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن ترسخ معاني إسلامية عميقة في الأسرة في مجتمعاتنا، وقد أحسَّ أعداؤنا - وهم يحاولون هدم هذه الأمة - صلابة هذه اللبنة، وقوة هذا الحصن.. ومن أجل ذلك كان في الحقبة الأخيرة هجوم مركز على الأسرة، استخدموا له كل القوى التي يمكن أن تصل إلى أيديهم، وما أكثرها! ! (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) لقد استخدموا سن القوانين التي تفتت الأسرة في كثير من بلاد المسلمين، وشنوا حملات عليها من طريق الفنّ بواسطة وسائل النشر والإعلام من قصص وصحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما، ومازالوا في طريقهم ماضين. ويساعد هذه الحملاتِ المسعورة - في أحيان كثيرة - سيطرةُ النزعة المادية على سواد الناس. ومما يؤسف له أنّ هذه الأسرة المستهدفة من قبل الأعداء مهددة أيضًا من قبل أصحابها المسؤولين عنها ... وإن المسؤولية في الأسرة يتحملها الرجل في قطاع كبير قال ﷺ : " كلكم راع ومسؤول عن رعيته.. والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته " كما أن المرأة أيضا تتحمل مسؤولية قررها

стр. 668

رسول الله ﷺ بقوله: " والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها "، إن على كل أب وكل أم أن يستشعر هذه المسؤولية نحو الأسرة.. فهناك خطر داهم ماحق خطير، والأسرة هي القلعة الأخيرة التي إن خسرناها نكون قد أضعنا كرامتنا وديننا ومجتمعاتنا، ذلك لأن أكثر شعوب العالم الإسلامي غزيت بما يهدد عقيدتها في عدة مجالات: في المدرسة.. ومناهج التعليم.. في السوق والمتجر والمصنع.. في وسائل الإعلام وأدوات تكوين الرأي العام. وقد حيل - في كثير من بلاد المسلمين - بين الدعاة العاملين والناس، ولم يبق لهذه العناصر المسلمة الخيرة من مجال إلا الأسرة، نعم بقيت المنطلق الوحيد لهؤلاء الدعاة.. ونحن لا نودُّ أن نلقي اللوم على الأعداء ونبرئ أنفسنا.. إن كثيرا منا يتحمل في هذا الأمر أكبر نصيب في المسؤولية، ويحسن بنا أن نذكر أهم الأمور التي تعرض الأسرة للخطر الماحق، والتي تعود إلينا نحن، إن الأمور الخمسة الآتية أهم ما يرد في هذا المجال وهي: ١- عدم تقدير المستقبل: كثيرًا ما يتصرف المرء بعض التصرفات، ولا يقدر أثرها في المستقبل، فقد يتصور أن سكوته على أمر ما هين يسير، ولكن ذلك يهدم الأسرة هدمًا تاما، وقد يتصور أن أولاده صغار لا يستحقون أن يخصهم بجزء من ورقته الثمين فهو يضحك منهم، ويسخر منهم، ولا يأمر واحدا منهم بخير، ولا ينهاه أو يحذره من منكر.. ولا يقدر المستقبل؛ ولا يدري أن هذا الطفل الصغير سيكون بعد مدة وجيزة رجلًا كبيرًا، قد يكون له شأنه في البيت، بل في المجتمع كله. ٢- روح اللامبالاة: وقد سرت هذه الروح في عدد من أبناء أمتنا المجيدة، مع أن الإسلام

стр. 669

يربي في أبنائه الشعور بالمسئولية، وينمي فيهم الاهتمام بشؤون المسلمين، فليس هناك أمر يحدث في المجتمع ولا تأثير فيه، وما أروع حديث السفينة الذي يجعل أي عمل من أي فرد له تأثير على المجتمع كله؛ إن هذا الحديث يبين لنا أن روح اللامبالاة تقضي على الأمة؛ إذ لو أن ذاك الرجل الذي أراد أن يخرق في موضعه من السفينة خرقًا وترك وشأنه انطلاقًا من روح اللامبالاة لهلك وهلك ركاب السفينة جميعا. ٣- سيطرة التقاليد الاجتماعية المتعفنة وقلة العلم بالدين: وهذا أمر في غاية الأهمية؛ إذ نرى أن كثيرا من هذه التقاليد التي لم يشرعها الله تحل محلّ الدين في كثير من بلاد المسلمين، ومكن لها من السيطرة الجهل بدين الله وتخلف الوعي الإسلامي، وهي تختلف من بلد إلى بلد، ولكنها في هذه البلاد جميعا تسيء في عملية بناء الأسرة بناء متينًا أو في محاولة الإبقاء عليها أمام هذه الأعاصير. ٤- تسلط المرأة على التوجيه وإدارة البيت: إن من النقص أن يُنزل الرجل نفسه في غير منزلتها اللائقة بها، فإن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ومن هو قائم على شيء فهو أفضل منه، ومن شأنه أن يكون مُطاعًا لا مطيعًا، ومتبوعا لا تابعا: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فإن شاء أعلاها وإن شاء سَفَّلا وقد استشرى داء تسلط المرأة وطغيانها في أوساطنا بسبب التقليد، وهو من أخطر الأمور وأكثرها إيذاءً، فقد تقترح المرأة أن تلبس البنات لباسًا لا يقره الإسلام بحجة أنهنّ صغيرات، وأن الناس هكذا يعملون وأن المصلحة في مسايرة الزمان، ويضعف الرجل ويوافق. وقد ترى المرأة أن تقوم بألوان من الاستقبالات التي لا يقرها

стр. 670

الإسلام، يضعف الرجل ويوافق، وفي هذا ما فيه من الهدم للأسرة. وإنه انتكاس للأمور يمكن أن يفهم من قوله ﷺ عندما ذكر أمارات الساعة فقال: " أن تلد الأمة ربتها "، وليس معنى هذا أن نلغي شخصية المرأة ... لا.. ولكنها القوامة.. التي جعلها الله للرجل في حدود شرعه، ومهما يكن من أمر فإن إلغاء شخصية الرجل أكبر خطرًا وأعظم أثرًا) . وقد تطغي مشاعر الأمومة الحانية، والأبوة المشفقة، وتتعدى حدودها، و (إزاء هذا الفيض من العاطفة، والسيل المتدفق من الحنان، والميل الشديد لاسترضاء الأولاد، وإدخال السرور عليهم، وقف الإسلام وقفة المذكر المنبه الكابح.. إذ إن هذا الحنان وهاتيك العاطفة قد تنسيان الأب مهمته في التوجيه والتربية، فينقلب عندئذ إلى منفذ لأوامر أطفال صغار، ومسارع في تحقيق رغبات هؤلاء الذين لا يعرفون من الحياة شيئًا، ولا يدرون ما ينفعهم ولا ما يضرهم. وإن كثيرا من أجيال المسلمين اليوم في عدد من بلاد الإسلام لم يجدوا في والديهم إلا الحنان المحض أو الإهمال اللامبالي.. ومن أجل ذلك تجد في صفات كثير من مسلمي اليوم الميوعة والضعف والانهزامية واللامبالاة (٩١٧) .

стр. 671

وعندما كان الرجل في سابق الأيام مسيطرًا على البيت، كانت شدته وصلابته تخففان من لين الوالدة، وتكفكفان من تدليلها الأولاد.. أما بعد أن استنوق الجمل في كثير من الأوساط، وأصبح الرجل في بيوت هذه الأوساط لا مهمة له إلا القيام بالخدمات، وجلب الأغراض والحاجيات، ودفع الفلوس والنفقات، ولم يعد يملك من أمر بيته إلا اليسير التافه، كان هذا الجيل المائع المنهار. ٥- الشغل المتواصل: أصبح ربُّ الأسرة - في معظم الأحيان - عاجزًا عن أن يجد الوقت الذي يجتمع فيه بنفسه أو بأفراد أسرته يوجههم ويحدثهم ويستمع إليهم، حتى إن زوجته لا يتاح لها أن تجلس معه وتتفاهم معه على الخطة الرشيدة التي يجب أن يسير بموجبها أفراد الأسرة، ففي الصباح يسارع إلى عمله الدنيوي، ولا يعود إلا لتناول طعام الغداء وأخذ قسط من الراحة تمنع خلاله الحركات والهمسات ولا يعود في المساء إلا في ساعة متأخرة من الليل ليجد أهل البيت نيامًا، وإذا كان هذا الوضع مستنكرًا صدوره من عامة الناس فإنه من المتدينين أشد، واللوم لهم أكثر؛ ذلك لأن هذا الأخ المتدين سيجد نفسه - بعد مدة - في واد، وزوجته وأولاده في وادٍ آخر، وسيندم ولات ساعة مَنْدم، ومن المؤسف أن هذا الشغل لم يقتصر على الرجل بل شمل في بعض الأسر المرأة التي تترك بيتها سحابة النهار وتكل تربية أبنائها وإعداد بيتها للخادمة.. فيكون من ذلك الضياع التام. والشغل متنوع، وأكثره في الدنيا والكسب، غير أن هناك نوعًا غريبًا جدا من أنواع الشغل، وهو ما يكون للدعوة وإصلاح الناس ... وذلك خطأ في تصور الدعوة والعمل فيها، والمرء مطالب بأن يصلح أهله أشد المطالبة؛ يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا

стр. 672

وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (التحريم: ٦) ، (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (طه:١٣٢) ، وهذا الإهمال لأهله سيوقعهم في الانحراف والمخالفة، وعندئذ لا يقوى على الاستمرار في الدعوة إلى الله.. إذ سرعان ما تلوكه الألسنة، ويقال له:" إن كنت صادقا فأصلح بيتك "، ويكون هذا الوضع الخاص مضعفًا لتأثيره في الناس لأن معنى القدوة يفوت بوجود مثل هذا الوضع، ويكون ذلك سببا في أن يتعكر صفوه، وتتنغص عليه لذاته، وفي أن تتولد فيه عقد، وتواجهه مشكلات، قد تحول بينه وبين الاستمرار في الدعوة. أيها الزوج العروس: - لا تنشغل طويلًا عن أهلك، واعلم يا أخي أن الجلوس إلى عروسك ومحادثتها ليس وقتا ضائعًا، لا سيما إن كانت المحادثة تسير في طريق هادف وتسعى نحو قصد محدود، إنّك بذلك تفهم زوجك، وتتيح لها أيضًا أن تفهمك، وهذا الفهم هو الخطوة الأولى للمعاشرة الحسنة، وكم رأينا في واقع الناس أزواجًا يقضون العشر والعشرين من السنين ولا يفهم أحدهما الآخر.... وكان ذلك سببًا من أسباب النكد والشقاق، إنك يا أخي بجلوسك إلى أهلك ومحادثتك إياها تفسح المجال لك لتقنعها بكثير من آرائك التي تبدو غريبة عليها بادئ الأمر، والكلام أول مرة لا يترك الأثر المطلوب، ولا يلمس الإنسان نتيجته، ولكن التكرار وحسن اختيار الوقت المناسب، والأسلوب المناسب في عرض الفكرة وضرب الأمثلة الكثيرة لابدَّ من أن يترك أثرا كبيرا في الإنسان. واعلم يا أخي أن الحديث الطويل الهادف غير الممل، والمؤانسة المهذبة الممتعة يُمدان الحياة الزوجية بالقوة والنماء وأفضل الغذاء، وَلتَضَعْ نُصب

стр. 673

عينيك ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، ورميه بقوسه ونبله، ومداعبة أهله " (٩١٨) ، وفي رواية: " كل شيء يلهو به الرجل باطل، إلا تأديبه فرسه، ورميه عن قوسه، ومداعبته أهله ". وعن عطاء بن أبي رباح قال: " رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرتميان، فمل أحدهما فجلس، فقال له الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلم السباحة " (٩١٩) . واذكر يا أخي قصة أبي الدرداء مع سلمان ﵄، روى البخاري ﵀ عن وهب بن عبد الله ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة (أي لابسة ثياب المهنة تاركة ثياب الزينة) فقال: ما شأنُك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، [أي في النساء، وجاء في رواية الدارقطني: (في نساء الدنيا) وزاد في رواية ابن خزيمة: (يصوم النهار ويقوم الليل) ] . فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما.

стр. 674

فقال له: كُلْ؛ فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم. فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: " نم"، فلما كان آخرُ الليل قال سلمان: (قم الآن) ، فصليا جميعًا، فقال له سلمان: " إن لربِّك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه ". فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : " صدق سلمان" (٩٢٠) . نعم إن لأهلك عليك حقا، فللأهل حق، ولله حق، وللنفس حق، والمسلم مطالب أن يعطي كل ذي حق حقه، إنّ الموازنة بين هذه الحقوق أمر مطلوب، ولا يقوى عليه إلا الواعون، والتفريط في هذه الموازنة تفريط في الحياة المتكاملة. أيها السادة: هناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بكسب المال، فترى الواحد منهم يكدح طوال النهار وطرفًا من الليل، ولا يعود إلى داره إلا مكدود الجسم، مهدود القوى، قد استنفد طاقته حتى لم يعد لديه استعداد لحديث ولا مؤانسة.. فيخلد إلى الفراش منهارًا مضعضعًا.. وقد يأتي فيجد أهله في نوم عميق بعد أن طال عليها الانتظار. قد يكسب من وراء هذا السلوك المال.. ولكنه يعرض نفسه لخسران الحياة الزوجية.

стр. 675

وهناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بمعاشرة الأصدقاء، وحضور الحفلات والسهرات، والاشتراك في الرحلات، فترى الواحد منهم بعيدًا عن بيته وأهله في معظم الأوقات.. وإن لم يذهب من الدار جاء هؤلاء الأصدقاء إليه وكان مكلفًا بقِراهم وخدمتهم، وهو بطبيعة الحال سيدعو زوجته إلى إعداد ما سيقدم إلى ضيوفه من أنواع الطعام والشراب. إن هذا الإنسان قد يكسب ودّ عدد من الأصدقاء، وقد يكسب سمعة اجتماعية جيدة ولكنه يعرض نفسه إلى خسران السعادة البيتية. وهناك ناس يشغلون عن زوجاتهم بأمور محمودة كما شغل أبو الدرداء عن زوجته، فتراهم في ذكر وعبادة، ونصح للناس ودعوة، وقراءة وكتابة. إن هؤلاء فقدوا القدرة على الموازنة بين الحقوق المتعددة، وفقدان القدرة على هذه الموازنة يورث خللا واضطرابا في الحياة الداخلية للفرد منهم. في حياته مع زوجه وأولاده، إن الأهل والذرية من أحق الناس بالعناية وبأن توجه الدعوة إليهم، إن الواحد من هؤلاء الذين فقدوا القدرة على تلك الموازنة لا يلبث أن يستيقظ من غفلته، فإذا هو في واد، وزوجته وأولاده في واد آخر، أفكاره غير أفكارهم، ومواقفه تختلف عن مواقفهم، وسلوكه في الحياة بعيد عن سلوكهم وذلك لأنه ترك أهله خاضعين لمؤثرات أخرى من وسائل الإعلام والصحافة ومن البيئة التي قد يسود فيها الانحراف، والعلاقات والقرابات، وربما كان كثير منها لا يتفق مع اتجاهه في الحياة، ومن أصعب الأمور على النفس أن يرى المرء زوجه وأولاده يسيرون في طريق الزيغ والانحراف والضلال. إن هؤلاء الذين يشغلون عن أهليهم يجنون بعد حين الصاب والعلقم، ويتجرعون غصص العناء والشقاء، والحياة اليوم معقدة الجوانب، مترعة

стр. 676

بأسباب التأثير، أعرف رجلًا متدينًا انصرف في أول حياته الزوجية إلى عمله فجد واجتهد، وكان لا يأتي إلى داره إلا للطعام والنوم، ثم يخرج ولا يعود إلا بعد منتصف الليل، فإذا جاءت الإجازة ترك زوجته مع أهلها وسافر إلى البلاد الأجنبية في تحقيق أمور تتصل بعمله ... فكان من جراء ذلك تدمير الأسرة وتشرد الأولاد وعانى هو من وراء ذلك أعظم الصعوبات. إنَ الانشغال عن الأهل تفريط في حق الرجل والأسرة، وظلم بين، إذ كيف يسوغ للإنسان أن يحبس زوجه وينطلق هو في عمله وزياراته وقراءته وكتابته وعبادته، ويترك شريكة حياته نهبا للوساوس والخطرات، والوحشة والأزمات، أو يتركها للانغماس في المجتمع الذي يسير في طريق آخر. فاتق الله يا أخي ووازن بين الحقوق، ومنها حق الأهل، وليكن لك مع أهلك وقت تملؤه بالمؤانسِة العذبة الهادفة والحديث المؤثر الجذاب، وفقك الله ورعاك] اهـ. وقال فضيلته في موضع آخر: [إن كثيرًا من الصالحين يشغلون عن أولادهم بأمور عامة تتصل بالدعوة، ويحسبون أنهم بذلك يقومون بخدمة جليلة، وذلك لعمر الله تقصير كبير، إن أحق الناس بتوجيهك أولادك وزوجك الذين معهم تعيش، وبهم تعرف، وشرهم وخيرهم مقرون بك، وقد تضطرك الأيام إلى أن تكون بحاجة برهم: ورعايتهم، وقد يفيدك أن تحظى بدعوة من أحدهم تخفف عنك ما أنت فيه من الضيق والكرب بعد موتك، أو تزيدك من الخير في آخرتك، من أجل ذلك أود أن أقترح ما يلي: ١- لابد من أن تخصهم بجلسة أسبوعية على أقل تقدير، وإن استطعت أن تكون في مدة أقل كان أحسن. ٢- إقامة حلقات للأولاد يتولاها ناس ظلهم خفيف ودينهم جيد وبيانهم

стр. 677

مشرق وإن كانت مستوياتها مختلفة للابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي فهو أفضل (فالمرء على دين خليله) . هذه أمور بأيدينا نحن فلنتق الله فيها.. ولنصلح الفاسد.. ولنحذر غرق سفينة المجتمع. إن الأسرة هي القلعة الأخيرة التي ينبغي أن نقف حياتنا وإمكانياتنا لحمايتها وحفظها وإنا لمسؤولون] اهـ. (٦) ومن حقها عليه: أن يغار عليها ويصونها إن من حب الرجل لزوجته أن يغار عليها، ويحفظها من كل ما يلم بها من أذى في نظرة أو كلمة، والزوجة أعظم ما يكنزه المرء، فلا يليق به أن يجعلها مضغة في الأفواه، تلوكها الألسنة، وتتقحمها الأعين، وتجرحها الأفكار والخواطر. كلا! إن الغيرة أخص صفات الرجل الشهم الكريم، وإن تمكنها منه يدل دلالة فعلية على رسوخه في مقام الرجولة الحقة الشريفة، ومن هنا كان كرام الرجال وأفذاذ الشجعان يمتدَحون بالغيرة على نسائهم، والمحافظة عليهن، وإن من شر صفات السوء ضعف الغيرة وموت النخوة، ولا يركن إلى ذلك إلا الأرذلون. وليست الغيرة تعني سوء الظن بالمرأة، والتفتيش عنها وراء كل جريمة دون ريبة، ومتى ما تحين الرجل الفرص ليأخذ امرأته على غرة، التماسا لعثرة منها بدون أي ريبة كانت هذه غيرة مذمومة، فعنه ﷺ أنه قال: " إن من الغيرة غيرة يبغضها الله، وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة " (٩٢١) .

стр. 678

إن الرجل هو صاحب القوامة، والمسؤول الأول في الأسرة، والمحافظ على أفرادها، وهو أبعد أهله نظرًا وتبصرًا في العواقب، فمن حقها عليه أن يغار عليها. وقد نظم الإسلام هذا الأمر فيما نجمله بما يلي: أولًا: أن لا تأذن لأحد بدخول بيته من رجل قريب أو امرأة قريبة أو أجنبية الا بإذنه، فهو أدرى بمصلحة الأسرة لأنه القيم عليها، فقد يكون في دخول أبيها أو أخيها أو أمها مفسدة عليه في أسرته. أما الأجنبي فلا تأذن له بدخوله عليها، ولو أذن بذلك الزوج، لأنه إثم ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا يُدخِل هو عليها من لا يخاف الله تعالى، فقد يخون بنظرة أو كلمة، ويشعل في البيت شرارة فتنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من خَبَّب (٩٢٢) خادمًا على أهلها، فليس منا (٩٢٣) ، ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا " (٩٢٤) .

стр. 679

وعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ليس منا من حلف بالأمانة، ومن خَبَّبَ على امرئ زوجته أو مملوكته، فليس منا " (٩٢٥) . عن عقبة بن عامر ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إياكم والدخول على النساء"، قالوا: " يا رسول الله أرأيت الحمو؟ "، قال: " الحمو الموت " (٩٢٦) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا " تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي " (٩٢٧)) .

стр. 680

ثانيًا: أن لا تخرج من بيته إلى مجتمعات الرجال، فتخالطهم في الحفلات أو السهرات العائلية، وغير العائلية، وفي الأسواق، ووسائل المواصلات، والمحلات التجارية، عن علي ﵁ قال: " بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج في الأسواق، ألا تستحيون؟ ألا تغارون؟ يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال! " (٩٢٨) . ثالثا: أن لا يعرضها للعنت فيطيل غيابه عنها، ولا يدفعها إلى الفسوق بمطالعة القصص الفاجرة والمجلات الخليعة، ولا يصطحبها إلى دور الملاهي والخيالة، ولا يسمعها أغاني الفحش والخنا، ولا يودع بيته جهاز " التلفاز " أو ما يسمى بـ " الفيديو " لترى مشاهدهما الآثمة، فإنهما من أعظم أسباب الفساد وتحطيم الأخلاق في هذا العصر، والناس عنهما في غفلة، بل هم فيهما على رغبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " عن رجل له زوجة أسكنها بين ناس مناجيس، وهو يخرج بها إلى الفرج، وإلى أماكن الفساد، ويعاشر المفسدين، فإذا قيل له: " انتقل من هذا المسكن السوء "، فيقول: " أنا زوجها، ولي الحكم في امرأتي، ولى السكن، فهل له ذلك؟ ". فأجاب: الحمد الله رب العالمين، ليس له أن يسكنها حيث شاء، ولا يخرجها إلى حيث شاء؛ بل يسكن بها في مسكن يصلح لمثلها، ولا يخرج بها عند أهل الفجور، بل ليس له أن يعاشر الفجار على فجورهم، ومتى فعل ذلك وجب أن يعاقب عقوبتين: عقوبة على فجوره، بحسب ما فعل، وعقوبة على ترك صيانة زوجته

стр. 681

وإخراجها إلى أماكن الفجور، فيعاقب على ذلك عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل ذلك، والله أعلم) (٩٢٩) . (٧) ومن حقها عليه أن لا يَتَخوّنها، ولا يتلمس عثراتها وذلك بأن يترك التعرض لما يوجب سوء الظن بها، وقد دل على ذلك أحاديث: منها: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " كان النبي ﷺ يكره أن يأتي الرجلُ أهلَه طُروقًا (٩٣٠) ، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرقَنَّ أهله ليلًا، (٩٣١) وعن أنس ﵁: " أن النبي ﷺ كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية " (٩٣٢) . وعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم، أو يطلب عثراتهم " (٩٣٣) ، وعنه أيضًا بلفظ: " لا

стр. 682

تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم " (٩٣٤) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: (قوله في طريق عاصم عن الشعبي عن جابر: " إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا، التقييد فيه بطول الغيبة يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلا نهارا، ويرجع ليلًا، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة، كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره: إما أن يجد أهله على غير أهبَة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله ﷺ لجابر حين قدم معه من سفر: " إذا دخلت ليلًا (٩٣٥) ، فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغِيبة، وتمتشطَ الشعِثة "، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة، لئلا يطلع منها على ما يكون سببا لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرِّض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: " أن يتخونهم، ويتطلب عثراتهم " (٩٣٦) .

стр. 683

فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلًا، لا يتناوله هذا النهى، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق من حديث ابن عمر قال: (قدم النبي ﷺ من غزوة، فقال: " لا تطرقوا النساء "، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون) ، قال ابن أبي جمرة - نفع الله به -: " فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلًا، فعوقب بذلك على مخالفته " اهـ، وأشار بذلك إلى حديث أخرجه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: " نهى رسول الله ﷺ أن تطرق النساء ليلًا، فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره "، وأخرجه من حديث ابن عباس نحوه، وقال فيه: " فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا "، ووقع في حديث محارب عن جابر: " أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا، فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر للنبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا " أخرجه أبو عوانة في صحيحه. وفي الحديث الحث على التواد والتحاب خصوصًا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفي عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك نهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى) (٩٣٧) اهـ.

стр. 684

(٨) ومن أعظم حقوقها المعاشرة بالمعروف " إني أحَرجُ عليكم حَق الضعيفين: اليتيم والمرأة " (٩٣٨) (حديث شريف) توارد القول الكريم من الله ورسوله ﷺ في محاسنة الزوجات وموادعتهن، ولبُسهن على بعض ما فيهن، مما يفيض رفقًا ورحمة، ورعاية وعناية، وحسبك أن الله جعل المرأة من آيات الله ومنته على الرجل، وجعل المودة والرحمة والألفة عقدة الصلة بينهما، فذلك حيث يقول جل وعلا: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجَا لتسكنوا إليها وجل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ولقد كفى وشفى في الأمر بحسن المعاشرة آية جليلة جامعة، بها تنزل الوحي الإلهي يتلى في المحاريب، ويتقرب به المتعبدون إلى الله سبحانه، فمن ذا الذي يستمع قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا) (النساء: ١٩) ثم يجفو امرأته، أو يتسخطها بعد ذلك؟ قلب بين أعطاف هذه الآية بصرك، واملأ منها يدك، ورَو من معينها قلبك، ثم انظر هل تقيم على وجدانك، أو تقر على عاطفتك، فيما تكره من امرأتك؟ وما ظنك بأمر تكرهه ثم تظل على لجاجك فيه بعد أن مناك الله بالخير الكثير من ورائه؟ وأين ذلك من حسن الثقة وتمام الإيمان بالله؟

стр. 685

ولقد شَبه الله تعالى حسن القيام على الزوجة بحسن القيام على الوالدين، فقال تعالى في حق الوالدين: (وصاحبهما في الدنيا معروفًا) ، وقال تعالى في حق الزوجات: (وعاشروهن بالمعروف) . وقوله تعالى: (وعاشروهن) قال السدي: " وخالطوهن "، وقال ابن جرير: (كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو " خالقوهن ") (٩٣٩) ، (بالمعروف) وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل. قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) : قال القرطبي: (أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عِشْرة، زوجًا كان أو وليًّا، ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: (فإمساك بمعروف) ، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبِس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مُنطَلِقًا في القول لا فَظا ولا غليظًا ولا مُظهرًا ميلًا إلى غيرها) (٩٤٠) اهـ. وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كُنَّ ممن لا يخدمن أنفسهن، قال ابن كثير: ((وعاشروهن بالمعروف) أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيآتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) الآية) - البقرة (٢٢٨) . قوله تعالى: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا) (النساء: ١٩) قال القرطبي ﵀: ((فإن كرهتموهن) أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز؛

стр. 686

فهذا يُنْدَبُ فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين ... قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " لا يَفْرَك مؤمن مؤمنةً إن كرِه منها خُلقًا رضي منها آخر " أو قال: " غيره"، المعنى: أي لا يُيْغِضها بغضًا كُليا يحمله على فراقها، أي لا ينبغي ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: " إن الرجل ليستخير الله تعالى فَيُخار له، فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خِيرَ له. وذكر ابن العربي بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تُقَصر في حقوقه، وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويُعذَلُ بالصبر عليها، فكان يقول: " أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بُعثت عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها " قال علماؤنا: في هذا - أي ما تقدم من الآية والحديث - دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة) (٩٤١) اهـ. (قوله تعالى: (فإن كرهتموهن) أي إن كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قِبَلهن ما يوجب ذلك (فعسى أن تكرهوا شيئا) كالصحبة والإمساك (ويجعل الله فيه خيرًا كثيراً) كالولد والألفة التي تكون بعد الكراهة، والمعنى: فإن كرهتموهن

стр. 687

فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فلعل (لكم) فيما تكرهونه (خيرًا كثيرًا) فإن النفس ربما تكره ما يحمد، وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمع النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما تهوى الأنفس، ونكر" شيئًا " و " خيرًا " ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك المفارقة، وتعميمًا للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه) (٩٤٢) اهـ. [ (وعن ابن عباس في قوله تعالى: (ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) قال: " الخير الكثير أن يعطف عليها فيُرزق الرجلُ ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا "] . (وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: فإذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام، فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها، وليصبر، فلعل الله سيريه منها ما يحب، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: عسى أن يمسكها وهو لها كاره، فيجعل الله فيها خيرا كثيرًا) ] (٩٤٣) . وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: [وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها، ونبهت على معنيين: أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودًا، ومحمودٍ عاد مذموما، والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما يُحب، وأنشدوا في هذا المعنى: ومن لم يُغْمِضْ عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يَمُتْ وهو عاتِبُ ومن يتتبع جاهدًا كل عَثرَة ... يَجِدْها، ولا يسلمُ له الدَّهرَ صاحبُ] (٩٤٤)

стр. 688

ومما يرمي إلى ذلك الغرض الجليل قول رسول الله ﷺ : " لا يَفْرَكُ مؤمن مؤمنةً، إن كره منها خلقًا، رضي منها آخر - أو قال: غيره " (٩٤٥) . والفِرك: هو بغض أحد الزوجين الآخر، (والفارك هو المبغض لزوجته، ومن هذا المعنى قول الرضى: رمت المعالي فامتنعن ولم يزل ... أبدًا، يمانع عاشقًا معشوق فصبرت حتى نلتهن ولم أقل ... ضجرًا دواء الفارك التطليق) (٩٤٦) فلا ينبغي للرجل أن يبغضها إذا رأى منها ما يكره، لأنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر، فيقابل هذا بذاك (٩٤٧) ، وقد رُوي أن عمر ﵁ قال لرجل طلق امرأته: " لم طلقتها؟ "، قال: " لا أحبها "، فقال: " أوَ كل البيوت بني على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم؟ ". وعن سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إن المرأة خُلِقت من ضلع، وإنك إن تُرِد إقامة الضلع تكسرها، فدارِها، تَعِشْ بها " (٩٤٨) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إن المرأة

стр. 689

خلقت من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها " (٩٤٩) ، وعنه أيضًا بلفظ: " واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج (٩٥٠) ، استوصوا بالنساء خيرًا (٩٥١) ، ومعنى " خلقت" أي أخرجت كما تخرج النخلة من النواة " من ضِلَع " واحد الأضلاع، فالمراد أن أول النساء خلقت من ضلع، أو المراد التمثيل، قال القاضي: " استعير الضلع للمعوج صورةً ومعنى "، فيكون المراد: إنها مثل الضلع، ويشهد له قوله: " لن تستقيم لك على طريقة". والعَوج: بفتح العين في الأجسام، وبكسرها في المعاني، قوله: " إن ذهبت تقيمها كسرتها " (أي إن أردت منها تسوية اعوجاجها أدى إلى فراقها، فهو ضرب مثل للطلاق، قوله: " وإن تركته" أي لم تقمه " لم يزل أعوج " فلا تطمع في استقامتهن، قوله: " وإن أعوج شيء في الضلع

стр. 690

أعلاه " ذكر تأكيد لمعنى الكسر، وإشارة إلى أنها خلقت من أعوج آخر الضلع، مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، أو ضربه مثلًا لأعلى المرأة، لأن أعلاها رأسها، وفيه لسانها، وهو الذي يحصل به الأذى، وقوله: " استوصوا بالنساء خيرًا " الاستيصاء قبول الوصية، فالمعنى: أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن، فإنهن خلقن من ضِلَع أعوج، فلا يتأتى الانتفاع بهن إلا بأن يداريها، ويلاطفها، ويوفيها حقوقها، أو تكون السين للطلب مبالغة، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية والنصيحة من غيركم بهن، وقد نظم بعضهم معنى هذا الحديث فقال: هي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضلوع انكسارها تجمع ضعفًا واقتدارا على الفتى ... أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟ ! (٩٥٢) رَأي أفِينٌ (٩٥٣) حكى منشيء المنار الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أنه بقي يدرس مسألة النساء والحياة الزوجية بعمق وتدبر للواقع في بلاد المسلمين والإفرنج مدة ثلث قرن ونيف، وأنه كتب فيها، وناظر المشتغلين بها، والداعين إلى المساواة بين النساء والرجال في الجامعة المصرية فحكمت له الأكثرية الساحقة منهم بالفلج وإصابة صميم الحق، ثم قال رحمه الله تعالى: (وإنني أعتقد بعد هذا الدرس الطويل العريض العميق، وما اقترن به من الاختبار الدقيق، أن ما يراه الكثيرون من أهل الغرب والشرق من

стр. 691

نوط السعادة الزوجية بتعارف الزوجين قبل الزواج، وعشق كل منهما للآخر، هو رأي أفين، أثبت الاختبار (٩٥٤) بطلانه، وأن تحاب الشبيبة لا ثبات له بعد الزواج غالبًا، بل كانت العرب تقول: " إن الزواج يفسد الحب". وإنما القاعدة الصحيحة لهناء الزوجية ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لامرأة خاصمت زوجها إليه، وصرحت له بأنها لا تحبه، فقال لها: " إذا كانت إحداكن لا تحب الرجل منا، فلا تخبره بذلك، فإن أقل البيوت ما بني على المحبة، وإنما يتعاشر الناس بالحسب والإسلام "، يعني أن التزام كل من الزوجين لحفظ شرف الآخر والعمل بما يرشد إليه الإسلام من الواجبات والآداب الزوجية هو الذي تنتظم به الحياة الزوجية، ويعيش الناس به العيشة الهنية. وينبغي لكل من الزوجين أن يتكلف التحبب إلى الآخر بأكثر مما يجده له في قلبه، فإن التطبع يصير طبعًا، ورحم الله عُليَّة بنت المهدي أخت هارون الرشيد حيث قالت: * تَحَببْ فإن الحبَّ داعيةُ الحب * فإنه في معنى قوله ﷺ : " العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم ") (٩٥٥) انتهى كلامه ﵀، وما أشار إليه من قول عمر ﵁ للمرأة التي خاصمت زوجها، جاء مفصلًا في الخبر التالي:

стр. 692

(رُوي أن ابن أبي عُذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر ﵁ كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته: - أنشدك بالله هل تبغضينني؟ قالت: لا تنشدني بالله. قال: فإني أنشدك بالله. قالت: نعم. فقال لابن الأرقم: أتسمع؟ ثم انطلقا حتى أتيا عمر ﵁، فقال: (إنكم لَتَحَدَّثُونَ أني أظلم النساء، وأخلعهن، فاسأل ابن الأرقم، فسأله فأخبره، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة، فجاءت هي وعمها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟ "، فقالت: إني أول من تاب، وراجع أمر الله تعالى، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب، أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب) (٩٥٦) . فمع غلظ تحريم الكذب، وتشديد الشرع فيه، غير أنه أباح طرفًا منه ليستصلح الرجل زوجته، ويستطيب نفسها: فعن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرا "، قالت: " ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين الناس،

стр. 693

وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجَها " (٩٥٧) .

стр. 694

[فصل] أصفى السرور: اجتماع المودة والرحمة (قد يجعل الله سبحانه المودة في الرجل ولا يجعل فيه الرحمة، كما يوجد من أخلاق الجفاة الأراذل، يحب أحدهم زوجته لكنه يعاملها معاملة المبغض من الضرب واللعن وشتم الآباء والأمهات، وقد يكلفها أعمالًا شاقة، ويُضَيِّقُ عليها في النفقة الواجبة، وقد يتزوج عليها فيقطع صلته بها ونفقته عليها وعلى عياله منها، حتى يجعلها معلقة لا هي ذات زوج ولا مُطَلقة. وقد يجعل الله الرحمة في الشخص ولا يجعل فيه المودة، كما يوجد من أخلاق بعض الفضلاء، يقع في نفس أحدهم عدم المودة الصافية منه لزوجته، لكنه يعاشرها بكرم الأخلاق، وجميل الوفاق، وبالعطف واللطف والإنفاق، إن الناس متفاوتون في الأخلاق، كما أنهم متفاوتون في الأرزاق، وان الكمال التام متعذر من رجل وامرأة، فما من أحد إلا وفيه شيء من النقص بحسبه، غير أن الناس يتعاشرون بالشرف، وتندر البيوت المبنية على المحبة، والرجل الكريم صاحب الخلق القويم يغض عن الشيء اليسير، فما استقصى كريم قط، فكم من رجل كره امرأة فأنجبت له أولادا كرامًا قاموا بنفعه، ونشروا فخر ذكره، (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرَا) ، وكم من رجل فُتِن بمحبة امرأة فأفسدت عليه دينه ودنياه وأهله وخلقه (وعسى أن تحبوا شيئَا وهو شر لكم)) (٩٥٨) . ولقد رفع الإسلام حسن الخلق إلى أعلى المقامات، وكان ﷺ نهاية

стр. 695

العالَم في حسن الخلق، ولذا قال الله تعالى في حقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) فما بالك بما يستعظمه الحق جل شأنه؟ بل جعل الله تتميم صالح الأخلاق أحد المقاصد الرئيسية لبعثة رسول الله ﷺ : فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إنما بُعِثْتُ لأتمم صالح الأخلاق " (٩٥٩) وفي رواية: " مكارم الأخلاق". وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " (٩٦٠) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن معاذ بن جبل ﵁ أراد سفرا، فقال: " يا رسول الله، أوصني"، فكان من وصيته ﷺ : " استقم، وليحسن خُلُقُكَ للناس" (٩٦١) . وعن أسامة بن شريك ﵁ مرفوعًا: " أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا " (٩٦٢) .

стр. 696

وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : " إن أحبكم إلى وأقربكم منى في الآخرة مجالسَ أحاسنُكم أخلافا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا، الثرثارون، المتفيهقون المتشدقون " (٩٦٣) . وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول ﷺ قال: ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة" (٩٦٤) . ولم يكتف الشرع بعموم النصوص التي تحض على حسن الخلق مع الخلق كافة، بل خص النساء بذلك، وجعل حسن الخلق معهن معيار الخيرية والفضل. فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقًا، وخياركم: خياركم لنسائهم، (٩٦٥) . إن الزوجة أمانة ووديعة يسلمها وليُّها لمن يحافظ عليها، ويتقي الله فيها، ويحسن صحبتها، عن حجر بن قيس قال: (خطب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ فاطمة ﵂، فقال: " هي لك على أن تحسن

стр. 697

صحبتها " (٩٦٦)) . وإن مما يعين المؤمن على الصبر على أهله، وكف الأذى عنهم، وحسن الخلق معهم، تذكر ساعة فراق الأحباب، التي قد تأتيه بغتة، ولابد أن تأتيه وإن طال العمر، كما رَوى سهل بن سعد ﵁ مرفوعًا: (أتاني جبريل ﵇ فقال: " يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به " (٩٦٧)) . أيا فرقة الأحباب لا بُد لىِ منكِ ... ويا دارُ دُنيا إني راحل عنكِ وقال الحسن: " ابدأ أهلك بمكارم الأخلاق، فإن الثواء (٩٦٨) فيهم قليل) (٩٦٩) . وقال أيضًا وهو في جنازة: " ابن آدم لئن رجعت إلى أهل ومال، فإن الثوى فيهم قليل) ، وعن هشام قال: (كان الحسن إذا أصبح وإذا أمسى قال لأهله ثلاث مرات: (يا أهلاه! الثوى فيكم قليل " (٩٧٠)) . وقال الحسن ﵀: " البَرُّ: الذي لا يؤدي الذَرَّ " (٩٧١) . ولا أوذي الأنام وكيف يوذي ... عبادَ الله منتظر الرحيل؟

стр. 698

وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يُيْغِضُ كل جعظرِي جَوَّاظ، سَخاب في الأسواق جيفةٍ بالليل، حِمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة " (٩٧٢) . وقد جاء في تفسير قوله ﷺ : " إن الله يبغض كل جعظري جواظ" الحديث قيل: هو الشديد على أهله، المتكبر في نفسه، وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى: (عُتُلّ) قيل: العتل هو الفظ اللسان الغليظ القلب على أهله، وقال ﷺ لجابر حين تزوج ثيبًا: " هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك " (٩٧٣) . لقد تأثر المسلمون الأوائل بهذه التوجهات الإلهية، والإرشادات النبوية إلى حسن الخلق مع أهليهم، وانفعلوا بها أصدق الانفعال، فحفل تاريخهم بمواقف مشرقة يضرب بها المثل، في الفتوة والصبر والتجمل مع وجود داعي النفرة، وهاك بعض حديثهم في ذلك: قال أحمد بن عنبر: (لما ماتت أم صالح بن أحمد بن حنبل قال أحمد لامرأة تكون عندهم: " اذهبي إلى فلانة بنت عمها، فاخطبيها لي من نفسها، فأتتها، فأجابته، فلما رجعت إليه قال: " أختها كانت تسمع كلامكِ؟ "، قال: وكانت بعين واحدة، فقالت له: " نعم"، قال: " فاذهبي فاخطبي تِيكَ التي بفرد عين"، فأتتها، فأجابته، وهي أم عبد الله ابنه، فأقام معها سبعا، ثم قالت له: " كيف رأيت يا ابن عمي؟ أنكرتَ شيئًا؟ " قال: " لا، إلا نعلك هذه تصِر ".

стр. 699

وقال خطاب بن بشر: قالت امرأة أحمد بن حنبل لأحمد، بعد ما دخلت عليه بأيام: " هل تنكر مني شيئًا؟ "، فقال: " لا، إلا هذا النعل الذي تلبسينه، لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فباعته واشترت مقطوعًا فكانت تلبسه) ، وهى ريحانة بنت عمر عَم الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٩٧٤) . (قيل: تزوج رجل بامرأة، فلما دخلت عليه رأى بها الجدري، فقال: " اشتكيت عيني "، ثم قال: " عميت"، فبعد عشرين سنة ماتت، ولم تعلم أنه بصير، فقيل له في ذلك، فقال: " كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها "، فقيل له: " سبقت الفتيان " (٩٧٥)) . (وعن محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، فقلت: " يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك؟ " فقال: يا مريم لما ترعرعت وأنا بالري، وكانوا يريدونني على الزواج فأمتنع، جاءتني امرأة فقالت: " يا أبا عثمان قد أحببتك حُبا أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل إليك أن تتزوج بي "! فقلت: " ألكِ والد؟ " قالت: " نعم، فلان الخياط في موضع كذا وكذا "، فراسلتُ أباها أن يزوجها مني، ففرح بذلك، وأحضرت

стр. 700

الشهود، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخَلْق، فقلت: " اللهم لك الحمد على ما قدَّرته لي! ". وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك فأزيدها بِرا وإكراما، إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها فتركت حضور المجالس إيثارًا لرضاها، وحفظًا لقلبها، ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة، وكأني في بعض أوقاتي على الجمر، وأنا لا أبدى لها شيئًا من ذلك إلى أن ماتت! فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي) (٩٧٦) اهـ. ومن المعاشرة بالمعروف: التغاضي وعدم تعقب الأمور صغيرها وكبيرها، وعدم التوبيخ والتعنيف في كل شيء، إلا في حقوق الله ، وذلك ما يرشدنا إليه فولُه تعالى: (وإذ أسَرَّ النبي إلى بعض أزواجه حديثا. فلما نبأت به وأظهره الله عليه عَرَّف بعضه وأعرض عن بعض. فلما نبأها به قالت: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير) (التحريم: ٣) . وعن أنس ﵁ قال: (كان ﷺ أحسن الناس خُلُقَا) (٩٧٧) ، وقال: (ولقد خدمت رسولَ الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط: أفّ، ولا قال لشيء فعلتُه، لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟) (٩٧٨) .

стр. 701

وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم) (٩٧٩) . وعنها ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظُلِمها قط ما لم يُنتهك من محارم الله شيء، فإذا انتُهِك من محارم الله شيء كان من أشَدِّهم في ذلك غَضَبا، وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن مأثمًا) (٩٨٠) . ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: " والله لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكوتا إذا خرج، آكلًا ما وجد، غير سائل عما فقد " (٩٨١) . ومن المعاشرة بالمعروف: طلاقة الوجه، والبشاشة: فقد بين ﷺ أن ذلك من المعروف: فعن جابر بن سليم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: " ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك، فإن ذلك من المعروف) (٩٨٢) ، وعن عدي بن حاتم ﵁ قال ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن

стр. 702

لم يجد فبكلمة طيبة " (٩٨٣) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " والكلمة الطيبة صدقة " (٩٨٤) . ومن أحق من الزوجَة بهذا المعروف، وهذه الصدقة؟ (نعم.. ما أجدرنا أن نعود ألسنتنا على الكلام الطيب في أول حياتنا الزوجية، ومما يتصل بالكلمة الطيبة طريقة إلقائها، فقد تزيد هذه الطريقة - إن كانت حلوة عذبة - من تأثيرها، وما أجدرنا أن نعوّد عضلات وجوهنا الابتسامة التي تبسط أكثر المسائل تركيبا وتعقيدًا، وتمنحنا قوة في التغلب على كل المصاعب. وقد أعجبني كلام سمعته من أستاذ من أساتذتي قاله لشاب يعظه، ولم أنسه أبدًا، قال له: " إذا أردت أن تعرف ما يفعله العبوس فانظر وجهك في المرأة عندما تكون غضبان عابسا.. انظر وجهك كم هو منفر وقبيح!! وانظر كم يجلب مثل هذا الوجه على صاحبِه من السخط والأذى " (٩٨٥)) اهـ.

стр. 703

[فصل] (٩٨٦) تأملات في قوله تعالى: (وَقُولوا لِلنَّاس حُسنًا) قال الله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى وقولوا للناس حسنًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) (البقرة ٨٣) . لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على أمور أساسية في العقيدة والعبادة والسلوك والحياة، من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى ذي القربى واليتامى، ومساعدة المساكين، والقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكنهم تولوا إلّا قليلا منهم، فكان عاقبة ذلك أن حاقت بهم لعنة الله وصاروا إلى ما صاروا إليه. جاء في القرطبي: [.. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البرّ والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: (فقولا له قولًا لينًا) فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد

стр. 704

أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال لا تفعل. يقول الله تعالى وقولوا للناس حسنا فدخل في الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي؟] (٩٨٧) إننا لنقرأ في كتاب الله خطابه حبيبه وخيرته من خلقه محمدا ﷺ (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) .. فلو كان رسول الله المؤيد بالعصمة والحكمة، والمعزز بالتسديد والتأييد، لو كان ﷺ فظا غليظ القلب لانفض أصحابه من حوله وبقي وحيدا فإذا كان هذا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ فما القول بالناس الآخرين الذين لم يؤيدوا بما أيد به، ولم يؤتوا ما أوتيه من الخلق العظيم الذي أثنى به عليه ربه ﵎ فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) إن لين الجانب ورقة المعاملة أساس لاجتماع القلوب، وليس هناك وسيلة تحقق ذلك اللين وتلك الرقة أهم من الكلمة الحسنة.. وهي ترضي الله وتدخل صاحبها الجنة. وعن أنس قال: قال رجل للنبي ﷺ : علمني عملا يدخلني الجنة، قال ﷺ : " أطعم الطعام، وأفش السلام، وأطب الكلام، وصل بالليل والناس نيام " (٩٨٨) . وعن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما

стр. 705

والناس نيام (٩٨٩) . الكلمة الطيبة غذاء للروح.. وشفاء لأمراض النفس، والكلمة الحلوة لها تأثير قد يغير حياة إنسان أو أمة!! من أجل ذلك كان قرن القول الحسن مع هذه الأمور الأساسية في العقيدة والعبادة والسلوك.. فتوحيد الله وإقامة الصلاة وبرّ الوالدين من أهم ما دعت الشريعة إلى تحقيقه وإقامته، وها نحن أولاءِ نجد في الآية قرنًا للقول الحسن بهذه الأمور، ونودّ أن نعيش لحظات في ظلال قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنَا) نطل من خلالها على حياتنا الاجتماعية والأسرية (العائلية) . كم تضيع علينا في حياتنا (العائلية) والاجتماعية فرص سعادة وغنى وأنس كنا على مقربة منها لو قلنا كلمة حلوة.. ولكنَّا أضعناها عندما لم نلق بالكلمهَ الطيبة. إن كلمة واحدة تستطيع أن تفعل شيئًا كبيرًا ... فبسبب كلمة قامت حروب، وبسبب كلمة تآلفت قلوب. إن الكلمة الطيبة أساس متين تبنى عليه علاقات الحب والمودة والرحمة والانتاج والتربية، إن الكلمة الطيبة تهيئ المناخ المناسب لنمو هذه العلاقات ولتثمر الثمرة المرجوة سعادة وفرحًا وابتهاجًا وانطلاقًا وتحقيقًا لكثير من معاني الخير. وإن الكلمة الطيبة أغلى عند الزوجة في كثير من الأحيان من الحلي الثمين، والثوب الفاخر الجديد، ذلك لأنّ العاطفة المحببة التي تبثها الكلمة
следующие страницы →