← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم) (٩٧٩) . وعنها ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرًا من مظلمة ظُلِمها قط ما لم يُنتهك من محارم الله شيء، فإذا انتُهِك من محارم الله شيء كان من أشَدِّهم في ذلك غَضَبا، وما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن مأثمًا) (٩٨٠) . ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت: " والله لقد كان ضحوكا إذا ولج، سكوتا إذا خرج، آكلًا ما وجد، غير سائل عما فقد " (٩٨١) . ومن المعاشرة بالمعروف: طلاقة الوجه، والبشاشة: فقد بين ﷺ أن ذلك من المعروف: فعن جابر بن سليم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: " ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك، فإن ذلك من المعروف) (٩٨٢) ، وعن عدي بن حاتم ﵁ قال ﷺ : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن

стр. 702

لم يجد فبكلمة طيبة " (٩٨٣) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " والكلمة الطيبة صدقة " (٩٨٤) . ومن أحق من الزوجَة بهذا المعروف، وهذه الصدقة؟ (نعم.. ما أجدرنا أن نعود ألسنتنا على الكلام الطيب في أول حياتنا الزوجية، ومما يتصل بالكلمة الطيبة طريقة إلقائها، فقد تزيد هذه الطريقة - إن كانت حلوة عذبة - من تأثيرها، وما أجدرنا أن نعوّد عضلات وجوهنا الابتسامة التي تبسط أكثر المسائل تركيبا وتعقيدًا، وتمنحنا قوة في التغلب على كل المصاعب. وقد أعجبني كلام سمعته من أستاذ من أساتذتي قاله لشاب يعظه، ولم أنسه أبدًا، قال له: " إذا أردت أن تعرف ما يفعله العبوس فانظر وجهك في المرأة عندما تكون غضبان عابسا.. انظر وجهك كم هو منفر وقبيح!! وانظر كم يجلب مثل هذا الوجه على صاحبِه من السخط والأذى " (٩٨٥)) اهـ.

стр. 703

[فصل] (٩٨٦) تأملات في قوله تعالى: (وَقُولوا لِلنَّاس حُسنًا) قال الله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى وقولوا للناس حسنًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون) (البقرة ٨٣) . لقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل على أمور أساسية في العقيدة والعبادة والسلوك والحياة، من توحيد الله، وإفراده بالعبادة، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى ذي القربى واليتامى، ومساعدة المساكين، والقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكنهم تولوا إلّا قليلا منهم، فكان عاقبة ذلك أن حاقت بهم لعنة الله وصاروا إلى ما صاروا إليه. جاء في القرطبي: [.. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البرّ والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضى مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: (فقولا له قولًا لينًا) فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون وقد

стр. 704

أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ فقال لا تفعل. يقول الله تعالى وقولوا للناس حسنا فدخل في الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي؟] (٩٨٧) إننا لنقرأ في كتاب الله خطابه حبيبه وخيرته من خلقه محمدا ﷺ (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) .. فلو كان رسول الله المؤيد بالعصمة والحكمة، والمعزز بالتسديد والتأييد، لو كان ﷺ فظا غليظ القلب لانفض أصحابه من حوله وبقي وحيدا فإذا كان هذا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ فما القول بالناس الآخرين الذين لم يؤيدوا بما أيد به، ولم يؤتوا ما أوتيه من الخلق العظيم الذي أثنى به عليه ربه ﵎ فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم) إن لين الجانب ورقة المعاملة أساس لاجتماع القلوب، وليس هناك وسيلة تحقق ذلك اللين وتلك الرقة أهم من الكلمة الحسنة.. وهي ترضي الله وتدخل صاحبها الجنة. وعن أنس قال: قال رجل للنبي ﷺ : علمني عملا يدخلني الجنة، قال ﷺ : " أطعم الطعام، وأفش السلام، وأطب الكلام، وصل بالليل والناس نيام " (٩٨٨) . وعن ابن عمر قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها " فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ : " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائما

стр. 705

والناس نيام (٩٨٩) . الكلمة الطيبة غذاء للروح.. وشفاء لأمراض النفس، والكلمة الحلوة لها تأثير قد يغير حياة إنسان أو أمة!! من أجل ذلك كان قرن القول الحسن مع هذه الأمور الأساسية في العقيدة والعبادة والسلوك.. فتوحيد الله وإقامة الصلاة وبرّ الوالدين من أهم ما دعت الشريعة إلى تحقيقه وإقامته، وها نحن أولاءِ نجد في الآية قرنًا للقول الحسن بهذه الأمور، ونودّ أن نعيش لحظات في ظلال قوله تعالى: (وقولوا للناس حسنَا) نطل من خلالها على حياتنا الاجتماعية والأسرية (العائلية) . كم تضيع علينا في حياتنا (العائلية) والاجتماعية فرص سعادة وغنى وأنس كنا على مقربة منها لو قلنا كلمة حلوة.. ولكنَّا أضعناها عندما لم نلق بالكلمهَ الطيبة. إن كلمة واحدة تستطيع أن تفعل شيئًا كبيرًا ... فبسبب كلمة قامت حروب، وبسبب كلمة تآلفت قلوب. إن الكلمة الطيبة أساس متين تبنى عليه علاقات الحب والمودة والرحمة والانتاج والتربية، إن الكلمة الطيبة تهيئ المناخ المناسب لنمو هذه العلاقات ولتثمر الثمرة المرجوة سعادة وفرحًا وابتهاجًا وانطلاقًا وتحقيقًا لكثير من معاني الخير. وإن الكلمة الطيبة أغلى عند الزوجة في كثير من الأحيان من الحلي الثمين، والثوب الفاخر الجديد، ذلك لأنّ العاطفة المحببة التي تبثها الكلمة

стр. 706

الطيبة غذاء الروح، فكما أنه لا حياة للبدن بلا طعام، فكذلك لا حياة للروح بلا كلام حلو لطيف. لماذا نهمل الكلمة الطيبة في نطاق الأسرة وهي لا تكلفنا شيئًا؟ إن السعادة كلها ربما كانت كامنة في كلمة فيها مجاملة ومؤانسة يقولها أحد الزوجين لصاحبه أو الوالد لابنه. أجل ... إن علينا أن تكون ألسنتنا رطبة بذكر الله وبالكلام المعسول الجميل لا سيما عندما نخاطب أزواجنا.. إن المرأة الشرقية عاطفية إلى أبعد الحدود. إن الخطأ الذى يقوم في حياتنا الزوجية مبني على فهم خاطئ لفكرة رفع الكلفة.. حتى إن كثيرًا من الناس ليقع في الأغلاط المدمرة لحياته الأسرية بحجة رفع الكلفة، يقول أحدهم: إن زوجتي ولدت ولدين أو ثلاثة أو أربعة.. فلم نعد عروسين نحتاج إلى الملاطفة والمجاملة أو الكلمة المأنوسة.. قد مضى وقت ذلك، إن هذا خطأ قادح يجرّ ذيول التعاسة والشقاء على عش الزوجية، وقد يدمر بناء الأسرة ويقضي على نفسية الأولاد. لماذا لا تكون الملاطفة مع من نعايش؟ لماذا لا تكون الكلمة الطيبة مع الأزواج والأولاد؟ ألسنا بشرًا سواء أكنا عرسانًا أم كنا قد تقدت بنا الأيام والسنون، وسواء أأنجبنا أم لم ننجب؟ ولو أننا نظرنا إلى حياة رسول الله ﷺ مع أزواجه لرأينا أنها مثال الملاطفهَ والمؤانسة، فلقد كان يؤانسهن ويمازحهن ويعمر نفوسهن بالكلمة الحلوة، والنظرة الحانية، والتصرف الودود، ويحتمل منهن أخطاءهن. إن تجاهل حاجة الزوجة إِلى العاطفة العذبة التي تفيض بها الكلمة الطيبة، يجعلها تحمل بين جوانبها حجرًا مكان القلب ... مما يعكر على الزوج

стр. 707

حياته.. لأننا نعيش بالمعاني لا بالأجساد فقط.. وليس في الحجارة من المعاني شيء إن رتبة كتف حانية من الزوج مع ابتسامة مشرقة مقرونة بكلمة طيبة تذيب تعب الزوجة، وتنعش فؤادها المشرئب للعطف والحنان، فهل لك يا أخي أن تنتبه إلى نفسك وتتأسى بسيدنا رسول ﷺ الذي يقول الله ﵎ فيه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) . اشكر زوجتك على صحن الطعام اللذيذ الذي قد أعدته لك بيديها.. اشكرها بابتسامة ونظرة عطف وحنان.. أثن عليها وتحدث عن محاسنها وجمالها، والنساء يعجبهن الثناء ويوثر فيهنّ.. وإذا كان الكذب محظورًا فقد أباح لك الإسلام طرفا منه في علاقتك الزوجية عندما يكون ذلك سببًا لتعميق المودة وتحقيق التفاهم (٩٩٠) . اذكر لها يا أخي امتنانك لرعايتها وخدمتها لك ولبيتك وأولادك، وإن كان هذا من اختصاصاتها، وإن كانت لا تقدم إلا ما تقدمه النساء عادة.. لكن ذلك من قبيل الكلمة الطيبة التى تؤكد أسباب المودة والرحمة ... قل لها الكلمة الطيبة ولو نقصتها شيئًا من الطعام والمال والكساء.. إنها حينئذ ستسعد وستحس بدفء الحنان والعطف والمودة في أعماق قلبها.. وإذا أصبح قلبها مترعًا بهذه المعاني دفع دماءها حارة مغرّدة في عروقها.. وستندفع في خدمتك وتعيش معك العمر آمنة مطمئنة، وسوف ترى أنت بريقا يتراقص في عينيها، وابتسامة مشرقة على شفتيها، وسينطلق لسانها بالحديث عنك وإليك بالكلمة الطيبة. وربما قالت بعض الزوجات: وماذا يريد الزوج مني؟ ألا يجد طعامه

стр. 708

مطيها، وثوبه مكويا، وبيته نظيفًا، وأولاده لابسين آكلين، وحاجاته مهيأة؟ إنه لا يطلب منى طلبًا إلا حققته، ولا يريد حاجة إلا سارعت في تنفيذها. ماذا يريد الزوج مني أكثر من ذلك؟ كلا يا سيدتي: إنه بحاجة إلى العاطفة التي أنت مصدرها.. إنه بحاجة إلى الابتسامة المشرقة من فيك التي تبدد ظلمات الكآبة التي تعترضه في الحياة. إنه يريد أن يرى الإنسانة التي تعني به وتظهر له الاهتمام الكبير، وتشعرهُ أنه - بالنسبة إليها - قطب الرحى، وأساس السعادة. إنه يريد أن يسمع باللحن المريح كلمة الشوق والشكر والحب والرغبة في الأنس به واللقاء. إن ذلك كله مفتاح باب السعادة التي يحويها معنى الزواج. إن كلمة شكر وامتنان من الزوجة مع ابتسامة عذبة تسديها إلى الزوج بمناسبة شرائه متاعا إلى البيت، أو ثوبًا لها، تدخل عليه من السرور الشيء الكثير، قولي له الكلمة الطيبة ولو كان نصيب المجاملة فيها كبيرًا، لتجدي منه الود والرحمة والتفاهم، مما يحقق لك الجو المنعش الجميل. رددي بين الفينة والفينة عبارات الإعجاب بمزاياه، واذكري له اعتزازك بالزواج منه وأنك ذات حظ عظيم.. فإن ذلك يرضي رجولته ويزيد تعلقه بك. قابليه ساعة دخوله بالكلمة الحلوة العذبة، وتناولي منه ما يحمل بيديه وأنت تلهجين بذكره وانتظارك إياه. فذلك كله من الكلمة الطيبة التي تأتي بالسعادة، ولا تكلفك شيئًا وتعود عليك بالنفع العظيم.

стр. 709

.. وإن مما يتصل بالقول الحسن والكلمة الطيبة أن نعرف آداب إلقاء هاتيك الكلمة الطيبة، والحق أنّ هناك أمورًا كثيرة وهي يسيرة علينا نتجاهلها في حياتنا الزوجية، فنضيّع على أنفسنا سعادة كبيرة، ونَصْلَى من وراء ذلك نار الخلاف والشجار والشحناء والبغضاء مدة العيش المشترك بين الزوجين طالت هذه المدة أم قصرت. أجل.. هنالك أمور يسيرة على من ينتبه إليها، عظيمة الجدوى والنفع على من يأخذ بها ويحققها، وهي واردة بالنسبة إلى الزوجين، وإن كانت ظروف حياتنا تجعل هذه الأمور مطلوبة من الزوجة بصورة آكد. وأعظم الناس حماقة من يفوت على نفسه السعادة من تجاهله أمرا لا يكلفه شيئًا وإهماله أدبا نصحه الناصحون به. ومن هذه الأمور الهينة الميسورة أدب الحديث.. أيها السادة: إن للحديث آدابا تتصل بإلقائه، وآدابًا تتصل بسماعه إن روعيت عادت على أصحابها بالنفع الجليل وحققت أطيب الثمرات المرجُوة. وإن مما يؤسف له حقًا أن كثيرًا من الأزواج والزوجات يخالفونها معتذرين بأعذار واهية عدة، كدعوى زوال الكلفة، أو دعوى الرغبة في البساطة، أو دعوى الميل إلى المرح، وكل أولئك أعذار باطلة مردودة لا تصح ولا تصدق. وهذه المخالفة - كما رأينا في الحياة الواقعية - تؤدي في كثير من الأحيان إلى مشكلات اجتماعية يستصرخ منها الأزواج والزوجات ويوسطون الناس لحلها، وقد ييأسون من العلاج فينتهي الأمر في بعض الحالات إلى الفراق والطلاق، ولقد كانوا قادرين على تلافي تلك المشكلات لو أنهم انتبهوا إلى هذه الأمور اليسيرة الهينة، بل لقد كانوا قادرين على إحلال السعادة والتفاهم والرضى والسرور محلها.

стр. 710

آداب إلقاء الحديث إن من رعاية القول الحسن الاهتمام بآدابه، لاسيما عندما يكون الحديث بين الزوجين: فمن أهم هذه الآداب أن يراعي المتحدّث حالة المخاطب، فلا يحدثه بقصد التودد وهو يراه متوجعًا متألما، أو مشغولَا بكتابة أو محادثة هاتفية، أو منتظرا أمرَا ذا بال وهو يفكر فيه، أو نعسان يغالبه النوم، أو متضايقا يدافع الأخبثين ويريد دخول الخلاء، أو مستعجلًا يريد الخروج وإدراك موعد له أو ما إلى ذلك من الحالات. ومن آداب إلقاء الحديث أن يراعي المتحدِّث ألا ينفرد بالحديث وألا يكون آخذًا دائمَا صفة الذي يلقي ويطلب من سامعه دائمًا أن يكون مصغيا لا يفتح فمه. ومن هذه الآداب في إلقاء الحديث أن يجتنب المتحدث إعادة الحديث وتكراره فليس أثقل على النفس من الحديث المعاد. ومن هذه الآداب أن يحرص المتحدث على الإيجاز وأن يحذر الإطالة والثرثرة، فحمل السامع على متابعتك لمدة طويلة مرهق ومنفر. ومن آداب إلقاء الحديث أن يتنبه المتحدث إلى صفة التواضع، فليس حسنًا أن يفرط في الفخر بمزاياه العظيمة، وليعلم أن هذا ثقيل على السامع حتى ولو كان زوجَا أو إنسانا من أقرب الناس إليه. ومن هذه الآداب أن يحرص المتحدث على أن يلقي حديثه بتقدير

стр. 711

عميق لمن يكلمه لا سيما إن كان زوجة، فهي قرينته في حياته وشريكته في عمره وهى أم أولاده. ومن آداب إلقاء الحديث أن يتخيّر المتحدث من الأحاديث ما يعلم اهتمام المخاطب به، وعليه أن يجتنب ما يعلم يقينًا أن سامعه يضيق صدره منه، ومعرفة هذا ميسورة للزوجين بحكم الخلطة المستمرة، واللقاء الدائم والحياة المشتركة. فإذا كان الزوج في أزمة مالية فمن الغلط أن تحدثه زوجته بحاجة البيت أو أفراد الأسرة إلى بعض المطالب التي لا يقوى على تحقيقها، وكذلك من الخطأ أن يحدث الرجل زوجته عن مزايا في غيرها لا توجد فيها: من نحو كون المرأة على مستوى جيد من المعرفة، أو الذكاء؛ فليس كل كلام صحيح صالحًا لأن يلقى على الناس. وعليه أن يجتنب الإكثار من الوعظ والعتاب والتوجيهات والتقريعات، فهذه الأمور يجب أن تكون بقدر محدود، وفي ظرف يساعد على قبولها، وأنا أعلم أنه لابد من بعضها، ولكنها إذا كثرت أضحت معولًا يهدم كيان السعادة الزوجية، فهناك أزواج لا يكون كلامهم إلا لومًا أو عتابا أو توجيهًا أو موعظة، ولله درّ القائل: إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه ومن ذا الذي ترضَى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعدّ معايبه ومن آداب إلقاء الحديث أن يفرق الإنسان بين الحديث الخاص بين الزوجين وفي خلوتهما وبين حديثهما أمام أهليهما أو الأولاد أو الضيوف.

стр. 712

ومن أهم هذه الآداب أن يراعى أحكام الشرع: فلا يكذب ولا يغتاب ولا يرمي أحدا بما ليس فيه، فاحرص يا أخي على أن يكون كلامك مع أهلك ومع الناس نظيفًا خيرا، وتذكر قول رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (٩٩١) . وأود أن أذكر أدبًا مهمُّا يتصل بالعناية بمخارج الحروف وإبلاغ السامع أو السامعين الصوت جليا: فهناك أفراد لا يهتمّون بهذه الناحية حتى تتشابه الكلمات في حديثهم، وربما وصلت الكلمة إلى أذن السامع على نحو يناقض قصد المتكلم، من هنا كان الوضوح في الكلام أدبًا مطلوبًا، ويعين على ذلك أن يتكلم المرء بفمه كله، وأن يتعوّد على هذا، وأن يراعي ما يألف السامعون من الحروف، وأن يمرن لسانه على المخارج الصحيحة. وكذلك فإنّ عليه أن يسمع المخاطبين، فقد يحمل تكلفُ اللطف وتصنع الرزانة إنسانا على أن يتكلم بصوت منخفض جدا، حتى إن السامع لا يستطع أن يدرك مقصوده، وقد يريد الإسماع فيرفع صوته حتى يصدع رؤوس الناس، والتوسط في هذا هو المطلوب، وما بين ذلك قوام إن شاء الله. أما أدب الاستماع فهو من الأهمية بمكان لا يقل عن الإلقاء بل يزيد عليه، لأنّ الانتباه إليه أمر مضيَّع قل من يراعيه من الناس. وحسن الاستماع يزيد في حب الإنسان لصاحبه، ويجعله أكثر إقبالًا على الحديث، والانسجام مع قرينه، فمن هذا المنطلق ينبغي أن يحرص المرء على أن يثبت لمحدثه أنه يحبه لا سيما إن كان زوجًا، ففي ذلك توكيد لأسباب المودة والرحمة، وتوثيق لعرى الزوجية السعيدة، إنَّ عليه اًن يقبل

стр. 713

على سماع حديث صاحبه، وأن يلتمس النواحي المشرقة في حديثه، ويقنع نفسه بضرورة الإصغاء له بعناية تامة. إن الإقبال على المتحدث والإصغاء له دليل على تقديره واحترامه والاهتمام به ورعاية كرامته، وهذا مطلوب من الإنسان المسلم نحو أي مسلم آخر، ولو كان لا يجمع بينه وبينه إلا المرافقة في طريق.. فما بالك بشريكة العمر؟ هذه أهمية حسن الاستماع فما آدابه؟ ١- من آدابه ألّا يتشاغل السامع عن الإصغاء بقراءة أو خياطة أو كنس أو مداعبة لولد أو نحو ذلك. إن تخصيص جزء من الوقت للحديث المشترك بين الزوجين يقبل فيه كل منهما على صاحبه كفيل بأن يزيل كثيرًا من أسباب الخلاف، ويحُل محلها أسس الود والرحمة. ٢- ومن آدابه ألا يقاطع السامع صاحبه، بل ينتظره حتى يتم حديثه، لأن مخالفة هذا الأدب سبب لكثير من المشكلات الزوجية، وكثيرا ما تكون المقاطعة نتيجة لخوف من أحد الزوجين أن يخسر موضوع الحديث، وهذا خطأ فادح، لماذا لا نسمع ونناقش بهدوء؟ وإذا كنا على خطأ لماذا لا يكون عندنا الاستعداد للتراجع عن الخطأ؟ ٣- ومن آداب حسن الاستماع أن يبدي المرء استحسانه لما يسمع، وأن يكون هذا الاستحسان في حدود المعروف المقبول لا يبالغ فيه، إذ إن المبالغة قد تعني التهكم والمداراة، وكل ذلك مسيء للمتحدّث، وقد قيل: إذا زاد الأمر عن حده انقلب إلى ضده. ٤- ومن آدابه ألا ينتقل في تعقيبه على حديث المتكلم إلى موضوع آخر حتى يشعر بأن المتكلم قال كل ما يريد.

стр. 714

٥- ومن آداب حسن الاستماع أن يقبل السامع على الإصغاء لحديث صاحبه حتى ولو كان في أمر يعرفه أدق المعرفة، قال ابن المقفع: [إذا رأيت الرجل يحدث حديثا قد علمته، ويخبر خبرا قد سمعته، فلا تشاركه فيه، ولا تفتح عليه، حرصًا على أن تُعلم الناس أنك قد علمته، فإن ذلك خفة وسوء أدب] ولله درّ أبي تمام: مَنْ لي بإنسان إذا أغضبتُه ... وجهلتُ كان الحلم رد جوابه وتراه يصغي للحديث بقلبه ... وبسمعه ولعله أدرى به ٦- ومن آداب حسن الاستماع أن ينصت سواء أكان الحديث دسما عميقًا أم كان تافها غثا، وألا يظهر لصاحبه ضيقه من ذلك، لأن أي إنسان مهما أوتي من الموهبة لن يستطيع أن يجعل حديث التسلية دائمًا حديثًا عميقَا دسما، وقد قيل: إذا جالست الجهال فأنصت لهم، وإذا جالست العلماء فأنصت لهم؟ فإن في إنصاتك للجهال زيادة في الحلم، وفي إنصاتك للعلماء زيادة في العلم. ٧- وإذا كان الحديث بين زوجين فمن آداب حسن الاستماع ألا يسارع أحدهما إلى الردّ على صاحبه فيما إذا قرر أمرَا لا يراه، ما لم يكن إثمًا أو زيغًا.. إن عليه ما دام الأمر لم يصل إلى دائرة المنكر أن يلوذ بالصمت الملاطف الرفيق، ولا بأس بأن يثني على جانب من الكلام تمهيدا للتعقيب المناسب في الوقت المناسب، ذلك لأنَ المبادرة إلى إبطال قوله قد تترك أثرًا سيئًا في نفس صاحبه، ولايزهدن أحد في المجاملة، فما أكثر ما تكون المجاملة نافعة في الدنيا!!! وليس يعني هذا أن ينسلخ المرء عن رأيه ولا أن يتخلى عن فكره.. لا.. ولكن يسعه الصمت في بادئ الأمر ثم يتخير الوقت المناسب ليقول فيه ما يرى. ٨- ومن آدابه أن يجاري أحد الزوجين صاحبه فيما يسمع.. فإن كان الحديث نكتة صادقة ضحك، وإن كان خبرًا يثير التعجب تعجب..

стр. 715

إن مثل هذه المجاراة والتجاوب يجعل المرء يحس بلذة الحديث، وأنه يتحدث مع حيّ يشاركه الرأي لا مع جماد ميت، ولا مع مشاكس معاند، وليحاول أن يجعل ذلك كله طبيعيًّا لا أثر للتكلف فيه] اهـ. عود على بدء ومن المعاشرة بالمعروف: أن يستمع إلى حديثها، ويحترَم رأيها، ويأخذ بشوراها، إذا أشارت عليه برأي صواب، فقد أخذ ﷺ برأي أم سلمة يوم الحديبية، فكان في ذلك سلامةُ المسلمين من الإثم، ونجاتهم من عاقبة المخالفة، كما جاء في بعض الروايات: " فجلى الله عنهم يومئذ بأم سلمة "، وذلك حين امتنع الصحابة ﵃ من أن ينحروا هديهم، فأشارت عليه أم سلمة ﵂ أن يخرج، ولا يكلم أحدًا منهم كلمة حتى ينحر بُدْنه، ويحلق، ففعل ﷺ ، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، ففي هذا الحديث أنه ﷺ قبل مشورة أم سلمة ﵂ (٩٩٢) ، وكذا قبل صالح مدين مشورة ابنته في استئجار موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ومن المعاشرة بالمعروف: أن يسلم على أهله إذا دخل عليهم، فعن أنس ﵁ قال:

стр. 716

قال رسول الله ﷺ : " يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم، يكن سلامُك بركةً عليك، وعلى أهل بيتك) (٩٩٣) . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " إن للإسلام صُوى ومنارا كمنارات الطريق " الحديث بطوله، وفيه: " وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئًا، فقد ترك سهما من الإسلام، ومن تركهن كلهن، فقد ولي الإسلام ظهره) (٩٩٤) . وعن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة كلهم ضامن علي الله، الحديث، وفيه: " ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله " (٩٩٥) . والمعنى: أنه إذا دخل بيته سلم على أهله ائتمارًا بقوله سبحانه:

стр. 717

(فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم) (النور: ٦١) . ومن المعاشرة بالمعروف: أن يكرمها بما يرضيها، ومن ذلك أن يكرمها في أهلها عن طريق الثناء عليهم بحق أمامها، ومبادلتهم الزيارات، ودعوتهم في المناسبات، وبذل الإحسان لهم. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأةٍ نَكَحَتْ على صَداقٍ أو حِباء (٩٩٦) ، أو عِدة قبل عصمة (٩٩٧) النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لِمَنْ أعطِيَه، وأحَقُّ ما أكرِمَ عليه الرجل ابنتُه وأختُه (٩٩٨) ". ومن المعاشرة بالمعروف: معالجتها ومداواتها إذا مرضت، وإن طال المرض، وحال دون انتفاعه

стр. 718

بها، فذلك من الوفاء وحسن العشرة، والمعروف الذي أمر الله به. بل من حسن المعاشرة أن يباشر بنفسه رعايتها، ويلزمها إذا مرضت، فقد تغيب ذو النورين عثمان بن عفان عن غزوة بدر لأن زوجه رقية بنت رسول الله ﷺ كانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : " أقم معها، ولك أجر من شهد بدرًا وسهمه " (٩٩٩) . ومن المعاشرة بالمعروف: العدل بين الزوجات في القَسم والنفقة: قال الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية (النحل: ٩٠) ، وقال جل وعلا: (قل أمر ربي بالقسط) (الأعراف: ٢٩) ، وقال سبحانه: (إن الله يحب المقسطين) (المائدة: ٤٢) ، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعا: " المقسطون عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا " (١٠٠٠) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا كانت عند الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما، جاء يومَ القيامة وشِقُّه ساقط " (١٠٠١) وعن عروة قال: قالت عائشة ﵂: (يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القَسم من مُكثه عندنا، وكان

стр. 719

قَلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو يومُها فيبيت عندها) (١٠٠٢) الحديث. قال الإمام القرطبي ﵀ مبينًا العدل الواجب بين الزوجات: (على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة؛ هذا قول عامة العلماء، وذهب بعضهم إلى وجوب ذلك في الليل دون النهار، ولا يُسقِطُ حقَّ الزوجة مرضُها ولا حَيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها، وعليه أن يعدِل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجِز عن الحركة فيقيم حيث يغلب عليه المرض، فإذا صَح استأنف القَسمَ، والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء ... ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة ... وروى ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم هذه لم يشرب من بيت الأخرى الماء، قال ابن بكير: وحدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان ماتتا في الطاعون، فأسهم بينهما أيهما تدلى أوَّل) (١٠٠٣) اهـ. تنبيه: ما هو العدل غير المستطاع؟ قوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) الآية، (النساء: ١٢٩) .

стр. 720

قال القرطبي ﵀: (أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض؛ ولهذا كان ﵇ يقول: " اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (١٠٠٤) ، ثم نهى فقال: (فلا تميلوا كل الميل) قال مجاهد: " فلا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسْم والنفقة؛ لأن هذا مما يُستطاع " ... وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشِقه مائل " (١٠٠٥) . قوله تعالى: (فتذروها كالمعلقة) أي لا هي مطلقة، ولا ذات زوج؛ قاله الحسن) (١٠٠٦) اهـ. ومن المعاشرة بالمعروف: أن يشاركها في خدمة البيت إن وجد فراغا: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " كان ﷺ يكون في مهنة أهله - يعنى خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة " (١٠٠٧) . وعنها ﵂ قالت: " كان بَشَرَا من البشر: يَفْلِي ثوبه،

стр. 721

ويَحلُبُ شاته، ويخدِم نفسه " (١٠٠٨) . * * * قال الشافعي ﵁: (وجماع المعروف بين الزوجين كف المكروه، وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما مطل بتأخيره فمطل الواجد القادر على الأداء ظلم بتأخيره) اهـ (١٠٠٩) . وقال بعض الشافعية: (كف المكروه: هو أن لا يؤذي أحدهما الآخر بقول أو فعل، ولا يأكل أحدهما، ولا يشرب، ولا يلبس ما يؤذي الآخر) (١٠١٠) اهـ. وبالجملة فكل أمر يتصور في الدين والعرف أنه حسن فهو من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، قال ﷺ : " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي " (١٠١١) . وفيما يلي نعرض لقبس من الهدي النبوي في حسن المعَاشرة ليكون نبراسَا لمن أراد أن يمتثل قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) . قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وكان من أخلاق النبي ﷺ أنه

стр. 722

جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂، يتودد إليها بذلك، قالت: " سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم، فسبقني، فقال: " هذه بتلك "، وكان ﷺ يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ ، وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (١٠١٢) اهـ. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حَدَّثني، وإلا اضطجع حتى يُؤذَّنَ بالصلاة " (١٠١٣) . وكانا يتبادلان السمر بالأحاديث الخفيفة، والقصص ذات الموعظة الحسنة، كما في حديث أبي زرع وأم زرع، حيث قال لها: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " (١٠١٤) ، فأظهر استعداده لتحمل النفقة، والعطف والمودة والإحسان، وحسن المعاشرة، وفي رواية بزيادة: (" إلا أنه طلقها، وأنا لا أطلق "، فقالت عائشة ﵂: " يا رسول الله

стр. 723

بل أنت خير من أبي زرع " (١٠١٥)) . وعنها أيضًا ﵂ قالت: " إن كان رسول الله ﷺ ليؤتى بالإناء فأشرب منه وأنا حائض، ثم يأخذه، فيضع فاه على موضع في، وإن كنت لآخذ العَرق فآكل منه، ثم يأخذه، فيضع فاه على موضع فِي " (١٠١٦) . وقال الغزالي رحمه الله تعالى في (الإحياء) في " آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح ". (الأدب الثاني: حسن الخلق معهن، واحتمال الأذى منهن، ترحمًا عليهن، لقصور عقلهن، قال الله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) ، وقال في تعظيم حقهن: (وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا) (١٠١٧) ، وقال تعالى: (والصاحب بالجنب) قيل هي: المرأة) . ثم قال: " واعلم أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، اقتداءً برسول الله ﷺ ، فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يومًا إلى الليل،

стр. 724

وراجعت امرأةُ عمر عمر ﵁ في الكلام، فقال: " أتراجعيني يالكعاء؟ "، فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه، وهو خير منك " (١٠١٨) ] (١٠١٩) اهـ. ومع انشغاله ﷺ بتبعات الدعوة الجسام، وبناء الأمة المسلمة كان لا يألو جهدًا عن مطايبة أزواجه ﷺ : فكان ﷺ يرخم اسم عائشة ﵂، وربما خاطبها: " يا عائش"، و" يا عويش"، و " يا حميراء"، ليدخل السرور على قلبها. وكان ﷺ يقول لها ﵂: " إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غَضْبَى "، قالت: فقلت: " من أين تعرف ذلك؟ "، فقال: (أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: " لا، ورب محمد "، وإذا كنت غضبى قلت: " لا، ورب إبراهيم "!) قالت: " أجل والله يا رسول الله! ما أهجر إلا اسمك " (١٠٢٠) . وعنها ﵂ قالت: (قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعَب، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ " قالت: " بناتي"، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: " ما هذا الذي أرى وسطهن؟ "، قالت: " فرس "، قال: " وما هذا الذي عليه؟ " قالت: " جناحان "، قال: " فرس له جناحان؟ " قالت: " أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ " قالت: فضحك حتى

стр. 725

رأيت نواجذه) (١٠٢١) . وعنها ﵂ قالت: (دعاني رسول الله ﷺ ، والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد في يوم عيد، فقال لي: " يا حُمَيراء (١٠٢٢) ! أتحبين أن تنظري إليهم؟ "، فقلت: (نعم) ، فأقامني وراءه، فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم، فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده، فنظرت من فوق منكبيه - وفي رواية: من بين أذنه وعاتقه - وهو يقول: " دونكم يا بني أرفدة "، فجعل يقول: " يا عائشة، ما شبعتِ؟ "، فأقول: " لا "، لأنظر منزلتي عنده، حتى شبعت، قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا) ، وفي رواية: (حتى إذا مللت، قال: (حسبك؟) ، قلت: " نعم "، قال: "فاذهبي") ، وفي أخرى: (قلت: " لا تعجل"، فقام لي، ثم قال: " حسبك؟ "، قلت: " لا تعجل "، ولقد رأيته يراوح بين قدميه، قالت: " وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه، وأنا جارية، فاقدروا قدر الجارية العَرِبة الحديثة السن الحريصة على اللهو " (١٠٢٣) ، قالت: " فطلع عمر، فتفرق الناس عنها، والصبيان "، فقال النبي ﷺ : " رأيت شياطين الإنس والجن فروا من عمر "، قالت عائشة ﵂: قال ﷺ يومئذ: " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة " (١٠٢٤)) .

стр. 726

وتقدم عنها ﵂: (أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهي جارية، قالت: " ولم أحمل اللحم، ولم أبدِّن (١٠٢٥) ، فقال لأصحابه: تقدموا "، فتقدموا، ثم قال: " تعالي أسابقك "، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعد، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: " تقدموا"، ثم قال: " تعالي أسابقك "، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، وبدنت، فقالت: " كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال؟ "، فقال: " لتفعلن"، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: " هذه بتلك السبقة " (١٠٢٦) . ويُروى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قالت عائشة ﵂: (كان عندي رسولُ الله وسَوْدَةُ، فصنعتُ خَزِيرا (١٠٢٧) ، فجئت به، فقلت لسودة: " كُلِي "، فقالت: " لا أحبه "، فقلت: " والله لَتأكلين أو لألطخَنَّ وجهك "، فقالت: " ما أنا بباغية "، فأخذت شيئًا من الصحفَة فلطختُ به وجهها ورسولُ الله ﷺ ما بيني وبينها، فخفض لها رسول الله ﷺ ركبتيه لتستقيد مني، فتناوَلَت من الصحفة شيئا، فَمَسَحَت به وجهي، وجعل رسولُ الله ﷺ يضحك) (١٠٢٨) .

стр. 727

وعن الشفاء بنت عبد الله قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: (ألا تعلمين هذه رُقيَةَ النَّمِلَة (١٠٢٩) كما عَلًمتِيها الكتابة " (١٠٣٠) . وهذا من لغز الكلام ومزاحه، وذلك أن رقية النملة التي كانت تُعرف بين العرب، هي كلام كانت تستعمله نساؤهم يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، وهي أن يقال: " العروس تحتفل، وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أن لا تعصي الرجل "، فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضا، لأنه ألقى إليها سِرًّا فأفشته (١٠٣١) . الوفاء للزوجة بعد مماتها لقد ضرب رسول الله ﷺ المثل الأعلى في الوفاء للزوجة حتى بعد موتها، بعد أن ضرب هذا المثل الأكمل في المعاشرة بالمعروف حال حياتها. ومن خبر ذلك أنه ﷺ كان يُثني على أم المؤمنين خديجة ﵂، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث أن عائشة ﵂ كانت تقول: "ما غِرْتُ من امرأة ما غِرْتُ من خديجة (١٠٣٢) ،

стр. 728

من كثرة ما كان رسول الله ﷺ يذكرها " (١٠٣٣) ، وفي رواية بزيادة: " وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة " (١٠٣٤) ، وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يومَا، فحملتني الغيرة، فقلت: " لقد عَوضَك الله من كبيرة السن! " قالت: فرأيته غضب غضبا أسقِطْتُ في خَلَدي (١٠٣٥) ، وقلت في نفسي: " اللهم إن أذهبتَ غضبَ رسولك عني لم أعُد أذكرها بسوء "، فلما رأى النبي ﷺ ما لقيتُ، قال: " كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزِقْتُ منها الولد وحرمتموه مني " قالت: " فغدا وراح عَلي بها شهرا " (١٠٣٦) . وعنها أيضاً ﵂ قالت: (جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقال لها رسول الله

стр. 729

صلى الله عليه وسلم: " من أنت؟ "، قالت: " أنا جثامة المزنية "، فقال: " بل أنت حُسَّانة المزنية، كيف أنتم كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ " قالت: " بخير، بأبي أنت وأمي يا رسول الله "، فلما خرجت، قلت: " يا رسول الله ﷺ تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ " قال: " إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان " (١٠٣٧) . وعنها ﵂ قالت: (لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بقلادة، وكانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله ﷺ رَق لها رقة شديدة، قال: " إذا رأيتم أن تُطْلِقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها ") (١٠٣٨) .

стр. 730

ثالثًا: حقوق الزوج على زوجته " كن نساء المدينة إذا أردن أن يبنين بامرأة على زوجها، بدأن بعائشة، فأدخلنها عليها، فتضع يدها على رأسها، تدعو لها، وتأمرها بتقوى الله، وحق الزوج " (١٠٣٩) أم حُمَيد أوجب الله على الزوجة حقوقًا تجاه زوجها، وألزمها بواجبات إزاء بيتها وأولادها، لكي تستقيم الحياة، وتسعد الأسرة نفصلُها فيما يلي: ١- وجوب طاعة المرأة زوجها في المعروف: على المرأة خاصة أن تطيع زوجها فيما يأمرها به في حدود استطاعتها، وهذه الطاعة أمر طبيعي تقتضيه الحياة المشتركة بين الزوج والزوجة، ولا شك أن طاعة المرأة لزوجها يحفظ كيان الأسرة من التصدع والانهيار، وتبعث إلى محبة الزوج القلبية لزوجته، وتعمق رابطة التآلف والمودة بين أعضاء الأسرة، وتقضي على آفة الجدل والعناد التي تؤدى في الغالب إلى المنازعة، وتعطي الرجل أحقية القِوامة، ورعاية الأسرة بما وهبه الله من خصائص القوة والتعقل، وبما كلفه به من مسؤولية الإنفاق، فإن هذا مما فضل الله به الرجال على النساء، كما في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات) أي مطيعات لأزواجهن (حافظات للغيب بما حفظ الله) (النساء: ٣٤) .

стр. 731

وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة مؤكدة لهذا المعنى، ومبينة بوضوح ما للمرأة وما عليها إذا هي أطاعت زوجها أو عصته: منها: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ : " أي النساء خير؟ "، قال: " التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره ") (١٠٤٠) . ومنها: ما رواه حصين بن مُحصِن قال: (حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: " أي هذه! أذات بعل؟ " قلت: " نعم "، قال: " كيف أنتِ له؟ ". قالت: " ما آلوه (١٠٤١) ؛ إلا ما عجزتُ عنه "، قال: " فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك " (١٠٤٢) ، فالزوج هو باب للمرأة إما إلى الجنة في حالة رضاه عنها، أو للنار عند سخطه عليها بالحق، والطاعة لا تكون إلا بالمعروف، أما إذا أمرها بمعصية فلا سمع حينذاك ولا طاعة، لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (١٠٤٣) . قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " ولو دعاها الزوج إلى معصية، فعليها أن تمتنع، فإن أدبها على

стр. 732

ذلك، كان الإثم عليه " (١٠٤٤) اهـ. وفي الحديث التالي - إن صح - جَعَل رسول الله ﷺ طاعة المرأة زوجها أولى الخصال التي تستحق بها المرأة أن توصف بالصلاح: فمما يُروى عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: " ما استفاد المؤمن - بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإِن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله " (١٠٤٥) . ولعظم حق الزوج أضاف ﷺ طاعة الزوج إلى مباني الإسلام كما في الحديث التالي: عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا صلت المرأة خَمْسَها، وصامت شهرها، وحصَّنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ) (١٠٤٦) . فالزوج أولى الناس بالمرأة، ومكانته بالنسبة إليها عالية مقدسة لا يبلغها أحد من أقاربها أبدًا.

стр. 733

ولما كانت الصلاة أسمى أنواع العبادات، والسجود فيها ذروتها، فقد اعتبر الشرع مكانة الزوج بالنسبة لزوجته أنها بمستوى سجودها له، وكاد أن يأمرها بالسجود له لولا أنه لا ينبغي السجود لغير الله . (وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا من حوائط الأنصار، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان، فاقترب رسول الله ﷺ منهما، فوضعا جرَانهما (١٠٤٧) بالأرض، فقال من معه: " نسجد لك؟ " فقال النبي ﷺ : " ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظم الله عليها من حقه " (١٠٤٨) ، وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ عن النبي ﷺ " قال: " لو كنت آمِرًا أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها، حتى تؤدي حق زوجها كلَّه، حتى لو سألها نفسها وهي على قَتَب لم تمنعه " (١٠٤٩) .

стр. 734

وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا يصلح لبشرٍ أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها " (١٠٥٠) . إن المرأة المسلمة حين تطيع زوجها تكون في طاعة لله، وهي بذلك مأجورة، ولا سيما عندما تكون الطاعة فيما لا توافق عليه، بل إن الطاعة لتتجلى في طاعته فيما تكره، أكثر مما تتجلى في طاعته فيما تحب، إن طاعته في قبول الجواهر النفيسة ليست كطاعته في تنفيذ أمر لا تريده، وكمال الطاعة يتحقق في أن تؤدي الأمر بكل سرور ورضى، أما إذا أذا أدته متبرمة متأففة، يعلو وجهَها العبوسُ وأماراتُ الكراهية والضيق، فإن هذه الطاعة كعدمها، إن إظهارها الرضى والسرور، وإشعار نفسها وزوجها بالقناعة مما يخفف عليها تنفيذ ما تكره (١٠٥١) . وهذا رسول الله ﷺ يرغب المرأة في طاعة زوجها، حتى فيما لم يتبين لها فيه المنفعة، أو ما قد تخالف فيه رأي زوجها تقربًا إلى الله ببره ومرضاته:

стр. 735

فقد رُوي عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، أو من جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نَوْلها (١٠٥٢) أن تفعل " (١٠٥٣) . وعن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: (أتى رجل بابنته إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج "، فقال لها رسول الله ﷺ : " أطيعي أباك "، فقالت: " والذي بعثك بالحق، لا أتزوج حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته؟ "، قال: " حق الزوج على زوجته أن لو كانت به قَرْحَة فَلَحَسَتْها، أو انتثر مِنْخَراه صديدًا أو دما، ثم ابتلعته، ما أدَت حقه "، قالت: " والذي بعثك بالحق لا أتزوج أبدا " فقال النبي ﷺ : " لا تنكحوهن إلا بإذنهن " (١٠٥٤) .

стр. 736

وعن معاذ ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لو تعلم المرأة حق الزوج، لم تقعُد ما حضر غداؤه وعشاؤه؛ حتى يفرغ منه " (١٠٥٥) . وعن عائشة ﵂ قالت: (يا معشر النساء! لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجه زوجها بنَحر وجهها) (١٠٥٦) . وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان) (١٠٥٧) . وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع إليهم، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) (١٠٥٨) .

стр. 737

فلتحذر المسلمة المؤمنة أن تكون من أولئك النساء المولعات بمخالفة أزواجهن، فلا تؤمر الواحدة منهن بشيء إلا سارعت إلى مخالفته حتى ولو كان فيه مصلحتها، إن هؤلاء يقعن في سخط الله، ويعرضن حياتهن للدمار، وتدعو عليهن الحور العين: فعن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندك دخيل (١٠٥٩) يوشك أن يفارقك إلينا) (١٠٦٠) . وإن الإصرار على مخالفة الزوج يوغر صدره، ويجرح كرامته، ويسيء إلى قوامته، فيبادلها ذلك ممانعة لما تحب، ومخالفة لما ترغب. قال الشنفري الشاعر الجاهلي الصعلوك مخاطبا زوجته: إذا ما جئتِ ما أنهاكِ عنه ... ولم أنكر عليكِ فَطَلقيني فأنت البعلُ يومئذ فقومي ... بسوطك - لا أبا لَكِ - فاضربيني ومن أخلاق المرأة الصالحة أنها تبادر إلى إرضاء زوجها إذا غضب، ولا تنتظر أن يبدأ هو بذلك: ومنها: عن ابن عباس مرفوعًا: (ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصِّدِّيق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر، لا يزوره إلا لله ، ونساؤكم من أهل الجنة الودود (١٠٦١) ........................................

стр. 738

الولود (١٠٦٢) العؤود على زوجها (١٠٦٣) ، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوق غُمْضًا حتى ترضى ") (١٠٦٤) . وعن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أخبركم بنسائكم في الجنة "؟ قلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " ودود ولود، إذا غضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحلُ بغُمْض - أي لا أنام - حتى ترضى ") (١٠٦٥) . أما الفتاة الدَّيِّنة ذات الزوج المتدين القابض على دينه فهي أولى وأولى بأن ترفق بزوجها، ولا تجمع عليه النكد والشقاء في البيت، مع ما يلقى من أعداء الله، وخصوم الدعوة في خارج البيت، وهناك حديث غير قوي وإن كان معناه صحيحًا (١٠٦٦) يبشرها إن هي أحسنت قيامها بحقوق زوجها بثواب يعدل ثواب الجهاد والفوز بالشهادة في سبيل الله بالنسبة للرجال: وهو ما رُوِى عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى

стр. 739

النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قُتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ "، قال: فقال رسول الله ﷺ : " أبلغي من لَقِيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله) (١٠٦٧) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذا الحديث: (أي أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبًا لرضاء الله وإكرامه لها، من غير أن تعمل ما يختص بالرجال، والله أعلم) (١٠٦٨) اهـ. قال فضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصباغ حفظه الله معلقًا على مبدأ طاعة الزوج فيما لا معصية فيه: (وهذا أمر طبيعي، فإن كان الزواج شركة، وكان الرجل هو صاحب القوامة، فلابد من طاعته فيما يأمر وينهى في حدود الشرع، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ... قد شاعت بين عدد من المثقفات فكرة خاطئة، وهي أن مساواة الرجل بالمرأة تقتضي تحررها نهائيا من طاعته، وهي غلط في مقدمتها ونتيجتها، فمساواة المرأة بالرجل خديعة أطلقها ناس وهم لا يصدقونها، لأن الواقع لا يصدقها، ولو كان ذلك صحيحا، فليس من الضروري أن يترتب عليها عدم الطاعة، لأن طاعة الرئيس لا تعني عدم المساواة بينه وبين مرؤوسيه، وهذه الفكرة هي السبب في هدم بنيان كثير من الأسر اليوم. إن الحياة المشتركة ينبغي أن تكون مبنية على التفاهم والتحاور

стр. 740

والتشاور، ولكن القوامة ينبغي أن تكون للرجل كما قال ربنا ﵎: (الرجال قوامون على النساء) . وهناك حقيقة لابد أن تعلمها الزوجة المثقفة، وأن تتذكرها دائمًا، وهي أن الرجل السوي لا يحب المرأة المسترجلة التي ترفع صوتها فوق صوته، والتي تشاجره في كل أمر، وتخالفه في كل رغبة، وتسارع إلى رَد رأيه أو ما يقول، إن هذا الرجل - إن لم يطلقها- عاش معها كئيبًا عابسًا كارها، فتكون بذلك قد حرمت نفسها رؤية البهجة المرحة في وجه زوجها ومعاملته، وحرمت بيتها التمتع بالحنان الدافئ.. وهى الخاسرة سواء شُرِّدَ أولادها بالطلاق، وتحطمت نفسيتها بالترمُّل، أم بقيت في بيتٍ تعلوه سحب المصادمات اليومية، والحرائق النزاعية. إن الزوجة الذكية هي التي لا تتخلى عن طبيعتها الرقيقة الهادئة الطيبة، إنها كما صورها الحديث الشريف راعية في بيت زوجها، تصونه، وترعاه، إذا نظر إليها زوجها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته فِى نفسها وماله) (١٠٦٩) اهـ. تنبيه: حق الزوج عل المرأة أعظم من حق والديها: يروَى عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ : " أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ " قال: " زوجها"، قلت: " فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ " قال: " أمه ") (١٠٧٠) .
следующие страницы →