← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وعن معاذ ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لو تعلم المرأة حق الزوج، لم تقعُد ما حضر غداؤه وعشاؤه؛ حتى يفرغ منه " (١٠٥٥) . وعن عائشة ﵂ قالت: (يا معشر النساء! لو تعلمن حق أزواجكن عليكن لجعلت المرأة منكن تمسح الغبار عن وجه زوجها بنَحر وجهها) (١٠٥٦) . وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان) (١٠٥٧) . وعن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد أبق من مواليه حتى يرجع إليهم، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) (١٠٥٨) .

стр. 737

فلتحذر المسلمة المؤمنة أن تكون من أولئك النساء المولعات بمخالفة أزواجهن، فلا تؤمر الواحدة منهن بشيء إلا سارعت إلى مخالفته حتى ولو كان فيه مصلحتها، إن هؤلاء يقعن في سخط الله، ويعرضن حياتهن للدمار، وتدعو عليهن الحور العين: فعن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ الله، فإنما هو عندك دخيل (١٠٥٩) يوشك أن يفارقك إلينا) (١٠٦٠) . وإن الإصرار على مخالفة الزوج يوغر صدره، ويجرح كرامته، ويسيء إلى قوامته، فيبادلها ذلك ممانعة لما تحب، ومخالفة لما ترغب. قال الشنفري الشاعر الجاهلي الصعلوك مخاطبا زوجته: إذا ما جئتِ ما أنهاكِ عنه ... ولم أنكر عليكِ فَطَلقيني فأنت البعلُ يومئذ فقومي ... بسوطك - لا أبا لَكِ - فاضربيني ومن أخلاق المرأة الصالحة أنها تبادر إلى إرضاء زوجها إذا غضب، ولا تنتظر أن يبدأ هو بذلك: ومنها: عن ابن عباس مرفوعًا: (ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصِّدِّيق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر، لا يزوره إلا لله ، ونساؤكم من أهل الجنة الودود (١٠٦١) ........................................

стр. 738

الولود (١٠٦٢) العؤود على زوجها (١٠٦٣) ، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول: لا أذوق غُمْضًا حتى ترضى ") (١٠٦٤) . وعن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال: " ألا أخبركم بنسائكم في الجنة "؟ قلنا: " بلى يا رسول الله "، قال: " ودود ولود، إذا غضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها قالت: هذه يدي في يدك، لا أكتحلُ بغُمْض - أي لا أنام - حتى ترضى ") (١٠٦٥) . أما الفتاة الدَّيِّنة ذات الزوج المتدين القابض على دينه فهي أولى وأولى بأن ترفق بزوجها، ولا تجمع عليه النكد والشقاء في البيت، مع ما يلقى من أعداء الله، وخصوم الدعوة في خارج البيت، وهناك حديث غير قوي وإن كان معناه صحيحًا (١٠٦٦) يبشرها إن هي أحسنت قيامها بحقوق زوجها بثواب يعدل ثواب الجهاد والفوز بالشهادة في سبيل الله بالنسبة للرجال: وهو ما رُوِى عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى

стр. 739

النبي ﷺ فقالت: " يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن أصيبوا أجروا، وإن قُتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ "، قال: فقال رسول الله ﷺ : " أبلغي من لَقِيتِ من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله) (١٠٦٧) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذا الحديث: (أي أن المرأة إذا أحسنت معاشرة بعلها كان ذلك موجبًا لرضاء الله وإكرامه لها، من غير أن تعمل ما يختص بالرجال، والله أعلم) (١٠٦٨) اهـ. قال فضيلة الدكتور محمد بن لطفي الصباغ حفظه الله معلقًا على مبدأ طاعة الزوج فيما لا معصية فيه: (وهذا أمر طبيعي، فإن كان الزواج شركة، وكان الرجل هو صاحب القوامة، فلابد من طاعته فيما يأمر وينهى في حدود الشرع، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ... قد شاعت بين عدد من المثقفات فكرة خاطئة، وهي أن مساواة الرجل بالمرأة تقتضي تحررها نهائيا من طاعته، وهي غلط في مقدمتها ونتيجتها، فمساواة المرأة بالرجل خديعة أطلقها ناس وهم لا يصدقونها، لأن الواقع لا يصدقها، ولو كان ذلك صحيحا، فليس من الضروري أن يترتب عليها عدم الطاعة، لأن طاعة الرئيس لا تعني عدم المساواة بينه وبين مرؤوسيه، وهذه الفكرة هي السبب في هدم بنيان كثير من الأسر اليوم. إن الحياة المشتركة ينبغي أن تكون مبنية على التفاهم والتحاور

стр. 740

والتشاور، ولكن القوامة ينبغي أن تكون للرجل كما قال ربنا ﵎: (الرجال قوامون على النساء) . وهناك حقيقة لابد أن تعلمها الزوجة المثقفة، وأن تتذكرها دائمًا، وهي أن الرجل السوي لا يحب المرأة المسترجلة التي ترفع صوتها فوق صوته، والتي تشاجره في كل أمر، وتخالفه في كل رغبة، وتسارع إلى رَد رأيه أو ما يقول، إن هذا الرجل - إن لم يطلقها- عاش معها كئيبًا عابسًا كارها، فتكون بذلك قد حرمت نفسها رؤية البهجة المرحة في وجه زوجها ومعاملته، وحرمت بيتها التمتع بالحنان الدافئ.. وهى الخاسرة سواء شُرِّدَ أولادها بالطلاق، وتحطمت نفسيتها بالترمُّل، أم بقيت في بيتٍ تعلوه سحب المصادمات اليومية، والحرائق النزاعية. إن الزوجة الذكية هي التي لا تتخلى عن طبيعتها الرقيقة الهادئة الطيبة، إنها كما صورها الحديث الشريف راعية في بيت زوجها، تصونه، وترعاه، إذا نظر إليها زوجها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته فِى نفسها وماله) (١٠٦٩) اهـ. تنبيه: حق الزوج عل المرأة أعظم من حق والديها: يروَى عن عائشة ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ : " أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ " قال: " زوجها"، قلت: " فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟ " قال: " أمه ") (١٠٧٠) .

стр. 741

وقد تقدم خبر (١٠٧١) الثلاثة الذين (آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَت عليهم الغار، فقالوا: " إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: " اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبِقُ (١٠٧٢) قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر يومًا) الحديث، والشاهد أن النبي ﷺ ذكر ذلك في مقام الثناء على هذا الرجل ببر والديه، وتقديم حقهما والإحسان إليهما على الزوجة والأبناء لا سيما عند التعارض، والله أعلم. وقد تقدم من بيان أدلة عظم حق الوالدين ما فيه كفاية، أما عظم حق الزوج على زوجته، وأولويته على حق والديها لا سيما إذا وقع بينهما تعارض، فقد بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: (قوله: (فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله) يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقًا: من خدمة، وسفر معه، وتمكين له، وغير ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في حديث " الجبل الأحمر " وفي " السجود" وغير ذلك؛ تجب طاعة الأبوين؛ فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج؛ ولم يبق للأبوين عليها طاعة: تلك وجبت بالأرحام، وهذه وجبت بالعهود) (١٠٧٣) اهـ. وقال شيخ الإسلام أيضًا: (وليس على المرأة بعد حق الله ورسوله أوجب من حق الزوج) (١٠٧٤) اهـ. وقال ﵀ في موضع آخر: ( ... فالمرأة عند زوجها تشبه الرقيق

стр. 742

والأسير، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غير أبويها باتفاق الأئمة. وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيع أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليطلقها، فلا يحل لها أن تطيع واحدا من أبويها في طلاقه إذا كان متقيًا لله فيها، ففي السنن الأربعة، وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس (١٠٧٥) فحرام عليها رائحة الجنة " (١٠٧٦) ، وفي حديث آخر: " المختلعات والمنتزعات هن المنافقات " (١٠٧٧) ، وأما إذا أمرها أبواها أو أحدهما بما فيه

стр. 743

طاعة الله: مثل المحافظة على الصلوات، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، ونهياها عن تبذير مالها وإضاعته، ونحو ذلك مما أمر الله ورسوله أو نهاها الله ورسوله عنه: فعليها أن تطيعهما في ذلك، ولو كان الأمر من غير أبويها، فكيف إذا كان من أبويها؟ ! وإذا نهاها الزوج عما أمر الله، أو أمرها بما نهى الله عنه: لم يكن لها أن تطيعه في ذلك؛ فإن النبي ﷺ قال: " إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (١٠٧٨) ، بل المالك لو أمر مملوكه بما فيه معصية لله لم يجز له أن يطيعه في معصيته، فكيف يجوز أن تطيع المرأة زوجها أو أحد أبويها في معصية؟ ! فإن الخير كله في طاعة الله ورسوله، والشر كله في معصية الله ورسوله) (١٠٧٩) اهـ. ٢- ومن حق الزوج: أن يلي تأديبها- بشروطه- إذا كانت ناشزًا: قال الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًّا كبيرًا) (النساء: ٣٤) . ومن هذه الآية الكريمة تستنبط فوائد عظيمة: الأولى: بدأ ﵎ هذه الآية بقوله : (الرجال

стр. 744

قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) الآية. فأفادت أن للزوج الحقَّ في تأديب زوجته عند عصيانها أمره، ونشوزها عليه، تأديبًا يراعى فيه التدرج، الذي قد يصل إلى الضرب بشروطه، قال القرطبي ﵀ في " تفسيره": "اعلم أن الله لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صُراحًا إلا هنا وفي الحدود العظام؛ فساوى معصيتهن أزواجهن بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القُضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانًا من الله تعالى للأزواج على النساء.. " (١٠٨٠) اهـ. الثانية: ثم ثنى ﵎ بذكر حال النساء الصالحات، فقال عز من قائل: (فالصالحات قانتات) أي مطيعات لله ثم لأزواجهن (حافظات للغيب بما حفظ الله) فالمرأة الصالحة تؤدى حقوق زوجها التي أعلاها طاعته في المعروف، ولذا فهي لا تحتاج إلى تأديب (١٠٨١) ، وأما غير الصالحة التي تخل بحقوق الزوجية، وتعصي زوجها فهي التي تحتاج إلى تأديب. الثالثة: ثم ثلث سبحانه بذكر علاج المرأة الناشز العاصية المتمردة المترفعة على زوجها فقال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن) قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون، وقيل: هو على بابه، فعليه يُشرع في التأديب إذا ظهرت أمارات النشوز بالفعل أو القول. والنشوز: العصيان؛ مأخوذ من النَّشز، وهو ما ارتفع من الأرض، فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة

стр. 745

الأزواج، وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها (١٠٨٢) . ومن أمثلة النشوز: امتناعها منه لغير عذر شرعي، أو خروجها من المنزل بغير إذنه، لا إلى القاضي لطلب الحق منه، أو أن تدخل بيته من يكره دخوله (١٠٨٣) . الرابعة: اختلف أهل العلم في العقوبات الواردة في هذه الآية الكريمة: هل هي مشروعة على الترتيب أم لا؟ ومنشأ الخلاف اختلافهم في " الواو " العاطفة هل هي لمطلق الجمع وعليه فللزوج أن يقتصر على إحدى العقوبات أيا كانت، وله أن يجمع بينهما- أم أنها تقتضي وجوب الترتيب الذي ورد في الآية؟ وتوسط قوم فقالوا: إنه وإن كان ظاهر العطف في الواو يدل على مطلق الجمع، لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب لظاهر اللفظ، وذلك أن سياق الآية فيه الترقي والتدرج في التأديب: قال الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: (من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول سعيد بن جبير، فقد قال: " يعظها، فإن هي قبلت وإلَّا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع " (١٠٨٤) اهـ.

стр. 746

الخامسة: مراتب التأديب: إذا ظهرت أمارات النشوز، فليبدأ الزوج بالتأديب على النحو التالي: المرتبة الأولى: الوعظ بلا هجر ولا ضرب، لقوله تعالى: (فعظوهن) : أي بكتاب الله؛ فذكروهن ما أوجب الله عيهن من حسن الصحبة، وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، وبأحاديث رسول الله ﷺ في تعظيم حق الزوج على زوجته، ووجوب طاعته في المعروف (١٠٨٥) ، ويقول لها برفق ولين: " كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب، ولا تكوني من كذا وكذا "، ويذكرها بالموت، والقبر، والدار الآخرة، ويوم الحساب، ويبين لها أن النشوز يستوجب الترقي إلى عقوبة أعلى، ويسقط النفقة، والقَسْمَ مع ضرائرها، فلعلها بعد ذلك أن تبدي عذرًا، أو تتوب عما وقع منها بغير عذر. فإن لم ينفع الوعظ والتذكير بالرفق واللين، فلينتقل إلى: المرتبة الثانية: وهي الهجر في المضجع، لقوله تعالى: (واهجروهن في المضاجع) وذلك بأن يوليها ظهره في المضجع، أو ينفرد عنها بالفراش، ويجوز أيضًا أن يهجرها خارج البيت، وقوله تعالى هنا: (واهجروهن في المضاجع) مطلق، ولم يثبت دليل في تقييده، لكن صَح أن النبي ﷺ هجر نساءه، واعتزلهن شهرًا (١٠٨٦) .

стр. 747

لكن ينبغي ألا يبلغ بالهجر في المضجع أربعة أشهر وهي المدة التي ضرب الله أجلًا عُذْرًا للمُولِي (١٠٨٧) ، وينبغي أن يقصد من الهجر التأديب والاستصلاح لا التشفي والانتقام والمضارة لذاتها، ولا يهجرها في الكلام أكثر من ثلاثة أيام لقَول رسول الله ﷺ : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (١٠٨٨) الحديث، إلا لعذر شرعي (١٠٨٩) . المرتبة الثالثة: وهي الضرب غير المخوف، لقوله تعالى: (واضربوهن) (أ) متى يجوز الضرب؟ (قال ابن عباس ﵄: " اهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرَح ". وقال جماعة من أهل العلم: " الآية على الترتيب: فالوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، الضرب عند تكرره، واللجاج فيه، ولا يجوز الضرب عند ابتداء النشوز. قال القاضي أبو يعلى: وعلى هذا مذهب أحمد، وقال الشافعي: يجوز ضربها في ابتداء النشوز (١٠٩٠) ، قال ابن مفلح ﵀: (ظاهر المذهب: لا يجوز ضربها عند ابتداء النشوز، لأن المقصود بهذه العقوبات زجرها عن المعصية في المستقبل، فيبدأ بالأسهل فالأسهل) (١٠٩١) اهـ.

стр. 748

(ب) اعلم أن جواز الضرب مقيد بشروط: منها: أن تصر على النشوز والعصيان حتى بعد تدرجه معها في التأديب على النحو الذي سبق ذكره. ومنها: أن يتناسب العقاب مع نوع التقصير، فلا يبادر إلى الهجر في المضجع في أمر لا يستحق إلا الوعظ والإرشاد، ولا يبادر إلى الضرب وهو لم يجرب الهجرة في المضجع، وذلك لأن العقاب بأكثر من حجم الذنب والتقصير ظلم. ومنها: أن يراعي أن المقصود من الضرب العلاج، والتأديب والزجر لا غير، فيراعي التخفيف فيه على أبلغ الوجوه، وهو يتحقق باللكزة ونحوها، أو بالسواك ونحوه، وفي الحديث الذي وصَّى فيه النبي ﷺ أمته في حجة الوداع، قال: ( ... اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح) (١٠٩٢) . قال عطاء: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: السواك ونحوه (١٠٩٣) . ويشترط أن يتجنب المواضع المخوفة (١٠٩٤) كالرأس والبطن، وكذا الوجه فإن رسول الله ﷺ نهى عن ضرب الوجه نهيا عامُّا، لا يضرب آدميا ولا بهيمة على الوجه، وفي حديث حكيم بن معاوية عن أبيه مرفوعًا:

стр. 749

" ولا تضرب" أي الوجه كما تقدم (١٠٩٥) ، كذلك لا يكسر عظما، ولا يشين عضوًا، ولا يدميها، ولا يكرر الضربة في الموضع الواحد. ومنها: أنها إن ارتدعت، وتركت النشوز، فلا يجوز له بحال أن يتمادى في عقوبتها، أو يتجنى عليها بقول أو فعل، لقوله تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا) . قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀: (فإن راجعن طاعتكم عند ذلك، وفئن إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقًا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلًا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك بأن يقول أحدكم لإحداهن، وهي له مطيعة: " إنكِ لست تحبيني "، فيضربها على ذلك أو يؤذيها " (١٠٩٦) اهـ. وقال سفيان بن عيينة في تفسير قوله تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا) : "لا تكلفها الحب، لأن قلبها ليس في يدها " (١٠٩٧) . فإن فعل شيئًا من ذلك وخاصم ففجر، وتعدى حدود الله فيها فهو من الظالمين، قال : (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) ، ولهذا ختم الله الآية بقوله: (إن الله كان عليا كبيرًا) وهو كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:

стр. 750

" تهديد للرجال إذا بَغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وَلِيُّهن، وهو منتقم ممن ظلمهن، وبغى عليهن " (١٠٩٨) . الطريقة الفضلى عدم ضرب النساء البتة (ج) اعلم - أصلحك الله - أن الأوْلى والأفضل تركُ الضرب مع بقاء الرخصة فيه بشرطه: فقد اتفق العلماء على أن ترك الضرب، والاكتفاء بالتهديد أفضل، وذلك: - لما رواه إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (١٠٩٩) ، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تضربوا إماء الله "، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: " يا رسول الله، ذَئِر (١١٠٠) النساءُ على أزواجهن، فأذِنَ في ضربهن، فأطاف بآل محمدٍ نساءٌ كثير، كُلهن يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : " لقد أطاف بآل محمد سبعون امرأةً، كلهن يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك خياركم " (١١٠١) ، ورُوِي أنه ﷺ نهى عن ضرب النساء، فقيل: (يا رسول إنهن قد فسدن "، فقال ﷺ : " اضربوهن، ولا يضرب إلا شراركم " (*) .

стр. 751

قال محيي السنة البغوي ﵀: (وفي الحديث دليل على أن ضرب النساء في منع حقوق النكاح مباح، ثم وجه ترتيب السنة على الكتاب في الضرب يحتمل أن يكون نهي النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثم لما ذئر النساء، أذن في ضربهن، ونزل القرآن موافقا له، ثم لما بالغوا في الضرب، أخبر أن الضرب - وإن كان مباحًا على شكاسة أخلاقهن - فالتجمل والصبر على سوء أخلاقهن، وترك الضرب أفضلَ وأجمل، ويُحكى عن الشافعي هذا المعنى) (١١٠٢) اهـ. - وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " ما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة قط، ولا خادما، ولا ضرب شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله) (١١٠٣) ، " وقد أمِرَ نبي الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس " (١١٠٤) . - وعن لقيط بن صَبِرَةَ أنه وفد إلى النبي ﷺ ، فقال له: " يا رسول الله، إن لي امرأة في لسانها شيء، يعنى البذاء "؟، قال: " طلقها "، قلت: (إن لي منها ولدًا، ولها صُحْبَة "؟، قال: " فَمُرْها (١١٠٥) ، يقول: عِظْها، فإن يَكُ فيها خير، فستقبل، فلا تضربنُّ ظعينتك (١١٠٦)

стр. 752

ضربَكَ أميتكَ " (١١٠٧) الحديث، (وفيه إيماء لطيف إلى إباحة الضرب بعد عدم قبول الوعظ، لكن يكون ضربًا غير مبرح كما تقدم) (١١٠٨) . وقد قال بعض الفقهاء: إن على الزوج أن يُقَدر أن ينفع الضرب في الإصلاح، وأنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم، وفتنة أشد، وإِن عليه أن يراعي أن يكون التأديب فيما بينه وبينها فقط (١١٠٩) . وقال ابن الجوزي ﵀: (وليعلم الإنسان أن من لا ينفع فيه الوعيد والتهديد لا يردعه السوط، وربما كان اللطف أنجح من الضرب، فإن الضرب يزيد قلب المعرض إعراضا، وفي الحديث: " ألا يستحيي أحدكم أن يجلد امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها " (١١١٠) ، فاللطف أولى إذا نفع) (١١١١) اهـ. وقال فضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله تعالى: (أخبر النبي ﷺ أن المرأة ما دامت لم تُدخل بيت زوجها أحدًا يكرهه، ولم تفر منه، ولم تخرج من بيته بغير إذنه، فليس له عليها من الحق أكثر من ذلك، ونفهم من ذلك أنها إن فعلت شيئَا من هذه الأمور، ورأى الرجل أن في إصلاحها أملا، وأنه إذا ضربها ضربًا غير مبرِّح تصلح

стр. 753

حالها، وتعود إلى الاستقامة، جاز له ضربُها بقصد الإصلاح، لا بقصد الانتقام، وأما إذا رأى بخبرته أن الضرب لا يُصْلِحُها، بل يزيدها عنادًا ويفسدها، ويئس من حسن العشرة معها، لم يجز له أن يضربها، وله أن يطلب رد المهر، ويطلقها. ومن المعلوم أن طباع النساء ليست سواء، فبعضهن يصلحها الضرب، وبعضهن يفسدها الضرب، ومقصود الشارع الإصلاح لا الفساد، فقد تكون الزوجة حديثة السن، تحتاج إلى تأديب أبويها، فيتزوج بها رجل عاقل، يقوم مقام والديها في تأديبها إلى أن تكبر، ويكمل عقلها، فهذا هو وجه الضرب المباح، على أن الشارع الحكيم- مع وجود السبب - لم يبح الضرب إلا بعد ألا ينفع الوعظ والهجر، ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " ما بال أحدكم يضرب امرأته ضرب الفحل، ولعله يضاجعها من ليلته؟ ! "، أو كما قال ﷺ ، وصدق رسول الله ﷺ : إذ كيف يعقل أن يضرب الرجل امرأته، ثم يعانقها، ويقبلها؟ ! ففي ذلك تناقض عظيم، لما يقع من النفور والقضاء على المحبة التي هي روح العشرة الحسنة..) ، ثم قال ﵀: ( ... وحسب علمنا وتجاربنا، لا يُصلح الضربُ الممتنعة من فراش زوجها إلا إذا كانت صغيرة أو سفيهة، وأكثر النساء لا يزيدهن الضرب إلا نفورًا، فيأتي بعكس المطلوب، وبدلَ أن يقربها يبعدها، ويزداد الخرق اتساعًا، كما هو مشاهد، وفي حديث أبي داود نهى رسول الله ﷺ عن ضرب النساء، فذئرت النساء على أزواجهن، قال صاحب اللسان: قال الأصمعي: أي نفرن، ونشزن، واجترأن، فأنت ترى أن هذا الحديث موافق للأحاديث المتقدمة في أن الضرب لا يجوز إلا عند النشوز، ومع ذلك: بعدما جاءت النساء إلى بيت النبي ﷺ ، واشتكين أزواجهن؛ قال

стр. 754

في الذين يضربونهن: " ليس أولئك بخياركم "، وفي الحديث الصحيح: " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي "، ولذلك لم يرد عن النبي ﷺ أنه ضرب الناشز، وهى ابنة الجون التي تزوج بها، فلما دنا منها قالت: " أعوذ بالله منك"، فقال لها النبي ﷺ : " لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك " رواه البخاري. فسنته الفعلية عدم ضرب النساء - وإن جاز ضربُهن - والقولية تقدمت في قوله ﵊: " ليس أولئك بخياركم "، فالطريقة الفضلى هي عدم ضرب النساء البتة) (١١١٢) اهـ. ولما خطب معاوية بن أبي سفيان وأبو جَهْم ﵃ فاطمة بنت قيس ﵂، ذَكَرَتْ ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " أما أبو جَهْم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فَصُعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد " (١١١٣) الحديث. ومعنى قوله ﷺ : " لا يضع عصاه عن عاتقه " قيل: إنه كثير الأسفار، وقيل - وهو أصح- إنه كثير الضرب للنساء، بدليل الرواية الأخرى عند مسلم بلفظ: (وأما أبو جهم فرجل ضَراب للنساء" الحديث، وعليه يحمل وصفه ﷺ إياه في رواية النسائي: " إنه صاحب شر لا خير فيه "، ورواية الترمذي: " فرجل شديد على النساء ". فتأمل كيف ذمه رسول الله ﷺ لهذه الصفة. (د) ليس من الرجولة: ومما يجدر التنبيه إليه ما شاع من تعسف بعض أهل الجفاء ممن قسا

стр. 755

قلبه، وغلظ طبعه، وساء فهمه من ظلم النساء، وضربهن ضربَ غرائب الإبل وذلك لأتفه الأسباب، وربما تستروا وراء هذا الإذن القرآني بالضرب، ويظن بعضهم أن الرجولة هي الظلم والقهر والاستعلاء، وأن القوامة طوق في عنق المرأة لإذلالها وتسخيرها، إن الزوجة ليست كالبقرة ولا السلعة، متى اشتراها ربها صنع بها ما يشاء كما يتوهم أولئك الظالمون البغاة، إن للمرأة في هذه الحال الحق الكامل في أن تشكوه إلى أوليائها، أو ترفع أمرها إلى الحاكم، لأنها إنسان مكرم داخل في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا) الإسراء (٧٠) . وليس حسن معاشرة المرأة أمرا اختياريًّا متروكًا للزوج يفعله أو لا يفعله، بل هو تكليف وواجب. وليس الرفق بها من باب الرفق بالحيوان الأعجم، ولكنه حق لها وواجب على الرجل لأنها مكرمة مثله بالخلق السوي، والصورة الحسنة، والعقل والنطق والتفكير، وحمل الأمانة، فهذه المزايا كلها مشاعة بين الرجل والمرأة، فمن أراد أن يعامل الزوجة معاملة الدابة والسلعة، فقد كفر نعمة الله، واستحق أن يسلط الله عليه من المستعمرين وغيرهم من يعامله بمثل ذلك " كما تدينوا تدانوا" إنها جديرة بالحياة الطيبة التي وعد الله في قوله: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) أي في الدنيا (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) أي في الآخرة. فإذا أساء الرجل عشرتها وقهرها وهي مقيمة على طاعته مؤدية لحقوقه فأي حياة طيبة تكون لها؟ وهذا رسول الله ﷺ المثل الأعلى في كمال الرجولة، وصلابة العزيمة، وقوة الشكيمة، وقد أخذت نفسُه من الحزم

стр. 756

أوفر نصيب يؤتاه بَشَر، ومع ذلك كان لا يترفع على أهله، ولا يرهبهم من شخصه، شأنه مع أصحابه في خفض الجناح، ولين الجانب، وإكرام الصحبة، وقد تقدم أنه ﷺ ما ضرب بيده امرأة، ولا خادمًا قط (١١١٤) ، وقد قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) ، وقال تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون) ، وهو هو القائل ﷺ : " خير الهدى هدى محمد ﷺ . فأين أولئك القساة الغلاظ من قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) (الفجر: ١٤) ، وقوله ﷺ : " إني أحرِّجُ عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة " (١١١٥) . وقوله ﷺ : " النساء شقائق الرجال" (١١١٦) . (هـ) آخر الدواء الكَيُّ. يطعن أعداء الإسلام ومطاياهم من المنتسبين إليه، الذين يتظاهرون بتقديس النساء، ويصرحون بعبادتهن؛ ليخدعوهن عن أعراضهن، ويوردوهن موارد الهلكة - يطعنون في هذا الحكم ويتأففون منه، ويعدونه إهانة للمرأة، والجواب: أن القوم يستكبرون مشروعية تأديب الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز هي وتترفع على زوجها، فتجعله - وهو رئيس البيت - مرءوسا بل محتقرا، وتصر على نشوزها، وتمشي على غُلَوائها، حتى إنها لا تلين لوعظه، ولا تستجيب لنصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ترى كيف يعالجون هذا النشوز؟ وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟

стр. 757

لعل الجواب تضمنه قول الشنفري الشاعر الجاهلي المعروف مخاطبًا زوجته: إذا ما جئتِ ما أنهاك عنه ... ولم أنكر عليك فطلقيني فأنت البعل يومئذ فقومي ... بسوطك - لا أبالك - فاضربيني نعم، أذن الإسلام في ذلك بشروط سبق ذكرها، وبينا متى يكون الضرب؟ ولمن يكون؟ إن هذا الإذن علاج ودواء فينبغي مراعاة وقته ونوعه وكيفيته ومقداره، وقابلية المحل، وهو إنما يُلجأ إليه عند الضرورة، لكن أعداء الله يموهون على الناس، ويلبسون الحق بالباطل، إذ ليس التأديب المادي هو كل ما شرعه الإسلام في العلاج، وإنما هو آخر أنواع ثلاثة، مع ما فيه من الكراهة الشرعية التي ثبتت عنه ﷺ ، ومع أنه موجه لنوعية خاصة من النساء أشار إليها القرآن الكريم، فإذا وجدت امرأة ناشز أساءت عشرة زوجها، وركبت رأسها، اتبعت خطوات الشيطان، لا تكف ولا ترعوي عن غَيها واستهتارها بحقوق زوجها، ولم ينجع معها وعظ، ولا هجران، فماذا يصنع الرجل في هذه الحالة؟ هل من كرامة الرجل أن يُهرع إلى طلب محاكمة زوجته كلما نشزت؟ وهل تقبل المرأة أن يهرع زوجها كلما وقعت في عصيان زوجها إلى أبيها أو إلى المحكمة ينشر خبرها على الملأ؟ لقد أمر القرآن الكريم بالصبر والأناة، وبالوعظ والِإرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنجع كل هذه الوسائل، فآخر الدواء الكي. إن الضرب بالسواك وما أشبهه أقل ضررًا على المرأة نفسها من تطليقها الذي هو ثمرة غالبة لاسترسالها في نشوزها إلى أن يتصدع بنيان الأسرة، ويتمزق شملها، ويتشرد أطفالها، وإذا قيس الضرر الأخف بالضرر الأعظم، كان ارتكاب الأخف حسنًا وجميلًا، وكما قيل: " وعند ذكر العمى

стр. 758

يُستَحْسَنُ العَوَرُ ". فالضرب طريق من طرق العلاج، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة، التي لا تفهم الحسنى، ولا ينفع معها الجميل. العبد يُقْرَعُ بالعَصا ... والحُرُّ تَكْفِيه الإشارة وقال بشار: * الحُرُّ يُلْحَى (١١١٧) والعصا للعبد* وقال ابن دُرَيد: واللوم للحر مقيم رادع والعبد لا يردعه إلا العصا (١١١٨) [إن من النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا التأديب، ومن أجل ذلك وُضِعت العقوبات، وفتحت السجون. إن مشروعية هذا التأديب لا يستنكرها عقل ولا فطرة حتى نحتاج إلى تأويلها، إنما هي مجرد أمر يُحتاج إِليه في حالة " فساد البيئة "، وغلبة الأخلاق الفاسدة، إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه، فإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، مع أن الأصل هو الرفق بالنساء على كل حال، وتحمل الأذى منهن، والله أعلم. أما هؤلاء الذين يتأففون من حكم الله ، وشريعته، فهؤلاء قوم لم يعرفوا حياة " الأسرة "، ولم يخبروا واقعها، وما يصادفها في بعض الأحيان من المشكلات، إنما هم قوم متملقون لعواطف بيئة خاصة من النساء يعرفونها هم، ويعرفها الناس جميعًا، يتظاهرون أمام هذه الفئة بالحرص على

стр. 759

كرامتها وعزتها] ، وقانا الله والمسلمين شرهم. ٣- ومن حقه عليها: المتابعة في المسكن: (وكما فرض الله على الزوج سكنى الزوجة، أوجب عليها بالمقابل " متابعة زوجها في السكن " في الِإقامة معه في المنزل الذي يسكنه، ويُعدُّه من أجلها، وألا تخالف في ذلك، إلى غير مسكن الزوج، وفي هذا يقول تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) (١١١٩) الطلاق (٦) ، وهذا الواجب على الزوجة أمر طبيعي، لا غنى عنه لاستقامة الحياة الزوجية، سيما وأن الزوج مكلف بالإنفاق على الأسرة، وأن الزواج يقوم على ركن السكينة النفسية بين كل زوج وزوجته. ومن هنا نجد أن الشريعة تحكم على الزوجة التي لا تتابع زوجها في السكن بأنها ناشزة، وتلزمها بالعودة إلى المتابعة بسلطة القضاء الشرعي. إلا أننا - للأسف - نجد بعض الكاتبين في شئون المرأة يفتعلون النقد لهذا الحكم، ويتنطعون في الطعن فيه، بأن إرغام الزوجة على الرجوع إلى بيت زوجها فيه مساس بكرامتها أو تحقير لشخصيتها، وإجبار لها على غير

стр. 760

ما تريد..! هكذا نصب هؤلاء المصلحون- بزعمهم- نصبوا أنفسهم للدفاع عن المرأة، ولكن أية امرأة هذه التي يدافعون عنها؟ هل هي الصالحة المخلصة لواجباتها الزوجية؟ كلا! إنهم يدافعون عن الزوجة الناشزة المتمردة على واجباتها، كأنهم نسوا أن التمرد والنشوز لا يخلو عند الضرورة من قسوة الزجر والردع. على أننا يجب أن نتذكر أن الزوج لو قصر في النفقة أو إعداد السكن، فإن الشارع يعامله بأشد مما يعامل به الزوجة حتى إن من الفقهاء من قال: " إنه يحبس في نفقة زوجه ... ". ئم إن الشريعة لم تلزمها بالمتابعة استبدادًا وإخضاعًا مطلقًا..؟ ! كلا، وإنما تلزم المرأة بالعودة إلى بيت زوجها بعد معاينة السلطة القضائية الشرعية لهذا البيت، والتأكد من أنه مستكمل المرافق، متوفرة فيه وسائل الراحة، مناسب لمركز المرأة الاجتماعي، ولحالة الرجل المادية. فما الذي تريد المرأة بعد هذا، وماذا يبتغي أعداء المتابعة الزوجية؟ هل نجعل للمرأة الحرية المطلقة في أن تسكن مع الزوج أو لا تسكن؟ وهل تبقى بعدئذٍ مرحلة من الفوضى في حياة المجتمع وفي أوضاعه التنظيمية؟ بل هل تجد في طبيعة الحياة على أي مستوى مثل هذا التفلت؟ كلا! ، إن هذا الوضع لفي الغاية القصوى من الفوضى، وضع شاذ لا تقره طبيعة الحياة، في أي مستوى حتى عند الحيوانات بأنواعها السائحة والمتوحشة، وعند الطيور الأهلية والبرية، التي تعيش زوجين زوجين، فإنا

стр. 761

نجد التزام المتابعة أمرًا متقررًا لا لشيء إلا لأنه ضرورة الحياة (١١٢٠) . أم يريد هؤلاء أن يلحق الرجل إلى منزل زوجته الناشزة، ويحكم عليه بالمتابعة! وماذا نفعل إذا أصرت الزوجة على استبعاده أيضا؟) (١١٢١) . ٤- ومن حقه عليها: أن لا تصوم نفلًا بدون إذنه: إذا كان مقيمًا في البلد غير مسافر، فقد يعرض له فيها ما يتعارض مع صيامها من خدمة وعمل، وإعداد طعام لضيوف، أو حاجة تتنافى مع الصيام. قال النووي ﵀: (وسبب هذا التحريم أن للزوج حق الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور فلا يفوته بالتطوع، ولا بواجب على التراخي، وإنما لم يجز لها الصوم بغير إذنه، وإذا أراد الاستمتاع بها جاز ويفسد صومها لأن العادة أن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد، ولا شك أن الأولى له خلاف ذلك إن لم يثبت دليل كراهته،

стр. 762

نعم لو كان مسافرًا، فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد يقتضي جواز التطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت وقدم في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الغيبة أن يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع) اهـ. نقله عنه الحافظ في الفتح (١١٢٢) . وقال القاري في " المرقاة": (وإنما لم يلحق بالصوم في ذلك صلاة التطوع لقصر زمنها، وفي معنى الصوم الاعتكاف لا سيما على القول بأن الاعتكاف لا يصح بدون الصوم) (١١٢٣) اهـ. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " (١١٢٤) . ولما جاءت امرأة صفوان بن المعطل تشكو إلى رسول الله ﷺ أمورا ذكرت منها أنه: " يُفَطّرها إذا صامت" فسأله ﷺ عما قالت، فقال فيما قال: ( ... وأما قولها " يفطرني إذا صمت، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر) ، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: " لا تصوم المرأة إلا بإذن زوجها " (١١٢٥) الحديث. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: (قوله: " لا تصوم المرأة، وبعلها شاهد " أي حاضر" إلا بإذنه " وأراد به صيام التطوع، فأما قضاء

стр. 763

رمضان، فتستأذنه ما بين شوال إلى شعبان، قالت عائشة: " إن كان ليكون علىَّ صيام من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان " (١١٢٦) ، وهذا يدل على أن حق الزوج محصور بالوقت، وإذا اجتمع مع الحقوق التي يدخلها المهلة، كالحج (١١٢٧) ونحوه، قُدم عليها) (١١٢٨) اهـ، قال الحافظ: (وفي الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير، لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع) (١١٢٩) . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (عن رجل له زوجة تصوم النهار، وتقوم الليل، وكلما دعاها الرجل إلى فراشه تأبى عليه، وتقدم صلاة الليل، وصيام النهار على طاعة الزوج، فهل يجوز ذلك؟) . فأجاب ﵀: (لا يحل لها ذلك باتفاق المسلمين، بل يجب عليها أن تطيعه إذا طلبها إلى الفراش، وذلك فرض واجب عليها، وأما قيام الليل، وصيام النهار، فتطوع، فكيف تقدم مؤمنة النافلة على الفريضة؟) (١١٣٠) اهـ.

стр. 764

٥- ومن حقه عليها: أن لا تأذنَ لِأحد في بيته إلا بإذنه: عن تميم بن سلمة، قال: (أقبل عمرو بن العاص إلى بيت علي بن أبي طالب في حاجة، فلم يجد عليُّا، فرجع ثم عاد فلم يجده، مرتين أو ثلاًثا، فجاء علي فقال له: أما استطعت إذ كانت حاجتك إليها أن تدخل؟ قال: " نهينا أن ندخل عليهن إلا بإذن أزواجهن ") (١١٣١) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه " (١١٣٢) . قال القاري: (" ولا تأذنَ " بالنصب في النسخ المصححة عطفًا على " تصوم"، أي: ولا يحل لها أن تأذن أحدًا من الأجانب أو الأقارب حتى النساء، و " لا " مزيدة للتأكيد، وقال ابن حجر: " يصح رفعه خبرا يراد به النهي، وجزمه على النهي " في بيته" أي في دخول بيته " إلا بإذنه" وفي معناه العلم برضاه) اهـ (١١٣٣) . وقال الحافظ في " الفتح": (قوله: " باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه " المراد ببيت زوجها سكنه سواء كان ملكه أو لا) وقال أيضًا: (قوله " ولا تأذن في بيته " زاد مسلم من طريق همام عن أبي هريرة: " وهو شاهد إلا بإذنه " وهذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل

стр. 765

بيته، بل يتأكد حينئذ عليها المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات أي من غاب عنها زوجها، ويحتمل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حضر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره، ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها، أما مطلق دخول البيت بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر أنه ملتحق بالأول، وقال النووي: (في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعا معدًّا لهم سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاص لذلك، وحاصله أنه لابد من اعتبار إذنه تفصيلَا أو إجمالًا - قوله: " إلا بإذنه أي الصريح، وهل يقوم ما يقترن به علامة رضاه مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظر) (١١٣٤) اهـ. وعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: " ... ألا وإن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن: أن لا يوطئن فُرُشَكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون " (١١٣٥) الحديث قال المباركفوري ﵀: (" فرشَكم " بالنصب مفعول أول، " من تكرهون " مفعول ثان، أي: من تكرهونه رجلًا كان أو امرأة، قال النووي: " والمختار (١١٣٤) "فتح الباري" (٩/٢٩٥ - ٢٩٦) . (١١٣٥) جزء من حديث رواه الترمذي رقم (١١٦٣) وقال: " حسن صحيح"، وابن ماجه رقم (١٨٥١) ، وفي سنده سليمان بن عمرو بن الأحوص، لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وللحديث شواهد في الصحيحين منها حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ عند مسلم وغيره.

стр. 766

أن معناه أن لا يَأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيا أو امرأة، أو أحدا من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك " (١١٣٦) ، " ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون " هذا كالتفسير لما قبله، وهو عام) (١١٣٧) اهـ. وقال السندي في حاشيته على ابن ماجه: ( ... وقال الخطابي: " معناه أن لا يؤذن لأحد من الرجال يدخل، فيحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب، لا يرون ذلك عيبا، ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب، وصارت النساء مقصورات نهي عن محادثتهن والقعود إليهن "، وقوله: " من تكرهون " أي تكرهون دخوله سواء كرهتموه في نفسه أم لا، قيل: المختار منعهن عن إذن أحد في الدخول والجلوس في المنازل سواء كان محرمًا أو امرأة إلا برضاه، والله أعلم) (١١٣٨) .

стр. 767

هكذا فلتكن النساء قال الحافظ الذهبي ﵀: [روى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: " لما مرضت فاطمة، أتى أبو بكر فاستأذن، فقال علىُّ: " يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليكِ "، فقالت: " أتحب أن آذن له؟ " قال: " نعم ") . قلت: عملت السنة ﵂، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره. قال: فأذنتْ له، فدخل عليها يترضاها.. حتى رضيت] (١١٣٩) اهـ. ورُوِي (أن شريحًا القاضي قابل الشعبي يومًا، فسأله الشعبي عن حاله في بيته، فقال له: " من عشرين عامًا لم أر ما يغضبني من أهلي "، قال له: " وكيف ذلك؟ " قال شريح: " من أول ليلة دخلت على امرأتي، رأيت فها حسنَا فاتنًا، وجالًا نادرًا، قلت في نفسي: فَلْأطَّهَّر وأصلي ركعتين شكرا لله، فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء، قمت إليها، فمددتُ يدي نحوها "، فقالت: " على رِسلك يا أبا أمية، كما أنت "، ثم قالت: " الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلى على محمد وآله، إني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه "، وقالت: " إنه كان في قومك من تتزوجه من نسائكم، وفي قومي من الرجال من هو

стр. 768

كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، وقد ملكت فاصنع ما أمرك به الله، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أقول قولي هذا، وأستغفر الله في ولك..! ". قال شريح: (فأحوجتني - والله يا شعبي - إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على النبي وآله وأسلم، وبعد: فإنكِ قلت كلامَا إن ثَبَتِّ عليه يكن ذلك حظك، وإن تَدَعِيه يكن حجة عليكِ، أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما رأيتِ من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها! ". فقالت: " كيف محبتك لزيارة أهلي؟ " قلت: (ما أحب أن يُمِلَّني أصهاري "، فقالت: " فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك فآذن له، ومن تكره فأكره؟ "، قلت: " بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء) ، قال شريح: " فبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها حَوْلًا لا أرى إلا ما أحب، فلما كأن رأس الحول جئت من مجلس القضاء، فإذا بفلانة في البيت، قلت: " من هي؟ " قالوا: " ختنك " - أي أم زوجك -، فالتفتت إلي، وسألتني: (كيف رأيت زوجتك؟ " قلت: " خير زوجة "، قالت: " يا أبا أمية إن المرأة لا تكون أسوأ حالَا منها في حالين: إذا ولدت غلامًا، أو حظيت عند زوجها، فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرا من المرأة المدللة، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب " فمكثت معي عشرين عاما لم أعقب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالما) (١١٤٠) .

стр. 769

٦- ومن حقه عليها: أن لا تكلم - وهي في بيتها - أحدًا من غير محارمها إلا بإذنه: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (نَهَى عن أن تُكَلَم النساء - يعنى في بيوتهن - إلا بإذن أزواجهن) (١١٤١) ، قال المناوي: " لأنه مظنة وقوع الفاحشة بتسويل الشيطان، ومفهومه الجواز بإذنه، وحمله الولي العراقي على ما إذا انتفت مع ذلك الخلوة المحرمة، والكلام في رجال غير محارم) (١١٤٣) اهـ. ٧- ومن حقه عليها: أن لا تخرج من بيته بغير إذنه: قال ابن قدامة ﵀: (وللزوج منعها من الخروج من منزله إلى ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما أو حضور جنازة أحدهما، قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: " طاعة زوجها أوجب عليها من أمها إلا أن يأذن لها "، وقد روى ابن بطة في " أحكام النساء " عن أنس أن رجلًا سافر، ومنع زوجته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادة أبيها، فقال لها: رسول الله ﷺ : " اتقي الله، ولا تخالفي زوجك"، فمات أبوها، فاستأذنت رسول الله ﷺ في حضور جنازته، فقال ها: " اتقي الله، ولا تخالفي زوجك "، فأوحى الله إلى النبي ﷺ : " إني قد غفرت لها بطاعة زوجها " (١١٤٣)

стр. 770

ولأن طاعة الزوج واجبة، والعيادة غير واجبة، فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز لها الخروج إلا بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما لأن في ذلك قطيعة لهما، وحملًا لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، وليس هذا من المعاشرة بالمعروف، وإن كانت زوجته ذمية فله منعها من الخروج إلى الكنيسة لأن ذلك ليس بطاعة، ولا نفع، وإن كانت مسلمة، فقال القاضي: له منعها من الخروج إلى المساجد، وهو مذهب الشافعي، وظاهر الحديث يمنعه من منعها لقول النبي ﷺ : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (١١٤٤) ، وعن ابن عمر ﵄ قال: (كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعِشاء فى الجماعة في المسجد، فقيل لها - أي قال عمر -: " لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويَغار؟ "، قالت: " وما يمنعه أن ينهاني؟ "، قال: يمنعه قول رسولِ الله ﷺ : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " (١١٤٥)) .

стр. 771

وروي أن الزبير تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تخرج إلى المساجد، وكان غيورًا، فيقول لها: " لو صليت في بيتك؟ " فتقول: " لا أزال أخرج أو تمنعني "، فكره منعها لهذا الخبر (١١٤٦) ..) اهـ (١١٤٧) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) (١١٤٨) . وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم " (١١٤٩) وفي رواية: " إذا استأذنوكم" (١١٥٠) .

стр. 772

وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإذن لهن في الأحاديث الواردة في ذلك ليس للايجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه ﷺ عن منعهن، قالوا: هو لكراهة التنزيه لا للتحريم، قال ابن حجر: في فتح الباري": (وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجبا، لانتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَن مخيرا في الإجابة أو الرد) (١١٥١) اهـ. وقال النووي في " شرح المهذب ": (فإن منعها لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء، ويجاب عن حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، بأنه نهي تنزيه، لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة) (١١٥٢) اهـ. وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في " المهذب": (وللزوج منع الزوجة من الخروج إلى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر ﵄ قال: " رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها أن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت: لعنها الله، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، حتى تتوب أو ترجع، قالت: يا رسول الله! وإِن كان لها ظالما؟ قال: وإن كان لها ظالما " (١١٥٣) ، ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه لما ليس بواجب،

стр. 773

ويكره منعها من عيادة أبيها إذا أثقل، وحضور مواراته إذا مات (١١٥٤) ، لأن منعها من ذلك يؤدي إلى النفور، ويغريها بالعقوق) اهـ (١١٥٥) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن المرأة (إذا خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة) (١١٥٦) ، وقال أيضا ﵀:

стр. 774

(لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مرضعا، أو لكونها قابلة، أو غير ذلك من الصناعات، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله؛ ومستحقة للعقوبة) (١١٥٧) . ٨- ومن حقه عليها: أن تحفظ ماله: المرأة أمينة على مال زوجها، وما يودعه في البيت من نقد أو مؤنة أو غير ذلك، فلا يجوز لها أن تتصرف فيه بغير رضاه، وفي الحديث الشريف: " ... والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها " (١١٥٨) . وقد أشاد رسول الله ﷺ بالمرأة التي تحنو على زوجها وتشفق عليه وترعى ماله، فقال ﷺ : " خير نساء ركبن الإبل صالحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج في ذات يده " (١١٥٩) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ : " أيُّ النساء خير؟ "، قال: " التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره " (١١٦٠) . وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : " لا يحل لها أن تُطْعِمَ من بيته إِلا بإذنه إلا الرطب من الطعام " الحديث، وفيه: " ولا تعطي من بيته شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر، وعليها

стр. 775

الوزر" (١١٦١) . وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: " لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " قيل: " يا رسول الله! ولا الطعام؟ "، قال: " ذاك أفضل أموالنا ") (١١٦٢) . وعن سعد قال: " لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مُضَر، قالت: (يا رسول الله إنا كَلُّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ "، قال: (الرَّطْبُ تأكلنه وتُهْدِينه " (١١٦٣)) . قال البغوي ﵀: (" امرأة جليلة" قد يريد به الجسم، وقد يريد به كبير السن، وخص الطعام الرطب بالأكل لما جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا بالرطب من الفواكه والبقول لسرعة الفساد إليها دون اليابس الذي يبقى على الادخار.
следующие страницы →