← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وروي أن الزبير تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تخرج إلى المساجد، وكان غيورًا، فيقول لها: " لو صليت في بيتك؟ " فتقول: " لا أزال أخرج أو تمنعني "، فكره منعها لهذا الخبر (١١٤٦) ..) اهـ (١١٤٧) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) (١١٤٨) . وعنه ﵁ قال رسول الله ﷺ : " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم " (١١٤٩) وفي رواية: " إذا استأذنوكم" (١١٥٠) .

стр. 772

وذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإذن لهن في الأحاديث الواردة في ذلك ليس للايجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه ﷺ عن منعهن، قالوا: هو لكراهة التنزيه لا للتحريم، قال ابن حجر: في فتح الباري": (وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب، لأنه لو كان واجبا، لانتفى معنى الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَن مخيرا في الإجابة أو الرد) (١١٥١) اهـ. وقال النووي في " شرح المهذب ": (فإن منعها لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء، ويجاب عن حديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، بأنه نهي تنزيه، لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة) (١١٥٢) اهـ. وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في " المهذب": (وللزوج منع الزوجة من الخروج إلى المساجد وغيرها، لما روى ابن عمر ﵄ قال: " رأيت امرأة أتت إلى النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله! ما حق الزوج على زوجته؟ قال: حقه عليها أن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت: لعنها الله، وملائكة الرحمة، وملائكة الغضب، حتى تتوب أو ترجع، قالت: يا رسول الله! وإِن كان لها ظالما؟ قال: وإن كان لها ظالما " (١١٥٣) ، ولأن حق الزوج واجب، فلا يجوز تركه لما ليس بواجب،

стр. 773

ويكره منعها من عيادة أبيها إذا أثقل، وحضور مواراته إذا مات (١١٥٤) ، لأن منعها من ذلك يؤدي إلى النفور، ويغريها بالعقوق) اهـ (١١٥٥) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن المرأة (إذا خرجت من داره بغير إذنه فلا نفقة لها ولا كسوة) (١١٥٦) ، وقال أيضا ﵀:

стр. 774

(لا يحل للزوجة أن تخرج من بيتها إلا بإذنه، ولا يحل لأحد أن يأخذها إليه، ويحبسها عن زوجها، سواء كان ذلك لكونها مرضعا، أو لكونها قابلة، أو غير ذلك من الصناعات، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله؛ ومستحقة للعقوبة) (١١٥٧) . ٨- ومن حقه عليها: أن تحفظ ماله: المرأة أمينة على مال زوجها، وما يودعه في البيت من نقد أو مؤنة أو غير ذلك، فلا يجوز لها أن تتصرف فيه بغير رضاه، وفي الحديث الشريف: " ... والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها " (١١٥٨) . وقد أشاد رسول الله ﷺ بالمرأة التي تحنو على زوجها وتشفق عليه وترعى ماله، فقال ﷺ : " خير نساء ركبن الإبل صالحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صِغره، وأرعاه على زوج في ذات يده " (١١٥٩) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل لرسول الله ﷺ : " أيُّ النساء خير؟ "، قال: " التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره " (١١٦٠) . وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : " لا يحل لها أن تُطْعِمَ من بيته إِلا بإذنه إلا الرطب من الطعام " الحديث، وفيه: " ولا تعطي من بيته شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر، وعليها

стр. 775

الوزر" (١١٦١) . وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: " لا تنفق امرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " قيل: " يا رسول الله! ولا الطعام؟ "، قال: " ذاك أفضل أموالنا ") (١١٦٢) . وعن سعد قال: " لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مُضَر، قالت: (يا رسول الله إنا كَلُّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ "، قال: (الرَّطْبُ تأكلنه وتُهْدِينه " (١١٦٣)) . قال البغوي ﵀: (" امرأة جليلة" قد يريد به الجسم، وقد يريد به كبير السن، وخص الطعام الرطب بالأكل لما جرت العادة بين الجيرة والأقارب أن يتهادوا بالرطب من الفواكه والبقول لسرعة الفساد إليها دون اليابس الذي يبقى على الادخار.

стр. 776

قال ﵀: وفي الجملة ليس لأحدهما أن يتناول من مال الآخر، ما يقع به الضنة دون إذنه) (١١٦٤) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: (المراد بالرطب: ما يتسارع إليه الفساد، فأذن فيه بخلاف غيره، ولو كان طعامًا، والله أعلم) (١١٦٥) اهـ. وفي " شرح السنة ": (وقد روى عَن عطاء، عن أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها، قال: " لا، إلا من قوتها والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه (١١٦٦) ، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أن المرأة ليس لها أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إِذنه، وكذلك الخادمُ، ويأثمان إن فعلا ذلك) (١١٦٧) اهـ. وعن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غيْر مفْسِدَة، كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا يُنقِصُ بعضُهم أجر بعض شيئًا " (١١٦٨)) . قال البغوي ﵀: (وحديث عائشة خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أو نزل بهم الضيف، فحضهم على لزوم تلك العادة،

стр. 777

كما قال لأسماء: " لا توعي فيوعى عليك " وعلى هذا يخرج ما روي عن عمير مولى آبي اللحم قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول الله ﷺ : أتصدق من مال مَوالِي بشيء؟ قال: " نعم، والأجر بينكما نصفان " (١١٦٩) اهـ. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فله نصف الأجر " (١١٧٠) . وتقييده بقوله: " من غير أمره " قال النووي ﵀: (معناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن الذي قد " ... " (*) سابقًا إما بالصريح وإما بالعرف، ولابد من هذا التأويل لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود: " فلها نصف أجره، ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها بل عليها وزر، فتعين تأويله) ، ثم قال: (واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يعلَم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله ﷺ : " إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة " فأشار إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة) قال: (ونبه بالطعام أيضا على ذلك لأنه يسْمَحُ به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس، وفي كثير من الأحوال) (١١٧١) اهـ. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (ويحتمل أن يكون المراد بالتصنيف في حديث الباب الحمل على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة

стр. 778

المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما: للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله كما ثبت من حديث سعد ابن أبي وقاص وغيره، وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها، ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة هذا قال في المرأة تصدق من بيت زوجها؟ قال: " لا، إلا من قُوتِها، والأجر بينهما "، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه) (١١٧٢) اهـ. هل للمرأة حرية التصرف في مالها بدون إذن زوجها؟ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو مرفوعا: " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها " (١١٧٣) ، وقد ورد الحديث نفسه بلفظ: " لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عِصمتها " (١١٧٤) . وعن عبد الله بن يحيى الأنصاري - رجل من ولد كعب بن مالك - عن أبيه عن جده: (أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحلي لها، فقالت: " إني تصدقت بهذا"، فقال لها رسول الله ﷺ : " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها، فهل استأذنتِ كعبًا؟ "، قالت: " نعم"، فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك، فقال: " هل أذنت

стр. 779

لخيرة أن تتصدق بحُلِيها؟ " فقال: " نعم "، فقبله رسول الله ﷺ منها) (١١٧٥) . قال الخطابي في قوله ﷺ : " لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها ": (عند أكثر الفقهاء هذا على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك، إلا أن مالك بن أنس قال: " تَرُدُ ما فعلت من ذلك حتى يأذن الزوج "، وقد يحتمل أن يكون ذلك في غير الرشيدة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ قال للنساء: " تصدقن "، فجعلت المرأة تلقى القرط والخاتم، وبلال يتلقاها بكسائه (١١٧٦) ، وهذه عطية بغير إذن أزواجهن) (١١٧٧) انتهى. وقال السندي ﵀: (ونقل عن الشافعي أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول؟ ويمكن أن يكون هذا في موضع الاختيار مثل: " ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه " فإن فعلت جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه فباعت، جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة قبل أن يعلم النبي ﷺ فلم يعب ذلك عليها، فدل هذا مع غيره على أن هذا الحديث إن ثبت فهو محمول على الأدب والاختيار. وقال البيهقي: إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن

стр. 780

أثبت عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث المعارضة له أصح إسنادًا، وفيها وفي الآيات التي احتج بها الشافعي دلالة على نفوذ تصرفها في مالها دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولا على الأدب والاختيار، كما أشار إليه الشافعي، والله تعالى أعلم) (١١٧٨) اهـ. وقال الشوكاني ﵀ معلقًا على نفس الحديث: (وقد استدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز للمرأة أن تعطي عطية من مالها بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة، وقد اختُلِفَ في ذلك: - فقال الليث: لا يجوز لها ذلك مطلقًا لا في الثلث، ولا فيما دونه إلا في الشيء التافه. - وقال طاوس ومالك: إنه يجوز لها أن تعطي مالها بغير إذنه في الثلث لا فيما فوقه، فلا يجوز إلا بإذنه. - وذهب الجمهور إلى أنه يجوز لها مطلقا من غير إذن من الزوج إِذا لم تكن سفيهة، فإن كانت سفيهة لم يجز، قال في " الفتح ": " وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة " انتهى. وقد استدل البخاري في صحيحه على جواز ذلك بأحاديث ذكرها في باب هبة المرأة لغير زوجها من كتاب الهبة، ومن جملة أدلة الجمهور حديث جابر (١١٧٩) المذكور قبل هذا، وحملوا حديث الباب على ما إذا كانت سفيهة غير رشيدة، وحمل مالك أدلة الجمهور على الشيء اليسير، وجعل حَده الثلثَ فما دونه. ومن جملة أدلة الجمهور الأحاديث المتقدمة في أول الباب (١١٨٠)

стр. 781

القاضية بأنه يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه، وإذا جاز لها ذلك في ماله بغير إذنه، فبالأولى الجواز في مالها؛ والأولى أن يقال: " يتعين الأخذ بعموم حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وما ورد من الواقعات المخالفة له تكون مقصورة على مواردها، أو مخصصة لمثل من وقعت له من هذا العموم، وأما مجرد الاحتمالات فليست مما تقوم به حجة " (١١٨١) اهـ. وبنحو هذا الذي رجحه الشوكاني ﵀ قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في" سلسلة الأحاديث الصحيحة" معلقًا على حديث وائلة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إلا بإذن زوجها " (١١٨٢) : (وهذا الحديث رقم (٧٧٥) ، وما أشرنا إليه مما في معناه يدل على أن المرأة لا يجوز لها أن تتصرف بمالها الخاص بها إِلا بإذن زوجها، وذلك من تمام القوامة التي جعلها ربنا ﵎ له عليها، ولكن لا ينبغي للزوج - إذا كان مسلمًا صادقًا - أن يستغل هذا الحكم، فيتجبر على زوجته، ويمنعها من التصرف في مالها فيما لا ضير عليهما منه، وما أشبه هذا الحق بحق ولي البنت التي لا يجوز لها أن تزوج نفسها بدون إذن وليها، فإذا أعضلها رفعت الأمر إلى القاضي الشرعي لينصفها، وكذلك الحكم في مال المرأة إذا جار عليها زوجها، فمنعها من التصرف الشروع في مالها، فالقاضي ينصفها أيضًا، فلا إشكال على الحكم نفسه، وإنما الإشكال في سوء التصرف به، فتأمل) (١١٨٣) اهـ.

стр. 782

٩- ومن حقه عليها أن لا تطالبه مما وراء الحاجة، وما هو فوق طاقته، فترهقه من أمره عسرًا، بل عليها أن تتحلى بالقناعة، والرضى بما قسم الله لها من الخير. فيجب على الزوجة أن تقدر طاقة زوجها المالية، وتقتصد في ماله، فلا تهدره بطرًا وبغير حق، ولا ترهقه بطلباتها غير الضرورية من متاع الدنيا خصوصا إذا فاقت إمكاناته، فذلك يزعجه ويؤلمه، لأنه لا يستطيع تحقيق هذه المطالب، ويعز عليه أن يظهر أمام زوجته بمظهر العاجز الذي لا يملك تنفيذ ما تطلب. وعليها أذ تصحب زوجها بالقناعة، فلا تتطلع إلى ما عند الغير، ولا تحاكي أترابها من نساء الأقارب والجيران والمعارف في اقتناء الكماليات، بل عليها أن توجه مال الله للبذل في سبيل الله ليكون رصيدًا لهما يوم القيامة. وعليها أن تتأسى بأمهات المؤمنين ﵅، فقد كانت حياتهن كفافًا، وربما خلت بيوتهن من الطعام، ولقد وضع رسول الله ﷺ لنا من الضوابط ما يأخذ نفوسنا بالقناعة، حين أمرنا أن ننظر إلى من هو أقل منا عيشا، وأضيق رزقا، لأن ذلك يبعثنا على شكر النعمة التي غمرنا الله بها، ويُقَوي فينا الشعور بالرضا، فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم " (١١٨٤) ، وهذا في حظوظ الدنيا، أما في الدين فإن المسلمة مأمورة بعلو الهمة، والتنافس في الخيرات، والاجتهاد في الصعود إلى مستوى من هو أرقى وأرفع منزلة، وهل في عالم

стр. 783

النساء منذ خلقه الله إلى اليوم مَن تُسامي أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﷺ ونساء المهاجرين والأنصار، هيهات هيهات، ومع ذلك كانت حياتهن كفافًا، وربما خلت بيوتهن من الطعام. فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ (١١٨٥) . وعن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "والله يا ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار "، قلت: يا خالة، فما كان يُعيشُكم؟ قالت: " الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح (١١٨٦) ، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه " (١١٨٧) . قال فضيلة الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: (إن القناعة سبب السعادة.. فالغنى غنى النفس.. وإذا ترك المرء نفسه على سجيتها لا يشبعها شيء، كما قال الهذلي: والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع وكما قال البوصيري: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم يقول رسول الله ﷺ : " لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لتمنى أن يكون له اثنان ولن يملأ

стр. 784

عينه إلا التراب ويتوب الله على من تاب " (١١٨٨) . ومن هنا أشار رسول الله إلى أن الإنسان الذي ينظر إلى من كان فوقه في الدنيا يزدرى نعمة الله عليه. وقال بعض الصالحين: " يا ابن آدم إذا سلكت سبيل القناعة فأقل شيء يكفيك، وإلّا فإن الدنيا وما فيها لا تكفيك ". إن القناعة تضفي على النفس الرضى والسعادة والطمأنينة: قال رسول الله ﷺ : " ارض بما قسم الله لك تكن أسعدَ الناس (١١٨٩) . ولقد قال الله ﵎ مخاطبًا نبيه ومصطفاه ﷺ : (ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) (طه: ١٣١) . وقال تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليمًا (النساء: ٣٢) في هذه الآية نهي عن التمني، وتبيان للنهج السليم، وهو أن يسأل الله من فضله، فخزائنه لا تنفد، وعطاؤه لا حد له. وقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصة قارون، وهي قصة مليئة بالمواعظ

стр. 785

والدروس النافعات: (فخرج على قومه في زينته. قال الذين يريدون الحياة الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، إنه لذو حظ عظيم. وقال الذين أوتوا العلم: ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا، ولا يلقاها إلا الصابرون. فخسفنا به وبداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن منِّ الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون) (القصص: ٧٩ - ٨٢) . فلندع المقارنات والموازنات الفارغة، ولنرض بما قسم الله لنا بعد أن نستفرغ الجهد ونبذل الطاقة في تحصيل ما كتب الله لنا من الرزق الحلال، ففي ذلك سعادتنا في الدنيا ونجاتنا في الآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين) (١١٩٠) اهـ. إن المرأة في هذا العصر - إلا من رحم الله - قد راحت تعبد المظاهر، وتستهويها الزخارف، وقد بين النبي ﷺ أن تعلق النساء بالمظاهر والزينة من حرير وحُلي سبب للهلاك في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: فعن أبي سعيد ﵁ أن نبي الله ﷺ خطب خطبة فأطالها، وذكر فيها أمر الدنيا والآخرة، فذكر أن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب أو الصيغ - أو قال: من الصِّيغة - ما تُكلِّف امرأة الغني) (١١٩١) الحديث. وأما في الآخرة: فإن انشغال المرأة بالحرير والذهب عن طاعة ربها

стр. 786

يعوقها عن السمو إلى المنازل العليا في الجنة. يروى عن أبي أمامة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أريتُ أني دخلت الجنة فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المؤمنين، وإذا ليس فيها أحد أقل من الأغنياء والنساء، فقيل لي: أما الأغنياء فإنهم على الباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير " (١١٩٢) . وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر " (١١٩٣) ، ومع أنه ﷺ أباح الذهب والحرير للنساء غير أنه ﷺ : " كان يمنع أهله الحلية، والحرير، ويقول: " إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها، فلا تلبسوها في الدنيا " (١١٩٤) ، ولعل ذلك مخصوص بهن ليؤثروا الآخرة على الدنيا. ١٠- ومن حقه عليها أن تشكر له ما يجلب لها من طعام وشراب وثياب وغير ذلك مما هو في قدرته، وتدعو له بالعِوض والإخلاف، ولا تكفر نعمته عليها: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 787

" لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها، وهي لا تستغني عنه " (١١٩٥) . إن مجرد تناسي الزوجة فضل زوجها وجحوده، قد سماه رسول الله ﷺ كفرَا، وجعله الله سببا لدخول فاعلته نار جهنم: فعن أسماء ابنة زيد الأنصارية ﵂ قالت: (مرَّ بي النبي ﷺ ، وأنا في جوار أتراب لي، فسلم علينا، وقال: " إياكُن وكُفْرَ المنعمين "، فقلت: يا رسول الله وما كفر المنعَّمين؟ " قال: " لعل إحداكن تطولُ أيمَتُها من أبويها، ثم يرزقها الله زوجًا، ويرزقها منه ولدا، فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول: مارأيت منكَ خيرًا قط " (١١٩٦) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال للنساء: " يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار "، فقلن: " وبم ذلك يا رسول الله؟ "، قال: " تكثرن اللعن، وتكفرن العشير " (١١٩٧) الحديث. ١١- ومن حقه عليها: خدمته، وتدبير المنزل، وتهيئة أسباب المعيشة به: من طبخ وكنس وفرش وتنظيف للأواني، وذلك لتدع للرجل فرصة

стр. 788

للعلم والعمل، فإن المرأة الصالحة عون على الدين بهذه الطريق، ولذلك قال أبو سليمان الداراني ﵀: " الزوجة الصالحة ليست من الدنيا، فإنها تفرغك للآخرة " (١١٩٨) . وعن حصين بن محصن قال: (حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة، فقال: " أي هذه! أذاتُ بعل "؟ قلت: " نعم"، قال: " كيف أنت له؟ " قلت: " ما آلوه (١٩٩٩) إلا ما عجزت عنه "، قال: " فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك " (١٢٠٠) . قال محدث الشام ناصر الدين الألباني: (قلت، والحديث ظاهر الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها، وخدمتها إياه في حدود استطاعتها، ومما لا شك فيه أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك) (١٢٠١) اهـ. وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: (دخلت أيم العرب على سيد المسلمين ﷺ أول العشاء عَروسا، وقامت آخِرَ الليل تطحن - يعنى: أم سلمة) (١٢٠٢) . وعن أنس ﵁ قال: " كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا زفوا امرأة إلى زوجها يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقه " (١٢٠٣) .

стр. 789

(قال عَلىُّ ﵇: لقد تزوجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونضعه على الناضح بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها، ولما زوجها رسول الله ﷺ أرسل بي معها بخميلة ووسادة آدم حشوها ليف، ورحاءين وسقاء وجرتين، فَجَرت بالرحاء حتى أثرت في يدها، واستقت بالقِربة حتى أثرت القربة بنحرها، وَقَمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القِدر حتى دنست ثيابها (١٢٠٤) . وعن أبي البَختَرِي قال علي ﵁ لأمه: " اكفى فاطمة الخدمة خارجًا، وتكفيكِ هي العملَ في البيت، والعَجْن والخبز والطحن " (١٢٠٥) . وعن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ لما زوَّج فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف، ورحاءين، وسقاءين، قال: فقال علي لفاطمة يومَا: " لقد سنوت (١٢٠٦) حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي، فاذهبي، فاستخدمي"، فقالت: " وأنا والله، قد طحنت حتى مجلت (١٢٠٧) يداي "، فأتت النبي ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية،؟ فقالت: " جئت لأسَلمَ عليك"، واستحيت أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعًا فذكر له عليٌّ حالهما، قال: " لا والله، لا أعطيكما، وأدعُ أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم "، فرجعا، فأتاهما وقد دخلا قطيفتهما، إذا غطيا رؤوسهما بدت "أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثارا،

стр. 790

فقال: " مكانكما ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ " فقالا: " بلى"، فقال: " كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرا، وتكبران عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما فَسَبِّحا ثلاًثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين "، قال علي: " فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن "، وقال له ابن الكواء: " ولا ليلة صفين؟ " فقال: " قاتلكم الله يا أهل الطروق، ولا ليلة صفين " (١٢٠٨) . قال ابن حبيب في" الواضحة": (حكم النبي ﷺ بين علي بن أبي طالب ﵁، وبين زوجته فاطمة ﵂ حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم عَلَى فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على عَلِيٍّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله) (١٢٠٩) . وقال ابن حجر: قال الطبري: (يؤخذ من حديث عليّ ﵁ في شكوى فاطمه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها من خبز وطحن وغير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفا أن مِثلها يلي ذلك بنفسه، ووجه الأخذ أن فاطمة لما سألت أباها الخادم فلم يأمر زوجها أن يكفيها ذلك إما بإخدامها بخادم أو باستئجار من يقوم بذلك، أو يتعاطى ذلك بنفسه، ولو كانت على الزوج لأمره به، كما أمره أن يسوق الصداق قبل الدخول) (١٢١٠) اهـ.

стр. 791

وعن أسماء ﵂ أنها قالت: (كنت أخدم الزبير خدمة البيت كُله، وكان له فرَس، وكنت أسُوسُه، وكنت أحتَش له، وأقوم عليه) (١٢١١) . وعنها ﵂: (أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتَخْرِز الدلوَ، وتَعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ) (١٢١٢) . وقالت ﵂: (تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا شيء غير فرسه وناضحه (١٢١٣) ، فكنت أعلف فرسه، - زاد مسلم: وأسوسه - وأدق النوى لناضحه، وأستقي الماء وأخرز غربه (١٢١٤) ، وأعجن، وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ (١٢١٥) ، حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فدعاني رسول الله ﷺ ، فقال: إخ، إخ، يستنيخ ناقته ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، - وكان أغير الناس- فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت، فجئت الزبير فحكيت له ما جرى، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه ﷺ (١٢١٦) .

стр. 792

وقد اختلف العلماء في حكم خدمة المرأة زوجها، وحقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " الفتاوى" فقال: (وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز والطحن لمماليكه وبهائمه مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة، وهذا ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء! فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن، إن لم يعاونه على مصلحته لم يكن قد عاشره بالمعروف، وقيل- وهو الصواب - وجوب الخدمة، فإن الزوج سيدها في كتاب الله - وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ ، وعلى العاني والعبد الخدمة، لأن ذلك هو المعروف. ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف، وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة) (١٢١٧) اهـ. قال الألباني حفظه الله معقبًا على كلام شيخ الإسلام ﵀: قلت: (وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ، كما في " الفتح" (٩/٤١٨) ، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وكذا الجوزجاني من الحنابلة كما في " الاختيارات" ص (١٤٥) ، وطائفة من السلف والخلف كما في " الزاد" (٤/٤٦) ، ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلا صالحًا، وقول بعضهم: "إن عقد النكاح

стр. 793

إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام " مردود بأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضًا بزوجها فهما متساويان في هذه الناحية، ومن المعلوم أن الله ﵎ قد أوجب على الزوج شيئا آخر لزوجته ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها، فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضا لزوجها، وما هو إلا خدمتها إياه، سيما وهو القوام عليها بنص القرآن الكريم كما سبق، وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها، وهذا يجعلها هي القوامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى، فثبت أنه لابد لها من خدمته، وهذا هو المراد، وأيضًا: فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين: أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عطًلا عن أي عمل يجب عليها القيام به، ولا يخفى فساد هذا في الشريعة، التي سوت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضلت الرجل عليها درجة، ولهذا لم يُزِل رسول الله ﷺ شكوى ابنته فاطمة علبها السلام) (١٢١٨) اهـ. وقال الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى مؤيدًا القول بالوجوب: (وأيضا فإن العقود المطلقة إنما تنزَل على العرف، والعُرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: " إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا "، يردُّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى مِن الخدمة، فلم يقل لعلي: " لا خدمة عليها، وإنما هي عليك "، وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلفُ على رأسها، والزبيرُ معه، لم يقل له: لا خدمةَ عليها، وأن هذا ظلمٌ لها، بل أقرَّه على استخدامها، وأقَرَّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية،

стр. 794

هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدِم زوجها، وجاءته ﷺ تشكو إليه الخدمة، فلم يُشكِها، وقد سمى النبي ﷺ في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: " اتقوا الله في النساء، فإنهن عَوان عندكم "، والعاني: الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوع من الرق، كما قال بعض السلف: النكاح رِق، فلينظر أحدكم عند مَن يُرِق كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين) (١٢١٩) اهـ.

стр. 795

[فصل] (١٢٢٠) في علاقة الابن بوالديه بعد الزواج وعلاقة الحماة بالكَنَّة (١٢٢١) (وما يذكره بعضهم من الخلاف اللازم بين الحماة والكَنة فأمر مبالغ فيه، وما يقع في تلك الأسرة من بعض خلاف فشيء طبيعي بين عاطفتين، وبين كبير وصغير، وبين تعجل وحلم، ولكن حين يتوفر أدب الإسلام في أفراد الأسرة، ويعرف كل فرد في الأسرة حقه وواجبه، فإن الحياة تسير رضية سعيدة في أغلب الأحيان، والله أعلم) (١٢٢٢) . ١- من حق الزوج على زوجه: أن تبر أهلَه مِنْ والِدين وأخوات: - إن من أدب الإسلام أن تؤثر الزوجة رضى زوجها على رضي نفسها، وأن تكرم قرابته خصوصا والديه، ويتأكد هذا إذا كانت تقيم معهما، وفي إكرامهم إكرام لزوجها، ووفاء له، وإحسان إليه، لأنه مما يفرحه، ويؤنسه، ويقوي رابطة الزوجية، وآصرة الرحمة والمودة بينهما.

стр. 796

- وإذا كان الزوج أعظم حقا على المرأة من والديها، وإذا كان الابن مأمورا شرعًا بأن يحفظ وُد أبيه (١٢٢٣) تقوية للرابطة الاجتماعية في الأمة، فإن الزوجة مأمورة شرعًا بأن تحفظ ود أهلِ زوجها من باب أولى لتقوية رابطة الزوجية في الأسرة، قال رسول الله ﷺ : (إن من أبر البر أن يحفظ الرجل أهل ود أبيه " (١٢٢٤) فلأن تحفظ المرأة أهل ود زوجها من باب أولى. - كما أن إكرام الزوجة إياهما وهما في سن والديها خلق إسلامي أصيل: عن عبادة بن الصامت ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمِنا حَقَّه " (١٢٢٥) ، وعن ابن عمرو ﵄ مرفوعا: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا " (١٢٢٦) ، وعن أنس وأسامة والأشعث ﵃ مرفوعًا: " ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا " (١٢٢٧) . - وفي إحسانها لوالديه شكر لهما على ما أنعم الله عليها من ولدهما الذي تسببا في وجوده من العدم، وربياه، فأصبح زوجا لها، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من لا يشكر الناس لا

стр. 797

يشكر الله " (١٢٢٨) الحديث، وعن ابن مسعود وغيره ﵃ مرفوعَا: " أشكرُ الناس لله أشكرهم للناس " (١٢٢٩) . يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: (إن على الزوجة الفاضلة أن لا تنسى منذ البداية أن هذه المرأة التي قد تشعر أنها منافسة لها في زوجها، هي أم هذا الزوج، وأنه لا يستطيع مهما تبلَّد فيه إحساس البر أن يقبل إهانة توجه إليها، فإنها أمه التي حملته في بطنها تسعة أشهر، وأمدته بالغذاء من لبنها، ووقفت على الاهتمام به حياتها حتى أصبح رجلًا سويا. - واعلمي أيتها الزوجة أن زوجك يحب أهله أكثر من أهلك، كما أنك أنت أيضًا تحبين أهلك أكثر من أهله، فاحذري أن تطعنيه بازدراء أهله أو انتقاصهم أو أذيته فيهم، فإن ذلك يدعوه إلى النفرة منك. إن تفريط الزوجة في احترام أهل زوجها تفريط في احترامه، وإن لم يقابل الزوج ذلك بادئ الأمر بشيء، فلن يسلم حبه إياها من الخدش والنقص والتكدير. إِن الرجل الذي يحب أهله ويبر والديه إنسان صالح فاضل جدير بأن تحترمه زوجته، وترجو فيه الخير) (١٢٣٠) .

стр. 798

ثم يقول في موضع آخر مخاطبا الزوج: (إن ما تقدم من والديك من إكرام وعناية وإحسان إليك، يجب أن يقابل منك بالعرفان والمكافأة، لقد تعهداك بالرعاية والخدمة وأنت ضعيف لا تملك من أمر نفسك شيئًا، وأنفقا عليك، وَحَرَما أنفسهما من أجلك، وسهرا على شئونك، وتعبا من أجل راحتك، أفلا يجدر بك إن كنت من أهل الخير والمروءة أن تقابل ذلك بعرفان وإحسان؟ و (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ؟ والأم ينبغي أن تُقَدَّمَ في البر لضعفها، ولذلك وصى بها رسول الله ﷺ مرات قبل الأب، ثم وصى بالأب، ومما يعينك على تحقيق البر في حياتك أن تضع نفسك في محل أبيك وأمك ... فهل يَسُرُّك غدًا عندما يصيبك الكبر، ويهن العظم منك، ويشتعل رأسك شيبا أن تلقى من ابنك المعاملة السيئة والإهمال القاسي والإهانة الجارحة؟ أو ما علمت يا أخي أن الأيام دُوَل وأن الزمان لا يبقى على حالة واحدة (وتلك الأيام نداولها بين الناس) فلا تغتر بشبابك وقوتك ومالك، فسرعان ما يلقاك المشيب، ويعتريك الضعف، ويزول عنك المال، وقد يكون مقدرًا للإنسان أن يكون في آخر عمره مُقْعَدًا، فليتصور هذا الإنسان أنه - وهو في هذه الحالة من العجز - قوبل بالعقوق والجفوة من ابنه بسبب إيثاره زوجته ماذا يكون شعوره في ذاك الوقت وهو على ما ذكرنا؟ تصور هذا يا أخي وأنت تعامل والديك فهذا مما يعينك على تحقيق البر في حياتك) (١٢٣١) اهـ. (إن عقوق الرجل والديه دمار عليه وعلى زوجته وأولاده، لأن

стр. 799

العقوق من المعاصي التي تعجل عقوبتها في الدنيا: فعن أبي بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين " (١٢٣٢) ، وعن أنس ﵁ مرفوعًا: " بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي، والعقوق) (١٢٣٣) ، وما يشير إليه الحديث أمر مشاهد ينطق به الواقع العملي، وإن من عدل الله ﵎ وسننه الماضية أن العقوبة عنده تكون من جنس العمل المستوجب لها، فإن أساءت المرأة معاملة والدي زوجها فقد تعاقب- حين تهرم وتشيخ- بأن يقيض الله لها من كَناتها- أي زوجات أولادها- من يسيء معاملتها جزاءً وفاقًا) (١٢٣٤) اهـ. وليس من شك في أن الزوجة الصالحة العاقلة، الخيرة الطيبة تكون عونا لزوجها على الخير، وتوصيه بالتزام حكم الشرع وآدابه، وتحرضه على زيادة بر والديه وإكرامهما: حكى الإمام أبو الفرج بن الجوزي عن عابدة: كانت تصلي بالليل لا تستريح، وكانت تقول لزوجها: " قمْ ويحك! إلى متى تنام؟ قم يا غافل قم يا بطَّال، إِلى متى أنت في غفلتك؟ أقسمت عليك ألا تكسب معيشتك إلا من حلال، أقسمت عليك أن لا تدخل النار من أجلي، بِر أمكَ، صل رحمك، لا تقطعهم، فيقطع الله بك " (١٢٣٥) .

стр. 800

(إن الرجل الذي لا خير فيه لأبويه لا يمكن أن يكون فيه خير لزوجة ولا ولد ولا لأحد من الناس في هذا الوجود، إن موقف الزوجة الصالحة في إعانته على البر كفيل في كثير من الأحيان في حل المشكلة وتسوية الأزمة، لأن الوالدين عندما يشهدان الحب الصادق والاحترام والحنان من زوجة ابنهما يعطفان عليها وعليه، ويسود الود والتفاهم والصفاء جو الأسرة كلها. .. واعلم أيها الأخ الفاضل أن تصرفات الوالدين وتصرفاتك أنت أيضا تتغير بعد الزواج.. إنهما في الغالب يصبحان شديدي الحساسية.. والأم أكثر حساسية من الأب، فلتكن في منتهى الحذر ... واعمل ما وسعك العمل على ألا يتغير قلبها نحوك. ويساعدك في تحقيق ما تريد من المراعاة للوالدين والزوجة أمور أهمها: ١- أن تلجأ إلى الله، وتحسن صلتك به عبادة ودعاء والتزامًا لما شرع. ٢- وأن تسكن منفردًا مستقلا عن أهلك وأهل زوجك، وأن لا تدخلا أحدا من أهليكما في مشكلاتكما الخاصة، وأن تتوليا حلها بينكما بروح المودة والرحمة. ٣- وأن تصارح والديك مع الاحترام البالغ بما تنكره من أوضاع جديدة، وتبين لهم الواقع البعيد عن التأويلات، التي قد يوسوس الشيطان بها للإنسان للايقاع بين الأهل والأحباب. ٤- وأن تزيد من برهما المادي والمعنوي، كالهدايا والزيارات والاتصال الدائم، والتكريم الكبير، وإشعار والدتك بأنها ما تزال عندك الأم التي لها حق عظيم. ٥- والتفاهم مع زوجتك على السلوك الذي يحقق إرضاء الوالدين.

стр. 801

٦- هذا، وأنصح الأخ الزوج ألا يلزم نفسه في أول الأمر بما لا يستطع أن يستمر عليه، لأنه إذا بدأ به ثم قطعه فُسر تفسيرا ليس في مصلحته، وجَر عليه أسوأ العواقب ... واحذر يا أخي أن تعطي والدتك- في تصرفاتك التي قد لا تنتبه إليها- الأدلة التي تشعرها بأن فلذة كبدها قد صارت لغيرها وقد تحولت عنها، إنها عندئذ ستكون شديدة التأثر واللوم ... وكلما كانت أكثر تعلقا بك وحبا لك كان تأثرها ولومها أكبر وأضخم. وأنا أعلم أن كثيرا من الأمهات الجاهلات بسبب ما تقدم يحرجن أبناءهن، ويحرمنهم من السعادة، فإذا ابتلي إنسان بأم من هذا النوع كان عليه أن يقابل ذلك بالصبر والاسترضاء.. وهنا تظهر حقيقة البر وقوة الشخصية التي تقوى على الموازنة بين أصحاب الحقوق) (١٢٣٦) اهـ. ويقول الدكتور السيد محمد علي نمر حفظه الله مشيرا إلى أن الأمومة صنو التضحية، ونادبَا الأمهات إلى العدل في معاملة الكَنات: (كثيرًا ما تسوء معاملة الأم لزوجة ابنها، ذلك أن الأم قد سهرت، وتعبت في سبيل أبنائها، وحين ينمو الابن، ويستوي على سوقه، ويصير رجلًا ويتزوج، تظن الأم أن ابنها لم يعد بعد في حوزتها وتحت قبضتها، وقد آلت ملكيته إلى امرأة أخرى، كما أن زوجة الابن تعتقد بدورها أن زوجها لا يشاركها فيه أحد، فتنشب الكراهية بين الأم وزوجة الابن، والأم الصالحة هي التي تعمل لإسعاد أولادها، وكما ضَحت بعمرها، وبذلت كل غال ورخيص ليخرج ولدها إلى الحياة شابًّا صالحا، فعليها أن تضحي حين تسلمه إلى امرأة أخرى، كما عليها أن تعلم أن هذه هي سنة الحياة، ولن

стр. 802

تجد لسنة الله تبديلًا. إن الإسلام يطالبها أن تعتدل في نظرها إلى ولدها، حتى لا يكون منه عقوق لها) (١٢٣٧) اهـ. (ويطيب لي أن أهمس في آذان الأمهات أن ينتبهن لأنفسهن، وأن يكنَّ عونا لأولادهن على البر، وأن يعملن على تحقيق السعادة لهم. ويبقى الحنان مفتاحًا في يد الولد العاقل، يجعل أمه سهلة الانقياد، سريعة التأثر، والأمهات أنواع، فقد ترضى الأم بكلمة حلوة، أو هدية متواضعة، أو استرضاء مبلل بالعاطفة الوافرة. إن قلب الأم - إن لم يتحول بسبب العقوق- قريب المأخذ، يا أخي إن ارتباطك بوالديك أمر محتوم لا خيار لك فيه، ولا فكاك لك منه بحال من الأحوال، وليس في يديك ... فلا تنس هذه الحقيقة. ولقد جاء الشرع فقرر لهما من الحقوق ما لم يقرره لمخلوق من الناس إذ أوجب أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا ولو كانا كافرين يدعوانِك للكفر، يا أخي إن أعظم ما يميز مجتمعنا الإسلامي هو هذا الترابط العظيم في علاقاته الأسرية، فلا تتهاون فيه، فإن في بقاء هذا الترابط خيرًا للناس الذين يعيشون معك) (١٢٣٨) اهـ. (إن قوة شخصية الإنسان تبدو في القدرة على أن يوازن بين الحق والواجبات التي قد تتعارض أمام بعض الناس، وأحيانًا يكونون سطحيين تافهين ضعفاء، إن قوة الشخصية تظهر في القدرة على أداء حق كُلّ من أصحاب الحقوق، دون أن يلحق جورًا بواحد من الآخرين.

стр. 803

ومن عظمة هذه الشريعة أنها جاءت بأحكام توازن بين عوامل ودوافع وحوافز متعددة، فللوالدين حقوق، وللزوج حقوق، ولا تعارض بينهما في حقيقة الأمر، والمسلم الواعي قوى الشخصية يستطع أن يعطي كل ذي حق حقه. ويبدو أن الناس فيما مضى - ولعوامل متعددة - كانوا يراعون حق والدي الزوج رعاية مبالغًا فيها، قد تدخل الجور على الزوجة في كثير من الأحيان عدوانا وظلما، ولكن الأمر - بعد اختلاطنا بالكفرة، وتأثرنا بحضارتهم التي حطمت فيها الأسرة- اختلف حتى أصبح الظلم يصيب الوالدين، وهو إن وجد ينصبُّ أكثر ما ينصب على الأم، لئن كنا في الماضي بحاجة إلى تذكير الزوج بحقوق الزوجة مع مراعاة بر الوالدين، إننا اليوم بحاجة إلى تذكير شبابنا برعاية الموازنة بين حقوق الوالدين وحقوق الزوج، وإلى تحذيرهم من العقوق. إن كثيرًا من المآسي الاجتماعية والعائلية تقع بسبب الإخلال بهذا التوازن المطلوب، والخسارة الكبرى والإثم العظيم يقع على الزوج أولًا عندما يقع في غضب الجبار، ويدخل النار. ... أيها الزوج العروس: أنا لا أدعوك إلى ظلم زوجتك، فالظلم حرام بكل أنواعه ومظاهره، ولكنني أذكرك بأن ظلم والديك وعقوقهما من أعظم الذنوب.. واحرص في الوقت ذاته على إنصاف زوجك، والإحسان إليها ما استطعت إلى ذلك سبيلا) (١٢٣٩) اهـ. ١٣- ومن حقه عليها: إرضاع الأطفال وحضانتهم: الطفل جزء من أمه، وقطعة من كيانها، فهي تحنو له، وتحدب

стр. 804

عليه، وتعكف على راحته، وهذه الصلة الوثيقة التي تربط الأم بطفلها تبلغ ذروتها وأوج قوتها في الأسابيع ثم الأشهر الأولى من ولادته، إذ يبلغ بها الأمر أن تعكف عليه عكوفًا يشبه عبادة العابد، ونسك الناسك، بل تستطيع الأم أن تجعل عملية الإرضاع عبادة سامية إذا استحضرت النية الصالحة من ورائها، لتجني ثمارها كل حين بإذن ربها: روى أن عمرو بن عبد الله قال لامرأة ترضع ابنًا لها: " لا يكونن رضاعك لولدك كرضاع البهيمة ولدَها قد عطفت عليه من الرحمة بالرحم، ولكن أرضعيه تتوخين ابتناء ثواب الله، وأن يحيا برضاعك خَلْق عسى أن يوحِّد الله ويعبده " (١٢٤٠) . إن للطفل حقا ثابتًا على أبويه في الرعاية والعطف والتربية، ومن هنا توجه الخطاب القرآني إلى كل والدة سواء كانت مزوجة أو مطلقة يستحثها ويندبها إلى الاهتمام برضاعة طفلها، فقال جل وعلا: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) الآية البقرة (٢٣٣) . ويثني الله تعالت أسماؤه على الأم إذ تتحلى بهذه السجية الإنسانية، ويعلن ما تستوجبه بهذه العاطفة من التكريم فيقول: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفِصاله في عامين أن اشكر لى ولوالديك إلي المصير) لقمان (١٤) . والواقع أن هذا الوضع التشريعي الذي أمر به القرآن هو تحديد وفرض للوضع الطبيعي الذي بنيت عليه غريزة الأم، وانبنى عليها كيان الطفل، إن إرضاع الأم طفلها واجب عليها ديانة باتفاق الفقهاء، تُسأل عنه أمام الله تعالى حفظا على حياة الولد، سواء كانت متزوجة بأبي الرضيع،

стр. 805

أم مطلقة منه وانتهت عدتها. واختلفوا في وجوبه عليها قضاء: أيستطيع القاضي إجبارها عليه أم لا (١٢٤١) ؟ وقد ذهب جهور الفقهاء إلى أن الأمر بالإرضاع للندب، وأنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها- أي قضاءً - إلا إذا تعينت مرضعًا بأن كان لا يقبل غير ثديها، أو كان الوالد عاجزًا عن استئجار ظئر (مرضعة) ، أو قدر ولكنه لم يجد الظئر، واستدلوا على الاستحباب بقوله تعالى: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) . ومذهب مالك أن الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية، فهو حق عليها إذا كانت زوجة، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، أو إذا عُدم الأب، واستثنوا من ذلك الشريفة بالعُرف، وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع علها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق، ولها أجرة المثل، هكذا كفل الإسلام للطفل حقه في الرضاع حتى بعد طلاق أمه، ولم يكتف بذلك بل تجاوزه إلى تعطيل إقامة الحد على الأم الزانية إلى حين انتهاء فترة رضاعه منها. ففي قصة الغامدية التي حملت من الزنا، وجاءت إلى النبي ﷺ ليقيم عليها الحد، قال لها رسول الله ﷺ : " لا، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدته أتته بالصبي في خرقة، قالت: " هذا قد ولدته"، قال: " اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه "، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، قالت: " هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام"، فدفع بالصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس

стр. 806

فرجموها) الحديث (١٢٤٢) . وتأمل ما رواه أبو أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي) الحديث، وفيه: (ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن (*) . وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يفرض لمولود حتى يفطم، فتراجع عن ذلك، وفرض له من حين ولادته حتى تطول فترة الإرضاع، فبينما هو يطوف ذات ليلة بالمصلى، بكى صبي، فقال لأمه: " أرضعيه"، فقالت: " إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يُفطم، وإني فطمته"، فقال عمر: " إن كدت لأن أقتله أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له"، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد (١٢٤٣) . إن الحكمة الإلهية جعلت هذه العاطفة السامية عاطفة الأمومة متجاوبة مع قوة اتصال الوليد بأمه، ومع حاجته الماسة إليها ماديا وعاطفيا، فالطفل يحتاج إلى أمه حاجة تتصل بكيانه كله، وتشمل مشاعره وأحاسيسه. ومن قول النبي ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكِحي" (١٢٤٤) ، قالها

стр. 807

لمن شكت إليه زوجها، ندرك مدى اهتمام الإسلام بالطفل، حيث انتزع الرسول الله ﷺ طفلًا من أبيه- وهو أقرب الناس إليه- ليكون في رعاية أمه، لأنها أشفق وأقدر على تربيته في هذا السن، كذلك ندرك أمرا آخر وهو أن الأم إذا شُغلت بزواج أو غيره، فهي ليست أهلَا للحضانة، لأن الطفل يجب أن ينشأ في جوٍّ تملؤه المودة والمحبة والعطف والحنان. نسوق هذا الكلام إلى الذين ينادون بتخلي المرأة عن مهمتها وترك هؤلاء الأطفال إلى دور الحضانة حيث يحرم الطفل من حقه في رعاية أمه وحنانها، أمه التي لا يعوضه عنها أرقى وأعظم دور الحضانة. إن مما يصادم الفطرة والشرع ما يتصوره بعض الناس من أن حاجة الطفل إلى أمه قاصرة على تغذيته باللبن خلال فترات منتظمة، وهو أمر يمكن استبداله بأي لبن كان، ثم تغيير ثيابه وتنظيفه بين الفينة والأخرى، وهو عمل تستطيعه أي حاضنة أمينة، وإذا تصور هذا أي رجل لم يذق إنسانية الحياة العائلية، فلا يتصوره من النساء إلا امرأة مُسِختْ حقيقتها، وانطوى صدرها على قلب قاس جامد، قد نُحِتَ من صُم الجلاميد الصلاب، ولله دَر من قال: ليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هَمِّ الحياة وخلَّفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أما تخلَّت أو أبا مشغولا ألا فلترجع الأم " الهاربة" من ميدان كفاحها إلى بيتها، ولتعد " الأم" المتمردة على فطرتها إلى حجابها الأول: " وقرن في بيوتكن"،

стр. 808

ولتؤب إلي " المصنع" الذي رشحها الله لتمارس فيه أشرف وظائف المرأة بعد عبادة الله " والمرأة راعية في بيت زوجها " إنه مصنع الأبطال والمجاهدين والعباد، والدعاة، مصنع العفيفات العابدات العالمات المؤمنات الصابرات. فإن كانت ممن لا يكتفي بالنصيحة إلا إذا دُعمت بإحصاءات العلم الحديث، ونتائجه المنسوبة إِلى أهله، فلترع سمعها ما يلي: أولًا: ما قالته مؤلفة كتاب " أطفال بلا أسر": (وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الولد في ظل أبويه ينشأ ذكيا، وتنخفض نسبة ذكائه كلما ابتعد عن أمه وأبيه، ففي دور المياتم والحضانة التي تشرف على كل عشرة أطفال فيها فقط مربية واحدة تنخفض نسبة الذكاء ٤٠% عن الطفل الذي ينشأ مع أمه أو إحدى قريباته ... وقد قام البروفيسور " وين دنيس" الحائز على شهادة الدكتوراة من جامعة كلارك، والذي يعتبر من ألمع أساتذة علم النفس في الولايات المتحدة بجولة علمية زار خلالها لبنان، والولايات المتحدة، وانكلترا، وهولندا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، والمجر، وتبين له مدى الفروق الهائلة في مستوى الذكاء لدى الأطفال من بيئة إِلى أخرى، وأثبتت دراساته أن الذكاء ينخفض لدى الطفل إن كان يعيش مع عشرة أطفال وتشرف على تربيتهم مربية واحدة إلى ما يزيد عن ٤٠% من نسبة الذكاء لدى غيره من الأطفال الذين ينشأون في جو عائلي) (١٢٤٥) اهـ. ثانيَا: درج بعض الأطباء الأمريكيين الذين أجروا دراسات على الأطفال على أن يكتب في " الوصفة " لكل أم تذهب إليه بطفلها المريض العبارة التالية: " العلاج: هو العودة إلى الأم الحقيقية" (١٢٤٦) .

стр. 809

١٤- ومن حقه عليها: أن تحسن القيام عل تربية أولادها منه في صبر وحلم ورحمة: فلا تغضب على أولادها أمامه، ولا ترفع صوتها عاليًا في مخاطبة أولادها أو زجرهم حتى يسمع خارج المنزل، ولا تدعو عليهم، ولا تسبهم، أو تضربهم، فإن ذلك قد يؤذيه منها، ولربما استجاب الله تعالى دعاءها عليهم، فيكون مصابهما بذلك عظيما. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : " لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةَ نَيل، فيها عطاءٌ، فيستجيب لكم) (١٢٤٧) . وقد تفننت نساء بعض البلاد في اللعن تفننَا غريبَا، فتسمع الدعاء الفظيع ينهال على الولد البريء الذي تصرف تصرفًا صبيانيًّا لم يوافق هوى أمه ورضاها، إنها تدعو عليه أحيانًا بأن يرسل الله عليه الحمّى والأوجاع المتعددة، وتدعو عليه أحيانًا أن يقتل بالرصاص، أو أن تذهب به داهية الدهس، أو أن يصيبه العمى، تدعو عليه بذلك وغيره، وهو ابنها وفلذة كبدها، وهي لا تدري أنه قد توافق دعواتُها ساعة الإجابة، فتندم ولات ساعة مندم، وقد قيل إن الدعوات كالحجارة التي يرمى بها هدف، فمنها ما يصيب ومنها ما يخطئ (١٢٤٨) . وعليها أن تربي أولادها على الطهارة والنظافة والعفة والشجاعة،

стр. 810

والزهد في سفاسف الأشياء، وملاهي الحياة، كي ينشأوا مسلمين، يعيشون بالإسلام وللإسلام، يكَثر الله تعالى بهم الخير في المجتمع، ويتباهى بهم وبأمثالهم رسول الله ﷺ غدا (١٢٤٩) . وعليها أن تراعي الأمور الآتية حتى تنجح العملية التربوية: أولًا: أن لا تتصرف أمام أبنائها بصورة توحي بأن سياستها التربوية تخالف سياسة الأب. ثانيا: أن لا تعترض المرأة على زوجها أثناء تأديبه أولاده وبحضرتهم، فإن كان ولابد، فلها أن تبدي رأيها في أمور التربية على انفراد به، وعليهما الخروج بسياسة تربوية محددة. ثالثا: أن تحرص على الصدق مع زوجها، وتصارحه بالحقيقة في أمورها كلها، وأن تعلمه بالأحداث التي تتم في غيبته، ولا تتستر على أخطاء أولادها الجسيمة، والتي يجب معرفة الأب بها. رابعًا: أن لا تأذن ولا تعطي ولدها عند غياب أبيه ما منعه منه. خامسًا: أن لا تبدي الزوجة أمام أبنائها أي إشارة رفض أو ضجر من بعض عادات الأب أو تصرفاته، وأن تحذر أن تُخَطِّئ أقواله وأفعاله، أو أن تنتقص منه، أو أن تتظلم لأولادها منه قبالتهم.
следующие страницы →