← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فرجموها) الحديث (١٢٤٢) . وتأمل ما رواه أبو أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضبعي) الحديث، وفيه: (ثم انطلق بي، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات، قلت: ما بال هؤلاء؟ قال: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن (*) . وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يفرض لمولود حتى يفطم، فتراجع عن ذلك، وفرض له من حين ولادته حتى تطول فترة الإرضاع، فبينما هو يطوف ذات ليلة بالمصلى، بكى صبي، فقال لأمه: " أرضعيه"، فقالت: " إن أمير المؤمنين لا يفرض لمولود حتى يُفطم، وإني فطمته"، فقال عمر: " إن كدت لأن أقتله أرضعيه، فإن أمير المؤمنين سوف يفرض له"، ثم فرض بعد ذلك للمولود حين يولد (١٢٤٣) . إن الحكمة الإلهية جعلت هذه العاطفة السامية عاطفة الأمومة متجاوبة مع قوة اتصال الوليد بأمه، ومع حاجته الماسة إليها ماديا وعاطفيا، فالطفل يحتاج إلى أمه حاجة تتصل بكيانه كله، وتشمل مشاعره وأحاسيسه. ومن قول النبي ﷺ : " أنت أحق به ما لم تنكِحي" (١٢٤٤) ، قالها

стр. 807

لمن شكت إليه زوجها، ندرك مدى اهتمام الإسلام بالطفل، حيث انتزع الرسول الله ﷺ طفلًا من أبيه- وهو أقرب الناس إليه- ليكون في رعاية أمه، لأنها أشفق وأقدر على تربيته في هذا السن، كذلك ندرك أمرا آخر وهو أن الأم إذا شُغلت بزواج أو غيره، فهي ليست أهلَا للحضانة، لأن الطفل يجب أن ينشأ في جوٍّ تملؤه المودة والمحبة والعطف والحنان. نسوق هذا الكلام إلى الذين ينادون بتخلي المرأة عن مهمتها وترك هؤلاء الأطفال إلى دور الحضانة حيث يحرم الطفل من حقه في رعاية أمه وحنانها، أمه التي لا يعوضه عنها أرقى وأعظم دور الحضانة. إن مما يصادم الفطرة والشرع ما يتصوره بعض الناس من أن حاجة الطفل إلى أمه قاصرة على تغذيته باللبن خلال فترات منتظمة، وهو أمر يمكن استبداله بأي لبن كان، ثم تغيير ثيابه وتنظيفه بين الفينة والأخرى، وهو عمل تستطيعه أي حاضنة أمينة، وإذا تصور هذا أي رجل لم يذق إنسانية الحياة العائلية، فلا يتصوره من النساء إلا امرأة مُسِختْ حقيقتها، وانطوى صدرها على قلب قاس جامد، قد نُحِتَ من صُم الجلاميد الصلاب، ولله دَر من قال: ليس اليتيم من انتهى أبواه من ... هَمِّ الحياة وخلَّفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له ... أما تخلَّت أو أبا مشغولا ألا فلترجع الأم " الهاربة" من ميدان كفاحها إلى بيتها، ولتعد " الأم" المتمردة على فطرتها إلى حجابها الأول: " وقرن في بيوتكن"،

стр. 808

ولتؤب إلي " المصنع" الذي رشحها الله لتمارس فيه أشرف وظائف المرأة بعد عبادة الله " والمرأة راعية في بيت زوجها " إنه مصنع الأبطال والمجاهدين والعباد، والدعاة، مصنع العفيفات العابدات العالمات المؤمنات الصابرات. فإن كانت ممن لا يكتفي بالنصيحة إلا إذا دُعمت بإحصاءات العلم الحديث، ونتائجه المنسوبة إِلى أهله، فلترع سمعها ما يلي: أولًا: ما قالته مؤلفة كتاب " أطفال بلا أسر": (وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الولد في ظل أبويه ينشأ ذكيا، وتنخفض نسبة ذكائه كلما ابتعد عن أمه وأبيه، ففي دور المياتم والحضانة التي تشرف على كل عشرة أطفال فيها فقط مربية واحدة تنخفض نسبة الذكاء ٤٠% عن الطفل الذي ينشأ مع أمه أو إحدى قريباته ... وقد قام البروفيسور " وين دنيس" الحائز على شهادة الدكتوراة من جامعة كلارك، والذي يعتبر من ألمع أساتذة علم النفس في الولايات المتحدة بجولة علمية زار خلالها لبنان، والولايات المتحدة، وانكلترا، وهولندا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، والمجر، وتبين له مدى الفروق الهائلة في مستوى الذكاء لدى الأطفال من بيئة إِلى أخرى، وأثبتت دراساته أن الذكاء ينخفض لدى الطفل إن كان يعيش مع عشرة أطفال وتشرف على تربيتهم مربية واحدة إلى ما يزيد عن ٤٠% من نسبة الذكاء لدى غيره من الأطفال الذين ينشأون في جو عائلي) (١٢٤٥) اهـ. ثانيَا: درج بعض الأطباء الأمريكيين الذين أجروا دراسات على الأطفال على أن يكتب في " الوصفة " لكل أم تذهب إليه بطفلها المريض العبارة التالية: " العلاج: هو العودة إلى الأم الحقيقية" (١٢٤٦) .

стр. 809

١٤- ومن حقه عليها: أن تحسن القيام عل تربية أولادها منه في صبر وحلم ورحمة: فلا تغضب على أولادها أمامه، ولا ترفع صوتها عاليًا في مخاطبة أولادها أو زجرهم حتى يسمع خارج المنزل، ولا تدعو عليهم، ولا تسبهم، أو تضربهم، فإن ذلك قد يؤذيه منها، ولربما استجاب الله تعالى دعاءها عليهم، فيكون مصابهما بذلك عظيما. عن جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ : " لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةَ نَيل، فيها عطاءٌ، فيستجيب لكم) (١٢٤٧) . وقد تفننت نساء بعض البلاد في اللعن تفننَا غريبَا، فتسمع الدعاء الفظيع ينهال على الولد البريء الذي تصرف تصرفًا صبيانيًّا لم يوافق هوى أمه ورضاها، إنها تدعو عليه أحيانًا بأن يرسل الله عليه الحمّى والأوجاع المتعددة، وتدعو عليه أحيانًا أن يقتل بالرصاص، أو أن تذهب به داهية الدهس، أو أن يصيبه العمى، تدعو عليه بذلك وغيره، وهو ابنها وفلذة كبدها، وهي لا تدري أنه قد توافق دعواتُها ساعة الإجابة، فتندم ولات ساعة مندم، وقد قيل إن الدعوات كالحجارة التي يرمى بها هدف، فمنها ما يصيب ومنها ما يخطئ (١٢٤٨) . وعليها أن تربي أولادها على الطهارة والنظافة والعفة والشجاعة،

стр. 810

والزهد في سفاسف الأشياء، وملاهي الحياة، كي ينشأوا مسلمين، يعيشون بالإسلام وللإسلام، يكَثر الله تعالى بهم الخير في المجتمع، ويتباهى بهم وبأمثالهم رسول الله ﷺ غدا (١٢٤٩) . وعليها أن تراعي الأمور الآتية حتى تنجح العملية التربوية: أولًا: أن لا تتصرف أمام أبنائها بصورة توحي بأن سياستها التربوية تخالف سياسة الأب. ثانيا: أن لا تعترض المرأة على زوجها أثناء تأديبه أولاده وبحضرتهم، فإن كان ولابد، فلها أن تبدي رأيها في أمور التربية على انفراد به، وعليهما الخروج بسياسة تربوية محددة. ثالثا: أن تحرص على الصدق مع زوجها، وتصارحه بالحقيقة في أمورها كلها، وأن تعلمه بالأحداث التي تتم في غيبته، ولا تتستر على أخطاء أولادها الجسيمة، والتي يجب معرفة الأب بها. رابعًا: أن لا تأذن ولا تعطي ولدها عند غياب أبيه ما منعه منه. خامسًا: أن لا تبدي الزوجة أمام أبنائها أي إشارة رفض أو ضجر من بعض عادات الأب أو تصرفاته، وأن تحذر أن تُخَطِّئ أقواله وأفعاله، أو أن تنتقص منه، أو أن تتظلم لأولادها منه قبالتهم.

стр. 811

[فصل] من آداب المرأة المسلمة أن تحسن القيام على أولاد زوجها من امرأة أخرى، كأنهم أولادها، فإن الزوجة الصالحة عون لزوجها على مصاعب الحياة، وأعباء المعيشة، وتأمل ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: (تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ ، فلقيت النبي ﷺ ، فقال: " يا جابر، تزوجت؟ " قلت: " نعم"، قال: " بكرًا، أم ثيبا؟ " قلت: " ثيبا"، قال: " فهلا بكرًا تلاعبها؟ " قال: قلت: " يا رسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تُدْخِلَ بيني وبينهن"، فقال: " ذاك إذا، إن المرأة تنكَح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين ترِبَتْ يداك " (١٢٥٠)) . وفي رواية للبخاري: (" فهلا جارية تلاعبك؟ قلت: يا رسول الله، إن أبي قُتِل يوم أحد، وترك تسع بنات، كُنَّ لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع إليهن جاريةً خرقاءَ مثلهن، ولكن امرأة تمشطُهن، وتقوم عليهن "، قال: " أصبت " (١٢٥١) . وفي رواية الترمذي: (فقلت: " يا رسول الله، إن عبد الله مات، وترك سبع بنات أو تسعًا، فجئت بمن تقوم عليهن، فدعا لي " (١٢٥٢) .

стр. 812

فتأمل كيف أقر رسول الله ﷺ جابرا ﵁ على نظرته التربوية في اختياره زوجة تنجز بعض المهام التربوية لأخواته الصغار، أليس بالأحرى أن تعين زوجها على بر والديه، والإحسان إلى أبنائه من غيرها؟ قال ابن بطال: (وعون المرأة زوجها في ولده ليس بواجب عليها، وإنما هو من جميل العشرة، ومن شيمة صالحات النساء) (١٢٥٣) اهـ. ١٥- ومن حقه عليها: أن تتجنب الغيرة المذمومة: توجد الغيرة في غالب النساء، غير أن منها ما هو مذموم، ومنها ما هو محمود: [فالمذموم منها تلك التي تتأجَّجُ في صدر صاحبتها نارا تُشعِلُ جيوش الظنون والشكوك كلُّ آن، فتحيلَ حياة الأسرة جحيمَا لا يطاق: - عن أنس بن مالك ﵁ قالوا: (يا رسول الله، الا تتزوج من نساء الأنصار؟ " قال: " إن فيهن لغيرةً شديدة " (١٢٥٤) . - ولذلك لم يتزوج رسول الله ﷺ أم سَلَمة ﵂، إلا بعد أن دعا أن يذهِبَ الله غيرتها، عن أمَ سلمة قالت: لمّا توفيَ أبو سلمة، استرجعتُ، وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيرا منه، ثم رجعت إلى نفسي، قلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عِدتي استأذن علي رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغُ إهابَا لي، فغلست يدي من القَرَظِ (ما يُدبَغ به) وأذِنتُ له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فِي، ولكني امرأة في غَيْرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يُعذِّبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السنُّ، وأنا

стр. 813

ذات عيال، فقال: " أما ما ذكرتِ من غَيرتك فسوف يُذهبها الله عنك (وفي رواية النسائي، فأدعو الله فيُذهِبَ غيرتك) ، وأما ما ذكرتِ مِن السنّ فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرتِ من العيال فإنما عيالك عيالي ": قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ ، فتزوجها، قالت أمّ سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسولَ الله ﷺ (١٢٥٥) . - أمّا الغيرة المعتدلة التي لا تتسلط على صاحبتها، فهي مقبولة بل وقد تُستملَح أحيانًا: فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ عند بعض نسائه (وفي رواية عائشة) ، فأرسلت إليه إحدى أمهات المؤمنين (في رواية أم سلمة، وفي أخرى صفية) بصَحفة فيها طعام، فضربت التي هو في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفةُ، فانفلقتْ، فجمع رسول الله ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: " غارتْ أمُّكم، غارتْ أمكم " ثم حبس الخادم، حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفعها إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرتها) (١٢٥٦) . - أما الغيرة المحمودة، فهي التي تكون إذا ما انتهِكَت محارم الله: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غَيرة الله أن يأتي المؤمنُ ما حَرَّم الله

стр. 814

عليه " (١٢٥٧) ] (١٢٥٨) . ١٦- ومن حقه عليها: حفظه في دينه وعرضه: وذلك ببعدها عن التبرج والتعرض للأجانب في البيت وخارجه، في الشرفة أو على الباب، أو في الطريق والمحلات التجارية، وقد سبق أن ذلك من حق المرأة على زوجها أن يحفظها من ذلك، لذا فهي لا تبدي زينتها، إلا لزوجها ولذوي محارمها على التأبيد مع أمن الفتنة، ولا تخلو بأجنبي، ولو كان شقيق زوجها، ولا تأذن لمن لا يرضى الزوج دخوله عليها، وهي حافظة لزوجها في غيابه من عرض فلا تزني، ومن سر فلا تفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه. وعن أبي أذينة الصدفي ﵁ أن رسول الله ﷺ " قال: " خير نسائكم الودود الولود، المواتية المواسية، إذا اتقين الله، وشرُّ نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثلُ الغراب الأعصم " (١٢٥٩) . وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله عنها ستره " (١٢٦٠) . وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت ستر ما بينها وبين الله " (١٢٦١) .

стр. 815

وعن فضالة بن عبيد مرفوعًا: " ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجُها قد كفاها مُؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم " (١٢٦٢) " الحديث. ١٧- ومن حقه عليها: أن تحفظ حواسه وشعوره، وتتحرى ما يرضيه فتأتيه، وما يؤذيه فتجتنبه: وينبغي لأبوي المرأة خصوصًا الأم أن تعرفها حق الزوج، وتبالغ في وصيتها، رُوي أن أسماء بن خارجة الفَزَاري (١٢٦٣) قال لابنته عند التزوج: (إنك خرجت من العش الذي فيه درجت، فصرت إلى فراش لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أرضًا، يكن لك سماءً، وكوني له مهادًا، يكن لك عمادًا، وكوني له أمة، يكن لك عبدًا، لا تلحفي به فيقلاك (١٢٦٤) ، ولا تباعدي عنه فينساك، إن دنا منكِ فاقربي منه، وإن نأى عنك فابعدي عنه، واحفظي أنفه وسمعه وعينه، فلا يشمن منك إلا طيبا، ولا يسمع منكِ إلا حسنًا، ولا ينظر إلا جميلًا) (١٢٦٥) . وأوصى عبد الله بن جعفر بن أي طالب ابنته فقال: (إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء "، وقال رجل لزوجته: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سَوْرتي حين أغضبُ ولا تنقريني نقرك الدفَّ مرةً ... فإنك لا تدرين كيف المُغيبُ

стр. 816

ولاتكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباكِ قلبي والقلوبُ تقلب فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُّ يذهب (وقال بعض العرب: " لا تنكحوا من النساء ستة: لا أنانة، ولا منانة، ولا حنانة، ولا تنكحوا حداقة، ولا براقة، ولا شداقة"، أما الأنانة، فهي التي تكثر الأنين والتشكي، وتعصب رأسها كل ساعة، فنكاح الممراضة، أو نكاح المتمارضة لا خير فيه، والمنانة التي تمن على زوجها فتقول: " فعلت لأجلك كذا وكذا"، والحنانة التي تحن إلى زوج آخر، أو ولدِها من زوج آخر، وهذا أيضًا مما يجب اجتنابه، والحداقة التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه، وتكلف الزوج شراءه، والبراقة تحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه، ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني: أن تغضب على الطعام، فلا تأكل إلا وحدها، وتستقل نصيبها من كل شيء، وهذه لغة يمانية، يقولون: برقت المرأة، وبرق الصبي الطعام، إذا غضب عنده، والشداقة المتشدقة الكثيرة الكلام) (١٢٦٦) . وأوصت أمامة بنت الحارث ابنتها حين زفت إلى زوجها، فقالت: (أي بنية: إن الوصية لو كانت تترك لفضل أدب، أو لتقدم حسب، لزويت ذلك عنك، ولأبعدته منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل. أي بنية: لو أن امرأة استغنت عن زوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها، كنت أغنى الناس عن ذلك، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.

стр. 817

أي بنية: إنك قد فارقت الحمى الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك مليكًا فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكا، واحفظي له خصالا عشرا، تكن لك ذخرًا: أما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، فإن في القناعة راحة القلب، وفٍى حسن المعاشرة مرضاة للرب. وأما الثالثة والرابعة: فالمعاهدة لموضع عينيه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشم منكِ إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتعاهد لوقت طعامه، والتفقد لحين منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة" وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفشين له سرًّا، ولا تعصين له أمرا، فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، واتقي مع ذلك كله الفرح إذا كان ترحا، والاكتئاب إذا كان فرحًا، فإن الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وأشد ما تكونين له إعظاما أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة أطول ما يكون لك مرافقة، واعلمي يا بنية أنك لا تقدرين على ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاك، وتقدمي هواه على هواك فيما أحببت أو كرهت، والله يضع لك الخير، وأستودعك الله) (١٢٦٧) اهـ. إن الزوجة التي يندب إليها هي الهينة، اللينة، العفيفة، التي " تعين

стр. 818

أهلها على العيش، ولا تعين العيش عليهم، لا تؤهل دارا (١٢٦٨) ، ولا تؤنس جارًا (١٢٦٩) ، ولا تنفث (١٢٧٠) نارًا " (١٢٧١) . وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: (وينبغي للمرأة أن تعرف أنها كالمملوك للزوج، فلا تتصرف في نفسها ولا في ماله إلا بإذنه، وتقدم حقه على حق نفسها وحقوق أقاربها، وتكون مستعدة لتمتعه بها بجميع أسباب النظافة، ولا تفتخر عليه بجمالها، ولا تعيبه بقبيح إن كان فيه ... ) (١٢٧٢) . (وينبغي للمرأة العاقلة إذا وجدت زوجًا صالحًا يلائمها أن تجتهد في مرضاته، وتجتنب كل ما يؤذيه، فإنها متى آذته أو تعرضت لما يكرهه أوجب ذلك ملالته وبقى ذلك في نفسه، فربما وجد فرصته فتركها أو آثر غيرها، فإنه قد يجد وقد لا تجد هي، ومعلوم أن الملل للمستحسَن قد يقع، فكيف للمكروه؟) (١٣٧٣) اهـ. [والقول الجامع في آداب المرأة: أن تكون قاعدة في قعر بيتها، لازمة لمنزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول، تحفظ بعلها في غيبته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، ولا تخونه في نفسها وماله، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن

стр. 819

خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها، أو يعرفها بشخصها، لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو: تعرفه، همها صلاح شأنها، وتدبير بيتها، مقبلة على صلاتها وصيامها، وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب وليس البعل حاضرا لم تستفهم، ولم تعاوده في الكلام، غيرة على نفسها وبعلها، وتكون قانعة من زوجها بما رزق الله، وتقدم حقه على حق نفسها، وحق سائر أقاربها، متنظفة في نفسها، مستعدة في الأحوال كلها للتمتع بها إن شاء، مشفقة على أولادها، حافظة للستر عليهم، قصيرة اللسان عن سب الأولاد ومراجعة الزوج..] (١٢٧٤) اهـ.

стр. 820

[فصل] وفاؤها لزوجها إن الثبات على صدق الوفاء من أفضل ما تتحلى به النساء، ولهذا (درجت المرأة المسلمة على مواتاة زوجها ومصافاته، واستخلاص نفسها له، واحتمال نبوة الطبع منه، وأكثر ما كان صفاء نفسها، وسماح خلقها وعذوبة طبعها، إذا استحال الدهر بالرجل فرزأهُ في ماله، أو نَكَبَهُ في قُوَّته، أو بدَّله بكرم المنصب، وروعة السلطان، أعرافًا من السجن، وأصفادًا من الحديد. بل لقد كان وفاؤها له بعد عفاء أثره، وامِّحاء خبره، عديل وفائها له وهي بين أفياء نعمته، وأكناف داره، وكان إيثار الإسلام له بمَدِّ حدادها عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تتجمل في أثنائها، ولا تزدان، ولا تفارق داره إلى دار أبيها - سُنَّةً من سنن هذا الرفاء، وآية من آياته. لذلك كانت المرأة المسلمة ترى الوفاء لزوجها بعد الموت، آثر مما تراه لأبيها وأمها وذوي قرابتها، فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله في كل موطن ومقام، بل ربما عرض ذكره وهي بين خليفته من بعده، فلا تتحرج في ذكر فضائله وتفضيله إن كانت ترى الفضل له) (١٢٧٥) . ومن حديث ذلك أن أسماء بنت عُميس كانت لجعفر بن أبي طالب، ثم لأبي بكر من بعده، ثم خلفهما علي ﵁، فتفاخر مرة ولداها

стр. 821

محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، كل يقول: " أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك "، فقال لها علي: " اقضي بينهما يا أسماء"، قالت: " ما رأيت شاًّبا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرًا من أبي بكر "، فقال علي: "ما تركتِ لنا شيئًا، ولو قلتِ غير الذي قلت لمَقتُّكِ! " (١٢٧٦) فقالت أسماء: " إن ثلاثا أنت أقَلهم لخيار " (١٢٧٧) . وأوصى أبو بكر ﵁ أن تُغَسلَه أسماء بنت عميس ﵂، ففعلت، وكانت صائمة، فسألت من حضر من المهاجرين: وقالت: " إني صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عَلَي من غُسل؟ "، فقالوا: " لا "، وكان أبو بكر ﵁ قد عزم عليها (١٢٧٨) لما أفطرت، وقال: " هو أقوى لك"، فذكرت يمينه في آخر النهار، فدعت بماء، فشربت، وقالت: " والله لا أتْبِعُهُ اليومَ حِنْثًا " (١٢٧٩) . ومن ذلك أيضًا ما رُوِي من أن النساء قمْنَ (حين رجع رسول الله ﷺ من أحُد يسألن الناس عن أهلهن، فلم يُخْبَرن حتى أتين رسول الله ﷺ ، فلا قال واحدة إلا أخبرها، فجاءته حَمْنَة بنت جحش، فقال: " يا حَمْنَةُ، احتسبي أخاك عبد الله بن جحش، قالت: " إنا لله وإنا إليه راجعون، ﵀، وغفر له "، ثم قال: " يا حمنة، احتسبي خالك حمزة بن عبد المطلب " قالت: " إنا لله، وإنا إليه راجعون، ﵀،

стр. 822

وغفر له"، ثم قال: يا حمنة احتسبي زوجك مُصعب بن عمير "، فقالت: "يا حَرَباه، (١٢٨٠) ، قال النبي ﷺ : " إن للمرأة لشُعبة من الرجل ما هى له في شيء " (١٢٨١) ، ولعمرك إن في قول رسول الله ﷺ لبلاغا لما أوثرت المرأة به، وَأبَرَّت فيه من فرط الحنو على زوجها، وفضل الوفاء له بعد موته (١٢٨٢) . ولما تسور المجرمون الفَسَقَةُ على أمير البررة، وقتيل الفجرة، عثمان ﵁، وتبادروه بالسيوف، ألقت زوجته " نائلة بنت الفُرافِصة " بنفسها عليه حتى تكون له وِقاء من الموت، فلم يَرعَ القتلةُ الأثمةُ حرمتها، وضربوه بالسيف ضربة انتظمت أصابعها، ففصلتهن عن يدها، ونفذت إليه، فجندلته، ثم ذبحوه رضي الله تعالى عنه (١٢٨٣) ، ولما خطبها أمير المؤمنين معاوية ﵁ أبت، وقالت: " والله لا قَعَدَ أحد مني مقعدَ عثمان أبدًا " (١٢٨٤) . * * *

стр. 823

ومع أن رغبة الأيم عن الزواج، وكراهيتها له، واعتكافها دونه، لم يكن من مبادئ الإسلام في شيء، فقد قال تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) الآية، النور (٣٢) . وعن جابر عن أم مبشر الأنصارية: (أن النبي ﷺ خطب أم مبشر بنت البراء بن معرور (١٢٨٥) فقالت: " إني اشترطت لزوجي ألا أتزوج بعده "، فقال النبي ﷺ : " إن هذا لا يصلح " (١٢٨٦) . ومع الرخصة لهن في النكاح والتوسعة عليهن في أمره - فإن كثيرًا من الأيامى أنفن أن يتبدلن ببعولتهن زوجا آخر، وفاءً لهم، وبقيًا على ذكراهم، بل أملا أن تمتد الزوجية بينهم في الدار الآخرة: فقد كان مما بشر به الإسلام المرأة الصالحة، أن المؤمن إذا دخل الجنة، ألحق به أزواجه: قال تعالى: (جَنات عدن يدخلونها ومن صَلَح من ءابائهم وأزواجهم وذُرياتهم) (الرعد: ٢٣) ، فيجمعهم الله في الجنات منعمِين، يتكئون في ظلالها مسرورين فرحين: (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائِك متكون) (يس: ٥٦) ، (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحْبَرُون) (الزخرف: ٧٠) . وكان من آيات وفاء كثير من الصالحات لأزواجهن بعد موتهن إمساكُهن عن الزواج، لا لغرض إلا ليكن زوجات لهن في الجنة. فعن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁

стр. 824

أم الدرداء، فأبت أن تَزَوَّجَهُ، وقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : " المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر لآخر أزواجها " (١٢٨٧) . وعن عكرمة: (أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدًا عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: " يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تَزَوجْ بعده جُمع بينهما في الجنة) (١٢٨٨) . وكل حذيفة ﵁ أنه قال لزوجته: " إن شئتِ أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا " (١٢٨٩) . وعن جبير بن نفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: " إنك خَطَبتَنِي إلى أبَوَي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة"، قال: " فلا تنكحين بعدي"، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: " عليكِ بالصيام " (١٢٩٠) . وقال الأصمعي: (خرج سليمان بن عبد الملك ومعه سليمان بن المهلب بن أبي صفرة من دمشق متنزهين، فمرا بالجبانة، وإذا امرأة جالسة

стр. 825

على قبر تبكي، فهبت الريح، فرفعت البرقع عن وجهها، فكأنها غمامة جَلَت شمسا، فوقفنا متعجبين، ننظر إليها، فقال لها ابن المهلب: " يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ "، فنظرت إليهما، ثم نظرت إِلى القبر، وقالت: فإن تسألاني عن هواي، فإنه ... بملحود هذا القبر يا فتيانِ وإني لأستحييه والتربُ بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني فانصرفنا ونحن متعجبون) (١٢٩١) . وأخيرًا: هذا مثل للزوجة المسلمة الفاضلة ينبغي لكل مسلمة أن تجعله نصب عينيها: (إن فاطمة بنت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كان لأبيها - يوم تزوجت- السلطان الأعظم على الشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والسند وقفقاسيا والقريم وما وراء النهر إلى نجارا وجنوة شرقَا، وعلى مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وإسبانيا غربا، ولم تكن فاطمة هذه بنت الخليفة الأعظم وحسب، بل كانت كذلك أخت أربعة من فحول خلفاء الإسلام وهم: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك، ويزيد ابن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، وكانت فيما بين ذلك زوجة أعظم خليفة عرفه الإسلام بعد خلفاء الصدر الأول، وهو أمير المؤمنين " عمر ابن عبد العزيز ". بنت الخليفة، والخليفة جَدُّها ... أخت الخلائف، والخليفة زوجها " (١٢٩٢)

стр. 826

وهذه السيدة التي كانت بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهى مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والمجوهرات، ويقال إن من هذه الحلي قرطي (١٢٩٣) مارية اللذين اشتهرا في التاريخ، وتغني بهما الشعراء، وكانا وحدهما يساويان كنزا. ومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا لذلك العهد، ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ كرشها في كل يوم، وفي كل ساعة بأدسم المأكولات وأندرها وأغلاها، وتنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك،.. إِلا أن الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز اختار- في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم (١٢٩٤) ، ورضيت بذلك زوجة الخليفة التي كانت بنت خليفة وأخت أربعة من الخلفاء فكانت مغتبطة بذلك لأنها تذوقت لذة القناعة، وتمتعت بحلاوة الاعتدال، فصارت هذه اللذة وهذه الحلاوة أطيب لها وأرضى لنفسها من كل ما كانت تعرفه قبل ذلك من صنوف البذخ وألوان الترف، بل اقترح

стр. 827

عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة، فتخرج عن هذه الألاعيب والسفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها وعنقها وشعرها ومعصميها، مما لا يسمن، ولا يغني من جوع، ولو بيع لأشبع ثمنه بطون شعب برجاله ونسائه وأطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي والمجوهرات واللآلئ والدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين. وتوفي عقب ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولم يخلف لزوجته وأولاده شيئًا، فجاءها أمين بيت المال، وقال لها: " إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي، وإني اعتبرتها أمانة لك، وحفظتها لذلك اليوم، وقد جئت أستأذنك في إحضارها ". فأجابته بأنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: " وما كنت لأطيعه حيُّا، وأعصيه ميتًا ". وأبت أن تسترد من مالها الحلال الموروث ما يساوى الملايين الكثيرة، في الوقت الذي كانت محتاجة فيه إلى دريهمات، وبذلك كتب الله لها الخلود، وها نحن نتحدث عن شرف معدنها ورفيع منزلتها بعد عصور وعصور، رحمها الله، وأعلى مقامها في جنات النعيم) (١٢٩٥) .

стр. 828

[الفصل الخامس] المرأة مؤمنةً مجاهدةً صابرةً لقد رفع الإسلام المرأة إلى أبعد مما يطمح خيالها، ويصبو أملها،: ساق لها من آي الذكر الحكيم، ما بهر سناه بصرها، وملكت محجته نفسها، واستقادت بلاغته وحسن مساقه قلبها، وأنصتت لما وصف به الله رحمته وعزته، وناره وجنته، وما أعد للصابرات والمحسنات من جزيل الأجر، وسَنِي المنزلة، فأثار ذلك عاطفتها، وأفاض وجدانها، وأنار بصيرتها، فكان حقا لذلك أن يصيب حبة قلبها، ويجُول في مجال دمها، ويتأشب بين أحناء ضلوعها. كذلك كان أمر نساء العرب، فإن أول قلب خفق بالإسلام، وتألق بنوره قلب امرأة منهن، هي سيدة نساء العالمين في زمانها: أم القاسم خديجة بنت خويلد ﵂، قال الإمام عز الدين بن الأثير رحمه الله تعالى: " خديجة أولُ خَلقِ الله أسلَمَ، بإجماع المسلمين " (١٢٩٦) . وما كانت تلك المرأة في سواء النساء، بل لقد هيئ لها من جلال الحكمة، وبعد الرأي، إلى زكاء الحسب، وذكاء القلب، ما عَزَّ على الأكثرين من الرجال، فلم تأخذ الدين مشايعة، ولم تتلقه مجاملة، بل أخذته عن تأثر به، وظمأ إليه. ومناقبها جَمة، وهى مِمَّن كمُلَ من النساء، كانت عاقلة دَيِّنة

стр. 829

مَصُونةً كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي ﷺ يُثني عليها، ويُفَضلُها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة ﵂ كانت تقول: " ما غِرْتُ من امرأة ما غِرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي ﷺ لها " (١٣٩٧) . ومن كرامتها عليه ﷺ أنها لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدةُ أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تَسرَّي إلى أن قضت نَحْبَها، فَوَجَدَ لفقدها، فإنها كانت نِعم القرين، وكانت تنفق عليه من مالها، ويَتَّجِرُ هو ﷺ لها. " وقد أمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قَصَب، لا صخَبَ فيه ولا نَصَب " (١٢٩٨)) (١٢٩٩) اهـ. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها، فذكرها يومًا، فحملتني الغيرة، فقلت: " لقد عَوَّضك الله من كبيرة السن! "، قالت: فرأيتُه غضب غضبًا أسْقِطْتُ في خَلَدي (١٣٠٠) ، وقلت في نفسي: " اللهم إن أذهبتَ غضبَ رسولك عني لم أعُدْ أذكرها بسوء "، فلما رأى النبي ﷺ ما لقيتُ، قال: " كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كَذَّبني الناسُ، وآوتني إذ رفضني الناس، وَرُزِقْتُ منها الولد وحرمتموه مني "، قالت:

стр. 830

" فغدا وراح عَلَىّ بها شهرًا " (١٣٠١) . أجل، لقد تأثرت خديجة بنت خويلد زوج النبي ﷺ وأم المؤمنين ﵂ بهذا الدين تأثرا نفذ إلى قلبه ﷺ ، فكان مبعث الغبطة والسكينة عند تدافع النوب، واشتداد الخطوب، ثم أعقبها جمهور النساء فتأثرن بهذا الدين تأثرًا هان وراءه كل شيء. وأول من سبق إليه فريق الضعاف اللواتي فقدن النصَفَة، وَاسْتَهَنَّ بما أصابهن في سبيل الله، من ظلم وذل وآلام. وكانت لقريش صولة وانبساط بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف حتى لقد تجاوزوا به حد التعذيب والإيلام، إلى الافتنان في التمثيل، والتأنق في التنكيل، ومن أولئك اللواتي استعذبن العذاب: سمية بنت خُبَّاط أم عمار بن ياسر كانت سابعة سبعة في الإسلام، وكان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها وزوجها إلى الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، (وكان رسول الله ﷺ يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رَمْضاء مكة فيقول: " صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة " (١٣٠٢) حتى تفادى الرجلان ذلك العذاب المر بظاهرة من الكفر أجرياها على لسانهما، وقلباهما مطمئنان بالإيمان، وقد عذر الله أمثالهما بقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فأما المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، فذهبوا بروحها، وأفظعوا قِتلتها، فقد أنفذ الشريف النذل أبو جهل بن هشام حربته فيها، فماتت ﵂، وكانت أول شهيدة في الإسلام.

стр. 831

قال ابن حجر: (وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد قال: أول شهيد في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر، وكانت عجوزًا كبيرة، ضعيفة،. ولما قُتل أبو جهل يوم بدر قال النبي ﷺ لعمار: " قَتَل الله قاتِلَ أمك " (١٣٠٣) اهـ. وغير سمية كثيرات احتملن فوق ما احتملت: فمنهن من كانوا يلقونها، ويحملون لها مكاوي الحديد، ثم يضعونها بين أعطاف جلدها، ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها، وممن عُذب بهذا العذاب زنيرة جارية عمر بن الخطاب ﵁، وكان هو وجماعة من قريش يتولون تعذيبها، ولما ذهب بصرها قال المشركون: " ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى "، فقالت لهم: " والله ما هو كذلك، وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء والله قادر على أن يرد عليَّ بصري "، قيل: " فرد عليها بصرها"، فقالت قريش: " هذا من سحر محمد ﷺ "، وقد اشتراها أبو بكر وأعتقها ﵁ " (١٣٠٤) . ومنهن من كانوا يسقونها العسل، ويوثقونها بالأغلال، ثم يلقونها بين الرمال، ولها حرٌّ يذيب اللحم، ويصهر العظم، حتى يقتلها الظمأ " (١٣٠٥) ، وممن فعلوا بهن ذلك أم شريك غزيَّة بنت جابر بن حكيم- قال ابن عباس ﵄: (وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة، فأسلمت،

стр. 832

ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرًّا، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا لها: " لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم "، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني، ولا يسقوني، فنزلوا منزلا، وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا بأثر شيء بارد وقع علي منه ثم عاد، فتناولته، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلا ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته، فشربت منه قليلا، ثم رفع، ثم عاد أيضا، فصنع ذلك مرارا حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظو " إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: " انحللت فأخذتِ سقاءنا فشربت منه؟ " فقلت: " لا والله ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا"، فقالوا: " لئن كنت صادقة، فدينك خير من ديننا "، فنظروا إِلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا لساعتهم) (١٣٠٦) . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يسلم- يتولى تعذيب جارية مسلمة لبني المؤمل، فلا يزال يضربها بالسياط، حتى إذا مَل قال لها: " إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة "، فتقول له: " كذلك فعل الله بك " (١٣٠٧) . وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: (لما توجه النبي ﷺ من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله- خمسة آلاف، أو ستة آلاف- فأتاني جدي أبو قحافة وقد عمي، فقال: " إن هذا قد فجعكم بماله

стр. 833

ونفسه "، فقلت: " كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا "، فعمدتُ إلى أحجار، فجعلتهن في كوة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذتُ بيده، ووضعتُها على الثوب، فقلت: هذا تركه لنا "، فقال: " أما إذ ترك لكم هذا، فنعم ". وعن ابن إسحق قال: حُدِّثْتُ عن أسماء، قالت: أتى أبو جهل في نفر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: لا أدري- والله أين هو؟، فرفع أبو جهل يَدَه، ولطم خدي لطمة خرَّ منها قُرطي، ثم انصرفوا) (١٣٠٨) اهـ. وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة سمعت حسًّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها " (١٣٠٩) . آمنت أم كلثوم بنت عقبة- وهو سيد من سادات قريش- دون رجال بيتها، وفارقت خدرها، ومستقر أمنها ودعتها، تحت جنح الليل، فريدة شريدة، تطوي بها قدماها ثنايا الجبال، وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها، ودار هجرتها، إلى رسول الله ﷺ ، ثم أعقبتها بعد ذلك أمها، فاتخذت سنتها، وهاجرت هجرتها، وتركت شباب أهل بيتها وكهولهم، وهم في ضلال يعمهون (١٣١٠) . ذلك قليل من كثير مما يشهد للمرأة المسلمة باحتكام الدين في ذات نفسها، واستهانتها بالدم والروح في سبيله.

стр. 834

ومن هذا القبيل مواقف تكشف وضوح قضية " الولاء والبراء " في حس المرأة المسلمة وضوحًا لا يخالطه شائبة ضعف، أو انهزام، أو هوادة مع مَنْ حادَّ الله ورسولَه ﷺ . فهذه أسماء بنت أبي بكر ﵄، وقد جاءتها أمها " قُتَيْلَة " راغبة في صلتها، فتوقفت حتى سألت رسول الله ﷺ فقالت: " يا رسول الله، إن أمي قدمت، وهى راغبة، أفأصلها "، قال: " نعم، صِلِي أمك " (١٣١١) ، وفيها نزل قوله ﵎: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة: ٨) . وعن يزيد بن الأصم قال: تلقيتُ عائشة، وهي مقبلة من مكة، أنا وابنُ أختها ولدٌ لطلحة، وقد كنا وقعنا في حائط بالمدينة، فأصبنا منه، فَبَلَغَها ذلك؛ فأقبلت على ابن أختها تلومه؛ ثم وَعَظَتنِي موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما عَلِمتَ أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبتْ والله ميمونة، ورُمِي بحبلك على غاربك! أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلِنا للرحم (١٣١٢) وعن يزيد: أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدتْ منه ريح شراب، فقالت: " لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدوك، لا تدخلْ عليَّ أبدا " (١٣١٣) . كذلك تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت به عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم.

стр. 835

وكان مِن أول ما لقنت المرأة من أدب الله تعالى ورسوله ﷺ ، الاعتصامُ بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب. وقد تقدم ذكر خبر الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبرٍ أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا. أولئك أبناؤها، وهم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: " يا بَني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنْت حَسبَكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية. اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على أرواقها، فيمموا وطيسها (١٣١٤) ، وجالدوا رسيسها (١٣١٥) ، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة ". فلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحدا في أثر واحد. ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: " الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة " (١٣١٦) .

стр. 836

ذلك أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر وقوة الإيمان، ولعل أبعد منه: ما حدَّث أنس بن مالك عن أمه أم سُليم بنت مَلْحان الأنصارية زوج أبي طلحة زيد بن سهل قال: (مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينما أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره، وقالت: " لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه "، فرجع من المسجد، وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: " ما فعل ابني "؟ قالت: " هو أسكن مما كان "، وقدمت له عشاءه، فتعشى هو وأصحابه الذين قدموا معه، ثم قامت إلى ما تقوم له المرأة، فأصاب من أهله، فلما كان آخر الليل قالت: " يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان، استعاروا عارية (١٣١٧) ، فتمتعوا بها، فلما طُلِبَتْ إليهم شق عليهم؟ " قال: " ما أنصفوا"، قالت: " فإن ابنك فلانا كان عارية من الله فقبضه إليه ".. فاسترجع، وحمد الله، وقال: " والله لا أدعك تغلبينني على الصبر "، حتى إذا أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، فلما رآه قال: " بارك الله لكما في ليلتكما"، فاشتملت منذ تلك الليلة على عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في الأنصار شاب أفضل منه، وخرج منه رجل كثير، ولم يمت عبد الله حتى رزق عشر بنين كلهم حفظ القرآن، وأبلى في سبيل الله) (١٣١٨) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدت أم سُلَيم " حنينًا " مع رسول الله ﷺ ومعها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، فقال أبو طلحة: " يا رسول الله إن أم سليم معها

стр. 837

خنجر " فقالت: " يا رسول الله أتخذه إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، أقتل به الطلقاء، وأضرب أعناقهم إن انهزموا بك "، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " يا أم سليمِ، إن الله قد كفى وأحسن " (١٣١٩) . وعن عبد المؤمن بن عبد الله القيسي قال: ضَرَبَتْ أم إبراهيم العابدة دابة فكسرت رجلها، فأتاها قوم يُعَزُّونها، فقالت: " لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس " (١٣٢٠) . [وقال أبو الفرج بن الجوزي في " عيون الحكايات ": (قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها، فسلمنا فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: " ما أنتم؟ " قلنا: " قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم "، فقالت: " يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل "، ففعلنا فألقت لنا مِسْحا (١٣٢١) فقالت: " اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني "، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وترده " (١٣٢٢) إلى أن رفعتها، فقالت: " أسأل الله بركة المقبل أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس بابني " (١٣٢٣) ، فوقف الراكب عليها، فقال: " يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل "، قالت: " ويحك مات ابني؟ " قال: " نعم "، قالت: " وما سبب موته؟ " قال: " ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر "، فقالت: " انزل فاقض ذمام (١٣٢٤) القوم، ودفعت إليه كبشا، فذبحه

стр. 838

وأصلحه، وقرب إلينا الطعام فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: " يا هؤلاء هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئًا؟ " قلت: " نعم "، قالت: " اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها "، قلت: " يقول الله في كتابه: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) قالت: " آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ " قلت: " آلله إنها لفي كتاب الله هكذا "، قالت: " السلام عليكم "، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: " إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلًا "، تقول ذلك ثلاثا، " اللهم إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني "] (١٣٢٥) . ولما مات عبد الله بن الفرج لم تُعْلِم زوجته لإخوانه بموته، وهم جلوس بالباب ينتظرون الدخول عليه في علته، فغسلته، وكفنته في كساء كان له، فأخذت فرد باب من أبواب بيته، وجعلته فوقه، وشدته بشريط، ثم قالت لإخوانه: " قد مات، وقد فرغت من جهازه "، فدخلوا، فاحتملوه إلى قبره، وأغلقت الباب خلفهم (١٣٢٦) . وقد مر بك نبأ صفية بنت عبد المطلب الهاشمية ﵂، وهي عمة النبي ﷺ ، وشقيقة أسد الله حمزة، وأم حواري رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، والعوام زوجها هو أخو سيدة النساء خديجة بنت خويلد ﵂، وأمها من بني زُهرة وهي هالة بنت وهب خالةُ رسول الله

стр. 839

صلى الله عليه وسلم، وهي من المهاجرات الأوَل، وكانت قد خرجت يوم أحد في طليعة النسوة اللواتي خرجن لخدمة المجاهدين، ومداواة الجرحى. ﷺ ولما انهزم المسلمون بعد أن خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ بالثبات سواء كان النصرُ أم كانت الأخرى، وانفض أكثر الناس عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق حوله سوى القلائل من أصحابه، قامت " صفية " ﵂ وبيدها رمح تضرب به في وجوه الناس الفارين المنهزمين، والأعداء المشركين، وتقول لهم: " انهزمتم عن رسول الله!! "، فلما رآها رسول الله ﷺ أشفق عليها فقال لابنها " الزبير بن العوام ": " القَها فَأرجِعْها، لا ترى ما بشقيقها " أي حمزة بن عبد المطلب ﵁ فلقيها " الزبير " فقال: - " يا أمَّه، إن رسول الله ﷺ لا يأمرك أن ترجعي ... ". فقالت صفية: " ولم؟ فقد بلغني أنه مُثِّل بأخي، وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى ". وعاد الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ : " خل سبيلها "، فأتت " صفية " " الحمزة " فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت، ثم أمر رسول الله ﷺ فدُفِن (١٣٢٧) . ولما خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق جعل نساءه في أطُم (١٣٢٨) يقال له فارع، ويُروى عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: " كان النبي ﷺ إذا خرج لقتال عَدُوه رفع نساءه في أطم حَسان ﵁ لأنه كان من أحصن الآطام) إلى أن قال: (فجاء يهودي فلصق

стр. 840

بالأطم ليسمع، قالت صفية: " فأخذت عمودًا فنزلت إليه حتى فتحت الباب قليلًا قليلًا، فحملت عليه فضربته بالعمود فقتلته " (١٣٢٩) . وفي رواية ابن إسحاق زيادة: (وهي أول امرأة قتلت رجلًا من المشركين) . وفي رواية: ( ... فجاء إنسان من اليهود فرقي في الحصن، حتى أطل عليهن، قالت صفية بنت عبد المطلب: " فقمت إليه، فضربتُه حتى قطعتُ رأسه، فأخذتُ رأسه فرميتُ به عليهم " (١٣٣٠)) . في طريق عودة النبي ﷺ من غزوة أحد إلى المدينة خرج الناس من المدينة للاستفسار عن نبيهم ﷺ وذويهم المشتركين في المعركة، ويُروى أنه كانت من بينهم امرأة من بني دينار قتل يوم أحُد أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نُعوا لها لم تكترث كثيرا، فقد أنساها قلقها على حياة رسول الله ﷺ كل أحد، ولهذا فإنها قالت بعد أن نُعِي لها أبوها وابنها وأخوها وزوجها: " ما فعل رسول الله ﷺ ؟ " قالوا: " خيرًا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين "، قالت: " أرونيه حتى أنظر إليه "، فلما رأته سالمًا قالت- مشيرة إلى مصيبتها بفقد أبيها وزوجها وابنها وأخيها-: " كل مصيبة بعدك جلل " (١٣٣١) . وفي رواية أن الدينارية هذه جاءت إلى مصارع القوم في المعركة فمرت

стр. 841

بأبيها وابنها وأخيها وزوجها صرعى، وكلما سألت عن واحد وقالت: " من هذا؟ "، قيل لها: " هذا أبوك، وابنك، وزوجك، وأخوك "، فلم تكترث، بل صارت تقول: " ما فعل رسول الله؟ "، فيقولون: " أمامك "، حتى جاءته وأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب " (١٣٣٢) . وقبل أن يدخل الرسول ﷺ المدينة جاءت أم سعد بن معاذ سيد الأنصار ﵁ تعدو نحو رسول الله ﷺ وهو على فرسه وسعد آخذ بلجامها، فقال سعد: " يا رسول الله.. أمي "، فقال: " مرحبًا بها "، فوقف لها، فلما دنت من رسول الله ﷺ عزَّاها بابنها عمرو بن معاذ - وقد اسشهد في غزوة أحد وله اثنتان وثلاثون سنة- فقالت: " أما إذا رأيتك سالمًا، فقد اشتويْت المصيبة " - أي استقللتها -، ثم دعا رسول الله ﷺ لأهل من قتل بأحد، وقال لأم سعد: " يا أم سعد أبشري، وبشري أهلهم أن قتلاهها ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفعوا في أهلهم جميعًا "، قالت: " رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلفوا منهم "، فقال ﷺ : " اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا " (١٣٣٣) . وهذه أم عُمَارة نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الصحابية (الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَائين. شهدت أم عُمارة ليلة العقبة، وشهدت احُدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، وقُطِعت يدُها في الجهاد.

стр. 842

قال الواقدي: شهدت أحدا، مع زوجها غَزِيَّة بن عَمرو، ومع وَلَدَيها. وكانت قد خرجت في جيش المسلمين تسقي الظماء، وتأسو الجرحى، وقاتلت، وأبلت بلاءً حسنًا. وكان ضَمْرَةُ بن سعيد المازني يحدث عن جَدته، وكانت قد شهدت أحُدًا، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَمُقَامُ نسيبة بنت كعب اليوم خير من مُقام فلان وفلان " (١٣٣٤) . وكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين، ثم أشاحت بوجهها عنهم، فتناولتهم سيوف المشركين، تنهل من نحورهم، وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين، إلا عشرة أو نحوهم، وقفوا يدرأون عن رسول الله ﷺ ، ويحولون دون الوصول إليه. هنالك جاء دور نسيبة، فانتضت سيفها، واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله ﷺ : تنزع عن القوس، وتضرب بالسيف، وحولها من الغر المذاويد علي وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير والعباس، وولداها وزوجها، فكانت من أظهر القوم أثرا وأعظمهم موقفا. وكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله ﷺ حتى تكون سداده وملء لهوته حتى قال ﷺ : " ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني " (١٣٣٥) . وعن عمارة بن غزية قال: قالت أم عُمارة: (رأيتُني، وانكشف

стр. 843

الناس عن رسول الله ﷺ ، فما بقى إلا في نُفَيْر ما يُتِمُّون عشرة؛ وأنا وابناي وزوجي بين يديه نَدب عنه، والناس يمرون به منهزمين، ورآني ولا ترسَ معي، فرأى رجلًا موليًا ومعه ترس، فقال: ألقِ ترسك إلى من يقاتل، فألقاه، فأخذته، فجعلت أترس به عن رسول الله ﷺ ، وإنما فعل بنا الأفاعيلَ أصحاب الخيل؛ لو كانوا رَجالةً مثلَنا أصبناهم، إن شاء الله. فيُقبل رجل على فرس، فيضربني، وترستُ له، فلم يصنع شيئًا، وولَّى؛ فأضرب عُرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي ﷺ يصيح: " يا ابن أم عمارة، أمَكَ! أمك! قالت: فعاونني عليه، حتى أوردتُه شَعوب) (١٣٣٦) . ومما حدث ابنها عمارة قال: (جُرحْتُ يومئذ جرحًا في عضدي اليسرى، ضربني رجل كأنه الرَّقل (١٣٣٧) ، ومضى عني، ولم يُعَرّج علىَّ، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله ﷺ : " اعصب جرحك "، فأقبلت أمي إلي، ومعها عصائب في حَقْوَيْها، قد أعدَّتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إليَّ، قالت: " انهض بُنَيَّ فضارِب القوم "، فجعل النبي ﷺ يقول: " ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ " قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله ﷺ : "ضارب ابنك "، قالت: " فاعترضتُ له فضربتُ ساقه، فبرك"، قالت: " فرأيت رسول الله ﷺ يتبسمُ حتى رأيت نواجذه "، وقال: " استقدتِ يا أم عمارة "، ثم أقبلنا نَعُلَّه (١٣٣٨) بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي ﷺ : " الحمد لله الذي ظفَّرك،

стр. 844

وأقرَّ عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك ". وأصيبت نسيبة في هذا اليوم بثلانة عشر جرحًا، واحد منها غار في عاتقها فنزف الدم منه (١٣٣٩) ، وهي رغم ذلك كالصاعقة الساحقة، تضرب في نحور العدو، وترتمي بين صفوفهم، غير آبهة ولا دارية بالدم الناعر من جسمها، فقال رسول الله ﷺ : " أمّك أمك، اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان "، فلما سَمِعَتْ أمُه قالت: " ادع الله أن نرافقك في الجنة"، فقال: " اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة "، فقالت: " ما أبالي ما أصابني في الدنيا " (١٣٤٠)) . وولدها حبيب بن زيد بن عاصم هو الذي أخذه مسيلمة الكذاب، فقطًّع أعضاءه عضوًا عضوًا ليرتد عن دينه، حتى مات تحت العذاب، وهو ثابت على دينه (١٣٤١) .. وبلغها مقتله، فاحتسبته عند الله، وأقسمت أن تقاتل مسيلمة حتى يقتل أو تقتل، فذهبت إلى اليمامة، واشتركت في الموقعة

стр. 845

التي قتل فيها مسيلمة، وأبلت بلاء حسنًا -وكانت قد أصبحت مسنة- حتى قطعت يدها وهي تحاول قتل مسيلمة، وجُرِحت سوى يدها أحدَ عَشر جرحًا، ثم عادت من المعركة بيد واحدة، والدم ينزف، وكان أبو بكر ﵁ وهو خليفة يأتيها يسأل عنها، واستمر جرحها ينزف دمًا حتى فارقت الحياة، وأدركتها الوفاة ﵂ (١٣٤٢) . [بعد الانسحاب الرائع لخالد بن الوليد من سرية مؤتة والذي أنقذ به جيشه من فناء محقق، لم يكد خالد بن الوليد ﵁ يعود بجيشه، إلى ضواحي المدينة بـ (الجرف) حتى اصطدم بأهل المدينة يصيحون بالجيش: " يا فرار يا فرار، فررتم في سبيل الله "، ويحثون في وجوههم التراب، والرسول ﷺ يقول: " ليسوا بفرَّار، ولكنهم كُرَّار إن شاء الله". ورغم ذلك ظل أهل المدينة حانقين على الجيش يؤنبون كل من لاقوه من أفراده حتى المرأة كانت لا تفتح الباب لزوجها منهم، وتذكره بأنه من الذين فروا؛ وفضلوا الحياة على الاستشهاد في سبيل الله: فقد روي عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة أنه كان يقول: (ما لقي جيش بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم أهل المدينة بالشر، حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله، فيدق عليهم الباب، فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: " ألا تقدمت مع أصحابك؟ ") يعنى الذين استشهدوا] (١٣٤٣) . وفي وقعة اليرموك حرض أبو سفيان ﵁ النساء، فقال: " من رأيتنه فارًّا فاضرِبْنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع " (١٣٤٤) ،
следующие страницы →