← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بأبيها وابنها وأخيها وزوجها صرعى، وكلما سألت عن واحد وقالت: " من هذا؟ "، قيل لها: " هذا أبوك، وابنك، وزوجك، وأخوك "، فلم تكترث، بل صارت تقول: " ما فعل رسول الله؟ "، فيقولون: " أمامك "، حتى جاءته وأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: " بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب " (١٣٣٢) . وقبل أن يدخل الرسول ﷺ المدينة جاءت أم سعد بن معاذ سيد الأنصار ﵁ تعدو نحو رسول الله ﷺ وهو على فرسه وسعد آخذ بلجامها، فقال سعد: " يا رسول الله.. أمي "، فقال: " مرحبًا بها "، فوقف لها، فلما دنت من رسول الله ﷺ عزَّاها بابنها عمرو بن معاذ - وقد اسشهد في غزوة أحد وله اثنتان وثلاثون سنة- فقالت: " أما إذا رأيتك سالمًا، فقد اشتويْت المصيبة " - أي استقللتها -، ثم دعا رسول الله ﷺ لأهل من قتل بأحد، وقال لأم سعد: " يا أم سعد أبشري، وبشري أهلهم أن قتلاهها ترافقوا في الجنة جميعا، وقد شفعوا في أهلهم جميعًا "، قالت: " رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خلفوا منهم "، فقال ﷺ : " اللهم أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا " (١٣٣٣) . وهذه أم عُمَارة نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الصحابية (الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكَائين. شهدت أم عُمارة ليلة العقبة، وشهدت احُدًا، والحديبية، ويوم حُنين، ويوم اليمامة، وجاهدت، وفعلت الأفاعيل، وقُطِعت يدُها في الجهاد.

стр. 842

قال الواقدي: شهدت أحدا، مع زوجها غَزِيَّة بن عَمرو، ومع وَلَدَيها. وكانت قد خرجت في جيش المسلمين تسقي الظماء، وتأسو الجرحى، وقاتلت، وأبلت بلاءً حسنًا. وكان ضَمْرَةُ بن سعيد المازني يحدث عن جَدته، وكانت قد شهدت أحُدًا، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لَمُقَامُ نسيبة بنت كعب اليوم خير من مُقام فلان وفلان " (١٣٣٤) . وكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين، ثم أشاحت بوجهها عنهم، فتناولتهم سيوف المشركين، تنهل من نحورهم، وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين، إلا عشرة أو نحوهم، وقفوا يدرأون عن رسول الله ﷺ ، ويحولون دون الوصول إليه. هنالك جاء دور نسيبة، فانتضت سيفها، واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله ﷺ : تنزع عن القوس، وتضرب بالسيف، وحولها من الغر المذاويد علي وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير والعباس، وولداها وزوجها، فكانت من أظهر القوم أثرا وأعظمهم موقفا. وكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله ﷺ حتى تكون سداده وملء لهوته حتى قال ﷺ : " ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا وأنا أراها تقاتل دوني " (١٣٣٥) . وعن عمارة بن غزية قال: قالت أم عُمارة: (رأيتُني، وانكشف

стр. 843

الناس عن رسول الله ﷺ ، فما بقى إلا في نُفَيْر ما يُتِمُّون عشرة؛ وأنا وابناي وزوجي بين يديه نَدب عنه، والناس يمرون به منهزمين، ورآني ولا ترسَ معي، فرأى رجلًا موليًا ومعه ترس، فقال: ألقِ ترسك إلى من يقاتل، فألقاه، فأخذته، فجعلت أترس به عن رسول الله ﷺ ، وإنما فعل بنا الأفاعيلَ أصحاب الخيل؛ لو كانوا رَجالةً مثلَنا أصبناهم، إن شاء الله. فيُقبل رجل على فرس، فيضربني، وترستُ له، فلم يصنع شيئًا، وولَّى؛ فأضرب عُرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي ﷺ يصيح: " يا ابن أم عمارة، أمَكَ! أمك! قالت: فعاونني عليه، حتى أوردتُه شَعوب) (١٣٣٦) . ومما حدث ابنها عمارة قال: (جُرحْتُ يومئذ جرحًا في عضدي اليسرى، ضربني رجل كأنه الرَّقل (١٣٣٧) ، ومضى عني، ولم يُعَرّج علىَّ، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله ﷺ : " اعصب جرحك "، فأقبلت أمي إلي، ومعها عصائب في حَقْوَيْها، قد أعدَّتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إليَّ، قالت: " انهض بُنَيَّ فضارِب القوم "، فجعل النبي ﷺ يقول: " ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ " قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله ﷺ : "ضارب ابنك "، قالت: " فاعترضتُ له فضربتُ ساقه، فبرك"، قالت: " فرأيت رسول الله ﷺ يتبسمُ حتى رأيت نواجذه "، وقال: " استقدتِ يا أم عمارة "، ثم أقبلنا نَعُلَّه (١٣٣٨) بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي ﷺ : " الحمد لله الذي ظفَّرك،

стр. 844

وأقرَّ عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك ". وأصيبت نسيبة في هذا اليوم بثلانة عشر جرحًا، واحد منها غار في عاتقها فنزف الدم منه (١٣٣٩) ، وهي رغم ذلك كالصاعقة الساحقة، تضرب في نحور العدو، وترتمي بين صفوفهم، غير آبهة ولا دارية بالدم الناعر من جسمها، فقال رسول الله ﷺ : " أمّك أمك، اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان "، فلما سَمِعَتْ أمُه قالت: " ادع الله أن نرافقك في الجنة"، فقال: " اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة "، فقالت: " ما أبالي ما أصابني في الدنيا " (١٣٤٠)) . وولدها حبيب بن زيد بن عاصم هو الذي أخذه مسيلمة الكذاب، فقطًّع أعضاءه عضوًا عضوًا ليرتد عن دينه، حتى مات تحت العذاب، وهو ثابت على دينه (١٣٤١) .. وبلغها مقتله، فاحتسبته عند الله، وأقسمت أن تقاتل مسيلمة حتى يقتل أو تقتل، فذهبت إلى اليمامة، واشتركت في الموقعة

стр. 845

التي قتل فيها مسيلمة، وأبلت بلاء حسنًا -وكانت قد أصبحت مسنة- حتى قطعت يدها وهي تحاول قتل مسيلمة، وجُرِحت سوى يدها أحدَ عَشر جرحًا، ثم عادت من المعركة بيد واحدة، والدم ينزف، وكان أبو بكر ﵁ وهو خليفة يأتيها يسأل عنها، واستمر جرحها ينزف دمًا حتى فارقت الحياة، وأدركتها الوفاة ﵂ (١٣٤٢) . [بعد الانسحاب الرائع لخالد بن الوليد من سرية مؤتة والذي أنقذ به جيشه من فناء محقق، لم يكد خالد بن الوليد ﵁ يعود بجيشه، إلى ضواحي المدينة بـ (الجرف) حتى اصطدم بأهل المدينة يصيحون بالجيش: " يا فرار يا فرار، فررتم في سبيل الله "، ويحثون في وجوههم التراب، والرسول ﷺ يقول: " ليسوا بفرَّار، ولكنهم كُرَّار إن شاء الله". ورغم ذلك ظل أهل المدينة حانقين على الجيش يؤنبون كل من لاقوه من أفراده حتى المرأة كانت لا تفتح الباب لزوجها منهم، وتذكره بأنه من الذين فروا؛ وفضلوا الحياة على الاستشهاد في سبيل الله: فقد روي عن أبي بكر بن عبد الله بن عتبة أنه كان يقول: (ما لقي جيش بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم أهل المدينة بالشر، حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته وأهله، فيدق عليهم الباب، فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: " ألا تقدمت مع أصحابك؟ ") يعنى الذين استشهدوا] (١٣٤٣) . وفي وقعة اليرموك حرض أبو سفيان ﵁ النساء، فقال: " من رأيتنه فارًّا فاضرِبْنه بهذه الأحجار والعصي حتى يرجع " (١٣٤٤) ،

стр. 846

وحمل المسلمون على الروم حملة منكرة، ودارت بينهم الحرب كما تدور الرحى، وتكاثرت جموع الروم على ميمنة المسلمين، فعادت الخيل تنكص بأذنابها راجعة على أعقابها منكشفة كانكشاف الغنم بين يدي الأسد، ونظرت النساء خيل المسلمين راجعة على أعقابها، فنادت النساء: " يا بنات العرب! دونكن والرجال، ردوهم من الهزيمة حتى يعودوا إلى الحرب "، قالت سعيدة بنت عاصم الخولاني: (كنت في جملة النساء يومئذ على التل، فلما انكشفت ميمنة المسلمين صاحت بنا عقيرة بنت غفار، وكانت من المترجلات الباذلات، ونادت: " يا نساء العرب! دونكن والرجال، واحملن أولادكن على أيديكن، واستقبلنهن بالتحريض "، فأقبلت النسوة، واستقبلن من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة، ويرجمن وجوه الخيل بالحجارة، وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: " قَبح الله وجه رجل يفر عن حليلته "، وجعلت النساء يقلن لأزواجهن: " لستم لنا ببعولة إن لم تمنعوا عنا هؤلاء الأعلاج " (١٣٤٥) ، وكانت خولة تقول هذه الأبيات: يا هاربًا عن نسوة ثقاتْ ... لها حمال ولها ثباتْ تُسلِمُوهُن إلى الهَنات ... تَمْلِكُ نواصِينَا مع البنات أعلاج سوء فسق عتاة ... ينلن منا أعظم الشتات قال ابن جرير: (وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلوا خلقًا كثيرا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين، ويقلن: " أين تذهبون وتَدَعوننا للعلوج؟ فإذا زجرنهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى

стр. 847

القتال) (١٣٤٦) اهـ. ورجعت الفرسان تحرض الفرسان على القتال، فرجع المنهزمون رجعة عظيمة، عندما سمعوا تحريض النساء، وخرجت هند ابنة عتبة، وبيدها مزهر، ومن خلفها نساء من المهاجرين، وهي تقول الشعر الذي قالته يوم أحد: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق مشي القطا الموافق ... قيدي مع المرافق ومن أبى نفارق ... إن تغْلبُوا نعانق أو تدبروا نفارق ... فراق غير واثق هل من كريم عاشق ... يحمي عن العواتق ثم استقبلت خيل ميمنة المسلمين، فرأتهم منهزمين، فصاحت بهم: " إلى أين تهزمون؟ وإلى أين تفرون؟ من الله ومن جنته؟ هو مطلع عليكم "، ونظرت إلى زوجها أبي سفيان منهزمًا، فضربت وجه حصانه بعمودها، وقالت له: " إلى أين يا ابن صخر؟ ارجع إلى القتال، ابذل مهجتك حتى تُمَحصَ ما سلف من تحريضك على رسول الله ﷺ "، قال الزبير بن العوام: فلما سمعت كلام هند لأبي سفيان، ذكرت يوم أحد ونحن بين يدي رسول الله ﷺ ، قال: فعطف أبو سفيان عندما سمع كلام هند، وعطف المسلمون معه، ونظرت إلى النساء وقد حملن معهم، وقد رأيتهن يسابقن الرجال، وبأيديهن العمد بين أجل الخل (١٣٤٧) ، ولقد رأيت منهن امرأة وقد أقبلت على علج عظيم وهو على فرسه، فتعلقت به، وما زالت به حتى نكبته عن جواده، وقتلته، وهى تقول: " هذا بيان نصر الله للمسلمين " " وفي هذه الموقعة قتلت أسماء بنت يزيد بن السكن بعمود خبائها

стр. 848

تسعة من الروم " (١٣٤٨) ، قال الزبير بن العوام ﵁: " وحمل المسلمون حملة منكرة لا يريدون غير رضا الله ورسوله ﷺ " فانكسر الروم) (١٣٤٩) . ويُروى أنه لما أسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين سار خالد بن الوليد في طليعة من جنده لاستنقاذه، فبينا هو في الطريق، مَرَّ به فارس معتقل رمحه، لا يبين منه إلا الحَدق، وهو يقذف بنفسه، ولا يلوي على ما وراءه، فلما نظر خالد قال: " ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس "، ثم اتبعه خالد والناس من ورائه، حتى أدرك جند الروم، فحمل عليهم"، أمعن بين صفوفهم، وصاح بين جوانبهم، حتى زعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فلم تكن غير جولة جائل، حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء، وقد قتل رجالا، وجندل أبطالًا، ثم عرض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكترث، وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير، وظنه أناس خالدًا، حتى إذا قدم خالد قال له رافع بن عميرة: " من الفارس الذي تقدم أمامك؟ فلقد بذل نفسه ومهجته "، فقال خالد: والله لأنا أشد إنكارًا وإعجابًا لما ظهر من خلاله وشمائله، وبينا القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب، والخيل تعدو في أثره، وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رمحه من صدره، حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه، ورفع لثامه، وناشده ذلك خالد، وهو أمير القوم وقائدهم، فلم يحر جوابًا، فلما أكثر خالد أجابه وهو ملثم فقال: " أيها الأمير إني لم أعرض عنك إلا حياءً منك، لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور، وبنات الستور، وإنما

стр. 849

حملني على ذلك أني مُحْرَقَةُ الكبد، زائدة الكمد "، فقال خالد: " من أنت؟ "، قالت: " أنا خَوْلَةُ بنت الأزور، كنت مع نساء قومي، فأتاني آت بأن أخي أسير، فركبتُ، وفعلتُ ما رأيتَ "، هنالك صاح خالد في جنده، فحملوا، وحملت معهم خولة، وعظم على الروم ما نزل بهم منها، فانقلبوا على أعقابهم، وكانت تجول في كل مكان علها تعرف أين ذهب القوم بأخيها، فلم تر له أثرًا، ولا وقفت له على خبر، على أنها لم تزل على جهادها، حتى استنقذ لها أخوها. ومن مواقفها الرائعة، موقفها يوم أسر النساء في موقعة " صحورا "، (فقد وقفت في النساء، وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن، فقالت: " خذن أعمدة الخيام، وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم "، فقالت عفراء بنت عَفَار: " والله ما دعوتِ إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرتِ "، ثم تناولت كل واحدة عمودًا من عمد الخيام، وصِحنَ صيحة واحدة، وألقت خَوْلَةُ على عاتقها عمودها، وتتابع النساء وراءها، فقالت لهن خولة: " لا ينفك بعضكن عن بعض، وكُنَّ كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فتُمْلكْنَ، فيقع بكن التشتيت، واحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم "، وهجمت خولة، وهجم النساء وراءها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول: نحن بنات تُبَّعٍ وحِمْيَر ... وضربنا في القوم ليس يُنْكَر لأننا في الحرب نار تسعر ... اليوم تُسْقَوْن العذاب الأكبر) (١٣٥٠)

стр. 850

وبعد: فهؤلاء هن أمهاتنا الأوليات، كواكب السحَر في سماء العظائم، وأروع الغُرَرَ في جبين العزائم، وذلك شيء من حديث جهادهن، لا يَدَع لقائل قيلًا، ولا لِمُفْتَخِرٍ سبيلًا، يشهد بسر من أسرار القوة العظيمة، التي جعلت من العرب الأميين خير أمةٍ أخرجت للناس، إنها النفوس التي صاغها الله برحمته، ورواها من حكمته، واصطنعها لتربية جنده، هيَأها لتزكية خَلْقه: سَلَامٌ عَلى تِلْك الخَلائِقِ إنَّها مُسَلًمَة ... مِنْ كُل عارٍ ومَأثَم وهذا موقف من مواقف الإيمان، وقد خالطت بشاشته قلب امرأة رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا، حكاه عن الماضي القريب الأستاذ عبد الله بن عفيفي الباجوري ﵀: (في أصيل يوم من صيف سنة ١٩١٤ كنت واقفًا في جمهور الواقفين في محطة طنطا، أترقب القطار القادم من الإسكندرية لأتخذه إلى القاهرة. لقد كان كل في شُغل بتلك الدقائق المعدودات يقضيها في توديع وإشفاق، وترقب وانتظار، وحمل متاع وتنسيق آخر، وكنت في شغُل بصديق يجاذبنى حديثا شيقًا ممتعا. في تلك اللحظات الفانيهَ، وبين ذلك الجمع المحتشد، راعَ الناسَ صياح وإعوال، وتهدج واضطراب، ومشادة ومدافعة، ثم أبصروا فإذا فتاة في السابعة عشرة من سنيها، يقودها إلى موقف القطار شرطي عات شديد، وساعٍ من سعاة معتمدي الدول قوي عتيد، ومن خلفها شيخ أوروبي جاوز الستين مكتئب مهزول، وهى تدافع الرجلين حولها بيدين لا حول لهما.

стр. 851

أقبل القطار ثم وقف! فكاد كل ينسى بِذلك الموقف موقفه وما قصد له، ثم أصعدت الفتاة، وصعد معها من حولها، وعجلت أنا وصاحبي فأخذنا مقاعدنا حيث أخذوا مقاعدهم، كل ذلك والفتاة على حال من الحزن والكرب لا يَجْملُ معها الصبر، ولا يُحْمدُ دونها الصمت، سألت الشيخ: " ما خطبه؟ وما أمر الفتاة؟ "، فقال وقد أشرقه الدمع، وقطع صوته الأسى: " إنني رجل أسباني، وتلك ابنتي، عرض لها منذ حين ما لم أعلمه، فصحوت ذات صباح على صوتها تصلي صلاة المرأة المسلمة، ومنذ ذلك اليوم احتَجَزَتْ ثيابها لتتولى أمر غسلها، وأرسلت خمارها الأبيض على صفحتي وجهها، ومكشوف صدرها، ثم أخذت تُنْفِدُ وقتها في صلاة وصيام، وسجود وهجود، وكانت تُدْعَى " روز "، فأبت إلا أن تسمى " فاطمة "، ما لبثت أن تبعتها أختها الصغرى، فصارت أشبه بها من القطرة بالقطرة، والزهرة بالزهرة. فزعت لهول ذلك الأمر، وقصدتُ أحد أساقفتنا، فأخذ يعاني رياضتها فلم يجد إلا شِماسا وامتناعًا، وعَزَت على الرجل خيبته، فكتب إلى معتمد الدولة الأسبانية، بأمر الأسرة الخارجة على دينها، وهنالك آمر المعتمد حكومة مصر فساقت إليه الفتاة كما ترى برغمها ورغم ذويها ليقذف بها بين جوانب دير تسترد فيه دينها القديم! ".. . قلت: " أوَ أرضاك أن تساق ابنتك سوق الآثمات المجرمات على غير إثم ولا جريمة؟ ". فزفر الرجل زفرة كاد يتصدَّع لها قلبه وأحناء ضلوعه، ثم قال: " أما لقد خُدعتُ ودُهِمْتُ، وغلب أمر الحكومتين أمري فما عساني أفعل؟ ". على أثر ذلك انثنيت إلى الفتاة وهى تعالج من أهوال الحزن وأثقاله

стр. 852

ما تخشع الراسيات دون احتماله، فقلت: " ما بالك يا فاطمة؟ "- وكأنها أنِسَتْ منى ما لم تأنسه ممن حولها- فأجابتني بصوت يتعثر من الضنى: (لنا جيرة مسلمون، أغدو إليهم فأستمع أمر دينهم، حتى إذا أخذني النوم ذات ليلة رأيت النبي محمدًا ﷺ في هالة من النور يخطف سناها الأبصار، يقول وهو يلوح إلي بيده: " اقتربي يا فاطمة ") ، ولو أنك أبصرتها، وهي تنطق باسم النبي محمد ﷺ لرأيت رعْدَة تتمشى بين أعطافها وأطرافها حتى تنتهي إلي أسنانها فتخالف بينها، وإلى لسانِها فتعقله، وإلى وجهها فتحيل لونه، فلم تكد تستتم جملتها حتى أخذتها رجفة فهوت على مقعدها كأنها بناء منتقض! إلى ذلك الحد غشي الناس ما غشيهم من الحزن، وأبصرت بشيخ يتمشى في ردهة القطار فطلبت إليه أن يؤذن في أذنها، فلما انتهى إلى قوله: " أشهد أن محمدًا رسول الله " تنفست الصُّعداء، وأمعنت في البكاء، وعاودتها سيرتها الأولى، فلما أفاقت قلت لها: " ومم تخافين وتفزعين؟ "، قالت: " إنه سيؤمر بي إلى دير.. حيث ينهلون من السياط دمي، ولست من ذلك أخاف، إلا إن أخوف ما أخاف يومئذ أن يحال بيني وبين صلاتي ونسكي! "، قلت لها: " يا فاطمة أولا أدلك على خير من ذلك؟ "، قالت: " أجل"، قلت: " إن حكم الإسلام على القلوب، فما عليك لو أقررت بين يدي المعتمد بدينك القديم، وأودعت الإسلام بين شغاف قلبك، حتى لا يفوتك أن تقيمي شعائره حيث تشائين؟ "، هنالك نظرت إليَّ نظرة تضاءلتُ دونها حتى خفيتُ على نفسي، ثم قالت:" دون ذلك حَزُّ الأعناق وتفصيل المفاصل! دعني! فإنني إن أطعت نفسي، عصاني لساني "، وكان ضلالًا ما توسلت به أنا وأبوها ومَن حولها. كان ذلك حتى أوفينا على القاهرة فحيل دونها، لم أعلم بعد ذلك

стр. 853

شيئًا من أمر فاطمة لأني لم أستطع أن أعلم، رحمة الله وبركاته عليك يا فاطمة، فما أنت أولى شهيدات الرأي الحر، والإيمان الوثيق) (١٣٥١) .

стр. 854

[الفصل السادس] المرأة عالِمةً يقولون- وكأنهم أدلَوْا بالجديد من الحجة والعلم-: " إن المرأة نصف المجتمع " يتخذونها وسيلة تسوغ هم كل مأرب في المرأة! ولكننا نعلم أن الإسلام قد أولى المرأة غاية الأهمية والعناية لا باعتبار أنها نصف المجتمع، بل إنها أكثر من نصف المجتمع، إنها صانعة المجتمع، فيجب أن تحوز تلك العناية كي تكون على مستوًى يجعلها تصوغ لَبِناتِ المجتمع على أكمل وجه. - لقد كان أول ما نزل من الوحي قوله تعالى لنبيه ﷺ : (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) العَلَق (١- ٥) ، فدل ذلك على مكانة العلم وشرفه في الإسلام. - وقال : (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) الزمر (٩) . - وقال : (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) التحريم (٦) . جاء عن عَليّ ﵁ في تفسيرها: " أدبوهم، وعَلموهم "، وروى عنه الحاكم وابن المنذر قوله في تفسيرها: " عَلِّموا أنفسَكم، وأهليكم الخير، وأدبوهم ".

стр. 855

قال الألوسي ﵀: (واستُدل بها على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء، وأدخل بعضهم الأولاد في الأنفس لأن الولد بَعْضٌ من أبيه) . - وقال مخاطبًا أمهات المؤمنين ﵅: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) الأحزاب (٣٤) . - وقال ﷺ : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (١٣٥٢) . قال الحافظ السخاوي: (قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث: " ومسلمة " وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحًا) (١٣٥٣) اهـ. من هنا قال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: (ويجب عليهن- أي النساء- النفار للتفقه في الدين، كوجوبه على الرجال، وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة والصلاة والصيام، وما يحل، وما يحرم: من المآكل، والمشارب، والملابس كالرجال، ولا فرق، وأن يعلمن الأقوال والأعمال: إما بأنفسهن، وأما بالإباحة لهم لقاء من

стр. 856

يعلمهن، وفرضٌ على الإمام أن يأخذ الناس بذلك) (١٣٥٤) اهـ. وعن أبي موسى الأشعري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : " أيما رجل كانت عنده وليدة، فعلمها، فأحسن تعليمها، وأدَّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " (١٣٥٥) . فقرن ﷺ ثواب العتق من رِق العبودية بثواب العتق من رق الجهل بفرائض الله ، وسنن رسوله ﷺ . وقد أحست المرأة نتيجة لهذا الحث بحاجتها إلى العلم، فذهبت إلى النبي ﷺ تطلب منه مجلسًا خاصًا بالنساء، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: " يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله "، فقال ﷺ : " اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا "، فاجتمعن، فأتاهن، فعلمهن مما علمه الله) (١٣٥٦) . لقد بلغ حرص النساء المسلمات على العلم غايته حتى تطلبن المجالس الخاصة بهن للتعليم مع أنهن يستمعن في المسجد لتعليمه ومواعظه ﷺ . كذلك نجد النبي ﷺ يسن للنساء سنة مؤكدة، ألا وهي: شهود مجامع الخير يتزودن منها: فعن عطية الأنصارية ﵂ قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ

стр. 857

أن نخرجهن في الفطر: والأضحى: العواتق (١٣٥٧) والحُيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين.. قلت: " يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ " قال: " لتلبسها أختها من جلبابها ") (١٣٥٨) . - وجاء في " فتوح البلدان " للبلاذري أن أم المؤمنين حفصة بنت عمر ابن الخطاب ﵄ كانت تتعلم الكتابة في الجاهلية على يد امرأة كاتبة تدعى " الشفاء العدوية " (١٣٥٩) ، فلما تزوجها ﷺ طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة) (١٣٦٠) . - وعن عائشة ﵂ قالت: " نِعْمَ النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين " (١٣٦١) . لقد أقبلت المرأة المسلمة على العلم منذ أكرمها الله تعالى بالإسلام، فنهلت من معينه، وأخذت منه بسهم وافر: فهذه: الصديقة بنت الإمام الصدِّيقِ الأكبر، خير من طلعت عليه الشمس

стр. 858

بعد الأنبياء والمرسلين، رفيق رسول الله ﷺ في الغار، ومعينه في الأسفار، ووزيره في عهده، وخليفته بحق من بعده، ﵁ وعن ابنته، القرشية، التَّيمية، المكية، أم المؤمنين، زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة، وحبيبة خليل الله ﷺ ، الفقيهة الربانية، المبرأة من فوق سبع سماوات، أفقه نساء هذه الأمة على الإطلاق، تزوج بها سيد الأولين والآخرين ﷺ وهي بنت تسع سنوات، وهو ﷺ ابن أربع وخمسين سنة، وأقام معها تسع سنوات، ومات عنها وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهي لم تخط بعد إلى التاسعة عشرة، على أنها ملأت أرجاء الأرض علمًا، فهى في رواية الحديث نسيج وحدها، وعت من أحاديث رسول الله ﷺ ما لم تعه امرأة من نسائه، وروت عنه ما لم يَرْوِ مِثلَهُ أحد من الصحابة إلا أبا هريرة وعبد الله بن عمر ﵃ أجمعين، قال الحافظ الذهبي ﵀: (روت عنه ﷺ علما كثيرًا طيبا مباركا فيه، وعن أبيها، وعن عمر، وفاطمة، وسعد، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وجُدامة بنت وهب) (١٣٦٢) . عاشت بعد رسول الله ﷺ خمسين سنة، وتوفيت ولها من العمر ثمان وستون سنة. قال الحافظ الذهبي ﵀: (وكانت امرأة بيضاء جميلة، ومِن ثَم يقال لها: الحميراء، ولم يتزوج النبي ﷺ بِكرَا غيرها، ولا أحَب امرأةً حُبَّها، ولا أعلم في أمة محمد ﷺ ، بل ولا في النساء مُطلقًا، امرأة أعلم منها، وذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من أبيها، وهذا مردود، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، بل نشهد أنها زوجة نبينا ﷺ في الدنيا والآخرة، فهل فوق ذلك مَفْخَر؟) (١٣٦٣) اهـ.

стр. 859

من فضائلها ﵂: ما رواه هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (أرِيتُكِ في المنام ثلاثَ ليال، جاء بكِ الملَكُ فِى سَرَقَةٍ (١٣٦٤) من حرير، فيقول: " هذه امرأتك "، فأكشفُ عن وجهك، فإذا أنتِ فيه، فأقول: إن يكُ هذا من عند الله يُمْضِهِ " (١٣٦٥)) . وعن ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂: (أن جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي ﷺ فقال: " هذه زوجتُك في الدنيا والآخرة " (١٣٦٦)) . (وكان تزويجه ﷺ بها إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثةَ أعوام حتى بنى بعائشة في شوال بعد وقعة بدر، فما تزوج بكرًا سواها، وأحبها حُبُّا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي ﷺ : " أي الناس أحبُّ إليك يا رسولَ الله؟ " قال: " عائشة"، قال: " فَمِن الرجال؟ "، قال: " أبوها" (١٣٦٧) . وهذا خبر ثابت رغم أنوف الروافض، وما كان ﷺ يُحِب إلا طيبا، وقد قال ﷺ : " لو كنت مُتَخِذًا خليلًا من هذه الأمة، لاتخذت

стр. 860

أبا بكرٍ خليلًا، ولكن أخوةُ الإسلام أفضل " (١٣٦٨) . فَأحَبَّ أفضل رجل من أمته، وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ ، فهو حَري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله ﷺ (١٣٦٩) . وعن عمرو بن غالب: أن رجلًا نال من عائشة عند عمَّار، فقال: (اعزب مقبوحا منبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ ؟) (١٣٧٠) . وحُبُّه ﷺ لعائشة كان أمرًا مستفيضًا، ألا تراهم كيف كانوا يتحروْنَ بهداياهم يومها تقربًا إلى مرضاته؟! قال حماد بن زيد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: (كان الناس يتحرَّوْنَ بهداياهم يوم عائشة، قالت: فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة، فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس أن يُهدوا له أينما كان، فذكرت أم سلمة له ذلك، فسكت، فلم يردَّ عليها، فعادت الثانية، فلم يَرُد عليها، فلما كانت الثالثة قال: " يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عَلَيَّ

стр. 861

الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكنَّ غيرِها " (١٣٧١) متفق على صحته. وهذا الجواب منه دالّ على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حُبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها) (١٣٧٢) . وعن أنس مرفوعًا: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (١٣٧٣) . وعنها ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ : " يا عائشُ، هذا جبريل وهو يقرأ عليكِ السلام"، قالت: " وعليه السلامُ ورحمةُ الله، تَرى ما لا نَرى يا رسول الله " (١٣٧٤)) . لقد كانتَ ﵂ إحدى المجتهدات من أنفذ الناس رأيا في أصول الدين ودقائق الكتاب المبين، وكانت ﵂ تحسن أن تقرأ، ولم يكن يعرف ذلك إلا عدد محدود من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكم كان لها ﵂ من استدراكات على الصحابة وملاحظات، فإذا علموا

стр. 862

بذلك منها رجعوا إلى قولها) (١٣٧٥) . قال أبو موسى الأشعري ﵁: (ما أشكَلَ علينا أصحابَ رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا) (١٣٧٦) ، وقال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرايِض " (١٣٧٧) . وقيل لمسروق: " كانت عائشة تحسن الفرائض؟ " قال: " والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض " (١٣٧٨) . وقال عطاء بن أبي رباح: " كانت عائشة أفقه الناس، وأحسنَ الناس رأيا في العامة " (١٣٧٩) . قال الزهري: (لو جمع علم الناس كلهم، وأمهات المؤمنين، لكانت عائشة أوسعَهم عِلما) (١٣٨٠) . وعنه أيضًا: قال: " لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل " (١٣٨١) . قال الذهبي ﵀: (مسند عائشة يبلغ ألفين ومائتين وعشرة

стр. 863

أحاديث، اتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين) (١٣٨٢) . [وذكرها- ﵂ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة، ولما ذكر ابن حزم أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة، وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب" إيضاح ما لا يسع المحدث جهله": " اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفا وتسعين حديثا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير " قال الحاكم أبو عبد الله: " فحُمِل عنها ربع الشريعة "] ، (١٣٨٣) . وعن عروة بن الزبير قال: " ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة ﵂ " (١٣٨٤) . وذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀: " أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشعر " (١٣٨٥) . ورُوي عن ابن شهاب قال: حدثنا القاسم بن محمد: أن معاوية دخل على عائشة، فكلمها، قال: فلما قام معاوية، اتكأ على يد مولاها ذكوان، فقال: " والله، ما سمعتُ قط أبلغَ من عائشة، ليس رسولَ الله ﷺ (١٣٨٦) .

стр. 864

وعن موسى بن طلحة قال؟ "ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة " (١٣٨٧) . وعن هشام عن أبيه قال: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا وأكثر، (١٣٨٨) (وعن أبي الزناد؛ قال: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة، فقيل له: " ما أرواك! "، فقال: " ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا " (١٣٨٩)) . ورُوى عن ابن سيرين عن الأحنف، قال: (سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء بعدهم، فما سمعتُ الكلامَ من فم مخلوق أفخمَ ولا أحسنَ منه مِن في عائشة) (١٣٩٠) . وعن الشعبي: أن عائشة قالت: رَوَيتُ لِلَبِيد نحوا من ألف بيت، وكان الشعبي يذكرها، فبتعجبُ من فِقهها وعلمها، ثم يقول: ما ظنكم بأدب النبوة (١٣٩١) ! وعن هشام بن عروة قال: كان عروة يقول لعائشة ﵂: يا أمَّتاه، لا أعجب من فقهك؛ أقول: زوجةُ نبي الله، وابنةُ أبي بكر، ولا أعجب من عِلمك بالشعْر وأيام الناس؛ أقول: ابنةُ أبي بكر، وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب: كيف هو، ومن أين هو، أو ما هو؟ قال: فضربَت علىَ منْكبِه، وقالت: أي عُرَية، إن رسول الله ﷺ

стр. 865

كان يَسقمُ عند آخر عُمُره- أو في آخر عُمُره- وكانت تَقْدَمُ عليه وفودُ العرب من كل وجه، فَتَنْعَتُ له الأنعات، وكنتُ أعالجها له، فَمِنْ ثمَّ) (١٣٩٢) . وعن عروة قال: (ما رأيتُ أحدًا أعلم بالطب من عائشة ﵂، فقلتُ: يا خالة، مِمن تعلمتِ الطب؟ قالت: كنت أسمع الناس يَنعَت بعضهم لبعض، فأحفظُه) (١٣٩٣) . وعن هشام، عن أبيه، قال: (لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: " يا خالةُ، الطب، من أين عُلِّمْتِهِ؟ "، فقالت: " كنتُ أمرضُ فيُنْعَتُ لي الشيءُ، ويمرض المريض، فينعتُ له، وأسمع الناسَ ينعتُ بعضهم لبعض، فأحفظه ". قال عروة: فلقد ذهب عامةُ علمها، لم أسأل عنه) (١٣٩٤) . (وكانت زوجات رسول الله ﷺ جميعًا قسيمات عائشة ﵂ في إذاعة العلم وإفاضة الدين على المسلمين، مما يؤكد أن المرأة المسلمة أقبلت على العلم منذ أكرمها الله تعالى بالإسلام، كثيرة تلك الأحاديث التي روتها أمهات المؤمنين عنه ﷺ ، وكثيرة تلك الأقوال المنسوبة إليهن في التفسير وفقه الحديث، وكثيرات هن النساء اللاتي حفظن كتاب الله تعالى أو حفظن كثيرة، وحفظن الكثير من حديث رسول الله ﷺ ، وكن يبلغن

стр. 866

ذلك الرجال من وراء حجاب كما أمر الله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب) الأحزاب (٥٣) . ولقد وجد على مر القرون نساء تجاوزن علوم فرض العين إلى فروض الكفاية، فكانت منهن المحدثات العظيمات، والراويات الثقات، وهذا الإماء محمد بن سعد صاحب الطبقات يعقد جزءًا من كتاب " الطبقات الكبير " لراويات الحديث من النساء أتى فيه على نيِّف وسبعمائة امرأة روين عن رسول الله ﷺ أو عن صحابته ﵃، وروى عنهم أعلام الدين وأئمة المسلمين، وكذا فعل غيره من الأئمة في مصنفاتهم. وهل تجد موطنًا أوثق، ومرتقى أسمق، ومنزلة أوثق من أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ وهو العَلَم الأشم الذي لا يدانيه أحد في علمه وحكمته، وقربه من رسول الله ﷺ وقرابته- يتلقى الحديث على مولاة لرسول الله ﷺ كانت تقوم على خدمته، وهي ميمونة بنت سعد؟ فكيف بمن دون علي ﵁؟! (١٣٩٥) . ويُروى عن أم الدرداء الفقيهة الزاهدة قولها: " لقد طلبت العبادة في كل شيء فما أصبت لنفسي شيئًا أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم (١٣٩٦) . لقد تصدت المرأة لفنون العلم وشئون الأدب، وأمعنت في كل ذلك إمعانًا أعيا على الرجل دركه في مواطن كثيرة، (وكان لها مظهر خلقي كريم في العلم والتعليم فقد امتازت " العالمة المسلمة " بالصدق في العلم، والأمانة في الرواية، واستمع إلى هذه الشهادة يشهدها واحد من عظماء العلماء ألا

стр. 867

وهو الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨) ، وقد ألف كتابه " ميزان الاعتدال " في نقد رجال الحديث، خرَّج فيه عدة آلاف مُتَّهم من المحدثين، ثم أتبع قوله بتلك الجملة التي كتبها بخطه الواضح وقلمه العريض فقال: " وما علمت من النساء من اتُّهِمَتْ ولا من تركوها " (١٣٩٧) . ولعل قائلًا يقول: " وما للنساء ورواية الحديث؟ وهل تركهن الذهبي إلا من قلة أو ذلة؟ "، والجواب: أن حديث رسول الله ﷺ منذ عهد عائشة ﵂ حتى عهد الذهبي ما حُفِظَ ولا رُوِيَ بمثل ما حفظ في قلوب النساء، وروي على ألسنتهن. ذلكم الحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) أوثق رواة الحديث عقدة، وأصدقهم حديثا، حتى لقبوه بـ " حافظ الأمة "، كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء، فهل سمع الناس في عصر من العصور، وأمة من الأمم أن عالمًا واحدا يتلقى عن بضع وثمانين امرأة علمًا واحدًا؟ فكم ترى منهن من لم يلقها أو يأخذ عنها، والرجل لم يجاوز الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية، فلم تطأ قدماه أرض مصر، ولا بلاد المغرب، ولا الأندلس وهي أحفل ما تكون بذوات العلم والرأي من النساء) (١٣٩٨) . (وهذا الإمام أبو مسلم الفراهيدي المحدث يكتب عن سبعين امرأة) (١٣٩٩) . (وقد شهد الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ مجالس حافلة قرأ فيها على بعض المحدثات الحافظات الفقيهات، فتراه يختم كتابه " بغية الوعاة "

стр. 868

بمسلسلات قرأ منها على الأصيلة الثقة الخيرة الفاضلة الكاتبة أم هانئ بنت الحسن الهوريني. - وعلى هاجر بنت محمد المصرية. - وأخبرته الشيختان المسندتان أم هانئ وأم الفضل بنت محمد المقدسي. - وقرأ على الأصيلة نشوان بنت عبد الله الكناني. - وأخبرته كمالية بنت محمد بن أبي بكر الجرجاني. - وأنبأته أمة الخالق بنت عبد اللطيف العقبي. - وأخبرته أمة العزيز بنت محمد الأمباسي. - وفاطمة بنت علي بن اليسير مشافهة بالفسطاط. - وخديجة بنت أبي الحسن بن الملقن ... إلخ) (١٤٠٠) . ولقد بلغت الكثيرات من العالمات المسلمات منزلة علمية رفيعة، فكان منهن الأستاذات والمدرسات (للإمام الشافعي، والإمام البخاري، وابن خلكان، وابن حيان) (١٤٠١) . ونعرض فيما يلي نماذج من هؤلاء الفقيهات والمحدثات اللائي اعتززن بالإسلام، فكان لهن سهم في إعزازه، والبذل في سبيله.

стр. 869

[فصل] صور من سيرة المسلمة العالمة حفصه بنت سيرين: أم الهذيل، الفقيهة، الأنصارية. قال هشام بن حسان: " قرأت حفصة بنت سيرين القرآن وهى ابنة اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي ابنة تسعين ". وعنه أن ابن سيرين كان إذا أشْكِل عليه شيء من القرآن قال: " اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ ". وعنه قال: اشترت حفصة جارية أظنها سِنْدِيَّة، فقيل لها: " كيف رأيتِ مولاتَك؟ "، فذكر إبراهيم كلامًا بالفارسية، تفسيره: " أنها امرأة صالحة، إلا أنها أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهي الليلَ كله تبكى وتصلي ". وعنه قال: قد رأيتُ الحسنَ وابنَ سيرين، وما رأيت أحدًا أرَى أنه أعقل من حفصة. وعن عبد الكريم بن معاوية قال: " ذُكر لي عن حفصة أنها كانت تقرأ نصف القرآن في كل ليلة، وكانت تصوم الدهر، وتفطر العيدين وأيام التشريق ". وعن هشام أن حفصة كانت تدخل في مسجدها فتصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم لا تزال فيه حتى يرتفع النهار، وتركع، ثم تخرج فيكون عند ذلك وضوءها ونومها، حتى إذا حضرت

стр. 870

الصلاةُ عادت إلى مسجدها إلى مثلها. عن مهدي بن ميمون قال: مَكَثَتْ حفصة في مصلاها ثلاثين سنة لا تخرج إلا لحاجة أو لِقائِلَةٍ) (١٤٠٢) . عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارةَ: (ت ٩٨ أو ١٠٦ هـ) . الأنصاريهَ، النجَّارية، المدنية، الفقيهة، تربية (١٤٠٣) عائشة وتلميذَتُها، قيل: لأبيها صحبة، وجَدُها سعد من قدماء الصحابة، وهو أخو النقيب الكبير أسعد بن زرارة. كانت عالمة، فقيههَ، حجة، كثيرة العلم، حدثت عن عائشة، وأم سلمة، ورافع بن خَديج، وأختها أم هشام بنت حارثة، وحدث عنها ولدها أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن، وابناه: حارثة، ومالك، وابن أختها القاضي أبو بكر بن حزم، وابناه: عبد الله، ومحمد، والزهري، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وآخرون، وحديثها كثير في دواوين الإسلام. روى أيوب بن سويد، عن يونس، عن ابن شهاب، عن القاسم ابن محمد أنه قال لي: " يا غلام، أراك تحْرِصُ على طلب العلم، أفلا أدلك على وعائه "؟ قلت: " بلى"، قال: " عليك بِعَمْرَةَ فإنها كانت في حَجْرِ عائشة ﵂؛ قال: فأتيتُها، فوجدتُها بحرًا لا ينْزَف " (١٤٠٤) . (وهذه ابنة سعيد بن المسيب لما أن دخل بها زوجها " (١٤٠٥) ، وكان

стр. 871

من أحد طلبة والدها، فلما أن أصبح أخذ رداءه يريد أن يخرج، فقالت

стр. 872

له زوجته، " إلى أين تريد؟ "، فقال: " إلى مجلس سعيد أتعلم العلم"، فقالت له: " اجلس أعلمك علم سعيد ") (١٤٠٦) . معاذَة بنت عبد الله (ت ٨٣ هـ) : السيدة العالمة، أم الصهباء العدويةُ البصرية العابدة، زوجةُ السيدِ القدوة صِلَة بن أشيم. رَوَتْ عن عَلِي بن أبي طالب، وعائشة، وهشام بن عامر، حَدث عنها أبو قلابة الجَرمي، ويزيد الرشْك، وعاصم الأحول، وعمر بن ذر، وإسحاق بن سُوَيد، وأيوب السختِياني، وآخرون، وحديثُها محتج به في الصحاح، وثقها يحيى بن مَعِين. قال الحافظ الذهبي ﵀: (بلغنا أنها كانت تُحْيي الليلَ عبادةً، وتقول: " عَجِبْت لعين تنام، وقد عَلِمتْ طولَ الرُّقاد (*) في ظُلَمِ القبور "، ولما استشْهِد زوجُها صِلَةُ وابنُها في بعض الحروب، اجتمع النساء عندها، فقالت: " مرحبًا بِكُنَّ، إن كُنْتُنَّ جئتُن للهَناء، وإن كنتن جئتُنَّ لغير ذلك فارجعن ". وكانت تقول: والله ما أحب البقاء إلا لأتقرب إلى ربي بالوسائل، لعله يجمع بيني وبين أبي الشعثاء وابنه في الجنة") (١٤٠٧) اهـ. أم الدرداء الصغرى: (السيدة العالمة الفقيهة، هُجَيْمَة بنت يحيى الوَصابِية الحِميَرِيَّة الدِّمَشقِيَّة. روت علمًا جَما عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي،

стр. 873

وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة، وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد. وقال ابن جابر وعثمان بن أبي العاتكة: كانت أم الدرداء يتيمةً في حِجْر أبي الدرداء، تختلف معه في بُرْنُس، تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حِلَق القرآن تعلَّمُ القرآن، حتى قال لها أبو الدرداء يومًا: " الحقي بصفوف النساء". وعن جبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت: " إنك خطبتني إلى أبَوي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة "، قال: " فلا تنكحين بعدى"، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: " عليك بالصيام") . قال مكحول: " كانت أم الدرداء فقيهة "، وعن عون بن عبد الله قال: " كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها"، وقال يونس بن ميسرة: " كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء ﵂، فإذا ضَعُفْنَ عن القيام، تَعَلَّقنَ بالحبال "، قال إسماعيل بن عُبيد الله: كان عبد الملك بن مروان جالسًا في صخرة بيت المقدس، وأم الدرداء معه جالسة، حتى إذا نُودِي للمغرب قام، وقامت تتوكأ على عبد الملك حتى يدخلَ بها المسجد، فتجلس مع النساء، ويمضي عبد الملك إلى المقام يصلي بالناس. وعن يحيى بن يحيى الغسَّاني قال: كان عبد الملك بن مروان كثيرًا ما يجلس إلى أم الدرداء في مُؤخَر المسجد بدمشق) (١٤٠٨) اهـ. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: (أم الدرداء الصغرى: تابعية عابدة

стр. 874

عالمة فقيهة، كان الرجال يقرءون عليها، ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة، يشتغل عليها وهو خليفة ﵂ (١٤٠٩) . بنت الإمام مالك بن أنس: وكان الإمام مالك يُقرأ عليه الموطأ، فإن لحن القارئ في حرف، أو زاد، أو نقص تدق ابنته الباب، فيقول أبوها للقارئ: " ارجع، فالغلط معك "، فيرجع القارئ، فيجد الغلط (١٤١٠) . جارية الإمام مالك بن أنس: (وحكى عن أشهب أنه كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأنه اشترى خضرة من جارية، وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا بالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز فأتنا نعطكِ الثمن، فقالت: ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنه بيع طعام بطعام غير يدٍ بيد، فسأل عن الجارية، فقيل له: " إنها جارية مالك بن أنس " رحمه الله تعالى) (١٤١١) اهـ. أم علي تقِيَّة: العالمة المصرية الفاضلة أبوها الثقة أبو الفرج غيث بن عليّ، وولدها النحوي القارئ أبو الحسين علىُّ بن فضل، صحبت الحافظ المحدِّث أبا طاهر السلَفي بثغر الإسكندرية زمانا، فذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها،

стр. 875

وعثر هو يومًا في منزله، فانجرح إخمصه، فشقَّت وليدة في الدار خِرْقَة من خمارها وعصَّبته، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول: لو وجدت السبيل بخدِّي ... عوضًا عن خمار تلك الوليده كيف لي أن أقبِّل اليوم رِجْلًا ... سلكت دهرَها الطريق الحميده وقد كتب الشيخ السلَفي هذه الواقعة بخطه) (١٤١٢) . والدة الفقيه الواعظ المفسر زين الدين علي بن إبراهيم بن نجا: المعروف بـ "ابن نجية" سبط الشيخ أبي الفرج الشيرازي الحنبلي. قال ناصح الدين بن الحنبلي: قال لي والدي: زين الدين سَعِد بدعاء والدته، كانت صالحة حافظة، تعرف التفسير. قال زين الدين: كنا نسمع من خالي التفسير، ثم أجيء إليها، فتقول: " إيش فَسر أخي اليوم؟ "، فأقول: " سورة كذا وكذا "، فتقول: " ذكر قول فلان؟ وذكر الشيء الفلاني؟ " فأقول: " لا "، فتقول: " ترك هذا"، وسمعت والدي يقول: (كانت تحفظ كتاب " الجواهر" وهو ثلاثون مجلدة، تأليف والدها الشيخ أبي الفرج، وأقعدت أربعين سنة في محرابها) (١٤١٣) . فاطمة بنت الأستاذ الزاهد أبي علي الحسن بن على الدقاق: الشيخة، العابدة، العالمة، أم البنين النيسابورية، أهْل الأستاذ أبي القاسم القُشيري، وأم أولاده. وكانت عابدة، قانتة، متهجدة، كبيرة القدر (١٤١٤) .

стр. 876

أم الخير الحجازية: تصدرت حلقات وعظ وإرشاد المسلمات بجامع عمرو بن العاص ﵁ في القرن الرابع الهجري (١٤١٥) . [وجاء في مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون: (أن القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته.. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية " أسد بن الفرات" بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة. وروى الخُشني أن مؤدبًا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب، وكان يعلم الأطفال بالنهار، والبنات في الليل) ] (١٤١٦) . قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى: (وقد كان في زماننا هذا سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى قرأت عليه زوجته الختمة فحفظتها، وكذلك رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ﵀، ونصف الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى، وكذلك ابنتاها قريبان منها، فإذا كان هذا في زماننا فما بالك بزمان السلف رضوان الله عليهم أجمعين، والعالم أولى من يحمل أهله ومن يلوذ به على طلب المراتب العلية فيجتهد في ذلك جهده، فإنهم آكد رعيته، وأوجبهم عليه وأولاهم به) (١٤١٧) . فاطمة بنت السمرقندي: (وكان لعلاء الدين السمرقندي " صاحب تحفة الفقهاء" ابنته

стр. 877

" فاطمة " الفقهية العلامة، حفظت "التحفة " لأبيها، وطلبها جماعة من ملوك الروم، فلما صنَّف أبو بكر الكاساني الملقَب " ملك العلماء " كتابه " البدائع " وهو شرح التحفة، عرضه على شيخه وهو أبوها، فازداد به فرحًا، وزوَّجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقالوا في عصره: " شرح تحفته، وتزوَّج ابنته "، قال صاحب " الفوائد البهية ص ١٥٨ " في ترجمة السمرقندي: " محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب " تحفة الفقهاء " أستاذ صاحب " البدائع "، شيخ كبير فاضل جليل القدر تفقَّه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، وكانت ابنته فاطمة الفقيهة العلامة زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب " البدائع "، وكانت تفقهت على أبيها، وحفظت تحفته، وكان زوجها يخطئ فتردّه إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب " البدائع " كانت تخرج وعليها خطّها وخط أبيها وخط زوجها) اهـ (١٤١٨) . وكانت فقيهة عالمة بالفقه والحديث، أخذت العلم من جملة من الفقهاء، وأخذ عنها كثيرون، وكان لها حلقة للتدريس، قد أجازها جملة من كبار القوم، وكانت من الزهد والورع على جانب عظيم، وألفت المؤلفات العديدة في الفقه والحديث، وانتشرت مؤلفاتها بين العلماء الأفاضل. وكانت معاصرة للملك العادل " نور الدين الشهيد "، وطالما استشارها في بعض أموره الداخلية، وأخذ عنها بعض المسائل الفقهية، وكان دائمًا ينعم عليها، ويعضد مسعاها " (١٤١٩) .

стр. 878

فاطمة بنت الإمام الحافظ البرزالي: كتبت البخاري في ثلاثة عشر مجلدًا، فقابله لها أبوها الإمام، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس (١٤٢٠) . ستَيْتَة بنت القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِّي: (العالمة، الفقيهة، المفتية، تفقهت بأبيها، وروت عنه، وحفظت القرآن، والفقه، والفرائض، والحساب، والدور، والعربية، وغير ذلك، وكانت من أحفظ الناس للفقه، ومن أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت تفتى به مع الشيخ أبي علي بن أبي هريرة، وكانت فاضلة في نفسها، كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضا، وهي والدة القاضي محمد بن أحمد ابن القاسم المحاملي) (١٤٢١) زوجة الحافظ الهيثمي (وهي بنت شيخه الحافظ العراقي) : كانت تساعد زوجها في مراجعة كتب الحديث (١٤٢٢) . فاطمة بنت محمد بن أحمد التَنوخِية (ت ٧٧٨ هـ) : (خاتمة المسندين في دمشق، كانت عالمة بالحديث، أخذ عنها جماعة: منهم الحافظ ابن حجر) (١٤٢٣)

стр. 879

أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية: الشيخة، الصالحة، العالمة، المفتية، الفقيهة، المدرسة، العابدة، الناسكة، المجاهدة، وكل هذه ألقاب خلعها عليها أهل دهرها، وكلها صفات وصلت بها منتهى حدودها. كانت تصعد المنبر، وتعظ النساء، وِانتفع بتربيتها، والتخرج عليها خلق كثير، وكانت عالمة موفورة العلم في الفقه والأصول (١٤٢٤) . قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وكانتَ من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مواخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرا من المغني أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَمَتْ نساءً كثيرًا القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته، آمين) (١٤٢٥) . توفيت في يوم عرفة، بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في " ذيل طبقات الحنابلة ": (فاطمة ابنة عباس بن أبي الفتح، أم زينب الواعظة، الزاهدة العابدة

стр. 880

الشيخة الفقيهة، العالمة المسندة المفتية، الخائفة الخاشعة، السيدة القانتة، المرابطة المتواضعة، الدَّينة العفيفة، الخَيِّرة الصالحة، المتقنة المحققة الكاملة، الفاضلة المتفننة البغدادية، الواحدة في عصرها، والفريدة في دهرها، المقصودة في كل ناحية. كانت جليلة القدر، وافرة العلم، تسأل عن دقائق المسائل، وتتقن الفقه إتقانًا بالغا، أخذت عن الشيخ عز الدين بن أبي عمر، حتى برعت، كانت إذا أشكل عليها أمر سألت ابن تيمية عنه، فيفتيها، ويتعجب منها ومن فهمها، ويبالغ في الثناء عليها. كانت مجتهدة، صوَّامة قوَّامة، قوَّالة بالحق، خشنة العيش، قانعة باليسير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، انتفع بها خلق كثير، وعلا صيتُها، وارتفع محلها، وقيل: إنها جاوزت الثمانين، توفيت ليلة عرفة سنة أربع عشرة وسبعمائة، رحمها الله تعالى ورضي عنها آمين) (١٤٢٦) . (وعلى سنتها سارت ابنتها زينب، فكانت تعظ النساء، وتخطبهن في حياة أمها، وبعد موتها) (١٤٢٧) . شهدَةُ بنت المحدث أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري: مسندة العراق، وفخر النساء، قعدت للحديث في القرن السادس، وهى صاحبة السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، بَعُد صيتها، وسمع عليها الخلق الكثير، وكان لها خط حسن، وخالطت الدُّورَ والعلماء، ولها بِر وخير (١٤٢٨) .
следующие страницы →