← Фикх общий

Фикх общий · id 9133

عودة الحجاب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (1 400 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أم الخير الحجازية: تصدرت حلقات وعظ وإرشاد المسلمات بجامع عمرو بن العاص ﵁ في القرن الرابع الهجري (١٤١٥) . [وجاء في مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون: (أن القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته.. قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليعلمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية " أسد بن الفرات" بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة. وروى الخُشني أن مؤدبًا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب، وكان يعلم الأطفال بالنهار، والبنات في الليل) ] (١٤١٦) . قال الإمام ابن الحاج رحمه الله تعالى: (وقد كان في زماننا هذا سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى قرأت عليه زوجته الختمة فحفظتها، وكذلك رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ﵀، ونصف الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى، وكذلك ابنتاها قريبان منها، فإذا كان هذا في زماننا فما بالك بزمان السلف رضوان الله عليهم أجمعين، والعالم أولى من يحمل أهله ومن يلوذ به على طلب المراتب العلية فيجتهد في ذلك جهده، فإنهم آكد رعيته، وأوجبهم عليه وأولاهم به) (١٤١٧) . فاطمة بنت السمرقندي: (وكان لعلاء الدين السمرقندي " صاحب تحفة الفقهاء" ابنته

стр. 877

" فاطمة " الفقهية العلامة، حفظت "التحفة " لأبيها، وطلبها جماعة من ملوك الروم، فلما صنَّف أبو بكر الكاساني الملقَب " ملك العلماء " كتابه " البدائع " وهو شرح التحفة، عرضه على شيخه وهو أبوها، فازداد به فرحًا، وزوَّجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك، فقالوا في عصره: " شرح تحفته، وتزوَّج ابنته "، قال صاحب " الفوائد البهية ص ١٥٨ " في ترجمة السمرقندي: " محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب " تحفة الفقهاء " أستاذ صاحب " البدائع "، شيخ كبير فاضل جليل القدر تفقَّه على أبي المعين ميمون المكحولي، وعلى صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، وكانت ابنته فاطمة الفقيهة العلامة زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب " البدائع "، وكانت تفقهت على أبيها، وحفظت تحفته، وكان زوجها يخطئ فتردّه إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب " البدائع " كانت تخرج وعليها خطّها وخط أبيها وخط زوجها) اهـ (١٤١٨) . وكانت فقيهة عالمة بالفقه والحديث، أخذت العلم من جملة من الفقهاء، وأخذ عنها كثيرون، وكان لها حلقة للتدريس، قد أجازها جملة من كبار القوم، وكانت من الزهد والورع على جانب عظيم، وألفت المؤلفات العديدة في الفقه والحديث، وانتشرت مؤلفاتها بين العلماء الأفاضل. وكانت معاصرة للملك العادل " نور الدين الشهيد "، وطالما استشارها في بعض أموره الداخلية، وأخذ عنها بعض المسائل الفقهية، وكان دائمًا ينعم عليها، ويعضد مسعاها " (١٤١٩) .

стр. 878

فاطمة بنت الإمام الحافظ البرزالي: كتبت البخاري في ثلاثة عشر مجلدًا، فقابله لها أبوها الإمام، وكان يقرأ فيه على الحافظ المزي تحت القبة، حتى صارت نسختها أصلا معتمدا يكتب منها الناس (١٤٢٠) . ستَيْتَة بنت القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المَحَامِلِّي: (العالمة، الفقيهة، المفتية، تفقهت بأبيها، وروت عنه، وحفظت القرآن، والفقه، والفرائض، والحساب، والدور، والعربية، وغير ذلك، وكانت من أحفظ الناس للفقه، ومن أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت تفتى به مع الشيخ أبي علي بن أبي هريرة، وكانت فاضلة في نفسها، كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضا، وهي والدة القاضي محمد بن أحمد ابن القاسم المحاملي) (١٤٢١) زوجة الحافظ الهيثمي (وهي بنت شيخه الحافظ العراقي) : كانت تساعد زوجها في مراجعة كتب الحديث (١٤٢٢) . فاطمة بنت محمد بن أحمد التَنوخِية (ت ٧٧٨ هـ) : (خاتمة المسندين في دمشق، كانت عالمة بالحديث، أخذ عنها جماعة: منهم الحافظ ابن حجر) (١٤٢٣)

стр. 879

أم زينب فاطمة بنت عباس بن أبي الفتح بن محمد البغدادية: الشيخة، الصالحة، العالمة، المفتية، الفقيهة، المدرسة، العابدة، الناسكة، المجاهدة، وكل هذه ألقاب خلعها عليها أهل دهرها، وكلها صفات وصلت بها منتهى حدودها. كانت تصعد المنبر، وتعظ النساء، وِانتفع بتربيتها، والتخرج عليها خلق كثير، وكانت عالمة موفورة العلم في الفقه والأصول (١٤٢٤) . قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وكانتَ من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مواخاتهم النساء والمردان، وتنكر أحوالهم وأصول أهل البدع وغيرهم، وتفعل من ذلك ما لا يقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرا من المغني أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي خَتَمَتْ نساءً كثيرًا القرآن، منهن أم زوجتي عائشة بنت صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أمة الرحيم زينب رحمهن الله وأكرمهن برحمته وجنته، آمين) (١٤٢٥) . توفيت في يوم عرفة، بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في " ذيل طبقات الحنابلة ": (فاطمة ابنة عباس بن أبي الفتح، أم زينب الواعظة، الزاهدة العابدة

стр. 880

الشيخة الفقيهة، العالمة المسندة المفتية، الخائفة الخاشعة، السيدة القانتة، المرابطة المتواضعة، الدَّينة العفيفة، الخَيِّرة الصالحة، المتقنة المحققة الكاملة، الفاضلة المتفننة البغدادية، الواحدة في عصرها، والفريدة في دهرها، المقصودة في كل ناحية. كانت جليلة القدر، وافرة العلم، تسأل عن دقائق المسائل، وتتقن الفقه إتقانًا بالغا، أخذت عن الشيخ عز الدين بن أبي عمر، حتى برعت، كانت إذا أشكل عليها أمر سألت ابن تيمية عنه، فيفتيها، ويتعجب منها ومن فهمها، ويبالغ في الثناء عليها. كانت مجتهدة، صوَّامة قوَّامة، قوَّالة بالحق، خشنة العيش، قانعة باليسير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، انتفع بها خلق كثير، وعلا صيتُها، وارتفع محلها، وقيل: إنها جاوزت الثمانين، توفيت ليلة عرفة سنة أربع عشرة وسبعمائة، رحمها الله تعالى ورضي عنها آمين) (١٤٢٦) . (وعلى سنتها سارت ابنتها زينب، فكانت تعظ النساء، وتخطبهن في حياة أمها، وبعد موتها) (١٤٢٧) . شهدَةُ بنت المحدث أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري: مسندة العراق، وفخر النساء، قعدت للحديث في القرن السادس، وهى صاحبة السماع العالي، ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر، بَعُد صيتها، وسمع عليها الخلق الكثير، وكان لها خط حسن، وخالطت الدُّورَ والعلماء، ولها بِر وخير (١٤٢٨) .

стр. 881

كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المَرْوَزِيَّة: الشيخة، العالمة، الفاضلة، المسنِدة، سيدة الوزراء، المجاورة بحرم الله، كانت من راويات صحيح البخاري المعتبرة عند المحدثين، روت عن زاهر بن أحمد السَّرْخَسي، وغيره، وكانت نابغة في الفهم والنباهة وحِدَّة الذهن، رحل إليها أفاضل العلماء. قال أبو بكر بن منصور السمعاني: سمعتُ الوالد يذكر كريمة، ويقول: (وهل رأى إنسان مثلَ كريمة؟ " (١٤٢٩) . عائشة بنت محمد بن الحسين البسطامي: عالمة محدثة، كان أبوها، وأخوها، وولده من كبار العلماء (١٤٣٠) . زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الحنبلية: ابنة الإمام شرف الدين عبد الله أخي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمهم الله تعالى، وزوجة الإمام العلامة أبو محمد عبد الوهاب بن السلار (١٤٣١) ، قال الحافظ ابن حجر: (سمعتْ من الحجار وغيره، وحدَثت، وأجازت لي) (١٤٣٢) . ومن تلاميذها الإمام الحافظ محمد بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي (١٤٣٣) .

стр. 882

عائشة بنت حمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف ابن محمد بن قدامة المقدسي: سمعت صحيح البخاري، وروى عنها الحافظ ابن حجر، وقرأ عليها كتبًا عديدة، وانفردت في آخر عمرها بعلم الحديث (١٤٣٤) . ومن المحدثات: السيدة نفيسة ابنة محمد (١٤٣٥) . ومنهن: فاطمة بنت محمد البغدادي: الشيخة، العالمة، الواعظة، الصالحة، المُعمَرة، مسندة أصبهان، حَدَّث عنها السمعاني، وابن عساكر، وأبو موسى المديني، وغيرهم " (١٤٣٦) . ومنهن: زينب ابنة الكمال، ومن تلاميذها الإمام محمد بن حمزة الحسيني (١٤٣٧) . ومنهن: كمال بنت المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي: أم الحسن صالحة خيرة، وهى زوجة المحدّث عبد الخالق اليوسفي (١٤٣٨) . ومنهن: وزيرة بنت عمر بن المنجى، ومن تلاميذها الإمام محمد بن سوار السبكي (١٤٣٩) . ومنهن: عائشة بنت حسن بن إبراهيم: الواعظة، العالمة، المسندة، أم الفتح الأصبهانية، قال ابن السمعاني: سألت الحافظ إسماعيل عنها،

стр. 883

فقال: (امرأة صالحة، عالمة، تعظ النساء، وكتبت أمالي ابن مَنْدَة عنه، وهي أول من سمعتُ منها الحديث، بعثني أبي إليها، وكانت زاهدة) (١٤٤٠) . ومنهن: زينب بنت مكي: وممن سمع عليها الحافظ أحمد بن بكار النابلسي وعبد الله بن المحب وعمر بن حبيب وكثير من المحدثين (١٤٤١) . وزينب بنت أبي القاسم: كانت عالمة أدركت جماعة من أعيان العلماء وأخذت عنهم، وأجازها أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري مؤلف الكشاف، والمؤرخ شهاب الدين بن خلكان صاحب التاريخ المشهور (١٤٤٢) . أم سلمى فاطمة بنت أبي بكر بن عبد الله: روت عن أبيها، وكتب عنها محمد بن جعفر كتاب "الجمل" (١٤٤٣) . ست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا: الشيخة الصالحة، راوية صحيح البخاري، وغيره (١٤٤٤) . خديجة بنت موسى بن عبد الله: الواعظة، وتعرف بـ " بنت البقال"، قال الخطيب: " كتبت عنها،

стр. 884

وكانت فقيرة، صالحة، فاضلة " (١٤٤٥) . أم الهذيل: لها روايات كثيرة، وقد قرأت القرآن وعمرها اثنتا عشرة سنة، وكانت فقيهة عالمة، من خيار النساء (١٤٤٦) . أم السلامة بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شنخرة: سمعت من محمد بن إسماعيل النصلاني وغيره، وعنها الأزهري، والتنوخي، وأبو يعلى بن الفراء، وغيرهم، وأثنى عليها غير واحد في دينها، وفضلها، سيادتها (١٤٤٧) . فاطمة بنت إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي: المسندة، المحدثة، الدمشقية، الصالحة، سمعت صحيح البخاري من ابن الزبيدي مرات، سمعت صحيح مسلم من ابن الحصيري، وأخذ عنها العلامة السبكي، والإمام المحقق ابن قيم الجوزية (١٤٤٨) . ست القضاة بنت الشيرازي: تتلمذ عليها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، والقاضي الإمام أحمد ابن فضل الله العمري (١٤٤٩) .

стр. 885

زبيدة زوجة هارون الرشيد وابنة عمه: كانت عالمة، فقيهة، وذكر ابن خلكان: (أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل، وكان ورد كل واحدة عُشْرُ القرآن) (١٤٥٠) . وقاية: (امرأة عالمة فاضلة، كانت بإحدى مدن ليبيا، وكان يلجأ إليها أفاضل العلماء، ويقولون: " تعالوا بنا نستشير وقاية، فعصابتها خير من عمائمنا " (١٤٥١)) . فاطمة بنت الحسن بن علي البغدادي العطار: (المؤدبة الكاتبة وتعرف ببنت الأقرع، سمعت الحديث من أبي عمر بن مهدي وغيره، وكانت تكتب المنسوب على طريقة ابن البواب، ويكتب الناس عليها، وبكتابها يُضرب المثل، وبخطها كانت الهدنة من الديوان إلى ملك الروم، وكتبت مرة إلى عميد المُلْك الكندي رقعة فأعطاها ألف دينار..) (١٤٥٢) . ربيعة خاتون بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين الأيوبي الملقبة ب " ست الشام ": واقفة المدرستين البرانية والجوانية الست الجليلة خاتون، أخت الملوك، وعمة أولادهم، وأم الملوك، كان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا، وكانت ست الشام من أكثر النساء صدقة وإحسانًا إلى الفقراء والمحاويج،

стр. 886

وكانت تعمل في كل سنة في دارها بألوف من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك وتفرقه على الناس، وكانت وفاتها يوم الجمعة في دارها التي جعلتها مدرسة (١٤٥٣) وكانت في خدمتها الشيخة الصالحة العالمة أمة اللطيف بنت الناصح الحنبلي، وكانت فاضلة، ولها تصانيف، وهي التي أرشدتها إلى وقف المدرسة بسفح قاسيون على الحنابلة، ووقفت أمة اللطيف على الحنابلة مدرسة أخرى (١٤٥٤) . وقال الشيخ عطية محمد سالم حفظه الله: (قد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي..) (١٤٥٥) اهـ. فاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين الأيوبي: (من فضليات النساء، روت الفقه، وشيئًا من الحديث، واشتهرت في عصرها) (١٤٥٦) . فاطمة بنت الحسين بن الحسن ابن فضلويه: سمعت الخطيب وابن المسلمة وغيرهما، وكانت واعظة لها رباط تجتمع فيه الزاهدات، وقد سمع عليها ابن الجوزي مسند الشافعي وغيره) (١٤٥٧) . قال فضيلة الشيخ عطية محمد سالم حفظه الله: ( ... وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله: وقد ثبت عن كثير من

стр. 887

نساء أهل الصحراء الأفريقية خصوصًا شنقيط " شنجط "، وهي المعروفة بموريتانيا وتيتبكتو، وقبيلة كنت - العجبُ، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير، ختم مختصر خليل للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء، ومما يؤيد ما ذكره أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لأفريقيا، سمعنا ونحن في مدينة أطار وهى على مقربة من مدينة شنجط المذكورة، سمعنا من كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقًا مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة، وقد سمعت في الآونة الأخيرة أنه توجد امرأة تدرس في المسجد النبوي الحديث والسيرة، واللغة العربية وهى شنقيطية) (١٤٥٨) اهـ. وقال الأستاذ عبد الله عفيفي ﵀: (وأكثر ما عرف به الممتازات من نساء المغرب الأقصى حفظ القرآن الكريم بقراآته جميعًا ورواية الحديث ودرس الفقه والأصول وما إلى هذه من علوم الدين، ويذكر أهل ذلك الاقليم ثمانين امرأة من نساء المغرب جمعن إلى النفاذ في ذلك كله حفظ مدونة الإمام مالك بن أنس ﵁، وهي أكبر المطولات الجامعة في الحديث الفقه (١٤٥٩) اهـ. وذكر من النسوة اللاتي تخرجن في العلوم الدينية: (السيدة الشريفة فاطمة الزهراء ابنة السيد محمد بن أحمد الإدريسي، تحفظ القرآن الكريم بقراآته، وتحفظ كثيرًا من كتب الفقه والحديث، ولها فوق ذلك صلة وثيقة بالعلوم العصرية، ولم تبارح دار أبيها قط، وتخرجت على أبيها وجدها) (١٤٦٠) . وقال عبد الواحد المراكشي: (إنه كان بالربض الشرقي في قرطبة

стр. 888

سبعون ومائة امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي) (١٤٦١) . أما بعد: فذاك غيض من فيض حديث النهضة العلمية الإسلامية، وتلك آثار المرأة المسلمة فيها، ومآثرها عليها، فهل رأيت ما رأيت في أمة من الأمم قديمها وحديثها؟ اللهم إنها حكمة الله ملأ بها أحناء تلك الصدور (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) (البقرة: ٢٦٩) . فلو كان النساءُ كَمَنْ ذَكَرنا ... لَفضلَتِ النساءُ على الرجالِ وما التأنيثُ لاسم الشمس عَيْبٌ ... وما التذكيرُ فخر للهلالِ ومما ينبغي أن يعلم أن المرأة حازت تلك المكانة العلمية الرفيعة ضمن ضوابط شرعية محددة، تهيئ لها المناخ الصالح الذي تأمن فيه الاختلاط بالرجال، وحضور مجالسهم، فكانت تؤدي وظيفة العلم من وراء حجاب، ومن هنا فلا يجوز لأحد أن يستدل بهذه النماذج الطيبة من " العالمات المسلمات " على " استحلال " ما عليه مجتمعاتنا اليوم من اختلاط فاضح، وتهتك مزرٍ، وتبرج مشين، فهذا لا يمكن أن يقره دين ولا عقل، لتعارضه مع نصوص الشريعة الصريحة، ولمنافاته روحَها الراميةَ إلى سد الذرائع المفضية إلى الفتنة والفساد، ولكن تلك النماذج المشرقة دليل واضح على موقف الإسلام من حق المرأة في التعلم، على أن يتم في حدود ما أحل الله، وعلى أن تراعي طبيعتها وما يناسبها من أنواع العلوم، وعلى أن تصان مما يخدش عقيدتها وآدابها الإسلامية (١٤٦٢) . * * *

стр. 889

[الفصل السابع] المرأةُ ... عابدةً فَقُهَتْ المرأة المسلمة عن الله أمره، وتدبرت في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشت من فتنتهَا، وتجافي جنْبُها عن مضجعها، وتناءى قلبها من المطامع، وارتفعت همتها عن السفاسف، فلا تراها إلا صائمة قائمة، باكية والهة، وحفل التاريخ بالخيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الزهد عن فرط علم، ورسوخ عقيدة، لا عن حماقة وجهالة كما تجد في كثير ممن عرفن بالنسك والتصوف من أشتات البلاد. وثبت في دواوين الإسلام أخبار وأخبار عن النساء العابدات، بدءًا من صدر العهد النبوي إلى ما تلاه من القرون: فقد روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أتى النساء بعد صلاة العيد، فكلمهن في الصدقة، فأخذن ينزعن الفُتخ والقرطة والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال- وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن (١٤٦٣) . وبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين. وكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم) الحديد (١٨) .

стр. 890

وكان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة، وحسن الأحدوثة فأصبح بالإسلام مما تفيض به الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضاة الله. ويتصدر هؤلاء العابدات نساء الصحابة ﵃ وعنهن، ويتصدر نساء الصحابة أمهات المؤمنين وآل بيت النبي ﷺ ، وعلى رأس هؤلاء: أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄: عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: (ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودُهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئًا لغد) (١٤٦٤) . قال القاسم: " كانت عائشة تصوم الدهر " (١٤٦٥) . وعن عروة أن عائشة ﵂ كانت تسرد الصوم، وعن القاسم أنها " (كانت تصوم الدهر، لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر) (١٤٦٦) . (وعنه قال: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة ﵂، فأسَلمُ عليها، فغدوت يوما، فإذا هي قائمة تُسَبحُ، وتقرأ: (فَمَنَّ الله علينا ووقانا عذابَ السَّموم) الطور: (٢٧) ، وتدعو، وتبكي، وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت، فإذا هي قائمة كما هي تصلى وتبكي) (١٤٦٧) .

стр. 891

وعن عروة قال: (كانت عائشة ﵂ لا تمسك شيئًا مما جاءها من رزق الله تعالى إلا تصدقت به) (١٤٦٨) . وقال عروة: (بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم، فقسمَتها، لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: " أنتِ صائمة، فهلا ابتعتِ لنا منها بدرهم لحمًا؟ " قالت: " لو ذكرتِني لفعلت " (١٤٦٩) ، وعنه أيضَا قال: " وإن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم، وإنها لترقع جانب درعها " رضي الله تعالى عنها) (١٤٧٠) . عن محمد بن المنكدر عن أم ذَرَّة وكانت تغشى عائشة ﵂، قالت: بعث إليها ابن الزبير بمال في غِرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعَت بطبق، وهى صائمة يومئذ، فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: " يا جاريةُ هلمي فَطُوري "، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذَرَّة: " أما استطعت مما قسمت اليوم أن تشترى لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ " فقالت: " لا تُعَنفيني، لو كنت أذكرتِني لفعلتُ " (١٤٧١) . و (عن ابن يمن المكي قال: دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطري ثمنه خمسة دراهم، فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي، فانظر إليها، فإنها تُزْهَى (١٤٧٢) أن تلبسه في البيت، وقد كان منهن درع على عهد

стр. 892

رسول الله ﷺ ، فما كانت امرأة تُقَيَّنُ (١٤٧٣) في المدينة إلا أرسلت إليَّ تستعيره) (١٤٧٤) . عن عبد الله بن أبي مليكة أنه جاء أم المؤمنين عائشة ﵂، وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقلت: " هذا ابن عباس يستأذن "، فأكب عليها ابن أخيها عبد الله، فقال عبد الله: " هذا ابن عباس، وهى تموت "، فقالت: " دعني من ابن عباس "، فقال لها: " يا أماه إن ابن عباس من صالحي بنيك، يسلم عليك، وَيُوَدِّعُكِ، فقالت: " ائذن له إن شئت "، فأدخلته، فلما جلس، قال: " أبشري! فما بينك وبين أن تلقي محمدًا ﷺ الأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنتِ أحب نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب، إلا طيبا، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأصبح رسول الله ﷺ حتى تصبح في المنزل، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله : (فتيمموا صعيدًا طَيبّا) (المائدة: ٦) ، وكان ذلك في سببك، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا تتلى فيه آناء الليل، وآناء النهار"، فقالت: " يا ابن عباس دعني منك، ومن تزكيتك، فوالله لوددت أني كنت نسيًا منسيا " (١٤٧٥) . وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش بن رئاب ابنة عمة النبي ﷺ ورضي الله عنها امرأة صَنَاعا، وكانت تعمل بيدها، وتتصدق به في سبيل الله (١٤٧٦) .

стр. 893

وكانت ﵂ صالحة، صوامة، قوامة، بارَة، ويقال لها: "أم المساكين"، وقالت فيها أم المؤمنين عائشة ﵂ بعد موتها: " لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل " (١٤٧٧) ، وعن أنس ﵁ قال: (دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: " ما هذا الحبل؟ "، قالوا: حبلٌ لزينبَ، فإذا فترت تعلًقت به "، فقال النبي ﷺ : " لا، حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد " (١٤٧٨)) . وعن عبد الله بن رافع عن بررة بنت رافع قالت: " لما جاء العطاء بعث عمر إلى زينب ﵂ بالذي لها، فلما دخل عليها قالت: " غفر الله لعمر، لَغيري من أخواتي كان أقوى على قَسْم هذا مني "، قالوا: " هذا كله لك "، فقالت: " سبحان الله! " واستترت دونه بثوب، وقالت: " صُبوه، واطرحوا عليه ثوبًا "، فصبوه، وطرحوا عليه، وقالت لي: " أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي إلى آل فلان، وآل فلان " - من أيتامها وذوي رحمها -، فقسمته حتى بقيت منه بقية؛ قالت لها بررة: " غفر الله لك، والله لقد كان لنا من هذا حظ " قالت: " فلكم ما تحت الثوب "، فرفعنا الثوب، فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثم رفعت يدها، وقالت: " اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا "، قالت: فماتت

стр. 894

رضي الله عنها) (١٤٧٩) . وحدث محمد بن كعب قال: كان عطاء زينب اثني عشر ألف درهم حمل إليها فقسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة، حتى أتت عليه، فبلغ عمر فقال: " هذه امرأة يراد بها خير "، فوقف على بابها، وأرسل بالسلام، وقال: " قد بلغني ما فرقتِ "، فأرسل إليها بألف درهم لتنفقها، فسلكت بها طريق ذلك المال (١٤٨٠) . ورُوِيَ أنها قالت حين حضرتها الوفاة: " إني قد أعددت كفني، ولعل عمر سيبعث إليَّ بكفن، فإن بعث بكفن فتصدقوا بأحدهما، إن استطعتم إذا أدليتموني أن تصدَّقُوا بِحَقْوي فافعلوا " (١٤٨١) . وهي التي كان النبي ﷺ يقول: " أسرعُكن لحوقًا بي: أطولكن يَدًا "، وإنما عَنَى ﷺ طول يَدِها بالمعروف، قالت عائشة ﵂: " فكُنَّ يتطاوَلنَ أيتهُن أطولُ يَدًا، وكانت زينب تعمل وتتصدق (١٤٨٢) . قالت عائشة ﵂: (كانت زينب بنت جحش تُساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ؛ ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تَصَدَّقُ به، وتَقَربُ به إلى الله تعالى ما عدا سَوْرَةً من حِدة كانت فيها تسرع منها الفيئة) (١٤٨٣) .

стр. 895

أم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية: كانت ﵂ تُدْعَى أم المساكين، لكثرة معروفها أيضًا (١٤٨٤) . أم المؤمنين حفصة بنت أميرِ المؤمنين أبي حَفص عمر بن الخطاب ﵁: وهي التي كانت تسامي أم المؤمنين عائشة ﵂ في مكانتها عند رسول الله ﷺ ، كانت عابدة، خاشعة، قانتة ﵂، وقد صح أن النبي ﷺ طلقها، ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له بذلك، وقال: " إنها صَوامة، قوًامة، وهي زوجتك في الجنة " (١٤٨٥) ، فأي شهادة وتزكية بعد شهادة الله وتزكيته حفصة بنت الفاروق ﵄؟! أسماء بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قُحافة عثمان ﵃ أجمعين: أم عبد الله القرشية، التيمية، والدة الخليفة عبد الله بن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة، وهى المعروفة بذات النطاقين، كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات. قال ابن أبي مُلَيكة: (كانت أسماء تصدع، فتضع يدها على رأسها، وتقول: " بذنبي، وما يغفره الله أكثر " (١٤٨٦)) . (وعن فاطمة بنت المنذر: " أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعتِقُ

стр. 896

كل مملوك لها ". وعن محمد بن المنكدر، قال: " كانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ سَخِية النفس " (١٤٨٧)) . وعن الركَين بن الربيع، قال: (دخلتُ على أسماءَ بنتِ أبي بكر، وقد كَبرَت، وهي تصلي، وامرأة تقول لها: " قومي، اقعدي، افعلي، من الكِبَر " (١٤٨٨)) . أم الدرداء الصغرى: السيدة، العالمة، الفقيهة، هُجَيمة زوجة أبي الدرداء ﵁، عرضت القرآن وهى صغيرة على أبي الدرداء ﵁، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم، والعمل، والزهد. قال عون بن عبد الله: " كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها " (١٤٨٩) . وقال يونس بن ميسرة: " كُنَّ النساء يتعبدن مع أم الدرداء، فإذا ضًعُفنَ عن القيام، تَعَلَّقْنَ بالحبال "، وعنه أيضًا قال: (كنا نحضر أم الدرداء، وتحضرها نساء عابدات، يقمن الليل كله، حتى إذ أقدامهن قد انتفخت من طول القيام) (١٤٩٠) . السيدة المكرمة الصالحة نفِيسة، ابنة الحسن بن زيد بن السيد سبطِ النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄، العلوية، الحَسَنِيَّة. كانت- رحمها الله وأكرمها- من الصالحات العوابد، زاهدة،

стр. 897

تقية، نقيهَ، تقوم الليل، وتصوِم النهار، وتكثر البكاء من خشية الله ، حتى قيل لها: "تَرَفَقي بنفسك "، لكثرة ما رأوْا منها، فقالت: " كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟ "، حجَّت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسيره، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنها دخلت مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر بن محمد الصادق: (فأقامت بها، وكانت ذات مال، فأحسنت إلى الناس، والجذمى، والزَّمْنَى، والمرضَى، وعموم الناس، وكانت عابدة، زاهدة، كثيرة الخير، ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه، وكان ربما صَلَّى بها في شهر رمضان، وحين مات أمرت بجنازته فأدخِلَتْ إليها المنزل، فصلت عليه) (١٤٩١) اهـ. ومن أخبارها رحمها الله تعالى: (أنها أقامت بمصر مع زوجها إسحق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عُيِّن واليًا على مصر من قِبل أبي جعفر المنصور. وقد هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غدٍ، فكتبت رقعة، ووقفت بها في طريقه، وقالت: " يا أحمد بن طولون "، فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة، وقرأها، فإذا فيها: " ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخُوِّلتُم فعسفتم، ورُدَّت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام القدر نافذة غير مخطئة لا سيما في قلوب أوجعتموها، وأكبادٍ جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن

стр. 898

يموت المظلوم، ويبقى الظالم. اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون (وسيعلم الذين ظَلموا أي منقلب ينقلبون) ، فعدل لوقته) (١٤٩٢) . بل قيل: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سمع عليها الحديث من وراء حجاب، وطلب منها أن تدعو له (١٤٩٣) [توفيت رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها الفطر، فقالت: " واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائمة، أأفطِر الآن؟! هذا لا يكون "، وخرجت من الدنيا، وقد انتهت قراءتها إلى قوله تعالى: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة) (١٤٩٤) (الأنعام: ١٢) ] (١٤٩٥) .

стр. 899

أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان الأموية، أخت الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز رحمهما الله تعالى: كانت مضرب المثل في الكرم والجود، فكانت تقول: " لكل قوم نَهْمة (١٤٩٦) في شيء، ونهمتي في الإعطاء"، وكانت تعتق كل يوم جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله ، وتقول: " أف للبخل، لو كان قميصًا لم ألبسه، ولو كان طريقًا لم أسلكه " (١٤٩٧) . عجردة العمية: عن آمنة بنت يَعْلى بن سُهَيل قالت: (كانت عجردة العمية تغشانا، فتظل عندنا اليوم واليومين، قالت: فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها، وتقنَّعت، ثم قامت إلى المحراب، فلا تزال تصلي إلى السحَر، ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر، فقلت لها- أو قال لها بعض أهل الدار-: " لو نمتِ من الليل شيئًا؟ "، فبكت، وقالت: "ذكر الموت لا يدعُني أنام " (١٤٩٨)) . وكانت تحيي الليل، وكانت مكفوفة البصر؛ فإذا كان السحر، نادت بصوت لها محزون: " إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك يا إلهي أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين، وأن ترفعني لديك في عليين في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الرحماء، وأعظم العظماء، وأكرم الكرماء يا كريم، ثم تخر ساجدة فيُسمع لها وجبة، ثم لا تزال تدعو، وتبكي إلى الفجر (١٤٩٩) .

стр. 900

حبيبة العدوية: وعن عبد الله المكي أبي محمد قال: (كانت " حبيبة العدوية" إذا صلت العتمة قامت على سطح لها، وشدَّت عليها درعها وخمارها، ثم قالت: " إلهي قد غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك "، ثم تقبل على صلاتها، فإذا طلع الفجر، قالت: " إلهي هذا الليل قَد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنأ، أم رددتها علي فأعزى؟ وعزتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني عن بابك ما برحت، لما وقع في نفسي من جودك وكرمك " (١٥٠٠) . جارية الحسن بن صاع: كان الحسن بن صالح يقوم الليل هو وجاريته، فباعها لقوم، فلما صلَّت العشاء، افتتحت الصلاة، فما زالت تصلي إلى الفجر، وكانت تقول لأهل الدار كل ساعة تمضي من الليل: " يا أهل الدار قوموا! يا أهل الدار صَلوا! "، فقالوا لها: " نحن لا نقوم إلى الفجر "، فجاءت إلى الحسن ابن صالح، وقالت: (بعتني لقوم ينامون الليلَ كُلَّه، وأخاف أن أكسل من شهود نومهم "، فردها الحسن إليه رحمة بها، ووفاءً بحقها " (١٥٠١) . عابدة من بني عبد القيس: كانت إذا جاء الليل تحرمت، ثم قامت إلى المحراب، وكانت تقول:

стр. 901

" المحب لا يسأم من خدمة حبيبه "، وكانت تقول: " عاملوا الله على قدر نِعَمِهِ عليكم، وإحسانِه إليكم، فإن لم تطيقوا: فعلى قدر ستره، فإن لم تطيقوا: فعلى الحياء منه، فإن لم تطيقوا: فعلى الرجاء لثوابه، فإن لم تطيقوا: فعلى خوف عقابه " (١٥٠٢) . امرأة الهيثم بن جماز: قال الهيثم: (كانت لي امرأة لا تنام الليل، وكنت لا أصبر معها على السهر، فكنت إذا نعست ترش عليَّ الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني برِجلها، وتقول: " أما تستحي من الله؟ إلى كم هذا الغطيط؟ "، فوالله إن كنت لأستحي مما تصنع) (١٥٠٣) . أم الصهباء معاذة بنت عبد الله العدوية زوجة صلة بن أشيم رحمهما الله: وهى تلميذة مباركة لأم المؤمنين عائشة ﵂، كانت- رحمها الله- إذا جاء النهار تقول: " هذا يومي الذي أموت فيه "، فما تطعم حتى تمسي، فإذا جاء الليل تقول: " هذه الليلة التي أموت فيها "، فتصلي حتى تصبح، ومن قولها: " عجبتُ لعين تنام، وقد عرفت طول الرقاد في ظلمة القبور " (١٥٠٥) ، وكانت إذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم (١٥٠٥) . (وكانت تصلى الليل الطويل، فكانت تَكِل الرجال، وهي لا

стр. 902

تكلُّ) (١٥٠٦) . ولما بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها (١٥٠٧) ، أتت النساء يواسينها في مصابها، فقالت لهن: " إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن"، ولم تتوسد فراشًا بعد مقتل زوجها رحمهما الله تعالى. شعوانة: وقال يحيى بن بسطام: (كنت أشهد مجلس شعوانة، فكنت أرى ما تصنع من النياحة والبكاء، فقلت لصاحب في: " لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها؟ " فقال: " أنت وذاك "، قال: فأتيناها، فقلت لها: " لو رفقت بنفسك، وأقصرت عن هذا البكاء شيئًا، فكان أقوى لك على ما تريدين؟ " قال: فبكت، ثم قالت: " والله لوددت أني أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكى دمًا حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي، وأني لي بالبكاء، وأني لي بالبكاء"، فلم تزل تردد: " وأني لي بالبكاء " حتى غشي عليها) (١٥٠٨) . وكانت شعوانة تقول في دعائها: " إلهي ما أشوقني إلى لقائك،

стр. 903

وأعظم رجائي جزائك، وأنت الكريم الذي لا يخيب لديك أمل الآملين، ولا يبطل عندك شوق المشتاقين، إلهي إن كان دنا أجلي، ولم يقربني منك عملي، فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك؟ وإن عدلت فمن أعدل منك هنالك! إلهي قد جرتُ على نفسي فِى النظر لها، وبقى لها حسن نظرك، فالويل لها إن لم تسعدها، إلهي إنك لم تزل بي بَرّا أيام حياتي، فلا تقطع عني برك بعد مماتي، ولقد رجوت ممن تولاني في حياتي بإحسانه، أن يسعفني عند مماتي بغفرانه، إلهي كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي، ولم تولني إلا الجميل في حياتي، إلهي إن كانت ذنوبي قد أخافتني، فإن محبتي لك قد أجارتني، فتولً من أمري ما أنت أهله، وعُدْ بفضلك على مَن غره جهله، إلهي لو أردت إهانتي لما هديتني، ولو أردت فضيحتي لم تسترني، فمتعْني بما له هديتني، وأدِمْ في ما به سترتني.. " (١٥٠٩) . [وعن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: (كانت شعوانة قد كَمِدَت حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة، فأتاها آتٍ في منامها فقال: أذري جفونكِ إما كنتِ شاجيةً ... إن النياحة قد تَشْفي الحُزَينِينَا جِدِّي وقُومي وصومي الدهرَ دائبةً ... فإنما الدَّوب من فعل المطيعينا فأصبحت فأخذت في الترنم والبكاء، وراجعتِ العمل. وعن الحسن بن يحيى قال: كانت شعوانة تردد هذا البيت فتبكي، وتبكِى النساكَ معها، تقول: لقد أمِنَ المغرور دارَ مقامِه ... ويوشِك يومًا أن يخاف كما أمِنْ وعن رَوْح بن سلمة قال: قال في مُضَر: ما رأيت أحدًا أقوى على

стр. 904

كثرة البكاء من شعوانة، ولا سمعت صوتًا قط أحرقَ لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نَشَجَت، ثم نادت: " يا مَوْتي، وبَني الموتى، وإخوةَ الموتى! ". وقال أبو عمر الضرير: سمعتها تقول: " من استطاع منكم أن يبكي فليبكِ، وإلا فليرحم الباكي، فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه". وعن الحارث بن مغيرة، قال: كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين: يُؤمِّل دنيا لتبقى له ... فوافَى المنيةَ قبلَ الأمَلْ حثيثًا يُرَوي أصولَ الفَسيلِ ... فعايش الفَسِيلُ (١٥١٠) ومات الرجُلْ وعن فضيل بن عياض قال: (قَدِمَتْ شعوانةُ، فأتيتها، فشكوت إليها، وسألتُها أن تَدعوَ بدعاء، فقالت: " يا فضيل أمَا بينك وبين الله ما إن دعوتَهُ استجاب لك؟ "، قال: فشهق الفضيل، وخَرَّ مغشيا عليه) (١٥١١) . منيفة بنت أبي طارق البحرانية: كانت إذا هجم عليها الليل تقول: " بخ بخ يا نفسُ قد جاء سرور المؤمن "، فتقوم في محرابها، فكأنها الجذع القائم حتى تصبح. وعن أم عمار بنت مليك البحراني قالت: " بِتُّ ليلةً عند منيفة ابنة أبي طارق، فما زادت على هذه الآية ترددها، وتبكي: (وكيف تكفرون وأنتم تتلَى عليكم آيات الله وفيكم رسولُه ومن يعتصمْ بالله فقد هُدِي

стр. 905

إلى صراطٍ مستقيم) (١٥١٢) (آل عمران: ١٠١) . أم حيان السُّلَميَة: قال أبو خلدة: " ما رأيت رجلا قط، ولا امرأة أقوى ولا أصبر على طول القيام من أم حيان السلمية، إن كانت لتقوم في مجلس الحي كأنها نخلة تصفقها الرياح يمينًا وشمالا "، وكانت تقرأ القرآن في يوم وليلة (١٥١٣) . رَحلَة العابدة مولاة معاوية: عن سعيد بن عبد العزيز قال: " ما بالشام ولا بالعراق أفضل من رحلة". ودخل عليها نفر من القراء، فكلَّموها في الرفق بنفسها، فقالت: " ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيامُ مبادرة، فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غدًا، والله يا إخوتاه لأصَليَنَ ما أقلَتْنِي جوارحي، ولَأصُومَنَّ له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي"، ثم قالت: " أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه؟ ". ولقد قامت- رحمها الله- حتى أقعِدَتْ، وصامت حتى اسودَّت، وبكت حتى عمشت، وكانت تقول: " علمي بنفسي قَرحَ فؤادي، وكلم قلبي، والله لوددت أن الله لم يخلقني، ولم أك شيئًا مذكورًا "، وكانت- رحمها الله- تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين في سبيل الله (١٥١٤) . غصنة وعالية: كانتا من عابدات البصرة، قال أبو الوليد العبدي: " ربما رأيت

стр. 906

غصنة وعالية تقوم إحداهما من الليل، فتقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف في ركعة (١٥١٥) . غنضكة: وهى من عابدات البصرة، وكانت تصلي عامة الليل، ثم تقول: " أعوذ بالله من ملائكةٍ غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "، فإذا قضت صلاتها قالت: " هذا الجهد مني، وعليك التكلان " (١٥١٦) . امرأة أبي عمران الجوني: من عابدات البصرة، كانت تقوم من الليل تصلي حتى تعصب ساقيها بالخرق، فيقول لها أبو عمران الجوني: " دون هذا يا هذه "، فتقول: " هذا عند طول القيام في الوقف قليل "، فيسكت عنها " (١٥١٧) . هنَيْدة: عن عامر بن أسلم الباهلي، عن أبيه قال: (كانت لنا جارية في الحي يقال لها: " هُنيْدَة "، فكانت تقوم إذا مضى من الليل ثُلثُه أو نصفه، فتوقِظُ ولدَها وزوجَها وخَدَمَها، فتقول لهم: " قوموا فتوضئوا، وصَلوا، فستغتبِطون بكلامي هذا"، فكان هذا دَأبَها معهم حتى ماتت، فرأى زوجها في منامه: " إن كنت تحب أن تَزَوجَها هناك، فاخلفها في أهلها بمثل فعلها، فلم يزل دأبَ الشيخ حتى مات، فأتَى أكبرَ ولدِه في منامه، فقيل له: " إن كنت تحب أن تُجاوِرَ أبويك في درجتهما من الجنة، فاخلفهما في أهلهما بمثل عَمَلِهما "، قال: فلم يزل ذلك دأبه حتى مات "، فكانوا

стр. 907

يُدْعَوْنَ القوَّامين) (١٥١٨) اهـ. بريرة: وقال ابن العلاء السعدي: (كانت لي ابنة عم يقال لها: " بريرة "، تعبدت، وكانت كثيرة القراءة في المصحف، فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت، فلم تزل تبكي حتى ذهبت عيناها من البكاء، فقال بنو عمها: " انطلقوا بنا إلى هذه المرأة حتى نعذلها في كثرة البكاء "، قال: فدخلنا عليها، فقلنا: " يا بريرة كيف أصبحت؟ " قالت: " أصبحنا أضيافًا منيخين بأرض غربة، ننتظر متى نُدْعَى فنجيب"، فقلنا لها: " كم هذا البكاء، قد ذهبت عيناكِ منه "، فقالت: " إن يكن لعيني عند الله خير، فما يضرهما ما ذهب منهما في الدنيا، وإن كان لهما عند الله شر، فسيزيدهما بكاءً أطول من هذا "، ثم أعرضت، فقال القوم: " قوموا بنا، فهي والله في شيء غير ما نحن فيه" (١٥١٩)) . شقيقات بشر الحافي: (وذكر الخطيب أنه كان لبشر الحافي الزاهد المشهور أخوات ثلاث، وهن: " مُخًة"، و " مضغة "، و "زبدة"، وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعًا أيضًا، ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد فقالت: " إني ربما طفئ السراج، وأنا أغزل على ضوء القمر، فهل عَلَيَّ عند البيع أن أمَيز هذا من هذا؟ "، فقال: " إن كان بينهما فرق، فميزي للمشتري ". وقالت له مَرًةً إحداهن: " ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل، ونحن نغزل فنغزل الطاق، والطاقين، والطاقات، فَخَلصْني من ذلك "، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كُله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار (١٥٢٠) .

стр. 908

وَسَألتْهُ عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال: " لا، إنما هو شكوى إلى الله "، ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: " يا بني اذهب خلفها فاعلم لي مَن هذه المرأة؟ "، قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته " مخة ") (١٥٢١) . جارية روميهَ: وقال عبد الله بن الحسن: (كانت لي جارية رومية، وكنت بها معجبًا، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي، فانتبهت، فالتمستها، فلم أجدها، فقمت أطلبها، فإذا هي ساجدة، وهي تقول: " بحبك في إلا ما غفرت لي ذنوبي"، فقلت لها: " لا تقولي: بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك "- يعني إرشادًا لها إلى التوسل المشروع بالعمل الصالح- فقالت: " لا يا مولاي، بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني، وكثير من خلقه نيام " (١٥٢٢)) . سرية: وقال أبو هاشم القرشي: (قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها: " سرية"، فنزلت في بعض ديارنا، قال: فكنت أسمع لها من الليل أنينًا وشهيقًا، فقلت يوما لخادم لي: " أشرف على هذه المرأة، ماذا تصنع؟ "، قال: فأشرف عليها، فما رآها تصنع شيئًا غير أنها لا ترد طرفها عن السماء وهى مستقبلة القبلة، تقول: " خلقتَ سرية، ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال، وكل أحوالك لها حسنة، وكل بلائك عندها جميل، وهي

стр. 909

مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة، أتراها تظن أنك لا ترى سوء فعالها وأنت عليم خبير، وأنت على كل شيء قدير " (١٥٢٣)) . " عفيرة " العابدة: كانت- رحمها الله- لا تضع جنبها إلى الأرض في ليل، وتقول: " أخاف أن أؤخذ على غِرة وأنا نائمة، وكانت لا تمل من البكاء، فقيل لها: " أما تسأمين من كثرة البكاء؟ "، فقالت: " كيف يسأم إنسان من دوائه وشفائه؟! " (١٥٢٤) . وكانت تقول في مناجاتها: " عصيتك بكل جارحة مني على حدتها، والله لئن أعنتَ لأطيعنك- ما استطعتُ- بكل جارحة عصيتك بها " (١٥٢٥) . وقدا ابن أخ لها طالت غيبته، فَبُشرتْ به، فبكت، فقيل لها: " ما هذا البكاء؟! اليوم يوم فرح وسررو "، فازدادت بكاء، ثمِ قالت: " والله ما أجد للسرور في قلبي مسكنًا مع ذكر الآخرة، ولقد ذكَرني قدومُه يوم القدوم على الله فمِن بين مسرور ومثبور " (١٥٢٦) . ودخل عليها قوم، فقالوا: " ادعي لنا "، فقالت: " لو خرس الخطاءون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمر المسيء بالدعاء، جعل الله قراكم من نبق الجنة، وجعل الموت مني ومنكم على بال، وحفظ علينا الإيمان إلى الممات، وهو أرحم الراحمين " (١٥٢٧) .

стр. 910

وقال أحمد بن علي: (استأذنا على عفيرة، فحجبتنا، فلازمنا الباب، فلما علمت ذلك قامت لتفتح الباب لنا، فسمعتها وهي تقول: " اللهم إني أعوذ بك ممن جاء يشغلني عن ذكرك "، ثم فتحت الباب، ودخلنا عليها، فقلنا لها: " يا أمة الله ادعي لنا "، فقالت: " جعل الله قِراكم في بيتي المغفرة "، ثم قالت لنا: " مكث عطاء السلمي أربعين سنة، فكان لا ينظر إلى السماء، فحانت منه نظرة، فخر مغشيًا عليه، فأصابه فتق في بطنه، فياليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص، وياليتها إذا عصت لم تعد) (١٥٢٨) ، وعنها قالت رحمها الله: " ربما اشهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف أنام أو كيف يقدر على النوم، من لا ينام عنه حافظاه ليلًا ونهارًا؟ " (١٥٢٩) . جارية حبشية: وقال بعض الصالحين: (خرجت يوما إلى السوق، ومعي جارية حبشية، فاحتبستها في موضع بناحية السوق، وذهبت في بعض حوائجي، وقلت: " لا تبرحي حتى أنصرف إليك "، قال: فانصرفت، فلم أجدها في الموضع، فانصرفت إلى منزلي، وأنا شديد الغضب عليها، فلما رأتني عرفت الغضب في وجهي، فقالت: " يا مولاي لا تعجل علي، إنك أجلستني في موضع لم أر فيه ذاكرًا لله تعالى، فخفت أن يُخسف بذلك الموضع"، فعجبت لقولها، وقلت لها: " أنت حرة "،، فقالت: " ساء ما صنعت، كنت أخدمك فيكون لي أجران، وأما الآن فقد ذهب عني أحدهما " (١٥٣٠)) . عبدة البصرية: وهي امرأة عكفت على العبادة، وأفرطت في السهر، وأسرفت في

стр. 911

البكاء حتى كف بصرها. سمعت قائلا يقول: " ما أشد العمى على من كان بصيرًا "! فقالت: " يا عبد الله، عمى القلب عن الله أشد من عمى العين، وددت أن الله وهب لي كنه محبته، وأنه لم يبق مني جارحة إلّا أخذها " (١٥٣١) . آمنة بنت أبي الورع: (كانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: " أدخِلُوا النار، وأكلوا النار، وشربوا من النار، وعاشوا"، ثم تبكي، وكأنها حبة على مِقْلَى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت) (١٥٣٢) . وذكر الحافظ ابن الجوزي ﵀: (أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجينة، فبلغها- وهي تعجن- موتُ زوجها، فرفعت يدها منه، وقالت: " هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء"!! وأخرى كانت تستصبح بمصباح، فجاءها خبر زوجها، فأطفأت المصباح، وقالت: " هذا زيت قد صار لنا فيه شركاء " (١٥٣٣)) . ميمونة: (بنت شاقولة الواعظة التي هي للقرآن حافظة، ذكرت يومًا في وعظها أن ثوبها الذي عليها- وأشارت إليه- له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغير، وأنه كان من غزل أمها، قالت: " والثوب إذا لم يُعْص الله فيه لا يتخرق سريعا "، وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا

стр. 912

حائط يريد أن ينقض فقلت لأمي: " ألا ندعو البَنَّاءَ ليصلح هذا الجدار؟ "، فأخذت رقعة، فكتبت فيها شيئًا، ثم أمرتني أن أضعها في موضع من الجدار، فوضعتها، فمكث على ذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردت أن أستعلمَ ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة: (إن الله يمسك السمواتِ والأرضَ أن تزولا) اللهم ممسك السموات والأرض أمسكه) (١٥٣٤) . منيبة: وعن أبي عياش القطان قال: [كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن رُبما رآها، وتعجب من عبادتها على حداثتها. فبينا الحسن ذات يوم جالس، إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت؟ فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: "يا حبيبتي ما يبكيك؟ "، قالت له: (يا أبا سعيد الترابُ يُحْثَي على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: " احفر لابنتي قبرًا واسعا، وكفنها بكفن حسن"، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، كيف وأنا أجهزُ إلى ظلمة القبور ووحشتها، وبيت الظلمة والدود؟) ] (١٥٣٥) . قال الوضاح بن حسان الأنباري: (حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاثٍ مرة، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة، فقال لها إبراهيم التيمي: " صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي"، ففعلت، فلزمت بيتها، فلم تزدَد إلا خيرًا) (١٥٣٦) .

стр. 913

عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنبًا، فَسَعَتْ إليه بالسوط، فلما قربت منه رمت بالسوط، وقالت: " ما تَركتِ التقوى أحدًا يَشْفِي غيظَه " (١٥٣٧) . فاطمة بنت نصر العطار: كانت من سادات النساء، وهي من سلالة أخت صاحب المخزن، كانت من العابدات المتورعات المخدرات، يقال إنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات وقد أثنى عليها الخليفة وغيره والله أعلم (١٥٣٨) . رابعة بنت إسماعيل العدوية: (ومن هؤلاء الناسكات رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، وكانت مضرب المثل في تَدَلُّه القلب واحتراق الكبد حبا لله وإيثارًا لرضاه، وكانت على تواصل صيامها وقيامها، وتتابع زفراتها، وتدفق عبراتها، تستقل كل ذلك في جنب الله، قال يوما شيخ الزهاد سفيان الثوري وهو عندها: " واحزناه! " فقالت: " لا تكذب! بل قل: واقلة حزناه، ولو كنت محزونا لم يتهيأ لك أن تتنفس ". ومن حديث خادمتها عبدة بنت أبي شوال- وكانت أشبه الناس بها في نسكها وعبادتها-: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في صلاتها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك، وهي فزعة: " يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة (١٥٣٩) لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور ") . قالت عبدة: (وكان هذا دأبها أمد دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها

стр. 914

الوفاة دعتني، وقالت: " يا عبدة! لا تؤذني بموتي أحدًا، وكفنيني في جبتي هذه "- وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون) ، ومن قولها: " ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئا "، ومن وصاياها " اكتموا حسناتكم، كما تكتمون سيئاتكم " (١٥٤٠)) . عن أزهر بن مروان قال: دخل على رابعة رِياح القيسي، وصالح بن عبد الجليل، وكلاب، فتذاكروا الدنيا، فأقبلوا يذمونها، فقالت رابعة: " إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم "، قالوا: " ومن أين تَوَهمت علينا؟ " قالت: " إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم، فتكلمتم فيه " (١٥٤١) [ (قال خالد بن خِداش: سَمعتْ رابعةُ صالحًا المُريَّ يذكر الدنيا في قصصه، فنادته: " يا صالح، من أحب شيئا أكثر مِنْ ذِكْرِه ". وقال محمد بن الحسين البرجلاني: حدثنا بشر بن صالح العَتَكي، قال: استأذن ناس على رابعة، ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعةً، وذكروا شيئا من الدنيا، فلما قاموا، قالت لخادمتها: " إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه، فلا تأذني لهم، فإني رأيتهم يحبون الدنيا ". وعن أبي يسار مِسْمَع، قال: (أتيت رابعة، فقالت: جئتني وأنا أطبخ أرزًا، فآثرتُ حديثك على طبيخ الأرز، فرجعتْ إلى القدر، وقد طُبخَت) . وعن حماد قال: (دخلت أنا وسلام بن أبي مطيع على رابعة، فأخذ سلام في ذكر الدنيا، فقالت: " إنما يُذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس

стр. 915

بشيء فلا ") (١٥٤٢) . وقال أبو سعيد بن الأعرابي: (أما رابعة، فقد حَمَلَ الناسُ عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشُعبة وغيرهما ما يَدُل على بطلان ما قيل عنها، وقد تمثلته بهذا: ولقد جعلتُك في الفؤاد مُحَدثي ... وَأبَحْتُ جسمي مَنْ أرادَ جُلوسي فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت، وإلى الإباحة بتمامه. قلت- أي الحافظ الذهبي-: فهذا غلُو وجهل، ولعل مَنْ نسبها إلى ذلك مُباحِيُّ حلولي ليحتجَّ بها على كفره، كاحتجاجهم بخبر: " كنت سمعه الذي يسمع به " (١٥٤٣)) (١٥٤٤) اهـ. قال ابن كثير ﵀: وقد (ذكروا لها أحوالًا وأعمالًا صالحة، وصيامَ نهارٍ، وقيامَ ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، فالله أعلم) وقال أيضا: (وأثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر) (١٥٤٥) اهـ والله أعلم. زوجة الملك الصالح نور الدين محمود بن زنكي: عصمت الدين خاتون بنت الأتابك معين الدولة: كانت -رحمها الله- كثيرة التهجد، وأحسن النساء في عصرها،
следующие страницы →